Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:26–33
6:26Page 130
وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٢٦
And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.
﴿وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْمَذْكُورِينَ والمَجْرُورُ لِلْقُرْآنِ؛ أيْ: لا يَقْنَعُونَ بِما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِهِ، وعَدِّهِ مِن قَبِيلِ الأساطِيرِ، بَلْ يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ؛ لِئَلّا يَقِفُوا عَلى حَقِّيَّتِهِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ.
﴿وَيَنْأوْنَ عَنْهُ﴾؛ أيْ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ بِأنْفُسِهِمْ، إظْهارًا لِغايَةِ نُفُورِهِمْ عَنْهُ وتَأْكِيدًا لِنَهْيِهِمْ عَنْهُ، فَإنَّ اجْتِنابَ النّاهِي عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ مِن مُتَمِّماتِ النَّهْيِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو السِّرُّ في تَأْخِيرِ النَّأْيِ عَنِ النَّهْيِ.
وَقِيلَ: الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: المَرْفُوعُ لِأبِي طالِبٍ، ولَعَلَّ جَمْعِيَّتَهُ بِاعْتِبارِ اسْتِتْباعِهِ لِاتِّباعِهِ، فَإنَّهُ كانَ يَنْهى قُرَيْشًا عَنِ التَّعَرُّضِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَنْأى عَنْهُ فَلا يُؤْمِنُ بِهِ.
وَرُوِيَ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، وأرادُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُوءًا، فَقالَ:
؎ واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أُوسَدَ في التُّرابِ دَفِينًا
؎ فاصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وأبْشِرْ بِذاكَ وقَرَّ مِنهُ عُيُونًا
؎ ودَعَوْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحِي ∗∗∗ ولَقَدْ صَدَقْتَ وكُنْتَ ثَمَّ أمِينًا
؎ وعَرَضْتَ دِينًا لا مَحالَةَ أنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينًا
؎ لَوْلا المَلامَةُ أوْ حِذارِيَ سُبَّةً ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ مُبِينًا
فَنَزَلَتْ.
﴿وَإنْ يُهْلِكُونَ﴾؛ أيْ: ما يُهْلِكُونَ بِما فَعَلُوا مِنَ النَّهْيِ والنَّأْيِ.
﴿إلا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَعْرِيضِها لِأشَدِّ العَذابِ وأفْظَعِهِ، عاجِلًا وآجِلًا، وهو عَذابُ الضَّلالِ والإضْلالِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُهْلِكُونَ؛ أيْ: يَقْصُرُونَ الإهْلاكَ عَلى أنْفُسِهِمْ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ؛ أيْ: لا بِإهْلاكِهِمْ أنْفُسَهم، ولا بِاقْتِصارِ ذَلِكَ عَلَيْها مِن غَيْرِ أنْ يَضُرُّوا بِذَلِكَ شَيْئًا مِنَ القرآن، والرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالإهْلاكِ مَعَ أنَّ المَنفِيَّ عَنْ غَيْرِهِمْ مُطْلَقُ الضَّرَرِ؛ إذْ غايَةُ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ما فَعَلُوا مِنَ القَدْحِ في القرآن الكَرِيمِ، المُمانَعَةُ في تَمَشِّي أحْكامِهِ وظُهُورِ أمْرِ الدِّينِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يَحِيقُ بِهِمْ هو الهَلاكُ لا الضَّرَرُ المُطْلَقُ، عَلى أنَّ مَقْصِدَهم لَمْ يَكُنْ مُطْلَقَ المُمانَعَةِ فِيما ذُكِرَ، بَلْ كانُوا يَبْغُونَ الغَوائِلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ.
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإهْلاكُ مُعْتَبَرًا بِالنِّسْبَةِ إلى الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِالنَّهْيِ، فَقَصْرُهُ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ مَعَ شُمُولِهِ لِلْفَرِيقَيْنِ، مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ عَذابِ الضَّلالِ عِنْدَ عَذابِ الإضْلالِ مَنزِلَةَ العَدَمِ.
6:27Page 130
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٧
If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."
﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَصْدُرُ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ القَوْلِ المُناقِضِ، لِما صَدَرَ عَنْهم في الدُّنْيا مِنَ القَبائِحِ المَحْكِيَّةِ، مَعَ كَوْنِهِ كَذِبًا في نَفْسِهِ.
والخِطابُ إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ (p-123)مِن أهْلِ المُشاهَدَةِ والعِيانِ، قَصْدًا إلى بَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ، وبُلُوغِها مِنَ الشَّناعَةِ والفَظاعَةِ إلى حَيْثُ لا يَخْتَصُّ اسْتِغْرابُها بِراءٍ دُونَ راءٍ مِمَّنِ اعْتادَ مُشاهَدَةَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، بَلْ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ يَتَعَجَّبُ مِن هَوْلِها وفَظاعَتِها.
وَجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِظُهُورِهِ، وإيذانًا بِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ تَفْصِيلِهِ، وكَذا مَفْعُولُ " ﴿تَرى﴾ " لِدَلالَةِ ما في حَيِّزِ الظَّرْفِ عَلَيْهِ؛ أيْ: لَوْ تَراهم حِينَ يُوقَفُونَ عَلى النّارِ حَتّى يُعايِنُوها، لَرَأيْتَ ما لا يَسَعُهُ التَّعْبِيرُ.
وَصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، أوْ حِينَ يَطَّلِعُونَ عَلَيْها اطِّلاعًا وهي تَحْتَهم، أوْ يَدْخُلُونَها فَيَعْرِفُونَ مِقْدارَ عَذابِها، مِن قَوْلِهِمْ: وقَفْتُهُ عَلى كَذا: إذا فَهِمْتَهُ وعَرَفْتَهُ. وقُرِئَ: ( وقَفُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِن وقَفَ عَلَيْهِ وُقُوفًا.
﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا﴾؛ أيْ: إلى الدُّنْيا تَمَنِّيًا لِلرُّجُوعِ والخَلاصِ، وهَيْهاتَ ولاتَ حِينَ مَناصٍ.
﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾؛ أيْ: بِآياتِهِ النّاطِقَةِ بِأحْوالِ النّارِ وأهْوالِها الآمِرَةِ بِاتِّقائِها؛ إذْ هي الَّتِي تَخْطُرُ حِينَئِذٍ بِبالِهِمْ، ويَتَحَسَّرُونَ عَلى ما فَرَّطُوا في حَقِّها، أوْ بِجَمِيعِ آياتِهِ المُنْتَظِمَةِ لِتِلْكَ الآياتِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا.
﴿وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها العامِلِينَ بِمُقْتَضاها، حَتّى لا نَرى هَذا المَوْقِفَ الهائِلَ، أوْ نَكُونَ مِن فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ النّاجِينَ مِنَ العَذابِ، الفائِزِينَ بِحُسْنِ المَآبِ.
وَنَصْبُ الفِعْلَيْنِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي بِإضْمارِ " أنْ " بَعْدَ الواوِ، وإجْرائِها مَجْرى الفاءِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ إسْحَقَ: ( فَلا نَكْذِبَ )، والمَعْنى: إنْ رُدِدْنا لَمْ نَكْذِبْ ونَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
وَقِيلَ: يَنْسَبِكُ مِن " أنِ " المَصْدَرِيَّةِ ومِنَ الفِعْلِ بَعْدَها مَصْدَرٌ، ويُقَدَّرُ قَبْلَهُ مَصْدَرٌ مُتَوَهَّمٌ، فَيُعْطَفُ هَذا عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْتَ لَنا رَدًّا وانْتِفاءَ تَكْذِيبٍ وكَوْنًا مِنَ المُؤْمِنِينَ.
وَقُرِئَ بِرَفْعِهِما عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، كَقَوْلِهِ: دَعْنِي ولا أعُودُ؛ أيْ: وأنا لا أعُودُ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. أوْ عَطْفٌ عَلى " نُرَدُّ "، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، فَيَكُونُ داخِلًا في حُكْمِ التَّمَنِّي، كالوَجْهِ الأخِيرِ لِلنَّصْبِ، وتَعَلُّقُ التَّكْذِيبِ الآتِي بِهِ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ العِدَةِ بِالإيمانِ وعَدَمِ التَّكْذِيبِ، كَمَن قالَ: لَيْتَنِي رُزِقْتُ مالًا فَأُكافِئُكَ عَلى صَنِيعِكَ؛ فَإنَّهُ مُتَمَنٍّ في مَعْنى الواعِدِ، فَلَوْ رُزِقَ مالًا ولَمْ يُكافِئْ صاحِبَهُ يَكُونُ مُكَذِّبًا لا مَحالَةَ. وقُرِئَ بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، وقَدْ مَرَّ وجْهُهُما.
6:28Page 131
بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٢٨
But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.
﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ إضْرابٌ عَمّا يُنْبِئُ عَنْهُ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِتَصْدِيقِ الآياتِ والإيمانِ بِها؛ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ عَنْ عَزِيمَةٍ صادِقَةٍ، ناشِئَةٍ عَنْ رَغْبَةٍ في الإيمانِ، وشَوْقٍ إلى تَحْصِيلِهِ والِاتِّصافِ بِهِ، بَلْ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم في مَوْقِفِهِمْ ذَلِكَ ما كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ، وظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها؛ فَلِخَوْفِها وهَوْلِ مَطْلَعِها قالُوا ما قالُوا، والمُرادُ بِها: النّارُ الَّتِي وُقِفُوا عَلَيْها؛ إذْ هي الَّتِي سِيقَ الكَلامُ لِتَهْوِيلِ أمْرِها، والتَّعْجِيبِ مِن فَظاعَةِ حالِ المَوْقُوفِينَ عَلَيْها، وبِإخْفائِها تَكْذِيبُهم بِها؛ فَإنَّ التَّكْذِيبَ بِالشَّيْءِ كُفْرٌ بِهِ وإخْفاءٌ لَهُ لا مَحالَةَ.
وَإيثارُهُ عَلى صَرِيحِ التَّكْذِيبِ الوارِدِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾، مَعَ كَوْنِهِ أنْسَبَ بِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِمْ: " ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ "؛ لِمُراعاةِ ما في مُقابَلَتِهِ مِنَ البُدُوِّ، هَذا هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ: بِما يُخْفُونَ كُفْرُهم ومَعاصِيهِمْ، أوْ قَبائِحُهم وفَضائِحُهُمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُمُونَها مِنَ النّاسِ، فَتَظْهَرُ في صُحُفِهِمْ وبِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، أوْ شِرْكِهِمُ الَّذِي يَجْحَدُونَ بِهِ في بَعْضِ مَواقِفِ القِيامَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، ثُمَّ يَظْهَرُ بِما ذُكِرَ مِن شَهادَةِ الجَوارِحِ عَلَيْهِمْ، أوْ ما أخْفاهُ رُؤَساءُ (p-124)الكَفَرَةِ عَنْ أتْباعِهِمْ مِن أمْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، أوْ ما كَتَمَهُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ونُعُوتِهِ الشَّرِيفَةِ عَنْ عَوامِّهِمْ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ لِلْعَوامِّ والمَرْفُوعَ لِلْخَواصِّ، أوْ كُفْرُهُمُ الَّذِي أخْفَوْهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمَرْفُوعُ لِلْمُنافِقِينَ، فَبَعْدَ الإغْضاءِ عَمّا في كُلٍّ مِنها مِن الِاعْتِسافِ والِاخْتِلالِ، لا سَبِيلَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الشَّرِيفِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ النّارِ، وتَفْظِيعِ حالِ أهْلِها، وقَدْ ذُكِرَ وُقُوفُهم عَلَيْها، وأُشِيرَ إلى أنَّهُ اعْتَراهم عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الخَوْفِ والخَشْيَةِ، والحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، ورُتِّبَ عَلَيْهِ تَمَنِّيهِمُ المَذْكُورُ بِالفاءِ القاضِيَةِ بِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، فَإسْقاطُ النّارِ بَعْدَ ذَلِكَ مِن تِلْكَ السَّبَبِيَّةِ، وهي في نَفْسِها أدْهى الدَّواهِي، وأزْجَرُ الزَّواجِرِ، وإسْنادُها إلى شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ الَّتِي دُونَها في الهَوْلِ والزَّجْرِ مَعَ عَدَمِ جَرَيانِ ذِكْرِها، ثَمَّةَ، أمْرٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ.
وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ: جَزاءُ ما كانُوا يُخْفُونَ؛ فَمِن قَبِيلِ دُخُولِ البُيُوتِ مِن ظُهُورِها وأبْوابُها مَفْتُوحَةٌ؛ فَتَأمَّلْ.
﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾؛ أيْ: مِن مَوْقِفِهِمْ ذَلِكَ إلى الدُّنْيا حَسْبَما تَمَنَّوْهُ، وغابَ عَنْهم ما شاهَدُوهُ مِنَ الأهْوالِ.
﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ مِن فُنُونِ القَبائِحِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّكْذِيبُ المَذْكُورُ، ونَسُوا ما عايَنُوهُ بِالكُلِّيَّةِ لِاقْتِصارِ أنْظارِهِمْ عَلى الشّاهِدِ دُونَ الغائِبِ.
﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾؛ أيْ: لَقَوْمٌ دَيْدَنُهُمُ الكَذِبُ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ.
6:29Page 131
وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٢٩
And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."
﴿وَقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى " عادُوا "، داخِلٌ في حَيِّزِ الجَوابِ، وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ تَعالى: " وإنَّهم لَكاذِبُونَ " بَيْنَهُما؛ لِأنَّهُ اعْتِراضٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما أفادَهُ الشَّرْطِيَّةُ مِن كَذِبِهِمُ المَخْصُوصِ، ولَوْ أُخِّرَ لَأوْهَمَ أنَّ المُرادَ تَكْذِيبُهم في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، والمَعْنى: لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ، وقالُوا: ﴿إنْ هِيَ﴾؛ أيْ: ما الحَياةُ.
﴿إلا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بَعْدَ ما فارَقْنا هَذِهِ الحَياةَ، كَأنْ لَمْ يَرَوْا ما رَأوْا مِنَ الأحْوالِ الَّتِي أوَّلُها البَعْثُ والنُّشُورُ.
6:30Page 131
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٠
If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment for what you used to deny."
﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في نَظِيرِهِ، خَلا أنَّ الوُقُوفَ هَهُنا مَجازٌ عَنِ الحَبْسِ لِلتَّوْبِيخِ والسُّؤالِ، كَما يُوقَفُ العَبْدُ الجانِي بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ لِلْعِقابِ، وقِيلَ: عَرَفُوا رَبَّهم حَقَّ التَّعْرِيفِ، وقِيلَ: وُقِفُوا عَلى جَزاءِ رَبِّهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم رَبُّهم إذْ ذاكَ ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿ألَيْسَ هَذا﴾ مُشِيرًا إلى ما شاهَدُوهُ مِنَ البَعْثِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ.
﴿بِالحَقِّ﴾ تَقْرِيعًا لَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِذَلِكَ، وقَوْلِهِمْ عِنْدَ سَماعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ: ما هو بِحَقٍّ وما هو إلّا باطِلٌ.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ.
﴿بَلى ورَبِّنا﴾ أكَّدُوا اعْتِرافَهم بِاليَمِينِ إظْهارًا لِكَمالِ يَقِينِهِمْ بِحَقِّيَّتِهِ، وإيذانًا بِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهم بِالرَّغْبَةِ والنَّشاطِ طَمَعًا في نَفْعِهِ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ.
﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ الَّذِي عايَنْتُمُوهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ التَّعْذِيبِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِحَقِّيَّةِ ما كَفَرُوا بِهِ في الدُّنْيا، لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَدارَ التَّعْذِيبِ هو اعْتِرافُهم بِذَلِكَ، بَلْ هو كُفْرُهُمُ السّابِقُ بِما اعْتَرَفُوا بِحَقِّيَّتِهِ الآنَ.
كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكم في الدُّنْيا بِذَلِكَ، أوْ (p-125)بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، فَيَدْخُلُ كُفْرُهم بِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ولَعَلَّ هَذا التَّوْبِيخَ والتَّقْرِيعَ إنَّما يَقَعُ بَعْدَ ما وُقِفُوا عَلى النّارِ، فَقالُوا ما قالُوا؛ إذِ الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَبْقى بَعْدَ هَذا الأمْرِ إلّا العَذابُ.
6:31Page 131
قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١
Those will have lost who deny the meeting with Allāh, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it [i.e., the Hour]," while they bear their burdens [i.e., sins] on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ هُمُ الَّذِينَ حُكِيَتْ أحْوالُهم، لَكِنْ وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ؛ لِلْإيذانِ بِتَسَبُّبِ خُسْرانِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِلِقائِهِ تَعالى بِقِيامِ السّاعَةِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ البَعْثِ، وأحْكامِهِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ، واسْتِمْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ؛ فَإنَّ كَلِمَةَ " حَتّى " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ﴾ غايَةٌ لِتَكْذِيبِهِمْ لا لِخُسْرانِهِمْ، فَإنَّهُ أبَدِيٌّ لا حَدَّ لَهُ.
﴿بَغْتَةً﴾ البَغْتُ والبَغْتَةُ: مُفاجَأةٌ لِلشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ، يُقالُ: بَغَتَهُ بَغْتًا وبَغْتَةً؛ أيْ: فَجْأةً، وانْتِصابُها إمّا عَلى أنَّها مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِن فاعِلِ جاءَتْهم؛ أيْ: مُباغَتَةً، أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: مَبْغُوتِينَ. وإمّا عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، فَإنَّ جاءَتْهم في مَعْنى: بَغَتَتْهم، كَقَوْلِهِمْ: أتَيْتُهُ رَكْضًا. أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ جاءَتْهم؛ أيْ: جاءَتْهُمُ السّاعَةُ تَبْغَتُهم بَغْتَةً.
﴿قالُوا﴾ جَوابُ إذا.
﴿يا حَسْرَتَنا﴾ تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ، والحَسْرَةُ: شِدَّةُ النَّدَمِ، وهَذا التَّحَسُّرُ وإنْ كانَ يَعْتَرِيهِمْ عِنْدَ المَوْتِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ مِن مَبادِئِ السّاعَةِ سُمِّيَ بِاسْمِها، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» "، أوْ جُعِلَ مَجِيءُ السّاعَةِ بَعْدَ المَوْتِ كالواقِعِ بِغَيْرِ فَتْرَةٍ لِسُرْعَتِهِ.
﴿عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾؛ أيْ: عَلى تَفْرِيطِنا في شَأْنِ السّاعَةِ، وتَقْصِيرِنا في مُراعاةِ حَقِّها، والِاسْتِعْدادِ لَها بِالإيمانِ بِها، واكْتِسابِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ .
وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْحَياةِ الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِكَوْنِها مَعْلُومَةً. والتَّفْرِيطُ: التَّقْصِيرُ في الشَّيْءِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى فِعْلِهِ، وقِيلَ: هو التَّضْيِيعُ، وقِيلَ: الفَرَطُ: السَّبْقُ، ومِنهُ الفارِطُ؛ أيِ: السّابِقُ، ومَعْنى فَرَّطَ: خَلّى السَّبْقَ لِغَيْرِهِ؛ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلسَّلْبِ، كَما في: جَلَّدْتُ البَعِيرَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ قالُوا، فائِدَتُهُ الإيذانُ بِأنَّ عَذابَهم لَيْسَ مَقْصُورًا عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الحَسْرَةِ عَلى ما فاتَ وزالَ، بَلْ يُقاسُونَ مَعَ ذَلِكَ تَحَمُّلَ الأوْزارِ الثِّقالِ، والإيماءُ إلى أنَّ تِلْكَ الحَسْرَةَ مِنَ الشِّدَّةِ بِحَيْثُ لا تَزُولُ، ولا تَنْسى بِما يُكابِدُونَهُ مِن فُنُونِ العُقُوباتِ، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أشَدُّ مِنَ الجُسْمانِيِّ، نَعُوذُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنهُما.
والوِزْرُ في الأصْلِ: الحِمْلُ الثَّقِيلُ، سُمِّيَ بِهِ الإثْمُ والذَّنْبُ لِغايَةِ ثِقَلِهِ عَلى صاحِبِهِ، وذِكْرُ الظُّهُورِ كَذِكْرِ الأيْدِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾؛ فَإنَّ المُعْتادَ حَمْلُ الأثْقالِ عَلى الظُّهُورِ، كَما أنَّ المَأْلُوفَ هو الكَسْبُ بِالأيْدِي، والمَعْنى: أنَّهم يَتَحَسَّرُونَ عَلى ما لَمْ يَعْمَلُوا مِنَ الحَسَناتِ، والحالُ أنَّهم يَحْمِلُونَ أوْزارَ ما عَمِلُوا مِنَ السَّيِّئاتِ.
﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ وتَكْمِلَةٌ لَهُ؛ أيْ: بِئْسَ شَيْئًا يَزِرُونَهُ وِزْرُهم.
6:32Page 131
وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٣٢
And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allāh, so will you not reason?
﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ لَمّا حُقِّقَ فِيما سَبَقَ أنَّ وراءَ الحَياةِ الدُّنْيا حَياةً أُخْرى يَلْقَوْنَ فِيها مِنَ الخُطُوبِ ما يَلْقَوْنَ، بُيِّنَ بَعْدَهُ حالُ تَيْنِكَ الحَياتَيْنِ في أنْفُسِهِما، واللَّعِبُ: (p-126)عَمَلٌ يَشْغَلُ النَّفْسَ ويُفْطِرُها عَمّا تَنْتَفِعُ بِهِ، واللَّهْوُ: صَرْفُها عَنِ الجَدِّ إلى الهَزْلِ، والمَعْنى: إمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ عَلى جَعْلِ الحَياةِ الدُّنْيا نَفْسَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ مُبالَغَةً، كَما في قَوْلِ الخَنْساءِ:
فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ
أيْ: وما أعْمالُ الدُّنْيا؛ أيِ: الأعْمالُ المُتَعَلِّقَةُ بِها مِن حَيْثُ هي هي، أوْ وما هي مِن حَيْثُ إنَّها مَحَلٌّ لِكَسْبِ تِلْكَ الأعْمالِ، إلّا لَعِبٌ يَشْغَلُ النّاسَ ويُلْهِيهِمْ بِما فِيهِ مِن مَنفَعَةٍ سَرِيعَةِ الزَّوالِ، ولَذَّةٍ وشِيكَةِ الِاضْمِحْلالِ عَمّا يَعْقُبُهم مَنفَعَةٍ جَلِيلَةٍ باقِيَةٍ، ولَذَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿وَلَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ الَّتِي هي مَحَلُّ الحَياةِ الأُخْرى.
﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكُفْرَ والمَعاصِيَ؛ لِأنَّ مَنافِعَها خالِصَةٌ عَنِ المَضارِّ، ولَذّاتُها غَيْرُ مُنَغَّصَةٍ بِالآلامِ، مُسْتَمِرَّةٌ عَلى الدَّوامِ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ذَلِكَ حَتّى تَتَّقُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: أتَغْفَلُونَ فَلا تَعْقِلُونَ، أوْ ألا تَتَفَكَّرُونَ فَتَعْقِلُونَ، وقُرِئَ: ( يَعْقِلُونَ ) عَلى الغَيْبَةِ.
6:33Page 131
قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٣٣
We know that you, [O Muḥammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allāh that the wrongdoers reject.
﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحُزْنِ الَّذِي يَعْتَرِيهِ، مِمّا حُكِيَ عَنِ الكَفَرَةِ مِنَ الإصْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، بِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَكانَةٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّ ما يَفْعَلُونَ في حَقِّهِ فَهو راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ، وأنَّهُ يَنْتَقِمُ مِنهم لا مَحالَةَ أشَدَّ انْتِقامٍ.
وَكَلِمَةُ " قَدْ " لِتَأْكِيدِ العِلْمِ بِما ذُكِرَ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ﴾، ونَحْوِهِما، بِإخْراجِها إلى مَعْنى التَّكْثِيرِ، حَسْبَما يُخَرَّجُ إلَيْهِ " رُبَّما " في مِثْلِ قَوْلِهِ:
وَإنْ تُمْسِ مَهْجُورَ الفِناءِ فَرُبَّما ... أقامَ بِهِ بَعْدَ الوُفُودِ وُفُودُ
جَرْيًا عَلى سَنَنِ العَرَبِ عِنْدَ قَصْدِ الإفْراطِ في التَّكْثِيرِ، تَقُولُ لِبَعْضِ قُوّادِ العَساكِرِ: كَمْ عِنْدَكَ مِنَ الفُرْسانِ ؟ فَيَقُولُ: رُبَّ فارِسٍ عِنْدِي وعِنْدَهُ مَقانِبُ جَمَّةٌ، يُرِيدُ بِذَلِكَ: التَّمادِيَ في تَكْثِيرِ فُرْسانِهِ، ولَكِنَّهُ يَرُومُ إظْهارَ بَراءَتِهِ عَنِ التَّزَيُّدِ، وإبْرازَ أنَّهُ مِمَّنْ يُقَلِّلُ كَثِيرَ ما عِنْدَهُ، فَضْلًا عَنْ تَكْثِيرِ القَلِيلِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ .
وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ إنَّما تُسْلَكُ عِنْدَ كَوْنِ الأمْرِ مِنَ الوُضُوحِ، بِحَيْثُ لا تَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ رَيْبٍ حَقِيقَةً، كَما في الآياتِ الكَرِيمَةِ المَذْكُورَةِ، أوِ ادِّعاءٍ كَما في البَيْتِ، وقَوْلِهِ:
قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهْ
وَقَوْلِهِ:
وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهْ
والمُرادُ بِكَثْرَةِ علمه تعالى: كَثْرَةُ تَعَلُّقِهِ، وهو مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ، وما بَعْدَهُ سادٌّ مَسَدَّهُما، واسْمُ " إنَّ " ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وخَبَرُها الجُمْلَةُ المُفَسِّرَةُ لَهُ، والمَوْصُولُ فاعِلُ يَحْزُنْكَ، وعائِدُهُ مَحْذُوفٌ؛ أيِ: الَّذِي يَقُولُونَهُ، وهو ما حُكِيَ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ونَحْوِ ذَلِكَ. وقُرِئَ: ( لَيُحْزِنُكَ ) مِن أحْزَنَ، المَنقُولِ مِن حَزَنَ اللّازِمِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ الِاعْتِدادِ بِما قالُوا، لَكِنْ لا بِطَرِيقِ التَّشاغُلِ عَنْهُ وعَدِّهِ هَيِّنًا، والإقْبالِ التّامِّ عَلى ما هو أهَمُّ مِنهُ مِنِ اسْتِعْظامِ جُحُودِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما قِيلَ؛ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّسْلِيَةِ بِالكُلِّيَّةِ، مِمّا يُوهِمُ كَوْنَ حُزْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِخاصَّةِ نَفْسِهِ، بَلْ بِطَرِيقِ التَّسَلِّي بِما يُفِيدُهُ مِن بُلُوغِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَلالَةِ القَدْرِ، ورِفْعَةِ المَحِلِّ، والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى حَيْثُ لا غايَةَ وراءَهُ، حَيْثُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى جَعْلِ تَكْذِيبِهِ ﷺ تَكْذِيبًا لِآياتِهِ سُبْحانَهُ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ (p-127)فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾، بَلْ نَفى تَكْذِيبَهم عَنْهُ ﷺ، وأثْبَتَ لِآياتِهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾؛ إيذانًا بِكَمالِ القُرْبِ، واضْمِحْلالِ شُئُونِهِ ﷺ في شَأْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، نَعَمْ فِيهِ اسْتِعْظامٌ لِجِناياتِهِمْ مُنْبِئٌ عَنْ عِظَمِ عُقُوبَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْتَدَّ بِهِ وكِلْهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهم في تَكْذِيبِهِمْ ذَلِكَ لا يُكَذِّبُونَكَ في الحَقِيقَةِ.
﴿وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾؛ أيْ: ولَكِنَّهم بِآياتِهِ تَعالى يُكَذِّبُونَ، فَوُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالرُّسُوخِ في الظُّلْمِ الَّذِي جُحُودُهم هَذا فَنٌّ مِن فُنُونِهِ.
والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، واسْتِعْظامِ ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِن جُحُودِ آياتِهِ تَعالى، وإيرادُ الجُحُودِ في مَوْرِدِ التَّكْذِيبِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ آياتِهِ تَعالى مِنَ الوُضُوحِ، بِحَيْثُ يُشاهِدُ صِدْقَها كُلُّ أحَدٍ، وأنَّ مَن يُنْكِرُها فَإنَّما يُنْكِرُها بِطَرِيقِ الجَحُودِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإنْكارِ مَعَ العِلْمِ بِخِلافِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ نَفْيُ ما في القَلْبِ إثْباتُهُ، أوْ إثْباتُ ما في القَلْبِ نَفْيُهُ.
والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَجْحَدُونَ، يُقالُ: جَحَدَ حَقَّهُ وبِحَقِّهِ: إذا أنْكَرَهُ وهو يَعْلَمُهُ. وقِيلَ: هو لِتَضْمِينِ الجَحُودِ مَعْنى التَّكْذِيبِ، وأيًّا ما كانَ فَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلْقَصْرِ. وقِيلَ: المَعْنى: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ بِقُلُوبِهِمْ، ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِألْسِنَتِهِمْ، ويَعْضُدُهُ ما رُوِيَ مِن أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ قالَ لِأبِي جَهْلٍ: يا أبا الحَكَمِ؛ أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ ؟ فَإنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنا أحَدٌ غَيْرَنا، فَقالَ لَهُ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ وما كَذَبَ قَطُّ، ولَكِنْ إذا ذَهَبَ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّواءِ والسِّقايَةِ، والحِجابَةِ والنُّبُوَّةِ، فَماذا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ؛ فَنَزَلَتْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُسَمّى الأمِينَ، فَعَرَفُوا أنَّهُ لا يَكْذِبُ في شَيْءٍ، ولَكِنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ» .
وَقِيلَ: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ؛ لِأنَّكَ عِنْدَهُمُ الصّادِقُ المَوْسُومُ بِالصِّدْقِ، ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ، كَما يُرْوى أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما نُكَذِّبُكَ وإنَّكَ عِنْدَنا لَصادِقٌ، ولَكِنّا نُكَذِّبُ ما جِئْتَنا بِهِ؛ فَنَزَلَتْ.
وَكَأنَّ صِدْقَ المُخْبِرِ عِنْدَ الخَبِيثِ بِمُطابَقَةِ خَبَرِهِ لِاعْتِقادِهِ، والأوَّلُ هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ الجَزالَةُ التَّنْزِيلِيَّةُ.
وَقُرِئَ: ( لا يُكْذِبُونَكَ ) مِنَ الإكْذابِ؛ فَقِيلَ: كِلاهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، كَأكْثَرَ وكَثَّرَ، وأنْزَلَ ونَزَّلَ، وهو الأظْهَرُ. وقِيلَ: مَعْنى أكْذَبَهُ: وجَدَهُ كاذِبًا، ونُقِلَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: كَذَّبْتُ الرَّجُلَ؛ أيْ: نَسَبْتَ الكَذِبَ إلَيْهِ، وأكْذَبْتُهُ؛ أيْ: نَسَبْتَ الكَذِبَ إلى ما جاءَ بِهِ لا إلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences