Abu as-Su'udAl‑An'am · 6:68–76

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:68–76

6:68Page 135

وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٦٨

And when you see those who engage in [offensive] discourse1 concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.

﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾؛ أيْ: بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِها والطَّعْنِ فِيها، كَما هو دَأْبُ قُرَيْشٍ ودَيْدَنُهم.

﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بِتَرْكِ مُجالَسَتِهِمْ والقِيامِ عَنْهم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ غايَةٌ لِلْإعْراضِ؛ أيِ: اسْتَمِرَّ عَلى الإعْراضِ إلى أنْ يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِ آياتِنا، والتَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها حَدِيثًا، فَإنَّ وصْفَ الحَدِيثِ بِمُغايَرَتِها مُشِيرٌ إلى اعْتِبارِها بِعُنْوانِ الحَدِيثِيَّةِ، وقِيلَ: بِاعْتِبارِ كَوْنِها قُرْآنًا.

﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ بِأنْ يَشْغَلَكَ فَتَنْسى النَّهْيَ، فَتُجالِسَهُمُ ابْتِداءً أوْ بَقاءً، وقُرِئَ: ( يُنَسِّيَنَّكَ ) مَن التَّنْسِيَةِ.

﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾؛ أيْ: بَعْدَ تَذَكُّرِ النَّهْيِ.

﴿مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: مَعَهم، فَوُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ أنَّهم بِذَلِكَ الخَوْضِ ظالِمُونَ، واضِعُونَ لِلتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ والتَّعْظِيمِ، راسِخُونَ في ذَلِكَ.

6:69Page 136

وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَلَٰكِن ذِكۡرَىٰ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٦٩

And those who fear Allāh are not held accountable for them [i.e., the disbelievers] at all, but [only for] a reminder - that perhaps they will fear Him.

﴿وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ المُسْلِمِينَ حِينَ نُهُوا عَنْ مُجالَسَتِهِمْ عِنْدَ خَوْضِهِمْ في الآياتِ، قالُوا: لَئِنْ كُنّا نَقُولُ: كُلَّما اسْتَهْزَءُوا بِالقرآن لَمْ نَسْتَطِعْ أنْ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ ونَطُوفَ بِالبَيْتِ؛ فَنَزَلَتْ؛ أيْ: ما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ قَبائِحَ أعْمالِ الخائِضِينَ وأحْوالِهِمْ.

﴿مِن حِسابِهِمْ﴾؛ أيْ: مِمّا يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الجَرائِرِ.

﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: شَيْءٍ ما عَلى أنَّهُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ. و" ما " تَمِيمِيَّةٌ، أوِ اسْمٌ لَها، وهي حِجازِيَّةٌ، و" ﴿مِن﴾ " مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، و" ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ " حالٌ مِنهُ، و" ﴿عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ " في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ لـِ " ما " الحِجازِيَّةِ عَلى رَأْيِ مَن لا يُجِيزُ إعْمالَها في الخَبَرِ المُقَدَّمِ مُطْلَقًا، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ إعْمالَها في الخَبَرِ المُقَدَّمِ عِنْدَ كَوْنِهِ ظَرْفًا، أوْ حَرْفَ جَرٍّ.

﴿وَلَكِنْ ذِكْرى﴾ اسْتِدْراكٌ مِنَ النَّفْيِ السّابِقِ؛ أيْ: ولَكِنَّ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم ويَمْنَعُوهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ بِما أمْكَنَ مِنَ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ، ويُظْهِرُوا لَهُمُ الكَراهَةَ والنَّكِيرَ، ومَحَلُّ " ذِكْرى " إمّا النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ؛ أيْ: عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم تَذْكِيرًا، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ؛ أيْ: ولَكِنَّ عَلَيْهِمْ ذِكْرى.

﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: يَجْتَنِبُونَ الخَوْضَ حَياءً، أوْ كَراهَةً لِمَساءَتِهِمْ، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْمَوْصُولِ؛ أيْ: يُذَكِّرُوهم رَجاءَ أنْ يَثْبُتُوا عَلى تَقْواهم، أوْ يَزْدادُوها.(p-148)

6:70Page 136

وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠

And leave those who take their religion as amusement and diversion and whom the worldly life has deluded. But remind with it [i.e., the Qur’ān], lest a soul be given up to destruction for what it earned; it will have other than Allāh no protector and no intercessor. And if it should offer every compensation, it would not be taken from it [i.e., that soul]. Those are the ones who are given to destruction for what they have earned. For them will be a drink of scalding water and a painful punishment because they used to disbelieve.

﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الَّذِينَ كُلِّفُوهُ وأُمِرُوا بِإقامَةِ مَواجِبِهِ.

﴿لَعِبًا ولَهْوًا﴾ حَيْثُ سَخِرُوا بِهِ واسْتَهْزَءُوا، أوْ بَنَوْا أمْرَ دِينِهِمْ عَلى ما لا يَكادُ يَتَعاطاهُ العاقِلُ بِطَرِيقِ الجِدِّ، وإنَّما يَصْدُرُ عَنْهُ لَوْ صَدَرَ بِطَرِيقِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ، كَعِبادَةِ الأصْنامِ، وتَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

والمَعْنى: أعْرِضْ عَنْهم ولا تُبالِ بِأفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ...﴾ الآيَةَ.

﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ واطْمَأنُّوا بِها حَتّى زَعَمُوا أنْ لا حَياةَ بَعْدَها أبَدًا.

﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾؛ أيْ: بِالقرآن، مَن يَصْلُحُ لِلتَّذْكِيرِ.

﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾؛ أيْ: لِئَلّا تُبْسَلَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلُّوا ...﴾ الآيَةَ، أوْ مَخافَةَ أنْ تُبْسَلَ، أوْ كَراهَةَ أنْ تُبْسَلَ نُفُوسٌ كَثِيرَةٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، وتُرْتَهَنَ لِسُوءِ عَمَلِها.

وَأصْلُ الإبْسالِ والبَسْلِ: المَنعُ، ومِنهُ: أسَدٌ باسِلٌ؛ لِأنَّ فَرِيسَتَهُ لا تُفْلِتُ مِنهُ، أوْ لِأنَّهُ مُمْتَنِعٌ، والباسِلُ: الشُّجاعُ؛ لِامْتِناعِهِ مِن قِرْنِهِ، وهَذا بَسْلٌ عَلَيْكَ؛ أيْ: حَرامٌ مَمْنُوعٌ.

وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ في " بِهِ " راجِعَها إلى الإبْسالِ، مَعَ عَدَمِ جَرَيانِ ذِكْرِهِ كَما في ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ بَدَلًا مِنهُ مُفَسِّرًا لَهُ، لِما في الإبْهامِ أوَّلًا والتَّفْسِيرِ ثانِيًا مِنَ التَّفْخِيمِ وزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، كَما في قَوْلِهِ:

عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمِ

بِجَرِّ حاتِمٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ جُودِهِ؛ فالمَعْنى: وذَكِّرْ بِارْتِهانِ النُّفُوسِ وحَبْسِها بِما كَسَبَتْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْإخْبارِ بِذَلِكَ. وقِيلَ: في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ كَسَبَتْ. وقِيلَ: في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِنَفْسٌ، والأظْهَرُ أنَّهُ حالٌ مِن نَفْسٌ، فَإنَّهُ في قُوَّةِ نَفْسٌ كافِرَةٌ، أوْ نُفُوسٌ كَثِيرَةٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ .

وَ" ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن " ﴿وَلِيٌّ﴾ "، كَما بُيِّنَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْ بِهِ ...﴾ الآيَةَ. وقِيلَ: هو خَبَرٌ لِلَيْسَ، فَيَكُونُ " لَها " حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى البَيانِ.

﴿وَإنْ تَعْدِلْ﴾؛ أيْ: إنْ تَفْدِ تِلْكَ النَّفْسُ.

﴿كُلَّ عَدْلٍ﴾؛ أيْ: كُلَّ فِداءٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ.

﴿لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ لا إلى ضَمِيرِ العَدْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾؛ فَإنَّهُ المَفْدِيُّ بِهِ لا المَصْدَرُ كَما نَحْنُ فِيهِ.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، سِيقَتْ إثْرَ تَحْذِيرِهِمْ مِنَ الإبْسالِ المَذْكُورِ، لِبَيانِ أنَّهُمُ المُبْتَلَوْنَ بِذَلِكَ؛ أيْ: أُولَئِكَ المُتَّخِذُونَ دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا، المُغْتَرُّونَ بِالحَياةِ الدُّنْيا، هُمُ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الإبْسالِ المَذْكُورِ وعاقِبَتِهِ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا لَهم حِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا ؟ فَقِيلَ: لَهم شَرابٌ مِن ماءٍ مَغْلِيٍّ، يَتَجَرْجَرُ في بُطُونِهِمْ وتَتَقَطَّعُ بِهِ أمْعاؤُهم.

﴿وَعَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِنارٍ تَشْتَعِلُ بِأبْدانِهِمْ.

﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ المُسْتَمِرِّ في الدُّنْيا، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ " لَهم شَرابٌ ... " إلَخْ حالًا مِن ضَمِيرِ أُبْسِلُوا، وتَرْتِيبِ (p-149)ما ذُكِّرَ مِنَ العَذابَيْنِ عَلى كُفْرِهِمْ، مَعَ أنَّهم مُعَذَّبُونَ بِسائِرِ مَعاصِيهِمْ أيْضًا حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: " بِما كَسَبُوا "؛ لِأنَّهُ العُمْدَةُ في إيجابِ العَذابِ، والأهَمُّ في بابِ التَّحْذِيرِ، أوْ أُرِيدَ بِكُفْرِهِمْ ما هو أعَمُّ مِنهُ، ومِن مُسْتَتْبَعاتِهِ مِنَ المَعاصِي والسَّيِّئاتِ.

هَذا وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ " أُولَئِكَ " إشارَةً إلى النُّفُوسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِنَفْسٌ، مَحَلُّهُ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ والمَوْصُولُ الثّانِي صِفَتُهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، " ولَهم شَرابٌ ... " إلَخْ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ تَبِعَةِ الإبْسالِ.

6:71Page 136

قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧١

Say, "Shall we invoke1 instead of Allāh that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allāh has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.'"2 Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.

﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ دَعاهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ؛ فَتَوْجِيهُ الأمْرِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ؛ لِلْإيذانِ بِما بَيْنَهُما مِنَ الِاتِّصالِ والِاتِّحادِ، تَنْوِيهًا لِشَأْنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ؛ أيْ: أنَعْبُدُ مُتَجاوِزِينَ عِبادَةَ اللَّهِ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُدْرَةُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا إذا عَبَدْناهُ، ولا عَلى ضَرِّنا إذا تَرَكْناهُ، وأدْنى مَراتِبِ المَعْبُودِيَّةِ القُدْرَةُ عَلى ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ عَطْفٌ عَلى " نَدْعُوا " داخِلٌ في حُكْمِ الإنْكارِ والنَّفْيِ؛ أيْ: ونُرَدُّ إلى الشِّرْكِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالرَّدِّ عَلى الأعْقابِ، لِزِيادَةِ تَقْبِيحِهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةٍ ما هو عَلَمٌ في القُبْحِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى كَوْنِ الشِّرْكِ حالَةً قَدْ تُرِكَتْ ونُبِذَتْ وراءَ الظَّهْرِ، وإيثارُ نُرَدُّ عَلى نَرْتَدُّ لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى الِارْتِدادِ بِرَدِّ الغَيْرِ، تَصْرِيحًا بِمُخالَفَةِ المُضِلِّينَ وقَطْعًا لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ، وإيذانًا بِأنَّ الِارْتِدادَ مِن غَيْرِ رادٍّ لَيْسَ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ لِيُحْتاجَ إلى نَفْيِهِ وإنْكارِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾؛ أيْ: إلى الإسْلامِ، وأنْقَذَنا مِنَ الشِّرْكِ، مُتَعَلِّقٌ بِنُرَدُّ، مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ لا لِتَحْقِيقِ مَعْنى الرَّدِّ وتَصْوِيرِهِ فَقَطْ، وإلّا لَكَفى أنْ يُقالَ: بَعْدَ إذِ اهْتَدَيْنا، كَأنَّهُ قِيلَ: ونُرَدُّ إلى الشِّرْكِ بِإضْلالِ المُضِلِّ بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ الَّذِي لا هادِيَ سِواهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَرْفُوعِ نُرَدُّ؛ أيْ: نُرَدُّ؛ أيْ: أنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا مُشَبَّهِينَ بِالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ مَرَدَةُ الجِنِّ واسْتَغْوَتْهُ إلى المَهامِهِ والمَهالِكِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أنُرَدُّ رَدًّا مِثْلَ رَدِّ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ ... إلَخْ.

والِاسْتِهْواءُ: اسْتِفْعالٌ مِن هَوى في الأرْضِ إذا ذَهَبَ فِيها، كَأنَّها طَلَبَتْ هُوِيَّهُ وحَرَصَتْ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: ( اسْتَهْواهُ ) بِألِفٍ مُمالَةٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الأرْضِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَهْوَتْهُ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: كائِنًا في الأرْضِ.

وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَيْرانَ﴾ حالٌ مِنهُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الأُولى، أوْ حالُ الثّانِيَةِ عِنْدَ مَن يُجِيزُها، أوْ مِنَ الَّذِي، أوْ مِنَ المُسْتَكِنِ في الظَّرْفِ؛ أيْ: تائِهًا ضالًّا عَنِ الجادَّةِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ أصْحابٌ﴾ جُمْلَةٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِحَيْرانَ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ حالِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ صِفَةٌ لِأصْحابٍ؛ أيْ: لِذَلِكَ المُسْتَهْوى رُفْقَةٌ يَهْدُونَهُ إلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، تَسْمِيَةٌ لَهُ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، كَأنَّهُ نَفْسُ الهُدى.

﴿ائْتِنا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِمَّنْ يَدْعُونَهُ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: يَقُولُونَ: ائْتِنا.

وَفِيهِ إشارَةٌ (p-150)إلى أنَّهم مُهْتَدُونَ، ثابِتُونَ عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، وأنَّ مَن يَدْعُونَهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ، لِيُدْعى إلى إتْيانِهِ، وإنَّما يُدْرِكُ سَمْتَ الدّاعِي ومَوْرِدَ النَّعِيقِ فَقَطْ.

﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ﴾ الَّذِي هَدانا إلَيْهِ وهو الإسْلامُ.

﴿هُوَ الهُدى﴾ وحْدَهُ، وما عَداهُ ضَلالٌ مَحْضٌ وغَيٌّ بَحْتٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ﴾ ونَحْوِهِ.

وَتَكْرِيرُ الأمْرِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ، ولِأنَّ ما سَبَقَ لِلزَّجْرِ عَنِ الشِّرْكِ، وهَذا حَثٌّ عَلى الإسْلامِ، وهو تَوْطِئَةٌ لِما بَعْدَهُ، فَإنَّ اخْتِصاصَ الهُدى بِهُداهُ تَعالى مِمّا يُوجِبُ الِامْتِثالَ بِالأوامِرِ الوارِدَةِ بَعْدَهُ.

﴿وَأُمِرْنا﴾ عَطْفٌ عَلى أنَّ " هُدى اللَّهِ هو الهُدى " داخِلٌ تَحْتِ القَوْلِ.

واللّامُ في ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ المَحْكِيِّ، وتَعْيِينِ ما أُرِيدَ بِهِ مِنَ الأوامِرِ الثَّلاثَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا ...﴾ الآيَةَ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُمِرْنا، وقِيلَ لَنا: أسْلِمُوا؛ لِأجْلِ أنْ نَسْلَمَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ؛ أيْ: أُمِرْنا بِأنْ نُسْلِمَ، وقِيلَ: زائِدَةٌ؛ أيْ: أُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ عَلى حَذْفِ الباءِ.

6:72Page 136

وَأَنۡ أَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُۚ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٢

And to establish prayer and fear Him." And it is He to whom you will be gathered.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ﴾؛ أيِ: اللَّهَ تَعالى في مُخالَفَةِ أمْرِهِ، عَطْفٌ عَلى " نُسْلِمَ " عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، عَلى أنَّ " أنِ " المَصْدَرِيَّةَ إذا وصَلَتْ بِالأمْرِ بِتَجَرُّدٍ، هو عَنْ مَعْنى الأمْرِ نَحْوَ تَجَرُّدِ الصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَنْ مَعْنى المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ؛ فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ: أُمِرْنا؛ أيْ: قِيلَ لَنا: أسْلِمُوا، وأقِيمُوا الصَّلاةَ، واتَّقُوا اللَّهَ؛ لِأجْلِ أنْ نُسْلِمَ، ونُقِيمَ الصَّلاةَ ونَتَّقِيَهُ تَعالى، وعَلى الأخِيرَيْنِ: أُمِرْنا بِأنْ نُسْلِمَ، ونُقِيمَ الصَّلاةَ، ونَتَّقِيَهُ تَعالى، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ، لِتَعْلِيلِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ.

كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُوجِبَةٌ لِلِامْتِثالِ بِما أُمِرَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ.

6:73Page 136

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ وَيَوۡمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُۚ قَوۡلُهُ ٱلۡحَقُّۚ وَلَهُ ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٧٣

And it is He who created the heavens and earth in truth. And the day [i.e., whenever] He says, "Be," and it is, His word is the truth.1 And His is the dominion [on] the Day the Horn is blown. [He is] Knower of the unseen2 and the witnessed;3 and He is the Wise, the Aware.

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أُرِيدَ بِخَلْقِهِما: خَلْقُ ما فِيهِما أيْضًا، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ لِظُهُورِ اشْتِمالِهِما عَلى جَمِيعِ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن فاعِلِ " خَلَقَ "، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِهِ المُؤَكِّدِ لَهُ؛ أيْ: قائِمًا بِالحَقِّ، أوْ مُتَلَبِّسَةً بِالحَقِّ، أوْ خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ خَلْقَهُ تَعالى لِما ذُكِرَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لَيْسَ مِمّا يَتَوَقَّفُ عَلى مادَّةٍ أوْ مُدَّةٍ، بَلْ يَتِمُّ بِمَحْضِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ أصْلًا، وأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُتَعَلِّقَ بِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَخْلُوقاتِ في حِينٍ مُعَيَّنٍ مِن أفْرادِ الأحْيانِ، حَقٌّ في نَفْسِهِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحِكْمَةِ.

وَ" يَوْمَ " ظَرْفٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ " قَوْلُهُ الحَقُّ "، والواوُ بِحَسَبِ المَعْنى داخِلٌ عَلَيْها، وتَقْدِيمُهُ عَلَيْها لِلِاعْتِناءِ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَدارُ الحَقِّيَّةِ، وتَرْكُ ذِكْرِ المَقُولِ لَهُ لِلثِّقَةِ بِغايَةِ ظُهُورِهِ.

والمُرادُ بِالقَوْلِ: كَلِمَةُ ( كُنْ ) تَحْقِيقًا أوْ تَمْثِيلًا، كَما هو المَشْهُورُ؛ فالمَعْنى: وأمْرُهُ المُتَعَلِّقُ بِكُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُ خَلْقَهُ مِنَ الأشْياءِ في حِينِ تَعَلُّقِهِ بِهِ، لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، مِن أفْرادِ الأحْيانِ الحَقُّ؛ أيْ: المَشْهُودُ لَهُ بِالحَقِّيَّةِ المَعْرُوفُ بِها.

هَذا وقَدْ قِيلَ: " ﴿قَوْلُهُ﴾ " مُبْتَدَأٌ، و" ﴿الحَقُّ﴾ " صِفَتُهُ، و" ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ " خَبَرُهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ: يَوْمَ الجُمْعَةِ القِتالُ، وانْتِصابُهُ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وحاصِلُ المَعْنى: قَوْلُهُ الحَقُّ كائِنٌ (p-151)حِينَ يَقُولُ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ: كُنْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ.

وَقِيلَ: " يَوْمَ " مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى " السَّماواتِ "، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في " واتَّقُوهُ "، أوْ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ بِالحَقِّ، و" قَوْلُهُ الحَقُّ " مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ فاعِلُ " يَكُونُ " عَلى مَعْنى: حِينَ يَقُولُ لِقَوْلِهِ الحَقَّ؛ أيْ: لِقَضائِهِ الحَقَّ كُنْ فَيَكُونُ، والمُرادُ: حِينَ يُكَوِّنُ الأشْياءَ ويُحْدِثُها، أوْ حِينَ تَقُومُ القِيامَةُ، فَيَكُونُ التَّكْوِينُ حَشْرَ الأجْسادِ وإحْياءَها؛ فَتَأمَّلْ حَقَّ التَّأمُّلِ.

﴿وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ تَقْيِيدُ اخْتِصاصِ المُلْكِ بِهِ تَعالى بِذَلِكَ اليَوْمِ مَعَ عُمُومِ الِاخْتِصاصِ لِجَمِيعِ الأوْقاتِ، لِغايَةِ ظُهُورِ ذَلِكَ بِانْقِطاعِ العَلائِقِ المَجازِيَّةِ الكائِنَةِ في الدُّنْيا، المُصَحِّحَةِ لِلْمالِكِيَّةِ المَجازِيَّةِ في الجُمْلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ .

﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾؛ أيْ: هو عالِمُهُما.

﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ في كُلِّ ما يَفْعَلُهُ.

﴿الخَبِيرُ﴾ بِجَمِيعِ الأُمُورِ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ.

6:74Page 137

۞ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٧٤

And [mention, O Muḥammad], when Abraham said to his father Āzar, "Do you take idols as deities? Indeed, I see you and your people to be in manifest error."

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ، خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ، مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿قُلْ أنَدْعُو﴾ "، لا عَلى " ﴿أقِيمُوا﴾ " كَما قِيلَ؛ لِفَسادِ المَعْنى؛ أيْ: واذْكُرْ لَهم بَعْدَ ما أنْكَرْتَ عَلَيْهِمْ عِبادَةَ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ وضُرٍّ، وحَقَّقْتَ أنَّ الهُدى هو هُدى اللَّهِ، وما يَتْبَعُهُ مِن شُئُونِهِ تَعالى، وقْتَ قَوْلِ إبْراهِيمَ الَّذِي يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ، مُوَبِّخًا ﴿لأبِيهِ آزَرَ﴾ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُبَكِّتُهم ويُنادِي بِفَسادِ طَرِيقَتِهِمْ.

وَتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ، مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ المُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها.

وَآزَرُ بِزِنَةِ آدَمَ، وعابَرَ، وعازَرَ، وفالَغَ، وكَذَلِكَ تارَحُ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَقَ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ، وكانَ مِن قَرْيَةٍ مِن سَوادِ الكُوفَةِ، ومُنِعَ صَرْفُهُ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ.

وَقِيلَ: اسْمُهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ: تارَحُ، وآزَرُ: لَقَبُهُ المَشْهُورُ. وقِيلَ: اسْمُ صَنَمٍ لُقِّبَ هو بِهِ لِلُزُومِهِ عِبادَتَهُ، فَهو عَطْفُ بَيانٍ لِأبِيهِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ.

وَقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ: الشَّيْخُ الهَرِمُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُخْطِئُ. وقالَ الفَرّاءُ وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: المُعْوَجُّ، فَهو نَعْتٌ لَهُ، كَما إذا جُعِلَ مُشْتَقًّا مِنَ الأزْرِ، أوِ الوَزِّ، أوْ أُرِيدَ بِهِ: عابِدُ آزَرَ، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مُقامَهُ.

وَقُرِئَ: ( آزَرُ ) عَلى النِّداءِ، وهو دَلِيلُ العَلَمِيَّةِ؛ إذْ لا يُحْذَفُ حَرْفُ النِّداءِ إلّا مِنَ الأعْلامِ.

﴿أتَتَّخِذُ﴾ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، هُما ﴿أصْنامًا آلِهَةً﴾؛ أيْ: أتَجْعَلُها لِنَفْسِكَ آلِهَةً، عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى اتِّخاذِ الجِنْسِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الجَمْعِيَّةِ، وإنَّما إيرادُ صِيغَةِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ الوُقُوعِ.

وَقُرِئَ: ( أازْرًا ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِها بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وزاءٍ ساكِنَةٍ، وراءٍ مُنَوَّنَةٍ مَنصُوبَةٍ، وهو اسْمُ صَنَمٍ، ومَعْناهُ: أتَعَبَّدُ آزِرًا.

ثُمَّ قِيلَ: تَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً؛ تَثْبِيتًا لِذَلِكَ وتَقْرِيرًا، وهو داخِلٌ تَحْتَ الإنْكارِ لِكَوْنِهِ بَيانًا لَهُ. وقِيلَ: الأزْرُ: القُوَّةُ، والمَعْنى: ألِأجْلِ القُوَّةِ والمُظاهَرَةِ تَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً ؟ إنْكارًا لِتَعَزُّزِهِ بِها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ .

﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ الَّذِينَ يَتْبَعُونَكَ في عِبادَتِها.

﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَنِ الحَقِّ.

﴿مُبِينٍ﴾؛ أيْ: بَيِّنٍ كَوْنُهُ ضَلالًا لا اشْتِباهَ فِيهِ أصْلًا، والرُّؤْيَةُ إمّا عِلْمِيَّةٌ فالظَّرْفُ مَفْعُولُها الثّانِي، وإمّا بَصَرِيَّةٌ فَهو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ.

6:75Page 137

وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ ٧٥

And thus did We show Abraham the realm of the heavens and the earth that he would be among the certain [in faith].

﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ هَذِهِ الإراءَةُ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ المُسْتَعارَةِ لِلْمَعْرِفَةِ ونَظَرِ البَصِيرَةِ؛ أيْ: عَرَّفْناهُ (p-152)وَبَصَّرْناهُ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ حِكايَةٌ لِلْحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها.

وَذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ نُرِي، لا إلى إراءَةٍ أُخْرى، مَفْهُومَةٍ مِن قَوْلِهِ: " إنِّي أراكَ "، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ، لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ، وكَمالِ تَمَيُّزِهِ بِذَلِكَ وانْتِظامِهِ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ.

والكافُ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ، ومَحَلُّها في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: نُرِي إبْراهِيمَ إراءَةً كائِنَةً مِثْلَ تِلْكَ الإراءَةِ، فَقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ، فَصارَ المُشارُ إلَيْهِ نَفْسَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لا نَعْتًا لَهُ؛ أيْ: ذَلِكَ التَّبْصِيرَ البَدِيعَ نُبَصِّرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى، ومالِكِيَّتَهُ لَهُما، وسُلْطانَهُ القاهِرَ عَلَيْهِما، وكَوْنَهُما بِما فِيهِما مَرْبُوبًا ومَمْلُوكًا لَهُ تَعالى، لا تَبْصِيرًا آخَرَ أدْنى مِنهُ.

والمَلَكُوتُ: مَصْدَرٌ عَلى زِنَةِ المُبالَغَةِ، كالرَّهَبُوتِ والجَبَرُوتِ، ومَعْناهُ: المُلْكُ العَظِيمُ والسُّلْطانُ القاهِرُ، ثُمَّ هَلْ هو مُخْتَصٌّ بِمُلْكِ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ أوْ لا ؟ فَقَدْ قِيلَ: وقِيلَ: والأوَّلُ هو الأظْهَرُ، وبِهِ قالَ الرّاغِبُ.

وَقِيلَ: مَلَكُوتُهُما، وعَجائِبُهُما، وبَدائِعُهُما؛ رُوِيَ أنَّهُ كُشِفَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ، حَتّى العَرْشِ وأسْفَلِ الأرَضِينَ، وقِيلَ: آياتِهِما. وقِيلَ: مَلَكُوتُ السَّماواتِ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، ومَلَكُوتُ الأرْضِ: الجِبالُ والأشْجارُ والبِحارُ.

وَهَذِهِ الأقْوالُ لا تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الإراءَةُ بَصَرِيَّةً؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِإراءَةِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ مُجَرَّدَ تَمْكِينِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إبْصارِها ومُشاهَدَتِها في أنْفُسِها، بَلْ إطْلاعُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى حَقائِقِها وتَعْرِيفِها، مِن حَيْثُ دَلالَتُها عَلى شُئُونِهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَلا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يُدْرَكُ حِسًّا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ اسْمُ الإشارَةِ المُفْصِحُ عَنْ كَوْنِ المُشارِ إلَيْهِ أمْرًا بَدِيعًا، فَإنَّ الإراءَةَ البَصْرِيَّةَ المُعْتادَةَ بِمَعْزِلٍ مِن تِلْكَ المَثابَةِ.

وَقُرِئَ: ( تُرِي ) بِالتّاءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى المَلَكُوتِ؛ أيْ: تُبْصِرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلائِلُ الربوبية.

واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها؛ أيْ: ولِيَكُونَ مِن زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الإيقانِ، البالِغِينَ دَرَجَةَ عَيْنِ اليَقِينِ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ التَّبْصِيرِ البَدِيعِ المَذْكُورِ لا لِأمْرٍ آخَرَ، فَإنَّ الوُصُولَ إلى تِلْكَ الغايَةِ القاصِيَةِ كَمالٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى ذَلِكَ التَّبْصِيرِ لا عَيْنُهُ، ولَيْسَ القَصْرُ لِبَيانِ انْحِصارِ فائِدَتِهِ في ذَلِكَ، كَيْفَ لا وإرْشادُ الخَلْقِ وإلْزامُ المُشْرِكِينَ كَما سَيَأْتِي مِن فَوائِدِهِ بِلا مِرْيَةٍ، بَلْ لِبَيانِ أنَّهُ الأصْلُ الأصِيلُ والباقِي مِن مُسْتَتْبَعاتِهِ.

وَقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ السّابِقِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مَحْذُوفَةٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْها الكَلامُ؛ أيْ: لِيَسْتَدِلَّ بِها ولِيَكُونَ ... إلَخْ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يُرادَ بِمَلَكُوتِهِما: بَدائِعُهُما وآياتُهُما؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ مِن غاياتِ إراءَتِها لا مِن غاياتِ إراءَةِ نَفْسِ الربوبية.

6:76Page 137

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ ٧٦

So when the night covered him [with darkness], he saw a star. He said, "This is my lord."1 But when it set, he said, "I like not those that set [i.e., disappear]."

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ عَلى الأوَّلِ وهو الحَقُّ المُبِينُ، عَطْفٌ عَلى " ﴿قالَ إبْراهِيمُ﴾ "، داخِلٌ تَحْتَ ما أُمِرَ بِذِكْرِهِ بِالأمْرِ بِذِكْرِ وقْتِهِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ وما لَحِقَ، فَإنَّ تَعْرِيفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُبُوبِيَّتَهُ، ومالِكِيَّتَهُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما، وكَوْنَ الكُلِّ مَقْهُورًا تَحْتَ مَلَكُوتِهِ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ في الوُجُودِ، وسائِرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الكَمالاتِ، وكَوْنَهُ مِنَ الرّاسِخِينَ في مَعْرِفَةِ شُئُونِهِ تَعالى، الواصِلِينَ إلى ذُرْوَةِ عَيْنِ اليَقِينِ، مِمّا يَقْضِي بِأنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاسْتِحالَةِ إلَهِيَّةِ ما سِواهُ (p-153)سُبْحانَهُ، مِنَ الأصْنامِ والكَواكِبِ.

وَعَلى الثّانِي هو تَفْصِيلٌ لِما ذُكِرَ مِن إراءِ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ اسْتِدْلالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ووُصُولِهِ إلى رُتْبَةِ الإيقانِ، ومَعْنى جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ: سَتَرَهُ بِظَلامِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ جَوابُ لَمّا، فَإنَّ رُؤْيَتَهُ إنَّما تَتَحَقَّقُ بِزَوالِ نُورِ الشَّمْسِ عَنِ الحِسِّ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في ابْتِداءِ الطُّلُوعِ، بَلْ كانَ غَيْبَتُهُ عَنِ الحِسِّ بِطَرِيقِ الِاضْمِحْلالِ بِنُورِ الشَّمْسِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ كانَ قَرِيبًا مِنَ الغُرُوبِ كَما سَتَعْرِفُهُ. قِيلَ: كانَ ذَلِكَ الكَوْكَبُ هو الزُّهْرَةَ، وقِيلَ: هو المُشْتَرى.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ، المُتَفَرِّعَةِ عَلى بَيانِ إراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُ السّامِعَ عَلى اسْتِكْشافِ ما ظَهَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن آثارِ تِلْكَ الإراءَةِ وأحْكامِها، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَأى الكَوْكَبَ ؟ فَقِيلَ: قالَ عَلى سَبِيلِ الوَضْعِ والفَرْضِ: هَذا رَبِّي، مُجاراةً مَعَ أبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ، فَإنَّ المُسْتَدِلَّ عَلى فَسادِ قَوْلٍ يَحْكِيهِ عَلى رَأْيِ خَصْمِهِ، ثُمَّ يَكُرُّ عَلَيْهِ بِالإبْطالِ، ولَعَلَّ سُلُوكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في بَيانِ اسْتِحالَةِ رُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ دُونَ بَيانِ اسْتِحالَةِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، لِما أنَّ هَذا أخْفى بُطْلانًا واسْتِحالَةً مِنَ الأوَّلِ، فَلَوْ صَدَعَ بِالحَقِّ مِن أوَّلِ الأمْرِ كَما فَعَلَهُ في حَقِّ عِبادَةِ الأصْنامِ، لَتَمادَوْا في المُكابَرَةِ والعِنادِ، ولَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.

وَقِيلَ: قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى وجْهِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وكانَ ذَلِكَ في زَمانِ مُراهَقَتِهِ وأوَّلِ أوانِ بُلُوغِهِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى تَفْسِيرِ المَلَكُوتِ بِآياتِهِما، وعَطْفِ قَوْلِهِ تَعالى؛ لِيَكُونَ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ العِلَّةِ المُقَدَّرَةِ، وجَعْلِ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ ... " إلَخْ، تَفْصِيلًا لِما ذُكِرَ مِنَ الإراءَةِ، وبَيانًا لِكَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ.

وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا يُخِلُّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، وجَلالَةِ مَنصِبِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿فَلَمّا أفَلَ﴾؛ أيْ: غَرَبَ.

﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾؛ أيِ: الأرْبابَ المُنْتَقِلِينَ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، المُتَغَيِّرِينَ مِن حالٍ إلى حالٍ المُحْتَجِبِينَ بِالأسْتارِ، فَإنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الربوبية قَطْعًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском