Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:89–98
6:89Page 138
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ ٨٩
Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if they [i.e., the disbelievers] deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ الأنْبِياءِ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ، والمَعْطُوفِينَ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الهِدايَةِ، وغَيْرِها مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الثّابِتَةِ لَهم، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾؛ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ المُتَحَقِّقِ في ضِمْنِ؛ أيِّ فَرْدٍ كانَ مِن أفْرادِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، والمُرادُ بِإيتائِهِ: التَّفْهِيمُ التّامُّ بِما فِيهِ مِنَ الحَقائِقِ، والتَّمْكِينُ مِنَ الإحاطَةِ بِالجَلائِلِ والدَّقائِقِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالإنْزالِ ابْتِداءً، أوْ بِالإيراثِ بَقاءً، فَإنَّ المَذْكُورِينَ لَمْ يُنْزَلْ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم كِتابٌ مُعَيَّنٌ.
"الحُكْمَ"؛ أيِ: الحِكْمَةَ، أوْ فَصْلَ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحَقُّ والصَّوابُ.
﴿والنُّبُوَّةَ﴾؛ أيِ: الرِّسالَةَ.
﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها﴾؛ أيْ: بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ، أوْ بِالنُّبُوَّةِ الجامِعَةِ لِلْباقِينَ.
﴿هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: كَفّارُ قُرَيْشٍ، فَإنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القرآن، كافِرُونَ بِما يُصَدِّقُهُ جَمِيعًا، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.
﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها﴾؛ أيْ: أمَرْنا بِمُراعاتِها ووَفَّقْنا لِلْإيمانِ بِها والقِيامِ بِحُقُوقِها.
﴿قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، بَلْ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإيمانِ بِها، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الإيجابِيَّةَ كَما تُفِيدُ دَوامَ الثُّبُوتِ، كَذَلِكَ السَّلْبِيَّةُ تُفِيدُ دَوامَ النَّفْيِ بِمَعُونَةِ المَقامِ، لا نَفْيَ الدَّوامِ كَما حُقِّقَ في مَقامِهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هُمُ الأنْصارُ وأهْلُ المَدِينَةِ. وقِيلَ: أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ . وقِيلَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ مِن بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: الفُرْسُ؛ فَإنَّ (p-160)كُلًّا مِن هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ مُوَفَّقُونَ لِلْإيمانِ بِالأنْبِياءِ، وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ إلَيْهِمْ، عامِلُونَ بِما فِيها مِن أُصُولِ الشَّرائِعِ، وفُرُوعِها الباقِيَةِ في شَرِيعَتِنا، وبِهِ يَتَحَقَّقُ الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّوْكِيلِ، دُونَ المَنسُوخَةِ مِنها، فَإنَّها بِانْتِساخِها خارِجَةٌ عَنْ كَوْنِها مِن أحْكامِها، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المائِدَةِ.
وَقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ؛ فالمُرادُ بِالتَّوْكِيلِ: الأمْرُ بِما هو أعَمُّ مِن إجْراءِ أحْكامِها، كَما هو شَأْنُهم في حَقِّ كِتابِهِمْ، ومِنِ اعْتِقادِ حَقِّيَّتِها كَما هو شَأْنُهم في حَقِّ سائِرِ الكُتُبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القرآن الكَرِيمُ.
وَقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ؛ فالتَّوْكِيلُ هو الأمْرُ بِإنْزالِها وحِفْظِها واعْتِقادِ حَقِّيَّتِها، وأيًّا ما كانَ فَتَنْكِيرُ قَوْمًا لِلتَّفْخِيمِ، والباءُ الأُولى صِلَةٌ لِكافِرِينَ، قُدِّمَتْ عَلَيْهِ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ، والثّانِيَةُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وأمّا تَقْدِيمُ صِلَةِ وكَّلْنا عَلى مَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ، فَلِما ذُكِرَ آنِفًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ولِأنَّ فِيهِ نَوْعَ طُولٍ رُبَّما يُؤَدِّي تَقْدِيمُهُ إلى الإخْلالِ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، أوْ إلى الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ؛ أيْ: فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَلا اعْتِدادَ بِهِ أصْلًا، فَقَدْ وفَّقْنا لِلْإيمانِ بِها قَوْمًا فِخامًا لَيْسُوا بِكافِرِينَ بِها قَطْعًا، بَلْ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإيمانِ بِها والعَمَلِ بِما فِيها، فَفي إيمانِهِمْ بِها مَندُوحَةٌ عَنْ إيمانِ هَؤُلاءِ.
وَمِن هَذا تَبَيَّنَ أنَّ الوَجْهَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالقَوْمِ: إحْدى الطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ؛ إذْ بِإيمانِهِمْ بِالقرآن والعَمَلِ بِأحْكامِهِ، تَتَحَقَّقُ الغُنْيَةُ عَنْ إيمانِ الكَفَرَةِ بِهِ والعَمَلِ بِأحْكامِهِ، وأمّا الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَإيمانُهم بِهِ لَيْسَ مِن قَبِيلِ إيمانِ آحادِ الأُمَّةِ.
6:90Page 138
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ ٩٠
Those are the ones whom Allāh has guided, so from their guidance take an example. Say, "I ask of you for it [i.e., this message] no payment. It is not but a reminder for the worlds."
كَما أُشِيرَ إلَيْهِ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾؛ أيْ: إلى الحَقِّ والنَّهْجِ المُسْتَقِيمِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الهِدايَةِ.
﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾؛ أيْ: فاخْتَصَّ هُداهم بِالِاقْتِداءِ ولا تَقْتَدِ بِغَيْرِهِمْ، والمُرادُ بِهُداهم: طَرِيقَتُهم في الإيمان باللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ، وأُصُولِ الدِّينِ دُونَ الشَّرائِعِ القابِلَةِ لِلنَّسْخِ، فَإنَّها بَعْدَ النَّسْخِ لا تَبْقى هُدًى.
والهاءُ في " اقْتَدِهْ " لِلْوَقْفِ، حَقُّها أنْ تَسْقُطَ في الدَّرْجِ، واسْتُحْسِنَ إثْباتُها فِيهِ أيْضًا إجْراءً لَهُ مُجْرى الوَقْفِ واقْتِداءً بِالإمامِ، وقُرِئَ بِإشْباعِها عَلى أنَّها كِنايَةُ المَصْدَرِ.
﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: عَلى القرآن، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، فَإنَّ مَساقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِما، وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما.
﴿أجْرًا﴾ مِن جِهَتِكم كَما لَمْ يَسْألْهُ مَن قَبْلِي مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ فِيهِ.
﴿إنْ هُوَ﴾؛ أيْ: ما القرآن.
﴿إلا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾؛ أيْ: عِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لَهم كافَّةً مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، فَلا يَخْتَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ آخَرِينَ.
6:91Page 139
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ إِذۡ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٖ مِّن شَيۡءٖۗ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِيرٗاۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنتُمۡ وَلَآ ءَابَآؤُكُمۡۖ قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِي خَوۡضِهِمۡ يَلۡعَبُونَ ٩١
And they did not appraise Allāh with true appraisal1 when they said, "Allāh did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you2 were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allāh [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.
﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ﴾ لِما بُيِّنَ شَأْنُ القرآن العَظِيمِ، وأنَّهُ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مِنهُ تَعالى عَلى كافَّةِ الأُمَمِ، حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾؛ عُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ غَمْطِهِمْ إيّاها وكُفْرِهِمْ بِها، عَلى وجْهٍ سَرى ذَلِكَ إلى الكُفْرِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.
وَأصُلُ القَدْرِ: السَّبْرُ والحَزْرُ، يُقالُ: قَدَرَ الشَّيْءَ يَقْدُرُهُ بِالضَّمِّ قَدْرًا: إذا سَبَرَهُ وحَزَرَهُ لِيَعْرِفَ مِقْدارَهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ في مِقْدارِهِ، وأحْوالِهِ، وأوْصافِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وهو في الأصْلِ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ؛ أيْ: قَدْرَهُ الحَقَّ، فَلَمّا أُضِيفَ إلى مَوْصُوفِهِ انْتَصَبَ عَلى ما كانَ يَنْتَصِبُ عَلَيْهِ مَوْصُوفُهُ؛ أيْ: ما عَرَفُوهُ تَعالى حَقَّ مَعْرِفَتِهِ في اللُّطْفِ بِعِبادِهِ والرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يُراعُوا حُقُوقَهُ تَعالى في ذَلِكَ، بَلْ أخَلُّوا بِها إخْلالًا.
﴿إذْ قالُوا﴾ مُنْكِرِينَ لِبِعْثَةِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، كافِرِينَ بِنِعْمَتِهِ الجَلِيلَةِ فِيهِما.
﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ فَنَفْيُ مَعْرِفَتِهِمْ لِقَدْرِهِ سُبْحانَهُ، كِنايَةٌ عَنْ حَطِّهِمْ لِقَدْرِهِ الجَلِيلِ، ووَصْفِهِمْ لَهُ تَعالى بِنَقِيضِ نَعْتِهِ الجَمِيلِ، كَما أنَّ نَفْيَ المَحَبَّةِ في مِثْلِ: "إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ " كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ والسُّخْطِ، وإلّا فَنَفْيُ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ تَعالى يَتَحَقَّقُ مَعَ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِحَطِّهِ، بَلْ مَعَ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ، كَما في قَوْلِ مَن يُناجِي مُسْتَقْصِرًا لِمَعْرِفَتِهِ وعِبادَتِهِ: سُبْحانَكَ ما عَرَفْناكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ، وما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ، أوْ ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ في السُّخْطِ عَلى الكُفّارِ، وشِدَّةِ بَطْشِهِ تَعالى بِهِمْ، حَسْبَما نَطَقَ بِهِ القرآن حِينَ اجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِهَذِهِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ؛ فالنَّفْيُ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ.
والقائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ، وقَدْ قالُوهُ مُبالَغَةً في إنْكارِ إنْزالِ القرآن عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأُلْزِمُوا بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ أصْلًا، حَيْثُ قِيلَ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾؛ أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ وإلْقامِ الحَجَرِ.
وَرُوِيَ أنَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ مِن أحْبارِ اليَهُودِ ورُؤَسائِهِمْ، قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «أنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى؛ هَلْ تَجِدُ فِيها أنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِينَ، فَأنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ قَدْ سَمِنتَ مِن مالِكِ الَّذِي تُطْعِمُكَ اليَهُودُ» "؛ فَضَحِكَ القَوْمُ فَغَضِبَ، ثُمَّ التَفَتَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ؛ فَنَزَعُوهُ وجَعَلُوا مَكانَهُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ.
وَقِيلَ: هُمُ المُشْرِكُونَ، وإلْزامُهم إنْزالَ التَّوْراةِ لِما أنَّهُ كانَ عِنْدَهم مِنَ المَشاهِيرِ الذّائِعَةِ، ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾، ووَصْفُ الكِتابِ بِالوُصُولِ إلَيْهِمْ لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ وتَشْدِيدِ التَّبْكِيتِ.
وَكَذا تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُورًا وهُدًى﴾ فَإنَّ كَوْنَهُ بَيِّنًا بِنَفْسِهِ، ومُبَيِّنًا لِغَيْرِهِ مِمّا يُؤَكِّدُ الإلْزامَ أيَّ تَأْكِيدٍ، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكِتابِ، والعامِلُ " أنْزَلَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في " بِهِ "، والعامِلُ " جاءَ " .
واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلنّاسِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهُدًى، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ؛ أيْ: هُدًى كائِنًا لِلنّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهَذا مُجَرَّدَ إلْزامِهِمْ بِالِاعْتِرافِ بِإنْزالِ التَّوْراةِ فَقَطْ، بَلْ بِإنْزالِ القرآن أيْضًا، فَإنَّ الِاعْتِرافَ بِإنْزالِها مُسْتَلْزِمٌ لِلِاعْتِرافِ بِإنْزالِهِ قَطْعًا، لِما فِيها مِنَ الشَّواهِدِ النّاطِقَةِ بِهِ.
وَقَدْ نَعى عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوا بِها مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾؛ أيْ: تَضَعُونَهُ في قَراطِيسَ مُقَطَّعَةً، ووَرَقاتٍ مُفَرَّقَةً، بِحَذْفِ الجارِّ بِناءً عَلى تَشْبِيهِ القَراطِيسِ بِالظَّرْفِ المُبْهَمِ، أوْ تَجْعَلُونَهُ نَفْسَ القَراطِيسِ المُقَطَّعَةِ، وفِيهِ زِيادَةُ تَوْبِيخٍ لَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، كَأنَّهم أخْرَجُوهُ مِن جِنْسِ الكِتابِ، ونَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ القَراطِيسِ الخالِيَةِ عَنِ الكِتابَةِ، والجُمْلَةُ حالٌ كَما سَبَقَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُبْدُونَها﴾ صِفَةٌ لِقَراطِيسَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (p-162)مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والعائِدُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: كَثِيرًا مِنهم.
وَقِيلَ: كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ: نُعُوتُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسائِرُ ما كَتَمُوهُ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ، وقُرِئَ الأفْعالُ الثَّلاثَةُ بِالياءِ حَمْلًا عَلى قالُوا: " ﴿وَما قَدَرُوا﴾ " .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾ قِيلَ: هو حالٌ مِن فاعِلِ تَجْعَلُونَهُ، بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ.
قُلْتُ: فَيَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ ما عِبارَةً عَمّا أخَذُوهُ مِنَ الكِتابِ مِنَ العُلُومِ والشَّرائِعِ، لِيَكُونَ التَّقْيِيدُ بِالحالِ مُفِيدًا لِتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ، فَإنَّ ما فَعَلُوهُ بِالكِتابِ مِنَ التَّفْرِيقِ والتَّقْطِيعِ، لِما ذُكِرَ مِنَ الإبْداءِ والإخْفاءِ شَناعَةٌ عَظِيمَةٌ في نَفْسِها، ومَعَ مُلاحَظَةِ كَوْنِهِ مَأْخَذًا لِعُلُومِهِمْ ومَعارِفِهِمْ أشْنَعُ وأعْظَمُ، لا عَمّا تَلَقَّوْهُ مِن جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ زِيادَةً عَلى ما في التَّوْراةِ، وبَيانًا لِما التَبَسَ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ مِن مُشْكِلاتِها، حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القرآن يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، كَما قالُوا؛ لِأنَّ تَلَقِّيَهم لِذَلِكَ مِنَ القرآن الكَرِيمِ، لَيْسَ مِمّا يَزْجُرُهم عَمّا صَنَعُوا بِالتَّوْراةِ.
أمّا ما ورَدَ فِيهِ زِيادَةً عَلى ما فِيها؛ فَلِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِها نَفْيًا ولا إثْباتًا، وأمّا ما ورَدَ بِطَرِيقِ البَيانِ؛ فَلِأنَّ مَدارَ ما فَعَلُوا بِها مِنَ التَّبْدِيلِ والتَّحْرِيفِ، لَيْسَ ما وقَعَ فِيها مِنِ التِباسِ الأمْرِ واشْتِباهِ الحالِ، حَتّى يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ بِإيضاحِهِ وبَيانِهِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ خالِيَةً عَنْ تَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ، فَلا تَسْتَحِقُّ أنْ تَقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، بَلِ الوَجْهُ حِينَئِذٍ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا مُقَرِّرًا لِما قَبْلَها مِن مَجِيءِ الكِتابِ بِطَرِيقِ التَّكْمِلَةِ والِاسْتِطْرادِ والتَّمْهِيدِ، لِما يَعْقُبُهُ مِن مَجِيءِ القرآن.
وَلا سَبِيلَ إلى جَعْلِ ما عِبارَةً عَمّا كَتَمُوهُ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾؛ فَإنَّ ظُهُورَهُ وإنْ كانَ مَزْجَرَةً لَهم عَنِ الكَتْمِ مَخافَةَ الِافْتِضاحِ، وُمُصَحِّحًا لِوُقُوعِ الجُمْلَةِ في مَوْقِعِ الحالِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ الكاتِمُونَ حَتْمًا، هَذا وقَدْ قِيلَ: الخِطابُ لِمَن آمَنَ مِن قُرَيْشٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم إشْعارًا بِتَعَيُّنِ الجَوابِ، بِحَيْثُ لا مَحِيدَ عَنْهُ، وإيذانًا بِأنَّهم أُفْحِمُوا ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا.
﴿ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ﴾ في باطِلِهِمُ الَّذِي يَخُوضُونَ فِيهِ، ولا عَلَيْكَ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ وإلْقامِ الحَجَرِ.
﴿يَلْعَبُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الأوَّلِ، والظَّرْفُ صِلَةٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّمِ، أوِ المُؤَخَّرِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِ الأوَّلِ، أوْ مِن فاعِلِ الثّانِي، أوِ الضَّمِيرِ الثّانِي؛ لِأنَّهُ فاعِلٌ في الحَقِيقَةِ، والظَّرْفُ مُتَّصِلٌ بِالأوَّلِ.
6:92Page 139
وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩٢
And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities [i.e., Makkah] and those around it.1 Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.
﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ تَحْقِيقٌ لِنُزُولِ القرآن الكَرِيمِ بَعْدَ تَقْرِيرِ إنْزالِ ما بَشَّرَ بِهِ مِنَ التَّوْراةِ، وتَكْذِيبٌ لَهم في كَلِمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ إثْرَ تَكْذِيبٍ.
﴿مُبارَكٌ﴾؛ أيْ: كَثِيرُ الفَوائِدِ وجَمُّ المَنافِعِ.
﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ لِنُزُولِهِ حَسْبَما وُصِفَ فِيها، أوِ الكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ، فَإنَّهُ مُصَدِّقٌ لِلْكُلِّ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والأمْرِ بِهِ، ونَفْيِ الشِّرْكِ والنَّهْيِ عَنْهُ، وفي سائِرِ أُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تُنْسَخُ.
﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ عَطْفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ " مُبارَكٌ "؛ أيْ: لِلْبَرَكاتِ ولِإنْذارِكَ أهْلَ مَكَّةَ، وإنَّما ذُكِرَتْ بِاسْمِها المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِها أعْظَمَ القُرى شَأْنًا وقِبْلَةً لِأهْلِها قاطِبَةً؛ إيذانًا بِأنَّ إنْذارَ أهْلِها أصْلٌ مُسْتَتْبِعٌ لِإنْذارِ أهْلِ الأرْضِ كافَّةً، وقُرِئَ: (p-163)( لِيُنْذِرَ ) بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْكِتابِ.
﴿وَمَن حَوْلَها﴾ مِن أهْلِ المَدَرِ والوَبَرِ في المَشارِقِ والمَغارِبِ.
﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وبِما فِيها مِن أفانِينِ العَذابِ.
﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أيْ: بِالكِتابِ؛ لِأنَّهم يَخافُونَ العاقِبَةَ، ولا يَزالُ الخَوْفُ يَحْمِلُهم عَلى النَّظَرِ والتَّأمُّلِ حَتّى يُؤْمِنُوا بِهِ.
﴿وَهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ تَخْصِيصُ مُحافَظَتِهِمْ عَلى الصَّلاةِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ العِباداتِ الَّتِي لا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أدائِها؛ لِلْإيذانِ بِإنافَتِها مِن بَيْنِ سائِرِ الطّاعاتِ، وكَوْنِها أشْرَفَ العِباداتِ بَعْدَ الإيمانِ.
6:93Page 139
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٩٣
And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allāh revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands,1 [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allāh other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَزَعَمَ أنَّهُ تَعالى بَعَثَهُ نَبِيًّا، كَمُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ، أوِ اخْتَلَقَ عَلَيْهِ أحْكامًا مِنَ الحِلِّ والحُرْمَةِ، كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ ومُتابِعِيهِ؛ أيْ: هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وإنْ كانَ سَبْكُ التَّرْكِيبِ عَلى نَفْيِ الأظْلَمِ مِنهُ، وإنْكارِهِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المُساوِي وإنْكارِهِ، فَإنَّ الِاسْتِعْمالَ الفاشِيَ في قَوْلِكَ: مَن أفْضَلُ مِن زَيْدٍ، أوْ لا أكْرَمَ مِنهُ، عَلى أنَّهُ أفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ، وأكْرَمُ مَن كُلِّ كَرِيمٍ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ فِيهِ.
﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى.
﴿وَلَمْ يُوحَ إلَيْهِ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ.
﴿شَيْءٌ﴾ أصْلًا، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، كانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾، فَلَمّا بَلَغَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾، تَعَجُّبًا مِن تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ، ثُمَّ قالَ ﷺ: " اكْتُبْها كَذَلِكَ "؛ فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ كَما أُوحِيَ إلَيْهِ، ولَئِنْ كانَ كاذِبًا فَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ.
﴿وَمَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ كالَّذِينِ قالُوا: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ .
﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ﴾ حُذِفَ مَفْعُولُ " تَرى " لِدَلالَةِ الظَّرْفِ عَلَيْهِ؛ أيْ: ولَوْ تَرى الظّالِمِينَ إذْ هم.
﴿فِي غَمَراتِ المَوْتِ﴾؛ أيْ: شَدائِدِهِ مِن غَمَرَهُ إذا غَشِيَهُ.
﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، كالمُتَقاضِي المُلِظِّ المُلِحِّ، يَبْسُطُ يَدَهُ إلى مَن عَلَيْهِ الحَقُّ، ويُعَنِّفُ عَلَيْهِ في المُطالَبَةِ مِن غَيْرِ إمْهالٍ وتَنْفِيسٍ.
أوْ باسِطُوها بِالعَذابِ قائِلِينَ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾؛ أيْ: أخْرِجُوا أرْواحَكم إلَيْنا مِن أجْسادِكم، وخَلِّصُوا أنْفُسَكم مِنَ العَذابِ.
﴿اليَوْمَ﴾؛ أيْ: وقْتَ الإماتَةِ، أوِ الوَقْتَ المُمْتَدَّ بَعْدَهُ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ.
﴿تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾؛ أيِ: العَذابَ المُتَضَمِّنَ لِشِدَّةٍ وإهانَةٍ، فَإضافَتُهُ إلى الهُونِ وهو الهَوانُ لِعَراقَتِهِ فِيهِ.
﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ كاتِّخاذِ الوَلَدِ لَهُ، ونِسْبَةِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ، وادِّعاءِ النُّبُوَّةِ والوَحْيِ كاذِبًا.
﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ فَلا تَتَأمَّلُونَ فِيها ولا تُؤْمِنُونَ بِها.
6:94Page 139
وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٩٤
[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone [i.e., individually] as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allāh]. It has [all] been severed between you,1 and lost from you is what you used to claim."
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ لِلْحِسابِ.
﴿فُرادى﴾ (p-164)مُنْفَرِدِينَ عَنِ الأمْوالِ والأوْلادِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا آثَرْتُمُوهُ مِنَ الدُّنْيا، أوْ عَنِ الأعْوانِ والأصْنامِ الَّتِي كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّها شُفَعاؤُكم، وهو جَمْعُ فَرْدٍ، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ، كَكُسالى، وقُرِئَ: ( فِرادًا ) كَرِخالٍ، و( فُرادَ ) كَثُلاثَ، و( فَرْدى ) كَسَكْرى.
﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بَدَلٌ مِن فُرادى؛ أيْ: عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي وُلِدْتُمْ عَلَيْها في الِانْفِرادِ، أوْ حالٌ ثانِيَةٌ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَعَدُّدَها، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في فُرادى؛ أيْ: مُشْبِهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِكم عُراةً حُفاةً غُرْلًا بِهِما، أوْ صِفَةُ مَصْدَرِ جِئْتُمُونا؛ أيْ: مَجِيئًا كَخَلْقِنا لَكم أوَّلَ مَرَّةٍ.
﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ تَفَضَّلْناهُ عَلَيْكم في الدُّنْيا فَشُغِلْتُمْ بِهِ عَنِ الآخِرَةِ.
﴿وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ما قَدَّمْتُمْ مِنهُ شَيْئًا ولَمْ تَحْمِلُوا نَقِيرًا.
﴿وَما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾؛ أيْ: شُرَكاءُ اللَّهِ تَعالى في الربوبية واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ.
﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾؛ أيْ: وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكم، كَما يُقالُ: جُمِعَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ؛ أيْ: أُوقِعَ الجَمْعُ بَيْنَهُما.
وَقُرِئَ: ( بَيْنُكم ) بِالرَّفْعِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الظَّرْفِ، كَما يُقالُ: قُوتِلَ أمامُكم وخَلْفُكم، أوْ عَلى أنَّ البَيْنَ اسْمٌ لِلْفَصْلِ والوَصْلِ؛ أيْ: تَقَطَّعُ وصْلُكم، وقُرِئَ: ( ما بَيْنَكم ) .
﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾؛ أيْ: ضاعَ أوْ غابَ.
﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنَّها شُفَعاؤُكم، أوْ أنْ لا بَعْثَ ولا جَزاءَ.
6:95Page 140
۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٩٥
Indeed, Allāh is the cleaver of grain and date seeds.1 He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allāh; so how are you deluded?
﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ شُرُوعٌ في تَقْرِيرِ بَعْضِ أفاعِيلِهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ وقدرته، ولُطْفِ صُنْعِهِ وحِكْمَتِهِ، إثْرَ تَقْرِيرِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ.
والفَلْقُ: الشَّقُّ بِإبانَةٍ؛ أيْ: شاقُّ الحَبِّ بِالنَّباتِ والنَّوى بِالشَّجَرِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: الشَّقُّ الَّذِي في الحُبُوبِ والنَّوى؛ أيْ: خالِقُهُما كَذَلِكَ، كَما في قَوْلِكَ: ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ ووَسِّعْ أسْفَلَها. وقِيلَ: الفَلْقُ بِمَعْنى: الخَلْقِ، قالَ الواحِدِيُّ: ذَهَبُوا بِفالِقٍ مَذْهَبَ فاطِرٍ.
﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾؛ أيْ: يُخْرِجُ ما يَنْمُو مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ مِمّا لا يَنْمُو مِنَ النُّطْفَةِ والحَبِّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمُخْرِجُ المَيِّتِ﴾ كالنُّطْفَةِ والحَبِّ.
﴿مِنَ الحَيِّ﴾ كالحَيَوانِ والنَّباتِ، عَطْفٌ عَلى فالِقِ الحَبِّ، لا عَلى " يُخْرِجُ " عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ إخْراجَ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ لَيْسَ مِن قَبِيلِ فَلْقِ الحَبِّ والنَّوى.
﴿ذَلِكُمُ﴾ القادِرُ العَظِيمُ الشَّأْنِ هو.
﴿اللَّهَ﴾ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ.
﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى غَيْرِهِ ولا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا.
6:96Page 140
فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٩٦
[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِإنَّ، أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والإصْباحُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الصُّبْحُ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ صُبْحٍ؛ أيْ: فالِقُ عَمُودِ الفَجْرِ عَنْ بَياضِ النَّهارِ وإسْفارِهِ، أوْ فالِقُ ظُلْمَةِ الإصْباحِ، وهي الغَبَشُ الَّذِي يَلِي الصُّبْحَ، وقُرِئَ: ( فالِقَ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ.
﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ يَسْكُنُ إلَيْهِ التَّعِبُ بِالنَّهارِ لِاسْتِراحَتِهِ فِيهِ، مِن سَكَنَ إلَيْهِ: إذا اطْمَأنَّ إلَيْهِ اسْتِئْناسًا بِهِ، أوْ يَسْكُنُ فِيهِ الخَلْقُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ .
وَقُرِئَ: ( جاعِلُ اللَّيْلِ ) فانْتِصابُ سَكَنًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ جاعِلُ. وقِيلَ: بِنَفْسِهِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ: الجَعْلُ المُسْتَمِرُّ في الأزْمِنَةِ المُتَجَدِّدَةِ حَسَبَ تَجَدُّدِها، لا الجَعْلُ الماضِي فَقَطْ. وقِيلَ: اسْمُ الفاعِلِ مِنَ الفِعْلِ المُتَعَدِّي إلى اثْنَيْنِ يَعْمَلُ في الثّانِي، وإنْ كانَ بِمَعْنى الماضِي؛ لِأنَّهُ لَمّا أُضِيفَ إلى الأوَّلِ تَعَيَّنَ نَصْبُهُ لِلثّانِي لِتَعَذُّرِ الإضافَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. (p-165)
﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى اللَّيْلِ وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ، قِيلَ: هُما مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّهِ، والأحْسَنُ نَصْبُهُما حِينَئِذٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقَدْ قُرِئا بِالجَرِّ وبِالرَّفْعِ أيْضًا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَجْعُولانِ.
﴿حُسْبانًا﴾؛ أيْ: عَلى أدْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ يُحْسَبُ بِها الأوْقاتُ الَّتِي نِيطَ بِها العِباداتُ والمُعامَلاتُ، أوْ مَحْسُوبانِ حُسْبانًا، والحُسْبانُ بِالضَّمِّ مَصْدَرُ حَسَبَ، كَما أنَّ الحِسابَ بِالكَسْرِ مَصْدَرُ حَسِبَ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى جَعْلِهِما كَذَلِكَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ؛ أيْ: ذَلِكَ التَّيْسِيرُ البَدِيعُ.
﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ الغالِبِ القاهِرِ الَّذِي لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَسْيِيرُهُما عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ.
﴿العَلِيمِ﴾ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما في ذَلِكَ التَّسْيِيرِ مِنَ المَنافِعِ والمَصالِحِ، المُتَعَلِّقَةِ بِمَعاشِ الخَلْقِ ومَعادِهِمْ.
6:97Page 140
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٩٧
And it is He who placed for you the stars that you may be guided by them through the darknesses of the land and sea. We have detailed the signs for a people who know.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ نِعْمَتِهِ تَعالى في الكَواكِبِ، إثْرَ بَيانِ نِعْمَتِهِ تَعالى في النَّيِّرَيْنِ، والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ؛ أيْ: أنْشَأها وأبْدَعَها لِأجْلِكم.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَهْتَدُوا بِها﴾ بَدَلٌ مِنَ المَجْرُورِ بِإعادَةِ العامِلِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، كَما قِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾، والتَّقْدِيرُ: جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِاهْتِدائِكم، لَكِنْ لا عَلى أنَّ غايَةَ خَلْقِها اهْتِداؤُهم فَقَطْ، بَلْ عَلى طَرِيقَةِ إفْرادِ بَعْضِ مَنافِعِها وغاياتِها بِالذِّكْرِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ.
وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِلْجَعْلِ، وهو بِمَعْنى التَّصْيِيرِ؛ أيْ: جَعَلَها كائِنَةً لِاهْتِدائِكم في أسْفارِكم عِنْدَ دُخُولِكُمُ المَفاوِزَ أوِ البِحارَ.
كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾؛ أيْ: في ظُلُماتِ اللَّيْلِ في البَرِّ والبَحْرِ، وإضافَتُها إلَيْهِما لِلْمُلابَسَةِ، فَإنَّ الحاجَةَ إلى الِاهْتِداءِ بِها إنَّما يَتَحَقَّقُ عِنْدَ ذَلِكَ، أوْ في مُشْتَبِهاتِ الطُّرُقِ عَبَّرَ عَنْها بِالظُّلُماتِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ.
﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾؛ أيْ: بَيَّنّا الآياتِ المَتْلُوَّةَ المُذَكِّرَةَ لِنِعَمِهِ الَّتِي هَذِهِ النِّعْمَةُ مِن جُمْلَتِها، أوِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ الدّالَّةَ عَلى شُئُونِهِ تَعالى مُفَصَّلَةً.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: مَعانِيَ الآياتِ المَذْكُورَةِ ويَعْلَمُونَ بِمُوجَبِها، أوْ يَتَفَكَّرُونَ في الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ فَيَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الحالِ، وتَخْصِيصُ التَّفْصِيلِ بِهِمْ مَعَ عُمُومِهِ لِلْكُلِّ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.
6:98Page 140
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ ٩٨
And it is He who produced you from one soul and [gave you] a place of dwelling and of storage.1 We have detailed the signs for a people who understand.
﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمِهِ تَعالى دالَّةٍ عَلى عِظَمِ قدرته، ولَطِيفِ صُنْعِهِ وحِكْمَتِهِ؛ أيْ: أنْشَأكم مَعَ كَثْرَتِكم مِن نَفْسِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾؛ أيْ: فَلَكُمُ اسْتِقْرارٌ في الأصْلابِ أوْ فَوْقَ الأرْضِ، واسْتِيداعٌ في الأرْحامِ أوْ تَحْتَ الأرْضِ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ واسْتِيداعٍ فِيما ذُكِرَ، والتَّعْبِيرُ عَنْ كَوْنِهِمْ في الأصْلابِ أوْ فَوْقَ الأرْضِ بِالِاسْتِقْرارِ؛ لِأنَّهُما مَقَرُّهُمُ الطَّبِيعِيُّ، كَما أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ كَوْنِهِمْ في الأرْحامِ أوْ تَحْتَ الأرْضِ بِالِاسْتِيداعِ؛ لِما أنَّ كُلًّا مِنهُما لَيْسَ بِمَقَرِّهِمُ الطَّبِيعِيِّ، وقَدْ حُمِلَ الِاسْتِيداعُ عَلى كَوْنِهِمْ في الأصْلابِ، ولَيْسَ بِواضِحٍ.
وَقُرِئَ: ( فَمُسْتَقِرٌّ ) بِكَسْرِ القافِ؛ أيْ: فَمِنكم مُسْتَقِرٌّ ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ، فَإنَّ الِاسْتِقْرارَ مِنّا (p-166)بِخِلافِ الِاسْتِيداعِ.
﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ المُبَيِّنَةَ لِتَفاصِيلِ خَلْقِ البَشَرِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها.
﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ غَوامِضَ الدَّقائِقِ بِاسْتِعْمالِ الفِطْنَةِ، وتَدْقِيقِ النَّظَرِ في لَطائِفِ صُنْعِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في أطْوارِ تَخْلِيقِ بَنِي آدَمَ، مِمّا تَحارُ في فَهْمِهِ الألباب، وهو السِّرُّ في إيثارِ يَفْقَهُونَ عَلى يَعْلَمُونَ، كَما ورَدَ في شَأْنِ النُّجُومِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences