Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:77–88
6:77Page 137
فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧
And when he saw the moon rising, he said, "This is my lord." But when it set, he said, "Unless my Lord guides me, I will surely be among the people gone astray."
﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾؛ أيْ: مُبْتَدِئًا في الطُّلُوعِ إثْرَ غُرُوبِ الكَوْكَبِ.
﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ عَلى الأُسْلُوبِ السّابِقِ.
﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ كَما أفَلَ النَّجْمُ.
﴿قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ إلى جَنابِهِ الَّذِي هو الحَقُّ لا مَحِيدَ عَنْهُ.
﴿لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ فَإنَّ شَيْئًا مِمّا رَأيْتُهُ لا يَلِيقُ بِالربوبية، وهَذا مُبالَغَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في إظْهارِ النَّصَفَةِ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ في مَوْضِعٍ كانَ في جانِبِهِ الغَرْبِيِّ جَبَلٌ شامِخٌ يَسْتَتِرُ بِهِ الكَوْكَبُ والقَمَرُ وقْتَ الظُّهْرِ مِنَ النَّهارِ، أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، وكانَ الكَوْكَبُ قَرِيبًا مِنهُ، وأُفُقُهُ الشَّرْقِيُّ مَكْشُوفٌ أوَّلًا، وإلّا فَطُلُوعُ القَمَرِ بَعْدَ أُفُولِ الكَوْكَبِ، ثُمَّ أُفُولُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
6:78Page 137
فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٧٨
And when he saw the sun rising, he said, "This is my lord; this is greater." But when it set, he said, "O my people, indeed I am free from what you associate with Allāh.
كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾؛ أيْ: مُبْتَدِئَةً في الطُّلُوعِ، مِمّا لا يَكادُ يُتَصَوَّرُ.
﴿قالَ﴾؛ أيْ: عَلى النَّهْجِ السّابِقِ. (p-154)
﴿هَذا رَبِّي﴾ وإنَّما لَمْ يُؤَنِّثْ لِما أنَّ المُشارَ إلَيْهِ، والمَحْكُومَ عَلَيْهِ، بِالربوبية هو الجِرْمُ المُشاهَدُ مِن حَيْثُ هو، لا مِن حَيْثُ هو مُسَمًّى باسِمٍ مِنَ الأسامِيِّ، فَضْلًا عَنْ حَيْثِيَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِالشَّمْسِ، أوْ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ وصِيانَةِ الرَّبِّ عَنْ وصْمَةِ التَّأْنِيثِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ تَأْكِيدٌ لِما رامَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إظْهارِ النَّصَفَةِ، مَعَ إشارَةٍ خَفِيَّةٍ إلى فَسادِ دِينِهِمْ مِن جِهَةٍ أُخْرى، بِبَيانِ أنَّ الأكْبَرَ أحَقُّ بِالربوبية مِنَ الأصْغَرِ.
﴿فَلَمّا أفَلَتْ﴾ هي أيْضًا كَما أفَلَ الكَوْكَبُ والقَمَرُ.
﴿قالَ﴾ مُخاطِبًا لِلْكُلِّ صادِعًا بِالحَقِّ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ.
﴿يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ الَّذِي تُشْرِكُونَهُ مِنَ الأجْرامِ المُحْدَثَةِ، المُتَغَيِّرَةِ مِن حالَةٍ إلى أُخْرى المُسَخَّرَةِ لِمُحْدِثِها، أوْ مِن إشْراكِكم، وتَرْتِيبُ هَذا الحُكْمِ ونَظِيرَيْهِ عَلى الأُفُولِ دُونَ البُزُوغِ والظُّهُورِ، مِن ضَرُورِيّاتِ سَوْقِ الِاحْتِجاجِ عَلى هَذا المَساقِ الحَكِيمِ، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما وإنْ كانَ في نَفْسِهِ انْتِقالًا مُنافِيًا لِاسْتِحْقاقِ مَعْرُوضِهِ لِلرُّبُوبِيَّةِ قَطْعًا، لَكِنْ لَمّا كانَ الأوَّلُ حالَةً مُوجِبَةً لِظُهُورِ الآثارِ والأحْكامِ، مُلائِمَةً لِتَوَهُّمِ الِاسْتِحْقاقِ في الجُمْلَةِ، رُتِّبَ عَلَيْها الحُكْمُ الأوَّلُ عَلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ، وحَيْثُ كانَ الثّانِي حالَةً مُقْتَضِيَةً لِانْطِماسِ الآثارِ، وبُطْلانِ الأحْكامِ المُنافِيَيْنِ لِلِاسْتِحْقاقِ المَذْكُورِ مُنافاةً بَيِّنَةً يَكادُ يَعْتَرِفُ بِها كُلُّ مُكابِرٍ عَنِيدٍ، رُتِّبَ عَلَيْها ما رُتِّبَ.
6:79Page 137
إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٧٩
Indeed, I have turned my face [i.e., self] toward He who created the heavens and the earth, inclining toward truth, and I am not of those who associate others with Allāh."
ثُمَّ تَبَرَّأ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم، تَوَجَّهَ إلى مُبْدِعِ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ ومُنْشِئِها، فَقالَ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الَّتِي هي الأجْرامُ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن أجْزائِها.
﴿والأرْضَ﴾ الَّتِي تَغِيبُ هي فِيها.
﴿حَنِيفًا﴾؛ أيْ: مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الزّائِغَةِ كُلِّها.
﴿وَما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في شَيْءٍ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ.
6:80Page 137
وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠
And his people argued with him. He said, "Do you argue with me concerning Allāh while He has guided me? And I fear not what you associate with Him [and will not be harmed] unless my Lord should will something. My Lord encompasses all things in knowledge; then will you not remember?
﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾؛ أيْ: شَرَعُوا في مُغالَبَتِهِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مُحاجَّتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ حاجُّوهُ ؟ فَقِيلَ: قالَ مُنْكِرًا لِما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِن مُحاجَّتِهِ، مَعَ قُصُورِهِمْ عَنْ تِلْكَ الرُّتْبَةِ، وعِزَّةِ المَطْلَبِ، وقُوَّةِ الخَصْمِ.
﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ بِإدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ، وقُرِئَ بِحَذْفِ الأُولى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ هَدانِي﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ، فَإنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَهْدِيًّا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، ومُؤَيَّدًا مِن عِنْدِهِ مِمّا يُوجِبُ اسْتِحالَةَ مُحاجَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ أيْ: أتُجادِلُونَنِي في شَأْنِهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ، والحالُ أنَّهُ تَعالى هَدانِي إلى الحَقِّ بَعْدَ ما سَلَكْتُ طَرِيقَتَكم بِالفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وتَبَيَّنَ بُطْلانُها تَبَيُّنًا تامًّا كَما شاهَدْتُمُوهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ جَوابٌ عَمّا خَوَّفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في أثْناءِ المُحاجَّةِ مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ مِن جِهَةِ أصْنامِهِمْ، كَما قالَ لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمُهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾، ولَعَلَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ حِينَ فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِآلِهَتِهِمْ ما فَعَلَ، و" ما " مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ حُذِفَ عائِدُها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ؛ أيْ: لا أخافُ ما تُشْرِكُونَهُ بِهِ سُبْحانَهُ مِن مَعْبُوداتِكم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، إلّا في وقْتِ مَشِيئَتِهِ (p-155)تَعالى شَيْئًا مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ بِي مِن جِهَتِها، وذَلِكَ إنَّما هو مِن جِهَتِهِ تَعالى مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِآلِهَتِكم فِيهِ أصْلًا.
وَفِي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إظْهارٌ مِنهُ، لِانْقِيادِهِ لِحُكْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، واسْتِسْلامٌ لِأمْرِهِ، واعْتِرافٌ بِكَوْنِهِ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، كَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِثْناءِ؛ أيْ: أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في علمه تعالى أنْ يَحِيقَ بِي مَكْرُوهٌ مِن قِبَلِها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وفي الإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنى المَذْكُورِ، واسْتِلْذاذٌ بِذِكْرِهِ تَعالى.
﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: أتُعْرِضُونَ عَنِ التَّأمُّلِ في أنَّ آلِهَتَكم جَماداتٌ، غَيْرُ قادِرَةٍ عَلى شَيْءٍ ما مِن نَفْعٍ ولا ضُرٍّ، فَلا تَتَذَكَّرُونَ أنَّها غَيْرُ قادِرَةٍ عَلى إضْرارِي، وفي إيرادِ التَّذَكُّرِ دُونَ التَّفَكُّرِ ونَظائِرِهِ، إشارَةٌ إلى أنَّ أمْرَ أصْنامِهِمْ مَرْكُوزٌ في العُقُولِ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى التَّذَكُّرِ.
6:81Page 137
وَكَيۡفَ أَخَافُ مَآ أَشۡرَكۡتُمۡ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمۡ أَشۡرَكۡتُم بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗاۚ فَأَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ أَحَقُّ بِٱلۡأَمۡنِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨١
And how should I fear what you associate while you do not fear that you have associated with Allāh that for which He has not sent down to you any authority? So which of the two parties has more right to security, if you should know?"
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَسَبِ زَعْمِ الكَفَرَةِ بِالطَّرِيقِ الإلْزامِيِّ كَما سَيَأْتِي، بَعْدَ نَفْيِهِ عَنْهُ بِسَبَبِ الواقِعِ ونَفْسِ الأمْرِ، والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ ...﴾ الآيَةَ؛ لا لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ مَعَ وُقُوعِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ...﴾ إلَخْ، وفي تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى كَيْفِيَّةِ الخَوْفِ مِنَ المُبالَغَةِ، ما لَيْسَ في تَوْجِيهِهِ إلى نَفْسِهِ بِأنْ يُقالَ: أأخافُ لِما أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وكَيْفِيَّةٍ مِنَ الكَيْفِيّاتِ قَطْعًا ؟ فَإذا انْتَفى جَمِيعُ أحْوالِهِ وكَيْفِيّاتُهُ، فَقَدِ انْتَفى وجُودُهُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ " أخافُ " بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، والواوُ كافِيَةٌ في الرَّبْطِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الضَّمِيرِ العائِدِ إلى ذِي الحالِ، وهو مُقَرِّرٌ لِإنْكارِ الخَوْفِ ونَفْيِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومُفِيدٌ لِاعْتِرافِهِمْ بِذَلِكَ، فَإنَّهم حَيْثُ لَمْ يَخافُوا في مَحِلِّ الخَوْفِ؛ فَلِأنْ لا يَخافَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَحِلِّ الأمْنِ أوْلى وأحْرى؛ أيْ: وكَيْفَ أخافُ أنا ما لَيْسَ في حَيِّزِ الخَوْفِ أصْلًا، وأنْتُمْ لا تَخافُونَ غائِلَةَ ما هو أعْظَمُ المَخُوفاتِ وأهْوَلُها، وهو إشْراكُكم بِاللَّهِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ما هو مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ ؟
وَإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾؛ أيْ: بِإشْراكِهِ.
﴿عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ الأُمُورَ الدِّينِيَّةَ لا يُعَوَّلُ فِيها إلّا عَلى الحُجَّةِ المُنَزَّلَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وفي تَعْلِيقِ الخَوْفِ الثّانِي بِإشْراكِهِمْ مِنَ المُبالَغَةِ ومُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ ما لا يَخْفى.
هَذا، وأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " ﴿وَلا تَخافُونَ﴾ ... " إلَخْ، مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿أخافُ﴾ " داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، فَمِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا لِإفْضائِهِ إلى فَسادِ المَعْنى قَطْعًا، كَيْفَ لا وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الإنْكارَ بِمَعْنى النَّفْيِ بِالكُلِّيَّةِ، فَيَؤُولُ المَعْنى إلى نَفْيِ الخَوْفِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَفْيِ نَفْيِهِ عَنْهم، وأنَّهُ بَيِّنُ الفَسادِ، وحَمْلُ الإنْكارِ في الأوَّلِ عَلى مَعْنى نَفْيِ الوُقُوعِ، وفي الثّانِي عَلى اسْتِبْعادِ الواقِعِ مِمّا لا مَساغَ لَهُ، عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ ناطِقٌ بِبُطْلانِهِ حَتْمًا، فَإنَّهُ كَلامٌ مُرَتَّبٌ عَلى إنْكارِ خَوْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-156)والسَّلامُ في مَحِلِّ الأمْنِ، مَعَ تَحَقُّقِ عَدَمِ خَوْفِهِمْ في مَحِلِّ الخَوْفِ، مَسُوقٌ لِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاسْتِحْقاقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما هو عَلَيْهِ مِنَ الأمْنِ، وبِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما هم عَلَيْهِ، وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ المُشْعِرَةِ بِاسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ في الجُمْلَةِ، لِاسْتِنْزالِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ المُكابَرَةِ والِاعْتِسافِ بِسَوْقِ الكَلامِ عَلى سَنَنِ الإنْصافِ.
والمُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ: الفَرِيقِ الآمِنِ في مَحِلِّ الأمْنِ، والفَرِيقِ الآمِنِ في مَحِلِّ الخَوْفِ؛ فَإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: فَأيُّنا أحَقُّ بِالأمْنِ أنا أمْ أنْتُمْ ؟ لِتَأْكِيدِ الإلْجاءِ إلى الجَوابِ الحَقِّ بِالتَّنْبِيهِ عَلى عِلَّةِ الحُكْمِ، والتَّفادِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِتَخْطِئَتِهِمْ، لا لِمُجَرَّدِ الِاحْتِرازِ عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ المَفْعُولُ إمّا مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِهِ بِمَعُونَةِ المَقامِ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَن أحَقُّ بِذَلِكَ، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا، وإمّا مَتْرُوكٌ بِالمَرَّةِ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مِن أُولِي العِلْمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَأخْبِرُونِي.
6:82Page 138
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٨٢
They who believe and do not mix their belief with injustice1 - those will have security, and they are [rightly] guided.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِلْجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ؛ أيِ: الفَرِيقُ الَّذِينَ آمَنُوا.
﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ﴾ ذَلِكَ؛ أيْ: لَمْ يَخْلِطُوهُ.
﴿بِظُلْمٍ﴾؛ أيْ: بِشِرْكٍ، كَما يَفْعَلُهُ الفَرِيقُ المُشْرِكُونَ، حَيْثُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّ عِبادَتَهم لِلْأصْنامِ مِن تَتِمّاتِ إيمانِهِمْ وأحْكامِهِ، لِكَوْنِها لِأجْلِ التَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ، كَما قالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، وهَذا مَعْنى الخَلْطِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وفي الإشارَةِ إلَيْهِ بَعْدَ وصْفِهِ بِما ذُكِرَ إيذانٌ بِأنَّهم تَمَيَّزُوا بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وانْتَظَمُوا في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ، وهو مُبْتَدَأٌ ثانٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ الأمْنُ﴾ جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ، وقَعَتْ خَبَرًا لِأُولَئِكَ، وهو مَعَ خَبَرِهِ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ الَّذِي هو المَوْصُولُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ بَدَلًا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ.
وَ" ﴿الأمْنُ﴾ " فاعِلًا لِلظَّرْفِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " ﴿لَهُمُ﴾ " خَبَرًا مُقَدَّمًا و" الأمْنُ " مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " ﴿أُولَئِكَ﴾ " مُبْتَدَأً ثانِيًا، و" ﴿لَهُمُ﴾ " خَبَرُهُ، و" ﴿الأمْنُ﴾ " فاعِلًا لَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ الخالِصِ عَنْ شَوْبِ الشِّرْكِ لَهُمُ الأمْنُ فَقَطْ.
﴿وَهم مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحَقِّ ومَن عَداهم في ضَلالٍ مُبِينٍ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " لَيْسَ ما تَظُنُّونَ، إنَّما هو ما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " .
وَلَيْسَ الإيمانُ بِهِ أنْ يُصَدِّقَ بِوُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، ويَخْلِطَ بِهَذا التَّصْدِيقِ الإشْراكَ بِهِ، ولَيْسَ مِن قَضِيَّةِ الخَلْطِ بَقاءُ الأصْلِ بَعْدَ الخَلْطِ حَقِيقَةً. وقِيلَ: المُرادُ بِالظُّلْمِ: المَعْصِيَةُ الَّتِي تُفَسِّقُ صاحِبَها، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ لِوُرُودِهِ مَوْرِدَ الجَوابِ عَنْ حالَةِ الفَرِيقَيْنِ.
6:83Page 138
وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣
And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.
﴿وَتِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما احْتَجَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ " .
وَقِيلَ: مِن قَوْلِهِ: " ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ " إلى قَوْلِهِ " ﴿مُهْتَدُونَ﴾ "، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ، لِتَفْخِيمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ والإشْعارِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِ وسُمُوِّ مَنزِلَتِهِ (p-157)فِي الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُجَّتُنا﴾ خَبَرُهُ، وفي إضافَتِها إلى نُونِ العَظَمَةِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: أرْشَدْناهُ إلَيْها أوْ عَلَّمْناهُ إيّاها، في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن " حُجَّتُنا "، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ هو الخَبَرُ، و" حُجَّتُنا " بَدَلٌ أوْ بَيانٌ لِلْمُبْتَدَأِ، و" ﴿إبْراهِيمَ﴾ " مَفْعُولٌ أوَّلُ لِآتَيْنا، قُدِّمَ عَلَيْهِ الثّانِي لِكَوْنِهِ ضَمِيرًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحُجَّتُنا إنْ جُعِلَ خَبَرًا لِتِلْكَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ بَدَلًا؛ أيْ: آتَيْنا إبْراهِيمَ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: " آتَيْنا " .
﴿نَرْفَعُ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، وكَذا الفِعْلُ الآتِي.
﴿دَرَجاتٍ﴾؛ أيْ: رُتَبًا عَظِيمَةً عالِيَةً مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ، وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوِ الظَّرْفِيَّةِ، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ: إلى دَرَجاتٍ، أوْ عَلى التَّمْيِيزِ، والمَفْعُولُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن نَشاءُ﴾ وتَأْخِيرُهُ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ لِما مَرَّ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقْدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن نَشاءُ، رَفْعَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، جارِيَةٌ فِيما بَيْنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَقُرِئَ بِالإضافَةِ إلى مَن، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقِيلَ: هي في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن فاعِلِ آتَيْنا؛ أيْ: حالَ كَوْنِنا رافِعِينَ ... إلَخْ.
﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في كُلِّ ما فَعَلَ مِن رَفْعٍ وخَفْضٍ.
﴿عَلِيمٌ﴾ بِحالِ مَن يَرْفَعُهُ، واسْتِعْدادِهِ لَهُ عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةً، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وفي وضْعِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَوْضِعَ نُونِ العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ في تَضاعِيفِ بَيانِ أحْوالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إظْهارٌ لِمَزِيدِ لُطْفٍ وعِنايَةٍ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
6:84Page 138
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٤
And We gave to him [i.e., Abraham] Isaac and Jacob - all [of them] We guided. And Noah, We guided before; and among his descendants, David and Solomon and Job and Joseph and Moses and Aaron. Thus do We reward the doers of good.
﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ ... " إلَخْ؛ فَإنَّ عَطْفَ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ والِاسْمِيَّةِ عَلى الأُخْرى، مِمّا لا نِزاعَ في جَوازِهِ، ولا مَساغَ لِعَطْفِهِ عَلى آتَيْناها؛ لِأنَّ لَهُ مَحَلًّا مِنَ الإعْرابِ نَصْبًا ورَفْعًا حَسْبَما بُيِّنَ مِن قَبْلُ، فَلَوْ عُطِفَ هَذا عَلَيْهِ لَكانَ في حُكْمِهِ مِنَ الحالِيَّةِ والخَبَرِيَّةِ المُسْتَدْعِيَتَيْنِ لِلرّابِطِ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ هَهُنا.
﴿كُلا﴾ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ وتَقْدِيمُهُ لِلْقَصْرِ، لَكِنْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِما مُطْلَقًا، بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدِهِما؛ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما.
﴿هَدَيْنا﴾ لا أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، وتَرْكُ ذِكْرِ المُهْدى إلَيْهِ لِظُهُورِ أنَّهُ الَّذِي أُوتِيَ إبْراهِيمُ وأنَّهُما مُقْتَدِيانِ بِهِ.
﴿وَنُوحًا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ.
﴿هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَدَّ هُداهُ نِعْمَةً عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ شَرَفَ الوالِدِ سارٍ إلى الوَلَدِ.
﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِإبْراهِيمَ؛ لِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ شُئُونِهِ العَظِيمَةِ مِن إيتاءِ الحُجَّةِ، ورَفْعِ الدَّرَجاتِ، وهِبَةِ الأوْلادِ الأنْبِياءِ، وإبْقاءِ هَذِهِ الكَرامَةِ في نَسْلِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، كُلُّ ذَلِكَ لِإلْزامِ مَن يَنْتَمِي إلى مِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ.
وَقِيلَ: لِنُوحٍ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَوْ كانَ الضَّمِيرُ لَهُ لاخْتُصَّ بِالمَعْدُودِينَ في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها، وأمّا المَذْكُورُونَ في الآيَةِ الثّالِثَةِ فَعَطْفٌ عَلى نُوحًا.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ كُلَّهم مُضافُونَ إلى ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وإنْ كانَ (p-158)مِنهم مَن لَمْ يَلْحَقْهُ بِوِلادَةٍ مِن قِبَلِ أُمٍّ ولا أبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، والعَرَبُ تَجْعَلُ العَمَّ أبًا، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أبْناءِ يَعْقُوبَ أنَّهم قالُوا: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾، مَعَ إنَّ إسْمَعِيلَ عَمُّ يَعْقُوبَ.
﴿داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ مَنصُوبانِ بِمُضْمَرٍ مَفْهُومٍ مِمّا سَبَقَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِما، وبِهِ يَتَعَلَّقُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ في الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ مَعَ ما في المَفاعِيلِ مِن نَوْعِ طُولٍ، رُبَّما يُخِلُّ تَأْخِيرُهُ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ أيْ: وهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ.
﴿وَأيُّوبَ﴾ هو ابْنُ أمُوصَ مِنَ أسْباطِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ.
﴿وَيُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَذْكُورِينَ؛ أيْ: وهَدَيْناهم حالَ كَوْنِهِمْ مِن ذُرِّيَّتِهِ.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ مِن جَزاءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
وَأصْلُ التَّقْدِيرِ: ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ جَزاءً مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ، والتَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا، والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ: الجِنْسُ، وبِمُماثَلَةِ جَزائِهِمْ لِجَزائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُطْلَقُ المُشابَهَةِ في مُقابَلَةِ الإحْسانِ بِالإحْسانِ، والمُكافَأةِ بَيْنَ الأعْمالِ والأجْزِيَةِ مِن غَيْرِ بَخْسٍ، لا المُماثَلَةُ مِن كُلِّ وجْهٍ، ضَرُورَةَ أنَّ الجَزاءَ بِكَثْرَةِ الأوْلادِ الأنْبِياءِ مِمّا اخْتَصَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والأقْرَبُ أنَّ لامَ المُحْسِنِينَ لِلْعَهْدِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وهو عِبارَةٌ عَمّا أُوتِيَ المَذْكُورُونَ مِن فُنُونِ الكَراماتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِ، والكافُ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ، ومَحَلُّها في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: ونَجْزِي المُحْسِنِينَ المَذْكُورِينَ جَزاءً كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ، فَقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ، فَصارَ المُشارُ إلَيْهِ نَفْسَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لا نَعْتًا لَهُ؛ أيْ: وذَلِكَ الجَزاءَ البَدِيعَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ المَذْكُورِينَ لا جَزاءً آخَرَ أدْنى مِنهُ.
والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالإحْسانِ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُقارِنُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: " أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ "، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لِما قَبْلَها.
6:85Page 138
وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٥
And Zechariah and John and Jesus and Elias - and all were of the righteous.
﴿وَزَكَرِيّا﴾ هو ابْنُ آذَنَ، ﴿وَيَحْيى﴾ ابْنُهُ.
﴿وَعِيسى﴾ هو ابْنُ مَرْيَمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذُّرِّيَّةَ تَتَناوَلُ أوْلادَ البَناتِ.
﴿وَإلْياسَ﴾ قِيلَ: هو إدْرِيسُ جَدُّ نُوحٍ، فَيَكُونُ البَيانُ مَخْصُوصًا بِمَن في الآيَةِ الأُولى، وقِيلَ: هو مِن أسْباطِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
﴿كُلٌّ﴾؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِما يَنْبَغِي، والتَّحَرُّزِ عَمّا لا يَنْبَغِي، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالصَّلاحِ.
6:86Page 138
وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٦
And Ishmael and Elisha and Jonah and Lot - and all [of them] We preferred over the worlds.
﴿وَإسْماعِيلَ واليَسَعَ﴾ هو ابْنُ أخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ، وقُرِئَ: ( واللَّيْسَعَ ) وهو عَلى القِراءَتَيْنِ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ اللّامُ ولا اشْتِقاقَ لَهُ، ويُقالُ: إنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. وقِيلَ: إنَّهُ مَنقُولٌ مِن مُضارِعِ وسِعَ، واللّامُ كَما في يَزِيدَ في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ أرَأيْتَ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدَ مُبارَكًا ∗∗∗ شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهْ
﴿وَيُونُسَ﴾ (p-159)هُوَ ابْنُ مَتّى، ولُوطًا هو ابْنُ هارانَ بْنِ أخِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿وَكُلا﴾؛ أيْ: وكُلَّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، ﴿فَضَّلْنا﴾ بِالنُّبُوَّةِ لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ.
﴿عَلى العالَمِينَ﴾ عَلى عالَمِي عَصْرِهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ كَأُخْتِها.
6:87Page 138
وَمِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٨٧
And [some] among their fathers and their descendants and their brothers - and We chose them and We guided them to a straight path.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ مِن ذُرِّيَّتِهِ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ جَماعاتٍ كَثِيرَةً، وإمّا مَعْطُوفٌ عَلى " كُلًّا " ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ؛ أيْ: وفَضَّلْنا بَعْضَ آبائِهِمْ ... إلَخْ.
﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى فَضَّلْنا؛ أيِ: اصْطَفَيْناهم.
﴿وَهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَمْهِيدٌ لِبَيانِ ما هُدُوا إلَيْهِ.
6:88Page 138
ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٨٨
That is the guidance of Allāh by which He guides whomever He wills of His servants. But if they had associated others with Allāh, then worthless for them would be whatever they were doing.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ مِن مَصادِرِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ، وقِيلَ: إلى ما دانُوا بِهِ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا.
﴿هُدى اللَّهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ.
﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ وهُمُ المُسْتَعِدُّونَ لِلْهِدايَةِ والإرْشادِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى مُتَفَضِّلٌ بِالهِدايَةِ.
﴿وَلَوْ أشْرَكُوا﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ.
﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ مَعَ فَضْلِهِمْ وعُلُوِّ طَبَقاتِهِمْ.
﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ المَرْضِيَّةِ الصّالِحَةِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهم، وهم هم وأعْمالُهم أعْمالُهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences