Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:46–53
6:46Page 133
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ ٤٦
Say, "Have you considered:1 if Allāh should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allāh could bring them [back] to you?" Look how We diversify2 the verses; then they [still] turn away.
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَكْرِيرِ التَّبْكِيتِ عَلَيْهِمْ، وتَثْنِيَةِ الإلْزامِ بَعْدَ تَكْمِلَةِ الإلْزامِ الأوَّلِ بِبَيانِ أنَّهُ أمْرٌ مُسْتَمِرٌ لَمْ يَزَلْ جارِيًا في الأُمَمِ، وهَذا أيْضًا اسْتِخْبارٌ عَنْ مُتَعَلَّقِ الرُّؤْيَةِ، وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ اسْتِخْبارًا عَنْ نَفْسِ الرُّؤْيَةِ.
﴿إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ بِأنْ أصَمَّكم وأعْماكم بِالكُلِّيَّةِ.
﴿وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ بِأنْ غَطّى عَلَيْها بِما لا يَبْقى لَكم مَعَهُ عَقْلٌ وفَهْمٌ أصْلًا، وتَصِيرُونَ مَجانِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَتْمُ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا لِلْأخْذِ المَذْكُورِ، فَإنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ طَرِيقانِ لِلْقَلْبِ مِنهُما، يَرِدُ ما يَرِدُهُ مِنَ المُدْرَكاتِ، فَأخْذُهُما سَدٌّ لِبابِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِ أخْذِهِما عَلى خَتْمِها.
وَأمّا تَقْدِيمُ السَّمْعِ عَلى الإبْصارِ؛ فَلِأنَّهُ مَوْرِدُ الآياتِ القرآنيَّةِ، وإفْرادُهُ لِما أنَّ أصْلَهُ مَصْدَرٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن إلَهٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و" ﴿مَن﴾ " اسْتِفْهامِيَّةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِلْخَبَرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِيكم بِهِ﴾؛ أيْ: بِذاكَ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ مُسْتَعارٌ لِاسْمِ الإشارَةِ، أوْ بِما أخَذَ وخَتَمَ عَلَيْهِ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ، والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقُ الرُّؤْيَةِ ومَناطُ الِاسْتِخْبارِ؛ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ سَلَبَ اللَّهُ مَشاعِرَكم مَن إلَهٌ غَيْرُهُ تَعالى يَأْتِيكم بِها ؟
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِما عايَنُوا مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ؛ أيِ: انْظُرْ كَيْفَ نُكَرِّرُها، ونُقَرِّرُها مَصْرُوفَةً مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ، تارَةً بِتَرْتِيبِ المُقَدِّماتِ العَقْلِيَّةِ، وتارَةً بِطَرِيقِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وتارَةً بِالتَّنْبِيهِ والتَّذْكِيرِ.
﴿ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى نُصَرِّفُ داخِلٌ في حُكْمِهِ، وهو العُمْدَةُ في التَّعْجِيبِ، و" ثُمَّ " لِاسْتِبْعادِ صُدُوفِهِمْ؛ أيْ: إعْراضِهِمْ عَنْ تِلْكَ الآياتِ بَعْدَ تَصْرِيفِها عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ المُوجِبِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها.
6:47Page 133
قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغۡتَةً أَوۡ جَهۡرَةً هَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٧
Say, "Have you considered: if the punishment of Allāh should come to you unexpectedly or manifestly,1 will any be destroyed but the wrongdoing people?"
﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ تَبْكِيتٌ آخَرُ لَهم بِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاخْتِصاصِ العَذابِ بِهِمْ.
﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: (p-135)عَذابُهُ العاجِلُ الخاصُّ بِكم، كَما أتى مَن قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ.
﴿بَغْتَةً﴾؛ أيْ: فَجْأةً مِن غَيْرِ أنْ يَظْهَرَ مِنهُ مَخايِلُ الإتْيانِ.
وَحَيْثُ تَضَمَّنَ هَذا مَعْنى الخُفْيَةِ، قُوبِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ جَهْرَةً﴾؛ أيْ: بَعْدَ ظُهُورِ أماراتِهِ وعَلائِمِهِ. وقِيلَ: لَيْلًا أوْ نَهارًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَياتًا أوْ نَهارًا﴾، لِما أنَّ الغالِبَ فِيما أتى لَيْلًا البَغْتَةُ، وفِيما أتى نَهارًا الجَهْرَةُ.
وَقُرِئَ: ( بَغْتَةٍ أوْ جَهْرَةٍ ) وهُما في مَوْضِعِ المَصْدَرِ؛ أيْ: إتْيانَ بَغْتَةٍ، أوْ إتْيانَ جَهْرَةٍ، وتَقْدِيمُ البَغْتَةِ لِكَوْنِها أهْوَلُ وأفْظَعُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ؛ أيْ: قُلْ لَهم تَقْرِيرًا لَهم بِاخْتِصاصِ الهَلاكِ بِهِمْ: أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ تَعالى حَسْبَما تَسْتَحِقُّونَهُ، هَلْ يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ إلّا أنْتُمْ ؟ أيْ: هَلْ يُهْلَكُ غَيْرُكم مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّهُ، وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَهُ.
﴿إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، وإيذانًا بِأنَّ مَناطَ إهْلاكِهِمْ ظُلْمُهُمُ الَّذِي هو وضْعُهُمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ.
وَقِيلَ: المُرادُ بِالظّالِمِينَ: الجِنْسُ، وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. قالَ الزَّجّاجُ: هَلْ يُهْلَكُ إلّا أنْتُمْ ومَن أشْبَهَكم ؟ ويَأْباهُ تَخْصِيصُ الإتْيانِ بِهِمْ.
وَقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى النَّفْيِ، فَمُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ تَعالى بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً، ماذا يَكُونُ الحالُ ؟ ثُمَّ قِيلَ بَيانًا لِذَلِكَ: ما يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ؛ أيْ: ما يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ الخاصِّ بِكم إلّا أنْتُمْ، فَمَن قَيَّدَ الهَلاكَ بِهَلاكِ التَّعْذِيبِ والسُّخْطِ، لِتَحْقِيقِ الحَصْرِ بِإخْراجِ غَيْرِ الظّالِمِينَ، لِما أنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ التَّعْذِيبِ والسَّخَطِ، بَلْ بِطَرِيقِ الإثابَةِ ورَفْعِ الدَّرَجَةِ، فَقَدْ أهْمَلَ ما يُجْدِيهِ واشْتَغَلَ بِما لا يَعْنِيهِ، وأخَلَّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقُرِئَ: ( هَلْ يَهْلِكُ ) مِنَ الثُّلاثِيِّ.
6:48Page 133
وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۖ فَمَنۡ ءَامَنَ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٤٨
And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. So whoever believes and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ وظائِفِ مَنصِبِ الرِّسالَةِ عَلى الإطْلاقِ، وتَحْقِيقِ ما في عُهْدَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإظْهارِ أنَّ ما يَقْتَرِحُهُ الكَفَرَةُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالرِّسالَةِ أصْلًا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ جَرَتْ عَلَيْهِ العادَةُ الإلَهِيَّةُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ حالانِ مُقَدَّرَتانِ مِنَ المُرْسَلِينَ؛ أيْ: ما نُرْسِلُهم إلّا مُقَدَّرًا تَبْشِيرُهم وإنْذارُهم، فَفِيهِما مَعْنى العِلَّةِ الغائِبَةِ قَطْعًا؛ أيْ: لِيُبَشِّرُوا قَوْمَهم بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ويُنْذِرُوهم بِالعَذابِ عَلى المَعْصِيَةِ؛ أيْ: لِيُخْبِرُوهم بِالخَبَرِ السّارِّ والخَبَرِ الضّارِّ، دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم دَخْلٌ ما في وُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ أصْلًا، وعَلَيْهِ يَدُورُ القَصْرُ والإلْزامُ أنْ لا يَكُونَ بَيانُ الشَّرائِعِ والأحْكامِ مِن وظائِفِ الرِّسالَةِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ومَن مَوْصُولَةٌ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِشَبَهِ المَوْصُولِ بِالشَّرْطِ؛ أيْ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي أُنْذَرُوهُ، دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا، ولا هم يَحْزَنُونَ بِفَواتِ ما بُشِّرُوا بِهِ مِنَ الثَّوابِ العاجِلِ والآجِلِ، وتَقْدِيمُ نَفْيِ الخَوْفِ عَلى نَفْيِ الحُزْنِ لِمُراعاةِ حَقِّ المَقامِ، وجَمْعُ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ الرّاجِعَةِ إلى " مَن " بِاعْتِبارِ مَعْناها، كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها؛ أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ما يُوجِبُ ذَلِكَ، لا أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ، لَكِنَّهم لا يَخافُونَ ولا يَحْزَنُونَ.
والمُرادُ: بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِما لا بَيانُ دَوامِهِما، كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا، (p-136)لِما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ مِن أنَّ النَّفْيَ وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ يُفِيدُ الدَّوامَ والِاسْتِمْرارَ بِحَسَبِ المَقامِ، ألا يُرى أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ بِمَعُونَةِ المَقامِ عَلى اسْتِمْرارِ الثُّبُوتِ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ النَّفْيِ دَلَّتْ عَلى اسْتِمْرارِ الِانْتِفاءِ لا عَلى انْتِفاءِ الِاسْتِمْرارِ، كَذَلِكَ المُضارِعُ الخالِي عَنْ حَرْفِ النَّفْيِ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ الثُّبُوتِ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النَّفْيِ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ الِانْتِفاءِ لا انْتِفاءَ الِاسْتِمْرارِ، ولا بُعْدَ في ذَلِكَ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ: ما زَيْدًا ضَرَبْتُ، مُفِيدٌ لِاخْتِصاصِ النَّفْيِ لا نَفْيِ الِاخْتِصاصِ، كَما بُيِّنَ في مَحِلِّهِ.
6:49Page 133
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلۡعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٤٩
But those who deny Our verses - the punishment will touch1 them for their defiant disobedience.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ عَطْفٌ عَلى " مَن آمَنَ "، داخِلٌ في حُكْمِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِآياتِنا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ما يَنْطِقُ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ، ويُبَلِّغُونَهُ إلى الأُمَمِ آياتُهُ تَعالى، وأنَّ مَن آمَنَ بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِآياتِهِ تَعالى، ومَن كَذَّبَ بِهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِها، وفِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في الإيمانِ بِهِ، والتَّحْذِيرِ عَنْ تَكْذِيبِهِ ما لا يَخْفى، والمَعْنى: ما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا لِيُخْبِرُوا أُمَمَهم مِن جِهَتِنا بِما سَيَقَعُ مِنّا مِنَ الأُمُورِ السّارَّةِ والضّارَّةِ، لا لِيُوقِعُوها اسْتِقْلالًا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، أوِ اسْتِدْعاءً مِن قِبَلِنا حَتّى يَقْتَرِحُوا عَلَيْهِمْ ما يَقْتَرِحُونَ؛ فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَمَن آمَنَ بِما أخْبَرُوا بِهِ مِن قِبَلِنا تَبْشِيرًا، أوْ إنْذارًا في ضِمْنِ آياتِنا، وأصْلَحَ ما يَجِبُ إصْلاحُهُ مِن أعْمالِهِ، أوْ دَخَلَ في الصَّلاحِ، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ.
والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الَّتِي بَلَّغُوها عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ ﴿يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾؛ أيِ: العَذابُ الَّذِي أنْذَرُوهُ، عاجِلًا أوْ آجِلًا، أوْ حَقِيقَةُ العَذابِ وجِنْسُهُ المُنْتَظِمُ لَهُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا.
﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ الَّذِي هو الإصْرارُ عَلى الخُرُوجِ عَنِ التَّصْدِيقِ والطّاعَةِ.
6:50Page 133
قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ٥٠
Say, [O Muḥammad], "I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel. I only follow what is revealed to me." Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Then will you not give thought?"
﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى ما أُسِّسَ مِنَ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ في شَأْنِ إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، مَسُوقٌ لِإظْهارِ تَبَرُّئِهِ ﷺ عَمّا يَدُورُ عَلَيْهِ مُقْتَرَحاتُهم؛ أيْ: قُلْ لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ تارَةً تَنْزِيلَ الآياتِ وأُخْرى غَيْرَ ذَلِكَ: لا أدَّعِي أنَّ خَزائِنَ مَقْدُوراتِهِ تَعالى مُفَوَّضَةٌ إلَيَّ أتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَما أشاءُ، اسْتِقْلالًا أوِ اسْتِدْعاءً، حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ تَنْزِيلَ الآياتِ، أوْ إنْزالَ العَذابِ، أوْ قَلْبَ الجِبالِ ذَهَبًا، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِي، وجَعْلُ هَذا تَبَرُّؤًا عَنْ دَعْوى الإلَهِيَّةِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ قَطْعًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ " ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ "؛ أيْ: ولا أدَّعِي أيْضًا أنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ مِن أفْعالِهِ تَعالى حَتّى تَسْألُونِي عَنْ وقْتِ السّاعَةِ، أوْ وقْتِ نُزُولِ العَذابِ، أوْ نَحْوِهِما.
﴿وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ حَتّى تُكَلِّفُونِي مِنَ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ ما لا يُطِيقُ بِهِ البَشَرُ مِنَ الرُّقِيِّ في السَّماءِ ونَحْوِهِ، أوْ تَعُدُّوا عَدَمَ اتِّصافِي بِصِفاتِهِمْ قادِحًا في أمْرِي، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهم: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ .
والمَعْنى: أنِّي لا أدَّعِي شَيْئًا مِن هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ ما هو مِن آثارِها وأحْكامِها، وتَجْعَلُوا عَدَمَ إجابَتِي إلى ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ما أدَّعِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ، الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَها بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ قَطْعًا، بَلْ إنَّما هي (p-137)عِبارَةٌ عَنْ تَلَقِّي الوَحْيِ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ فَحَسْبُ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ لا عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ اتِّباعِهِ ﷺ بِما يُوحى إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، بِتَوْجِيهِ القَصْرِ إلى المَفْعُولِ بِالقِياسِ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ، كَما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ الوارِدُ عَلى تَوْجِيهِ القَصْرِ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ، بِاعْتِبارِ النَّفْيِ في الأصْلِ والإثْباتِ في القَيْدِ، بَلْ عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ حالِهِ ﷺ بِاتِّباعِ ما يُوحى إلَيْهِ بِتَوْجِيهِ القَصْرِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِالقِياسِ إلى ما يَغُرُّهُ مِنَ الأفْعالِ، لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ النَّفْيِ والإثْباتِ مَعًا في خُصُوصِيَّةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ قَطْعًا، بَلْ بِاعْتِبارِ النَّفْيِ فِيما يَتَضَمَّنُهُ مِن مُطْلَقِ الفِعْلِ والإثْباتِ فِيما يُقارِنُهُ مِنَ المَعْنى المَخْصُوصِ.
فَإنَّ كُلَّ فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ الخاصَّةِ، كَنَصَرَ مَثَلًا، يَنْحَلُّ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إلى مَعْنًى مُطْلَقٍ، هو مَدْلُولُ لَفْظِ الفِعْلِ، وإلى مَعْنًى خاصٍّ يَقُومُهُ، فَإنَّ مَعْناهُ: فَعَلَ النَّصْرَ، يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهم: مَعْنى فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ: يَفْعَلُ الإعْطاءَ والمَنعَ؛ فَمَوْرِدُ القَصْرِ في الحَقِيقَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ بِتَوْجِيهِ النَّفْيِ إلى الأصْلِ والإثْباتِ إلى القَيْدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي مُدْخَلٌ ما في الوَحْيِ، أوْ في المُوحى بِطَرِيقِ الِاسْتِدْعاءِ، أوْ بِوَجْهٍ آخَرَ مِنَ الوُجُوهِ أصْلًا.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ مَثَلٌ لِلضّالِّ والمُهْتَدِي عَلى الإطْلاقِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمُرادُ: إنْكارُ اسْتِواءِ مَن لا يَعْلَمُ ما ذُكِرَ مِنَ الحَقائِقِ ومَن يَعْلَمُها، وفِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَمالِ ظُهُورِها، ومِنَ التَّنْفِيرِ عَنِ الضَّلالِ والتَّرْغِيبِ في الِاهْتِداءِ ما لا يَخْفى، وتَكْرِيرُ الأمْرِ لِتَثْنِيَةِ التَّبْكِيتِ وتَأْكِيدِ الإلْزامِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: ألا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ فَلا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ ؟ أوْ أتَسْمَعُونَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ ؟ فَمَناطُ التَّوْبِيخِ في الأوَّلِ عَدَمُ الأمْرَيْنِ مَعًا، وفي الثّانِي عَدَمُ التَّفَكُّرِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ.
6:51Page 133
وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٥١
And warn by it [i.e., the Qur’ān] those who fear that they will be gathered before their Lord - for them besides Him will be no protector and no intercessor - that they might become righteous.
﴿وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ بَعْدَ ما حُكِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ مِنَ الكَفَرَةِ قَوْمًا لا يَتَّعِظُونَ بِتَصْرِيفِ الآياتِ الباهِرَةِ، ولا يَتَأثَّرُونَ بِمُشاهَدَةِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، قَدْ إيفَتْ مَشاعِرُهم بِالكُلِّيَّةِ والتَحَقُوا بِالأمْواتِ، وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنْ كَرَّرَ عَلَيْهِمْ مِن فُنُونِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ ما يُلْقِمُهُمُ الحَجَرَ أيَّ إلْقامٍ، فَأبَوْا إلّا الإباءَ والنَّكِيرَ، وما نَجَعَ فِيهِمْ عِظَةٌ ولا تَذْكِيرٌ، وما أفادَهُمُ الإنْذارُ إلّا الإصْرارَ عَلى الإنْكارِ، أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَوْجِيهِ الإنْذارِ إلى مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُمُ التَّأثُّرُ في الجُمْلَةِ، وهُمُ المُجَوَّزُونَ مِنهم لِلْحَشْرِ عَلى الوَجْهِ الآتِي، سَواءً كانُوا جازِمِينَ بِأصْلِهِ، كَأهْلِ الكِتابِ وبَعْضِ المُشْرِكِينَ المُعْتَرِفِينَ بِالبَعْثِ، المُتَرَدِّدِينَ في شَفاعَةِ آبائِهِمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالأوَّلِينَ، أوْ في شَفاعَةِ الأصْنامِ كالآخِرِينَ، أوْ مُتَرَدِّدِينَ فِيهِما مَعًا، كَبَعْضِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يُعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم إذا سَمِعُوا بِحَدِيثِ البَعْثِ يَخافُونَ أنْ يَكُونَ حَقًّا، وأمّا المُنْكِرُونَ لِلْحَشْرِ رَأْسًا، والقائِلُونَ بِهِ، القاطِعُونَ بِشَفاعَةِ آبائِهِمْ، أوْ بِشَفاعَةِ الأصْنامِ، فَهم خارِجُونَ مِمَّنْ أُمِرَ بِإنْذارِهِمْ.
وَقَدْ قِيلَ: هُمُ المُفَرِّطُونَ في الأعْمالِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولا يُساعِدُهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ ولا سِياقُهُ، بَلْ فِيهِ ما يَقْضِي بِاسْتِحالَةِ صِحَّتِهِ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ. (p-138)
والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِما يُوحى، أوْ لِما دَلَّ هو عَلَيْهِ مِنَ القرآن، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلْإنْذارِ؛ إمّا العَذابُ الأُخْرَوِيُّ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإمّا مُطْلَقُ العَذابِ الَّذِي ورَدَ بِهِ الوَعِيدُ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ المُطْلَقَةِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَحْقِيقِ المَخافَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ﴿ "يُحْشَرُوا﴾ " . و" ﴿مِن﴾ " مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنِ اسْمِ لَيْسَ؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ، فَلَمّا قُدِّمَ عَلَيْهِ انْتَصَبَ حالًا، خَلا أنَّ الحالَ الأُولى لِإخْراجِ الحَشْرِ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِها عَنْ حَيِّزِ الخَوْفِ، وتَحْقِيقِ أنَّ ما نِيطَ بِهِ الخَوْفُ هو الحَشْرُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، لا الحَشْرُ كَيْفَما كانَ ضَرُورَةَ أنَّ المُعْتَرِفِينَ بِهِ الجازِمِينَ بِنُصْرَةِ غَيْرِهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ المُنْكِرِينَ لَهُ في عَدَمِ الخَوْفِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ الإنْذارِ.
وَأمّا الحالُ الثّانِيَةُ فَلَيْسَتْ لِإخْراجِ الوَلِيِّ الَّذِي لَمَّ يُقَيَّدْ بِها عَنْ حَيِّزِ الِانْتِفاءِ لِفَسادِ المَعْنى، لِاسْتِلْزامِ ثُبُوتِ وِلايَتِهِ تَعالى لَهم، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾، بَلْ لِتَحْقِيقِ مَدارِ خَوْفِهِمْ، وهو فُقْدانُ ما عَلَّقُوا بِهِ رَجاءَهم، وذَلِكَ إنَّما هو وِلايَةُ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ﴾ .
والمَعْنى: أنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا غَيْرَ مَنصُورِينَ مِن جِهَةِ أنْصارِهِمْ عَلى زَعْمِهِمْ، ومِن هَذا اتَّضَحَ أنْ لا سَبِيلَ إلى كَوْنِ المُرادِ بِالخائِفِينَ المُفَرِّطِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ إذْ لَيْسَ لَهم ولِيٌّ سِواهُ تَعالى لِيَخافُوا الحَشْرَ بِدُونِ نُصْرَتِهِ، وإنَّما الَّذِي يَخافُونَهُ الحَشْرَ بِدُونِ نُصْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ؛ أيْ: أنْذِرْهم لِكَيْ يَتَّقُوا الكُفْرَ والمَعاصِيَ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الأمْرِ؛ أيْ: أنْذِرْهم راجِيًا تَقْواهم، أوْ مِنَ المَوْصُولِ؛ أيْ: أنْذِرْهم مَرْجُوًّا مِنهُمُ التَّقْوى.
6:52Page 133
وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٢
And do not send away those who call upon their Lord morning and afternoon, seeking His face [i.e., favor]. Not upon you is anything of their account and not upon them is anything of your account.1 So were you to send them away, you would [then] be of the wrongdoers.
﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ لَمّا أُمِرَ ﷺ بِإنْذارِ المَذْكُورِينَ لِيَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ، نُهِيَ ﷺ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ، بِحَيْثُ يُؤَدِّي إلى طَرْدِهِمْ.
رُوِيَ «أنَّ رُؤَساءَ مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلاءِ الأعْبُدَ وأرْواحَ جِبابِهِمْ - يَعْنُونَ: فُقَراءَ المُسْلِمِينَ، كَعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وخَبّابٍ، وسَلْمانَ، وأضْرابِهِمْ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - جَلَسْنا إلَيْكَ وحادَثْناكَ، فَقالَ ﷺ: " ما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ "، فَقالُوا: فَأقِمْهم عَنّا إذا جِئْنا، فَإذا قُمْنا فَأقْعِدْهم مَعَكَ إنْ شِئْتَ، قالَ ﷺ: " نَعَمْ "، طَمَعًا في إيمانِهِمْ» .
وَرُوِيَ «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَوْ فَعَلْتَ حَتّى تَنْظُرَ إلى ما يَصِيرُونَ» .
وَقِيلَ: إنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، ومُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ، والحَرْثَ بْنَ نَوْفَلٍ، وقَرْصَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، وعَمْرَو بْنَ نَوْفَلٍ، وأشْرافَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ مِن أهْلِ الكُفْرِ، أتَوْا أبا طالِبٍ، فَقالُوا: يا أبا طالِبٍ؛ لَوْ أنَّ ابْنَ أخِيكَ مُحَمَّدًا يَطْرُدُ مُوالِيَنا وحُلَفاءَنا، وهم عَبِيدُنا وعُتَقاؤُنا، كانَ أعْظَمَ في صُدُورِنا وأدْنى لِاتِّباعِنا إيّاهُ؛ فَأتى أبُو طالِبٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثَهُ بِالَّذِي كَلَّمُوهُ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتّى نَنْظُرَ ما الَّذِي يُرِيدُونَ إلى ما يَصِيرُونَ.
وَقالَ سَلْمانُ وخَبّابٌ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، «جاءَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ التَّمِيمِيُّ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ، وعَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ، وذَوُوهم مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم، (p-139)فَوَجَدُوا النَّبِيَّ ﷺ جالِسًا مَعَ أُناسٍ مِن ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ؛ فَلَمّا رَأوْهم حَوْلَهُ ﷺ حَقَّرُوهم، فَأتَوْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَوْ جَلَسْتَ في صَدْرِ المَجْلِسِ، ونَفَيْتَ عَنّا هَؤُلاءِ وأرْواحَ جِبابِهِمْ، فَجالَسْناكَ وحادَثْناكَ وأخَذْنا عَنْكَ؛ فَقالَ ﷺ: " ما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ "، قالُوا: فَإنّا نُحِبُّ أنْ تَجْعَلَ لَنا مَعَكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنا بِهِ العَرَبُ فَضْلَنا، فَإنَّ وُفُودَ العَرَبِ تَأْتِيكَ، فَنَسْتَحِي أنْ تَرانا مَعَ هَؤُلاءِ الأعْبُدِ، فَإذا نَحْنُ جِئْناكَ فَأقِمْهم عَنّا، فَإذا نَحْنُ فَرَغْنا فاقْعُدْ مَعَهم إنْ شِئْتَ؛ قالَ ﷺ: " نَعَمْ "، قالُوا: فاكْتُبْ لَنا كِتابًا، فَدَعا بِالصَّحِيفَةِ وبِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِيَكْتُبَ، ونَحْنُ قُعُودٌ في ناحِيَةٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالآيَةِ؛ فَرَمى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالصَّحِيفَةِ ودَعانا، فَأتَيْناهُ وجَلَسْنا عِنْدَهُ، وكُنّا نَدْنُو مِنهُ حَتّى تَمَسَّ رُكْبَتُنا رُكْبَتَهُ، وكانَ يَقُومُ عَنّا إذا أرادَ القِيامَ، فَنَزَلَتْ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾؛ فَتَرَكَ القِيامَ عَنّا إلى أنْ نَقُومَ عَنْهُ، وقالَ: " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أمَرَنِي أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَ قَوْمٍ مِن أُمَّتِي، مَعَكُمُ المَحْيا ومَعَكُمُ المَماتَ» " .
والمُرادُ بِذِكْرِ الوَقْتَيْنِ: الدَّوامُ، وقِيلَ: صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقُرِئَ: ( بِالغُدْوَةِ ) .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَدْعُونَ؛ أيْ: يَدْعُونَهُ تَعالى مُخْلِصِينَ لَهُ فِيهِ، وتَقْيِيدُهُ بِهِ لِتَأْكِيدِ عِلِّيَّتِهِ لِلنَّهْيِ، فَإنَّ الإخْلاصَ مِن أقْوى مُوجِباتِ الإكْرامِ المُضادِّ لِلطَّرْدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنَ النَّهْيِ وجَوابِهِ تَقْرِيرًا لَهُ، ودَفْعًا لِما عَسى يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ مُسَوِّغًا لِطَرْدِهِمْ مِن أقاوِيلِ الطّاعِنِينَ في دِينِهِمْ، كَدَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ، حَيْثُ قالُوا: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾؛ أيْ: ما عَلَيْكَ شَيْءٌ ما مِن حِسابِ إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمُ الباطِنَةِ، حَتّى تَتَصَدّى لَهُ وتَبْنِيَ عَلى ذَلِكَ ما تَراهُ مِنَ الأحْكامِ، وإنَّما وظِيفَتُكَ حَسْبَما هو شَأْنُ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، اعْتِبارُ ظَواهِرِ الأعْمالِ وإجْراءُ الأحْكامِ عَلى مُوجِبِها، وأمّا بَواطِنُ الأُمُورِ فَحِسابُها عَلى العَلِيمِ بِذاتِ الصُّدُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ حِسابُهم إلا عَلى رَبِّي﴾ .
وَذِكْرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ مَعَ أنَّ الجَوابَ قَدْ تَمَّ بِما قَبْلَهُ، لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ انْتِفاءِ كَوْنِ حِسابِهِمْ عَلَيْهِ ﷺ، بِنَظْمِهِ في سِلْكِ ما لا شُبْهَةَ فِيهِ أصْلًا، وهو انْتِفاءُ كَوْنِ حِسابِهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ .
وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ لِتَنْزِيلِ الجُمْلَتَيْنِ مَنزِلَةَ جُمْلَةٍ واحِدَةٍ لِتَأْدِيَةِ مَعْنًى واحِدٍ، عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾؛ فَغَيْرُ حَقِيقٍ بِجَلالَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، وتَقْدِيمُ " عَلَيْكَ " في الجُمْلَةِ الأُولى لِلْقَصْدِ إلى إيرادِ النَّفْيِ عَلى اخْتِصاصِ حِسابِهِمْ بِهِ ﷺ؛ إذْ هو الدّاعِي إلى تَصَدِّيهِ ﷺ لِحِسابِهِمْ.
وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ، والمَعْنى: إنَّكَ لا تُؤاخَذُ بِحِسابِهِمْ حَتّى يُهِمَّكَ إيمانُهم، ويَدْعُوكَ الحِرْصُ عَلَيْهِ إلى أنْ تَطْرُدَ المُؤْمِنِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جَوابُ النَّفْيِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ جَوابُ النَّهْيِ، وقَدْ جُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى " فَتَطْرُدَهم " عَلى طَرِيقَةِ التَّسْبِيبِ، ولَيْسَ بِذاكَ.
6:53Page 134
وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ ٥٣
And thus We have tried some of them through others that they [i.e., the disbelievers] might say, "Is it these whom Allāh has favored among us?" Is not Allāh most knowing of those who are grateful?1
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما نَشَأ عَنْهُ ما سَبَقَ مِنَ النَّهْيِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ ما بَعْدَهُ مِنَ الفِعْلِ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ تَقْدِيمِهِ تَعالى لِفُقَراءَ المُؤْمِنِينَ في أمْرِ الدِّينِ بِتَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ، (p-140)مَعَ ما هم عَلَيْهِ في أمْرِ الدُّنْيا مِن كَمالِ سُوءِ الحالِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ المُشارِ إلَيْهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الكَمالِ.
والكافُ مُقْحَمَةٌ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ، ومَحَلُّها في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ فُتُونًا كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ الفُتُونِ، ثُمَّ قُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ المُفِيدِ لِعَدَمِ القُصُورِ فَقَطْ، واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً، فَصارَ نَفْسَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لا نَعْتًا لَهُ، والمَعْنى: ذَلِكَ الفُتُونُ الكامِلُ البَدِيعُ فَتَنّا؛ أيِ: ابْتَلَيْنا بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضِهِمْ لا فُتُونًا غَيْرَهُ، حَيْثُ قَدَّمْنا الآخِرِينَ في أمْرِ الدِّينِ عَلى الأوَّلِينَ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمْ في أمْرِ الدُّنْيا تَقَدُّمًا كُلِّيًّا.
واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَقُولُوا﴾ لِلْعاقِبَةِ؛ أيْ: لِيَقُولَ البَعْضُ الأوَّلِينَ مُشِيرِينَ إلى الآخِرِينَ، مُحَقِّرِينَ لَهم نَظَرًا إلى ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ الفاحِشِ الدُّنْيَوِيِّ، وتَعامِيًا عَمّا هو مَناطُ التَّفْضِيلِ حَقِيقَةً.
﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنَّ بَيْنِنا﴾ بِأنْ وفَّقَهم لِإصابَةِ الحَقِّ، ولَمّا يُسْعِدُهم عِنْدَهُ تَعالى مِن دُونِنا، ونَحْنُ المُقَدَّمُونَ والرُّؤَساءُ، وهُمُ العَبِيدُ والفُقَراءُ، وغَرَضُهم بِذَلِكَ إنْكارُ وُقُوعِ المَنِّ رَأْسًا، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾، لا تَحْقِيرُ المَمْنُونِ عَلَيْهِمْ مَعَ الِاعْتِرافِ بِوُقُوعِهِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ وإبْطالٌ لَهُ، وإشارَةٌ إلى أنَّ مَدارَ اسْتِحْقاقِ الإنْعامِ مَعْرِفَةُ شَأْنِ النِّعْمَةِ، والِاعْتِرافُ بِحَقِّ المُنْعِمِ، والِاسْتِفْهامُ لِتَقْرِيرِ عِلْمِهِ البالِغِ بِذَلِكَ؛ أيْ: ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ، حَتّى تَسْتَبْعِدُوا إنْعامَهُ عَلَيْهِمْ.
وَفِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ عارِفُونَ بِحَقِّ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في تَنْزِيلِ القرآن، والتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ، شاكِرُونَ لَهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، مَعَ التَّعْرِيضِ بِأنَّ القائِلِينَ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ ما لا يَخْفى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences