Abu as-Su'udAl‑An'am · 6:158–165

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:158–165

6:158Page 150

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ١٥٨

Do they [then] wait for anything except that the angels should come to them or your Lord should come or that there come some of the signs1 of your Lord? The Day that some of the signs of your Lord will come no soul will benefit from its faith as long as it had not believed before or had earned through its faith some good. Say, "Wait. Indeed, we [also] are waiting."

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ بِإنْزالِ ما ذُكِرَ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى، وأنَّهم لا يَرْعَوُونَ عَنِ التَّمادِي في المُكابَرَةِ، واقْتِراحِ ما يُنافِي الحِكْمَةَ التَّشْرِيعِيَّةَ مِنَ الآياتِ المُلْجِئَةِ، وأنَّ الإيمانَ عِنْدَ إتْيانِها مِمّا لا فائِدَةَ لَهُ أصْلًا؛ مُبالَغَةً في التَّبْلِيغِ والإنْذارِ وإزاحَةِ العِلَلِ والأعْذارِ؛ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ.

﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ حَسْبَما اقْتَرَحُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾، وبِقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾، وبِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ إلّا أنْ تَأْتِيَهم مَلائِكَةُ العَذابِ، أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ بِالعَذابِ، والِانْتِظارُ مَحْمُولٌ عَلى التَّمْثِيلِ كَما سَيَجِيءُ، وقُرِئَ: ( يَأْتِيَهم ) بِالياءِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.

﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: غَيْرُ ما ذُكِرَ كَما اقْتَرَحُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن عَظائِمِ الآياتِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها إيمانَهم، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالبَعْضِ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، كَما أنَّ إضافَةَ الآياتِ في المَوْضِعَيْنِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُنْبِئِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ لِذَلِكَ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِلتَّشْرِيفِ.

وَقِيلَ: المُرادُ بِالمَلائِكَةِ: مَلائِكَةُ المَوْتِ، وبِإتْيانِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: إتْيانُ كُلِّ آياتِهِ، بِمَعْنى: آياتِ القِيامَةِ والهَلاكِ الكُلِّيِّ بِقَرِينَةِ ما بَعْدَهُ مِن إتْيانِ بَعْضِ آياتِهِ تَعالى، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ: أشْراطُ السّاعَةِ الَّتِي هي: الدُّخانُ، ودابَّةُ الأرْضِ، وخَسْفٌ بِالمَشْرِقِ، وخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ، وخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، والدَّجّالُ، وطُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ويَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، ونُزُولُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن عَدَنَ، كَما نَطَقَ بِهِ الحَدِيثُ الشَّرِيفُ المَشْهُورُ.

وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ إتْيانُ هَذِهِ الأُمُورِ مِمّا يَنْتَظِرُونَهُ، كَإتْيانِ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، فَإنَّ تَعْلِيقَ إيمانِهِمْ بِإتْيانِها انْتِظارٌ مِنهم لَهُ ظاهِرًا، حُمِلَ الِانْتِظارُ عَلى التَّمْثِيلِ المَبْنِيِّ عَلى تَشْبِيهِ حالِهِمْ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، والتَّمادِي في العِنادِ إلى أنْ تَأْتِيَهم تِلْكَ الأُمُورُ الهائِلَةُ، الَّتِي لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ عِنْدَ مُشاهَدَتِها البَتَّةَ بِحالِ المُنْتَظِرِينَ لَها.

وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ بِسِباقِهِ المُنْبِئِ عَنْ تَمادِيهِمْ في تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِها، وسِياقِهِ النّاطِقِ بِعَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ عِنْدَ إتْيانِ ما يَنْتَظِرُونَهُ، يَسْتَدْعِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أُمُورٍ هائِلَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِهِمْ، إمّا بِأنْ تَكُونَ عِبارَةً عَمّا اقْتَرَحُوهُ، أوْ عَنْ عُقُوباتٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى جِناياتِهِمْ، كَإتْيانِ مَلائِكَةِ العَذابِ وإتْيانِ أمْرِهِ تَعالى بِالعَذابِ، وهو الأنْسَبُ لِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ " .

وَأمّا حَمْلُهُ عَلى ما ذُكِرَ مِن إتْيانِ مَلائِكَةِ المَوْتِ، وإتْيانِ كُلِّ آياتِ القِيامَةِ، وظُهُورِ أشْراطِ السّاعَةِ مَعَ شُمُولِ إتْيانِها (p-204)لِكُلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ، واشْتِمالِ غائِلَتِها عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَمِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ عَلى أنَّ بَعْضَ أشْراطِ السّاعَةِ لَيْسَ مِمّا يَنْسَدُّ بِهِ بابُ الإيمانِ والطّاعَةِ.

نَعَمْ يَجُوزُ حَمْلُ بَعْضِ الآياتِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ عَلى ما يَعُمُّ مُقْتَرَحاتِهِمْ، وغَيْرِها مِنَ الدَّواهِي العِظامِ السّالِبَةِ لِلِاخْتِيارِ، الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ التَّكْلِيفِ، فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ الكُبْرى مِنَ الشَّكْلِ الأوَّلِ، فَيَتِمُّ التَّقْرِيبُ عِنْدَ وُقُوعِها بِدُخُولِ ما يَنْتَظِرُونَهُ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

وَ" يَوْمَ " مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْفَعُ﴾، فَإنَّ امْتِناعَ عَمَلِ " ما " بَعْدَ " لا " فِيما قَبْلَها عِنْدَ وُقُوعِها جَوابَ القَسَمِ، وقُرِئَ: ( يَوْمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ هو الجُمْلَةُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لا يَنْفَعُ فِيهِ.

﴿نَفْسًا﴾ مِنَ النُّفُوسِ.

﴿إيمانُها﴾ حِينَئِذٍ لِانْكِشافِ الحالِ، وكَوْنِ الأمْرِ عِيانًا، ومَدارُ قَبُولِ الإيمانِ أنْ يَكُونَ بِالغَيْبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ . وقُرِئَ: ( لا تَنْفَعُ ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ لِاكْتِسابِ الإيمانِ مِن مُلابَسَةِ المُضافِ إلَيْهِ تَأْنِيثًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ إتْيانِ بَعْضِ الآياتِ، صِفَةٌ لِنَفْسًا فُصِلَ بَيْنَهُما بِالفاعِلِ لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِ المَوْصُوفِ، ولا ضَيْرَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ مِنهُ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ.

﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿آمَنَتْ﴾ " بِإيرادِ التَّرْدِيدِ عَلى النَّفْيِ المُفِيدِ لِكِفايَةِ أحَدِ النَّفْيَيْنِ في عَدَمِ النَّفْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا لَمْ تُقَدِّمْ إيمانَها، أوْ قَدَّمَتْهُ ولَمْ تَكْسِبْ فِيهِ خَيْرًا، ومِن ضَرُورَتِهِ اشْتِراطُ النَّفْعِ بِتَحَقُّقِ الأمْرَيْنِ؛ أيِ: الإيمانِ المُقَدَّمِ والخَيْرِ المَكْسُوبِ فِيهِ مَعًا، بِمَعْنى: أنَّ النّافِعَ هو تَحَقُّقُهُما.

والإيمانُ المُؤَخَّرُ لَغْوٌ وتَحْصِيلٌ لِلْحاصِلِ، لا أنَّهُ هو النّافِعُ وتَحَقُّقُهُما شَرْطٌ في نَفْعِهِ، كَما لَوْ كانَ المُقَدَّمُ غَيْرَ المُؤَخَّرِ بِالذّاتِ، فَإنَّ قَوْلَكَ: لا يَنْفَعُ الصَّوْمُ والصَّدَقَةُ مَن لَمْ يُؤْمِن قَبْلَهُما، مَعْناهُ: أنَّهُما يَنْفَعانِهِ عِنْدَ وُقُوعِهِما بَعْدَ الإيمانِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ أهْلُ الِاعْتِزالِ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ الإيمانِ المُجَرَّدِ عَنِ الأعْمالِ، ولَيْسَ بِناهِضٍ ضَرُورَةَ صِحَّةِ حَمْلِهِ عَلى نَفْيِ التَّرْدِيدِ المُسْتَلْزِمِ لِعُمُومِهِ، المُفِيدِ بِمَنطُوقِهِ لِاشْتِراطِ عَدَمِ النَّفْعِ بِعَدَمِ الأمْرَيْنِ مَعًا، وبِمَفْهُومِهِ لِاشْتِراطِ النَّفْعِ بِتَحَقُّقِ أحَدِهِما بِطَرِيقِ مَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الِانْفِصالِ الحَقِيقِيِّ؛ فالمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا لَمْ يَصْدُرْ عَنْها مِن قَبْلُ أحَدُ الأمْرَيْنِ؛ أمّا الإيمانُ المُجَرَّدُ، أوِ الخَيْرُ المَكْسُوبُ فِيهِ، فَيَتَحَقَّقُ النَّفْعُ بِأيِّهِما كانَ، حَسْبَما تَنْطِقُ بِهِ النُّصُوصُ الكَرِيمَةُ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ.

وَما قِيلَ مِن أنَّ عَدَمَ الإيمانِ السّابِقِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ كَسْبِ الخَيْرِ فِيهِ بِالضَّرُورَةِ، فَيَكُونُ ذِكْرُهُ تَكْرارًا بِلا فائِدَةٍ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِلْخُلُودِ في النّارِ هو العَدَمُ الأوَّلُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلثّانِي دَخْلٌ ما في ذَلِكَ قَطْعًا، فَيَكُونُ ذِكْرُهُ بِصَدَدِ بَيانِ ما يُوجِبُ الخُلُودَ لَغْوًا مِنَ الكَلامِ، مَبْنِيٌّ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ المَقْصُودَ بِوَصْفِ النَّفْسِ بِالعَدَمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مُجَرَّدُ بَيانِ إيجابِهِما لِلْخُلُودِ فِيها، وعَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ الحادِثِ في إنْجائِها عَنْهُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وإلّا لَكَفى في البَيانِ أنْ يُقالَ: لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها الحادِثُ، بَلِ المَقْصِدُ الأصْلِيُّ مِن وصْفِها بِذَيْنِكَ العَدَمَيْنِ في أثْناءِ بَيانِ عَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ الحادِثِ، تَحْقِيقُ أنَّ مُوجَبَ النَّفْعِ إحْدى مَلَكَتَيْهِما، أعْنِي: الإيمانَ السّابِقَ والخَيْرَ المَكْسُوبَ، فِيهِ بِما ذُكِرَ مِنَ الطَّرِيقَةِ والتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِهِما في ضِمْنِ التَّحْذِيرِ مِن تَرْكِهِما.

وَلا سَبِيلَ إلى أنْ يُقالَ: كَما أنَّ عَدَمَ الأوَّلِ مُسْتَقِلٌّ في إيجابِ الخُلُودِ في النّارِ، فَيَلْغُو ذِكْرَ عَدَمِ الثّانِي كَذَلِكَ، وجُودُهُ مُسْتَقِلٌّ في إيجابِ الخَلاصِ عَنْها، فَيَكُونُ ذِكْرُ الثّانِي لَغْوًا لِما أنَّهُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ، كَيْفَ لا والخُلُودُ فِيها أمْرٌ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَعَدُّدُ العِلَلِ، وأمّا الخَلاصُ عَنْها مَعَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَلَهُ مَراتِبُ بَعْضُها مُتَرَتِّبٌ عَلى نَفْسِ الإيمانِ، وبَعْضُها عَلى فُرُوعِهِ (p-205)المُتَفاوِتَةِ كَمًّا وكَيْفًا.

وَإنَّما لَمْ يُقْتَصَرْ عَلى بَيانِ ما يُوجِبُ أصْلَ النَّفْعِ، وهو الإيمانُ السّابِقُ مَعَ أنَّهُ هو المُقابِلُ لِما لا يُوجِبُهُ أصْلًا، أعْنِي: الإيمانَ الحادِثَ، بَلْ قُرِنَ بِهِ ما يُوجِبُ النَّفْعَ الزّائِدَ أيْضًا؛ إرْشادًا إلى تَحَرِّي الأعْلى، وتَنْبِيهًا عَلى كِفايَةِ الأدْنى، وإقْناطًا لِلْكَفَرَةِ عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ مِن أعْمالِ البِرِّ الَّتِي عَمِلُوها في الكُفْرِ مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وإعْتاقِ الرِّقابِ، وفَكِّ العُناةِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ، وقِرى الأضْيافِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مِن بابِ المَكارِمِ، بِبَيانِ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَغْوٌ بَحْتٌ؛ لِابْتِنائِهِ عَلى غَيْرِ أساسٍ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: " والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ " الآيَةَ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الكَرِيمَةِ.

وَأنَّ الإيمانَ الحادِثَ كَما لا يَنْفَعُهم وحْدَهُ، لا يَنْفَعُهم بِانْضِمامِ أعْمالِهِمُ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: المَقْصُودُ بِوَصْفِ النَّفْسِ بِما ذُكِرَ مِنَ العَدَمَيْنِ: التَّعْرِيضُ بِحالِ الكَفَرَةِ في تَمَرُّدِهِمْ، وتَفْرِيطِهِمْ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ الواجِبَيْنِ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ وُجُوبُ أحَدِهِما مَنُوطًا بِالآخَرِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ تَسْجِيلًا بِكَمالِ طُغْيانِهِمْ، وإيذانًا بِتَضاعُفِ عِقابِهِمْ، لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى.

فَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ، إذا تَحَقَّقْتَ هَذا، وقَفْتَ عَلى أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ أحَقُّ بِأنْ تَكُونَ حُجَّةً عَلى المُعْتَزِلَةِ، مِن أنْ تَكُونَ حُجَّةً لَهم.

هَذا وقَدْ قِيلَ: إنَّها مِن بابِ اللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ؛ أيْ: لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، ولا كَسْبُها في الإيمانِ، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ فِيهِ، ولَيْسَ بِواضِحٍ.

فَإنَّ مَبْنى اللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ مِن مُتَمِّماتِ الكَلامِ ومُقْتَضَياتِ المَقامِ، قَدْ تُرِكَ ذِكْرُهُ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ المَلْفُوظِ عَلَيْهِ واقْتِضائِهِ إيّاهُ، كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾؛ فَإنَّهُ قَدْ طُوِيَ في المُفَصَّلِ ذِكْرُ حَشْرِ المُؤْمِنِينَ ثِقَةً بِأنْباءِ التَّفْصِيلِ عَنْهُ، أعْنِي: قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ الآيَةَ.

وَلا رَيْبَ في أنَّ ما قُدِّرَ هَهُنا لَيْسَ مِمّا يَسْتَدْعِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: " أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا "، ولا هو مِن مُقْتَضَياتِ المَقامِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِمّا وُعِدُوهُ وعَلَّقُوهُ بِإتْيانِ ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ كالإيمانِ، حَتّى يُرَدَّ عَلَيْهِمْ بِبَيانِ عَدَمِ نَفْعِهِ إذْ ذاكَ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأنَّ لَهم بَعْدَ ما أصابَهم مِنَ الدَّواهِي ما أصابَهم بَقاءً عَلى السَّلامَةِ، وزَمانًا يَتَأتّى مِنهُمُ الكَسْبُ والعَمَلُ فِيهِ، وفِيهِ مِنَ الإخْلالِ بِمَقامِ تَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعِ الحالِ ما لا يَخْفى.

وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ الِاسْتِدْلالِ بِوُجُوهٍ أُخَرَ قُصارى أمْرِها إسْقاطُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ رُتْبَةِ المُعارَضَةِ لِلنُّصُوصِ القَطْعِيَّةِ المُتُونِ، القَوِيَّةِ الدَّلالَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِن كِفايَةِ الإيمانِ المُجَرَّدِ عَنِ العَمَلِ في الإنْجاءِ مِنَ العَذابِ الخالِدِ، ولَوْ بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي، لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ الظَّنِّيَّ بِمَعْزِلٍ مِن مُعارَضَةِ القَطْعِيِّ.

﴿قُلِ﴾ لَهم بَعْدَ بَيانِ حَقِيقَةِ الحالِ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ.

﴿انْتَظِرُوا﴾ ما تَنْتَظِرُونَهُ مِن إتْيانِ أحَدِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، لِتَرَوْا أيَّ شَيْءٍ تَنْتَظِرُونَ.

﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ لِذَلِكَ؛ لِنُشاهِدَ ما يَحِلُّ بِكم مِن سُوءِ العاقِبَةِ، وفِيهِ تَأْيِيدٌ لِكَوْنِ المُرادِ بِما يَنْتَظِرُونَهُ: إتْيانَ مَلائِكَةِ العَذابِ، أوْ إتْيانَ أمْرِهِ تَعالى بِالعَذابِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وعِدَةٌ ضِمْنِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِمُعايَنَتِهِمْ لِما يَحِيقُ بِالكَفَرَةِ مِنَ العِقابِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو الَّذِي شاهَدُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.

6:159Page 150

إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ١٥٩

Indeed, those who have divided their religion and become sects - you, [O Muḥammad], are not [associated] with them in anything. Their affair is only [left] to Allāh; then He will inform them about what they used to do.

﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ (p-206)لِبَيانِ أحْوالِ أهْلِ الكِتابَيْنِ إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ؛ أيْ: بَدَّدُوهُ وبَعَّضُوهُ، فَتَمَسَّكَ بِكُلِّ بَعْضٍ مِنهُ فِرْقَةٌ مِنهم.

وَقُرِئَ: ( فارَقُوا )؛ أيْ: بايِنُوا، فَإنَّ تَرْكَ بَعْضِهِ وإنْ كانَ بِأخْذِ بَعْضٍ مِنهُ، تَرْكٌ لِلْكُلِّ ومُفارَقَةٌ لَهُ.

﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾؛ أيْ: فِرَقًا، تُشَيِّعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إمامًا لَها، قالَ ﷺ: " «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصارى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً، وسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً» " .

واسْتِثْناءُ الواحِدَةِ مِن فِرَقِ كُلٍّ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ، إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى العَصْرِ الماضِي قَبْلَ النَّسْخِ، وأمّا بَعْدَهُ فالكُلُّ في الهاوِيَةِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أسْبابُ دُخُولِهِمْ.

فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ لَسْتَ مِنَ البَحْثِ عَنْ تَفَرُّقِهِمْ، والتَّعَرُّضِ لِمَن يُعاصِرُكَ مِنهم بِالمُناقَشَةِ والمُؤاخَذَةِ. وقِيلَ: مِن قِتالِهِمْ في شَيْءٍ، سِوى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وإظْهارِ شَعائِرِ الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرْتَ بِالدَّعْوَةِ إلَيْهِ، فَيَكُونُ مَنسُوخًا بِآيَةِ السَّيْفِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّفْيِ المَذْكُورِ؛ أيْ: هو يَتَوَلّى وحْدَهُ أمْرَ أُولاهم وأُخْراهم، ويُدَبِّرُهُ كَيْفَ يَشاءُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، يُؤاخِذُهم في الدُّنْيا مَتى شاءَ ويَأْمُرُ بِقِتالِهِمْ إذا أرادَ.

وَقِيلَ: المُفَرَّقُونَ: أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ الزّائِغَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، ويَرُدُّهُ أنَّهُ ﷺ مَأْمُورٌ بِمُؤاخَذَتِهِمْ، والِاعْتِذارِ بِأنَّ مَعْنى " ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ ": حِينَئِذٍ أنْتَ بَرِيءٌ مِنهم ومِن مَذْهَبِهِمْ وهم بُرَآءُ مِنكَ، يَأْباهُ التَّعْلِيلُ المَذْكُورُ.

﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾؛ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ عَبَّرَ عَنْ إظْهارِهِ بِالتَّنْبِئَةِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ في أنَّهُما سَبَبانِ لِلْعِلْمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم كانُوا جاهِلِينَ بِحالِ ما ارْتَكَبُوهُ، غافِلِينَ عَنْ سُوءِ عاقِبَتِهِ؛ أيْ: يُظْهِرُ لَهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ويُعْلِمُهم أيَّ شَيْءٍ شَنِيعٍ كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ، ويُرَتِّبُ عَلَيْهِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ.

6:160Page 150

مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٦٠

Whoever comes [on the Day of Judgement] with a good deed will have ten times the like thereof [to his credit], and whoever comes with an evil deed will not be recompensed except the like thereof; and they will not be wronged.1

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَقادِيرِ أجِزْيَةِ العامِلِينَ، وقَدْ صَدَرَ بِبَيانِ أجِزْيَةِ المُحْسِنِينَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أضْدادِهِمْ.

قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: يُرِيدُ: مَن عَمِلَ مِنَ المُصَدِّقِينَ حَسَنَةً كُتِبَتْ لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ؛ أيْ: مَن جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ إذْ لا حَسَنَةَ بِغَيْرِ إيمانٍ، فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالُها تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَقُرِئَ: ( عَشْرٌ ) بِالتَّنْوِينِ، و( أمْثالُها ) بِالرَّفْعِ عَلى الوَصْفِ، وهَذا أقَلُّ ما وُعِدَ مِنَ الأضْعافِ، وقَدْ جاءَ الوَعْدُ بِسَبْعِينَ، وبِسَبْعِمِائَةٍ، وبِغَيْرِ حِسابٍ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِ العَشْرِ: بَيانُ الكَثْرَةِ لا الحَصْرُ في العَدَدِ الخاصِّ.

﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾؛ أيْ: بِالأعْمالِ السَّيِّئَةِ كائِنًا مَن كانَ مِنَ العامِلِينَ.

﴿فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ بِحُكْمِ الوَعْدِ واحِدَةٌ بِواحِدَةٍ.

﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ.

6:161Page 150

قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٦١

Say, "Indeed, my Lord has guided me to a straight path - a correct religion - the way of Abraham, inclining toward truth. And he was not among those who associated others with Allāh."

﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي﴾ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم ما هو عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي يَدَّعُونَ أنَّهم عَلَيْهِ، وقَدْ فارَقُوهُ بِالكُلِّيَّةِ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِمَزِيدِ تَشْرِيفِهِ؛ أيْ: قُلْ لِأُولَئِكَ المُفَرِّقِينَ: أرْشَدَنِي رَبِّي بِالوَحْيِ، وبِما نَصَبَ في الآفاقِ والأنْفُسِ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ.

﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مَوْصِلٍ إلى الحَقِّ. (p-207)

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دِينًا﴾ بَدَلٌ مِن " ﴿إلى صِراطٍ﴾ "؛ فَإنَّ مَحَلَّهُ النَّصْبُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾، أوْ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ.

﴿قِيَمًا﴾ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ مُبالَغَةً، والقِياسُ: قِوَمًا كَعِوَضٍ، فَأُعِلَّ لِإعْلالِ فِعْلِهِ كالقِيامِ، وقُرِئَ: ( قَيِّمًا )، وهو فَعْيِلٌ مِن قامَ، كَسَيِّدٍ مِن سادَ، وهو أبْلَغُ مِنَ المُسْتَقِيمِ بِاعْتِبارِ الزِّنَةِ، وإنْ كانَ هو أبْلَغَ مِنهُ بِاعْتِبارِ الصِّيغَةِ.

﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِدِينًا.

﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِن إبْراهِيمَ؛ أيْ: مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَزاهَتِهِ ﷺ عَمّا عَلَيْهِ المُفَرِّقُونَ لِدِينِهِ مِن عَقْدٍ وعَمَلٍ؛ أيْ: ما كانَ مِنهم في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ أصْلًا وفَرْعًا، صَرَّحَ بِذَلِكَ رَدًّا عَلى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، واليَهُودِ، والمُشْرِكِينَ، بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.

6:162Page 150

قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢

Say, "Indeed, my prayer, my rites of sacrifice, my living and my dying are for Allāh, Lord of the worlds.

﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي﴾ أُعِيدَ الأمْرُ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ وما سَبَقَ بِأُصُولِها؛ أيْ: عِبادَتِي كُلُّها. وقِيلَ: وذَبْحِي جُمِعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصَّلاةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾، وقِيلَ: صَلاتِي وحَجِّي.

﴿وَمَحْيايَ ومَماتِي﴾؛ أيْ: وما أنا عَلَيْهِ في حَياتِي، وما أكُونُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَوْتِي مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، أوْ طاعاتِ الحَياةِ والخَيْراتِ المُضافَةِ إلى المَماتِ، كالوَصِيَّةِ والتَّدْبِيرِ. وقُرِئَ: ( مَحْيايْ ) بِسُكُونِ الياءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مُجْرى الوَقْفِ.

﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾

6:163Page 150

لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٦٣

No partner has He. And this I have been commanded, and I am the first [among you] of the Muslims."1

﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ خالِصَةً لَهُ لا أُشْرِكُ فِيها غَيْرَهُ.

﴿وَبِذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الإخْلاصِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ؛ أيْ: بِذَلِكَ الإخْلاصِ.

﴿أُمِرْتُ﴾ لا بِشَيْءٍ غَيْرِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ لِبَيانِ مُسارَعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الِامْتِثالِ بِما أُمِرَ بِهِ، وأنَّ ما أُمِرَ بِهِ لَيْسَ مِن خَصائِصِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلِ الكُلُّ مَأْمُورُونَ بِهِ ويَقْتَدِي بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن أسْلَمَ مِنهم.

6:164Page 150

قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّٗا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡءٖۚ وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ١٦٤

Say, "Is it other than Allāh I should desire as a lord while He is the Lord of all things? And every soul earns not [blame] except against itself, and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you concerning that over which you used to differ."

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ آخَرَ فَأُشْرِكَهُ في العِبادَةِ.

﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ؛ أيْ: والحالُ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ لَهُ مِثْلِي، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِي في المَعْبُودِيَّةِ.

﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾، إمّا بِمَعْنى: لِيُكْتَبْ عَلَيْنا ما عَمِلْتُمْ مِنَ الخَطايا لا عَلَيْكم، وإمّا بِمَعْنى: لِنَحْمِلْ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُتِبَ عَلَيْكم مِنَ الخَطايا؛ فَهَذا رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الأوَّلِ؛ أيْ: لا تَكُونُ جِنايَةُ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ إلّا عَلَيْها، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ صُدُورُها عَنْ شَخْصٍ وقَرارُها عَلى شَخْصٍ آخَرَ حَتّى يَتَأتّى ما ذَكَرْتُمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الثّانِي؛ أيْ: لا تَحْمِلُ يَوْمَئِذٍ نَفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ نَفْسٍ أُخْرى حَتّى يَصِحَّ قَوْلُكم.

﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الكُلِّ، لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ وتَشْدِيدِ الوَعِيدِ؛ أيْ: إلى مالِكِ أُمُورِكم ورُجُوعِكم يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ يَوْمَئِذٍ.

﴿بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بِبَيانِ الرُّشْدِ مِنَ الغَيِّ، وتَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ.(p-208)

6:165Page 150

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ ١٦٥

And it is He who has made you successors upon the earth and has raised some of you above others in degrees [of rank] that He may try you through what He has given you. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ حَيْثُ خَلَفْتُمُ الأُمَمَ السّالِفَةَ، أوْ يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا، أوْ جَعَلَكم خُلَفاءَ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ تَتَصَرَّفُونَ فِيها، عَلى أنَّ الخِطابَ عامٌّ.

﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ﴾ في الشَّرَفِ والغِنى.

﴿فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ كَثِيرَةً مُتَفاوِتَةً.

﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ مِنَ المالِ والجاهِ؛ أيْ: لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيكم، لِيَنْظُرَ ماذا تَعْمَلُونَ مِنَ الشُّكْرِ وضِدِّهِ.

﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ تَجْرِيدُ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ إضافَةِ اسْمِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ؛ لِإبْرازِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ ﷺ .

﴿سَرِيعُ العِقابِ﴾؛ أيْ: عِقابُهُ سَرِيعُ الإتْيانِ لِمَن لَمْ يُراعِ حُقُوقَ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَشْكُرْهُ؛ لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، أوْ سَرِيعُ التَّمامِ عِنْدَ إرادَتِهِ، لِتَعالِيهِ عَنِ اسْتِعْمالِ المَبادِئِ والآلاتِ.

﴿وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن راعاها كَما يَنْبَغِي، وفي جَعْلِ خَبَرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ الوارِدَةِ عَلى بِناءِ المُبالَغَةِ مُؤَكَّدًا بِاللّامِ، مَعَ جَعْلِ خَبَرِ الأُولى صِفَةً جارِيَةً عَلى غَيْرِ مَن هي لَهُ، مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَعالى غَفُورٌ رَحِيمٌ بِالذّاتِ، مُبالِغٌ فِيهِما، فاعِلٌ لِلْعُقُوبَةِ بِالعَرَضِ، مُسامِحٌ فِيها، ما لا يَخْفى، واللَّهُ أعْلَمُ.

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الأنْعامِ جُمْلَةً واحِدَةً، يُشَيِّعُها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، فَمَن قَرَأ الأنْعامَ صَلّى عَلَيْهِ واسْتَغْفَرَ لَهُ أُولَئِكَ السَّبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، بِعَدَدِ كُلِّ آيَةٍ مِن سُورَةِ الأنْعامِ يَوْمًا ولَيْلَةً» "، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском