Abu as-Su'udAl‑Haqqah · 69:1–46

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

الحاقة

Al-Haqqah

The Reality · Meccan · 52 ayahs

69:1Page 566

ٱلۡحَآقَّةُ ١

The Inevitable Reality -

(p-21)سُورَةُ الحاقَّةِ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها اثْنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً

﴿الحاقَّةُ﴾ أيِ: السّاعَةُ، أوِ الحالَةُ الثّابِتَةُ الوُقُوعِ الواجِبَةُ المَجِيءِ لا مَحالَةَ، أوِ الَّتِي يَحِقُّ فِيها الأُمُورُ الحَقَّةُ مِنَ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ، أوِ الَّتِي تَحِقُّ فِيها الأُمُورُ، أيْ: تُعْرَفُ عَلى الحَقِيقَةِ، مِن حَقَّهُ يَحِقُّهُ إذا عَرَفَ حَقِيقَتَهُ، جَعَلَ الفِعْلَ لَها ومَجازًا، وهو لِما فِيها مِنَ الأُمُورِ، أوْ لِمَن فِيها مِن أُولِي العِلْمِ، وأيًّا ما كانَ فَحَذْفُ المَوْصُوفِ لَلْإيذانَ بِكَمالِ ظُهُورِ اتِّصافِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وجَرَيانِها مَجْرى الأسْمِ وارْتِفاعُها عَلى الأبْتِداءِ خَبَرُها.

69:2Page 566

مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٢

What is the Inevitable Reality?

﴿ما الحاقَّةُ﴾ إلى أنَّ "ما" مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و"الحاقَّةُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والأصْلُ: ما هي أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي في حالِها وصِفَتِها، فَإنَّ ما قَدْ يُطْلَبُ بِها الصِّفَةُ والحالُ، فَوَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمِرِ تَأْكِيدًا لِهَوْلِها، هَذا ما ذَكَرُوهُ في إعْرابِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ونَظائِرِها، وقَدْ سَبَقَ في سُورَةِ الواقِعَةِ أنَّ مُقْتَضى التَّحْقِيقِ أنْ تَكُونَ "ما" الاسْتِفْهامِيَّةُ خَبَرًا لِما بَعْدَها، فَإنَّ مَناطَ الإفادَةِ بَيانُ أنَّ الحاقَّةَ أمْرٌ بَدِيعٌ وخَطْبٌ فَظِيعٌ، كَما يُفِيدُهُ كَوْنُ "ما" خَبَرًا لا بَيانُ أنَّ أمْرًا بَدِيعًا الحاقَّةُ، كَما يُفِيدُهُ كَوْنُها مُبْتَدَأً وكَوْنُ الحاقَّةِ خَبَرًا، وقَوْلُهُ تَعالى:

69:3Page 566

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٣

And what can make you know what is the Inevitable Reality?

﴿وَما أدْراكَ﴾ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ.

﴿ما الحاقَّةُ﴾ تَأْكِيدٌ لِهَوْلِها وفَظاعَتِها بِبَيانِ خُرُوجِها عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ المَخْلُوقاتِ عَلى مَعْنى أنَّ عِظَمَ شَأْنِها ومَدى هَوْلِها وشِدَّتِها بِحَيْثُ لا تَكادُ تَبْلُغُهُ دِرايَةُ أحَدٍ، ولا وهْمُهُ، وكَيْفَما قَدَّرْتَ حالَها فَهي أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وأعْظَمُ، فَلا يَتَسَنّى الإعْلامُ، وما في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى الأبْتِداءِ، و"أدْراكَ" خَبَرُهُ، ولا مَساغَ هَهُنا لِلْعَكْسِ، و"ما الحاقَّةُ" جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي عَرَفْتَهُ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي: بِالباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا أدْراكم بِهِ" فَلَمّا وقَعَتْ جُمْلَةُ الاسْتِفْهامِ مُعَلَّقَةً لَهُ كانَتْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، والجُمْلَةُ الكَبِيرَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: "الحاقَّةُ" مُؤَكِّدَةٌ لِهَوْلِها كَما مَرَّ.

69:4Page 566

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ وَعَادُۢ بِٱلۡقَارِعَةِ ٤

Thamūd and ʿAad denied the Striking Calamity [i.e., the Resurrection].

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ أيْ: بِالحالَةِ الَّتِي تُقَرِّعُ النّاسَ بِفُنُونِ الأفْزاعِ والأهْوالِ، والسَّماءَ بِالأنْشِقاقِ والأنْفِطارِ، والأرْضَ والجِبالَ بِالدَّكِّ (p-22)والنَّسْفِ، والنُّجُومَ بِالطَّمْسِ والأنْكِدارِ، ووَضْعُها مَوْضِعَ ضَمِيرِ الحاقَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى القَرْعِ فِيها تَشْدِيدًا لِهَوْلِها، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِإعْلامِ بَعْضِ أحْوالِ الحاقَّةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إثْرَ تَقْرِيرِ أنَّهُ ما أدْراهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِها أحَدٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ ونَظائِرُهُ خَلا أنَّ المُبَيَّنَ هُناكَ نَفْسُ المَسْؤُلِ عَنْها، وهَهُنا حالٌ مِن أحْوالِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ فَكَما أنَّ المُبَيَّنَ هُناكَ لَيْسَ نَفْسَ لَيْلَةِ القَدْرِ، بَلْ فَضْلَها وشَرَفَها كَذَلِكَ المُبَيَّنُ هَهُنا هَوْلُ الحاقَّةِ، وعِظَمُ شَأْنِها، وكَوْنُها بِحَيْثُ يَحِقُّ إهْلاكُ مَن يُكَذِّبُ بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ ؟ كَذَّبَتْ بِها ثَمُودُ وعادٌ فَأُهْلِكُوا.

69:5Page 566

فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهۡلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ ٥

So as for Thamūd, they were destroyed by the overpowering [blast].

﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ أيْ: بِالواقِعَةِ المُجاوِزَةِ لِلْحَدِّ، وهي الصَّيْحَةُ أوِ الرّاجِفَةُ.

69:6Page 566

وَأَمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ ٦

And as for ʿAad, they were destroyed by a screaming,1 violent wind

﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أيْ: شَدِيدَةِ الصَّوْتِ لَها صَرْصَرَةٌ، أوْ شَدِيدَةِ البَرْدِ تُحْرِقُ بِبَرْدِها.

﴿عاتِيَةٍ﴾ شَدِيدَةِ العَصْفِ، كَأنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِن ضَبْطِها، أوْ عَلى عادٍ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى رَدِّها، وقَوْلُهُ تَعالى:

69:7Page 566

سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِيهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ ٧

Which He [i.e., Allāh] imposed upon them for seven nights and eight days in succession, so you would see the people therein fallen as if they were hollow trunks of palm trees.

﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ إهْلاكِهِمْ بِالرِّيحِ، أيْ: سَلَّطَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقدرته القاهِرَةِ.

﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ أيْ: مُتَتابِعاتٍ جَمْعُ حاسِمٍ، كَشُهُودٍ جَمْعُ شاهِدٍ، مِن حَسَمْتُ الدّابَّةَ إذا تابَعْتُ بَيْنَ كَيِّها، أوْ نَحِساتٌ حَسَمَتْ كُلَّ خَيْرٍ واسْتَأْصَلَتْهُ، أوْ قاطِعاتٌ قَطَعَتْ دابِرَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُنْتَصِبًا عَلى العِلَّةِ بِمَعْنى قَطْعًا، أوْ عَلى المَصْدَرِ لِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ حالأ، أيْ: تَحْسِمُهم حُسُومًا، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالفَتْحِ، وهي كانَتْ أيّامَ العَجُوزِ مِن صَبِيحَةِ أرْبِعاءَ إلى غُرُوبِ الأرْبِعاءِ الآخَرِ، وإنَّما سُمِّيَتْ عَجُوزًا، لِأنَّ عَجُوزًا مِن عادٍ تَوارَتْ في سِرْبٍ فانْتَزَعَتْها الرِّيحُ في اليَوْمِ الثّامِنِ فَأهْلَكَتْها، وقِيلَ: هي أيّامُ العَجْزِ وهي آخِرُ الشِّتاءِ، وأسْماؤُها الصِّنُّ، والصِّنَّبْرُ، والوَبَرُ، والآمِرُ، والمُؤْتَمَرُ، والمُعَلِّلُ، ومُطْفِئُ الجَمْرِ، وقِيلَ: ومُكْفِيء الظَّعْنِ.

﴿فَتَرى القَوْمَ﴾ إنْ كُنْتَ حاضِرًا حِينَئِذٍ.

﴿فِيها﴾ في مَهابِّها، أوْ في تِلْكَ اللَّيالِي والأيّامِ.

﴿صَرْعى﴾ مَوْتى، جَمْعُ صَرِيعٍ.

﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ﴾ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ.

﴿خاوِيَةٍ﴾ مُتَآكِلَةِ الأجْوافِ.

69:8Page 566

فَهَلۡ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٖ ٨

Then do you see of them any remains?

﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: بَقِيَّةٍ، أوْ نَفْسٍ باقِيَةٍ، أوْ بَقاءٍ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كالكاذِبَةِ والطّاغِيَةِ.

69:9Page 567

وَجَآءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلَهُۥ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتُ بِٱلۡخَاطِئَةِ ٩

And there came Pharaoh and those before him and the overturned cities1 with sin.

﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾ أيْ: ومَن تَقَدَّمَهُ، وقُرِئَ: (وَمِن قَبْلِهِ) أيْ: ومِن عِنْدِهُ مِن أتْباعِهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: (وَمَن مَعَهُ).

﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾ أيْ: قُرى قَوْمِ لُوطٍ أيْ أهْلُها.

﴿بِالخاطِئَةِ﴾ بِالخَطَأِ، أوْ بِالفِعْلَةِ، أوِ الأفْعالِ ذاتِ الخَطَأِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَكْذِيبُ (p-23)البَعْثِ والقِيامَةِ.

69:10Page 567

فَعَصَوۡاْ رَسُولَ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَهُمۡ أَخۡذَةٗ رَّابِيَةً ١٠

And they disobeyed the messenger of their Lord, so He seized them with a seizure exceeding [in severity].

﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: فَعَصى كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَها حِينَ نَهَوْهم عَمّا كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِنَ القَبائِحِ ﴿فَأخَذَهُمْ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

﴿أخْذَةً رابِيَةً﴾ أيْ: زائِدَةً في الشِّدَّةِ كَما زادَتْ قَبائِحُهم في القُبْحِ مِن رِبا الشَّيْءِ إذا زادَ.

69:11Page 567

إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلۡمَآءُ حَمَلۡنَٰكُمۡ فِي ٱلۡجَارِيَةِ ١١

Indeed, when the water overflowed, We carried you [i.e., your ancestors] in the sailing ship1

﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ بِسَبَبِ إصْرارِ قَوْمِ نُوحٍ عَلى فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي، ومُبالَغَتِهِمْ في تَكْذِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما أُوْحِيَ إلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْوالُ القِيامَةِ.

﴿حَمَلْناكُمْ﴾ أيْ: في أصْلابِ آبائِكم.

﴿فِي الجارِيَةِ﴾ في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُرادُ بِحَمْلِهِمْ فِيها: رَفْعُهم فَوْقَ الماءِ إلى انْقِضاءِ أيّامِ الطُّوفانِ لا مُجَرَّدُ رَفْعِهِمْ إلى السَّفِينَةِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ كَلِمَةُ "فِي" فَإنَّها لَيْسَتْ بِصِلَةٍ لِلْحَمْلِ، بَلْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: رَفَعْناكم فَوْقَ الماءِ، وحَفَظْناكم حالَ كَوْنِكم في السَّفِينَةِ الجارِيَةِ بِأمْرِنا وحِفْظِنا، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَدارَ نَجاتِهِمْ مَحْضُ عِصْمَتِهِ تَعالى، إنَّما السَّفِينَةُ سَبَبٌ صُورِيٌّ.

69:12Page 567

لِنَجۡعَلَهَا لَكُمۡ تَذۡكِرَةٗ وَتَعِيَهَآ أُذُنٞ وَٰعِيَةٞ ١٢

That We might make it for you a reminder and [that] a conscious ear would be conscious of it.

﴿لِنَجْعَلَها﴾ أيْ: لِنَجْعَلَ الفِعْلَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإغْراقِ الكافِرِينَ.

﴿لَكم تَذْكِرَةً﴾ عِبْرَةً ودَلالَةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ وحَكَمْتِهِ وقُوَّةِ قَهْرِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ.

﴿وَتَعِيَها﴾ أيْ: تَحْفَظُها، والوَعْيُ أنْ تْحْفَظَ الشَّيْءَ في نَفْسِكَ، والإيعاءُ أنْ تَحْفَظَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ مِن وِعاءٍ، وقُرِئَ تَعْيَها بِسُكُونِ العَيْنِ تَشْبِيهًا لَهُ بِكَتِفٍ ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أيْ: أُذُنٌ مِن شَأْنِها أنْ تَحْفَظَ ما يَجِبُ حِفْظُهُ بِتَذَكُّرِهِ وإشاعَتِهِ والتَّفَكُّرِ فِيهِ، ولا تُضَيِّعُهُ بِتَرْكِ العَمَلِ بِهِ، والتَّنْكِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى قِلَّتِها، وأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ مَعَ قِلَّتِهِ يَتَسَبَّبُ لِنَجاةِ الجَمِّ الغَفِيرِ وإدامَةِ نَسْلِهِمْ، وقُرِئَ: (أُذْنٌ) بِالتَّخْفِيفِ.

69:13Page 567

فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفۡخَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣

Then when the Horn is blown with one blast

﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ شُرُوعٌ في بَيانٍ نَفْسِ الحاقَّةِ، وكَيْفِيَةِ وُقُوعِها إثْرَ بَيانِ عِظَمِ شَأْنِها بِإهْلاكِ مُكَذِّبِيها، وإنَّما أسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَصْدَرِ لِتَقْيِيدِهِ وحَسُنَ تَذْكِيرُهُ لِلْفَصْلِ، وقُرِئَ: (نَفْخَةً واحِدَةً) بِالنَّصْبِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، والمُرادُ بِها: النَّفْخَةُ الأُولى الَّتِي عِنْدَها خَرابُ العالَمِ.

69:14Page 567

وَحُمِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةٗ وَٰحِدَةٗ ١٤

And the earth and the mountains are lifted and leveled with one blow [i.e., stroke] -

﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ أيْ: قُلِعَتْ ورُفِعَتْ مِن أماكِنِها بِمُجَرَّدِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، أوْ بِتَوَسُّطِ الزَّلْزَلَةِ، أوِ الرِّيحِ العاصِفَةِ.

﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: فَضُرِبَتِ الجُمْلَتانِ إثْرَ رَفْعِهِما بَعْضِها بِبَعْضٍ ضَرْبَةً واحِدَةً حَتّى تَنْدَقَ وتَرْجِعَ كَثِيبًا مَهِيلًا وهَباءً مُنْبَثًّا، وقِيلَ: فَبُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً فَصارَتا قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، مِن قَوْلِهِمُ انْدَكَّ السَّنامُ، إذا تَفَرَّشَ، وبَعِيرٌ أدَكُّ وناقَةٌ دَكّاءُ، ومِنهُ الدُّكّانُ.

69:15Page 567

فَيَوۡمَئِذٖ وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ١٥

Then on that Day, the Occurrence [i.e., Resurrection] will occur,

﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ فَحِينَئِذٍ.

﴿وَقَعَتِ (p-24)الواقِعَةُ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ.

69:16Page 567

وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوۡمَئِذٖ وَاهِيَةٞ ١٦

And the heaven will split [open], for that Day it is infirm.1

﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ.

﴿فَهِيَ﴾ أيِ: السَّماءُ ﴿يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ بَعْدَ ما كانَتْ مُحْكَمَةً.

69:17Page 567

وَٱلۡمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرۡجَآئِهَاۚ وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ ١٧

And the angels are at its edges. And there will bear the Throne of your Lord above them, that Day, eight [of them].

﴿والمَلَكُ﴾ أيِ: الخَلْقُ المَعْرُوفُ بِالمَلَكِ.

﴿عَلى أرْجائِها﴾ أيْ: جَوانِبِها جَمْعُ رَجا بِالقَصْرِ، أيْ: تَنْشَقُّ السَّماءُ الَّتِي هي مَساكِنُهم فَيَلْجَأُونَ إلى أكْنافِها وحافاتِها.

﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هُمُ الأرْجاءُ، أوْ فَوْقَ الثَّمانِيَةِ.

﴿يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أيَّدَهُمُ اللَّهُ - تَعالى -بِأرْبَعَةٍ آخَرِينَ فَيَكُونُونَ ثَمانِيَةً، ورُوِيَ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ أرْجُلهم في تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ، والعَرْشُ فَوْقَ رُؤُسِهِمْ وهم مُطْرِقُونَ مُسَبِّحُونَ، وقِيلَ: بَعْضُهم عَلى صُورَةِ الإنْسانِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الأسَدِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الثَّوْرِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ النَّسْرِ، ورُوِيَ ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ في خَلْقِ الأوْعالِ ما بَيْنَ أظْلافِها إلى رُكَبِها مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عامًا، وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوشَبٍ: أرْبَعَةٌ مِنهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِك،َ لَكَ الحَمْدُ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ، وأرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لَك الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، وعَنِ الحَسَنِ: اللَّهُ أعْلَمُ! أثَمانِيَةٌ أمْ ثَمانِيَةُ آلافٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الثَّمانِيَةُ مِن الرُّوحِ، أوْ مِن خَلْقٍ آخَرَ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِعَظَمَتِهِ تَعالى بِما يُشاهِدُ مِن أحْوالِ السَّلاطِينِ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ عَلى النّاسِ لِلْقَضاءِ العامِ لِكَوْنِها أقْصى ما يُتَصَوَّرُ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالِ وإلّا فَشُؤُنُهُ سُبْحانَهُ أجَلُّ مَن كَلِّ ما يُحِيطُ بِهِ فَلَكُ العِبارَةِ والإشارَةِ.

69:18Page 567

يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ ١٨

That Day, you will be exhibited [for judgement]; not hidden among you is anything concealed.1

﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: تُسْألُونَ وتُحاسَبُونَ، عَبَّرْ عَنْهُ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا لَهُ بِعَرْضِ السُّلْطانِ العَسْكَرَ لِتَعَرُّفِ أحْوالِهِمْ. رُوِيَ أنَّ في يَوْمِ القِيامَةِ ثَلاثَ عُرْضاتٍ، فَأمّا عُرْضَتانِ فاعْتِذارٌ واحْتِجاجٌ وتَوْبِيخٌ، وأمّا الثّالِثَةُ فَفِيها تُنْشَرُ الكُتُبُ، فَيَأْخُذُ الفائِزُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والهالِكُ بِشِمالِهِ، وهَذا وإنْ كانَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، لَكِنْ لَمّا كانَ اليَوْمُ اِسْمًا لِزَمانٍ مُتَّسِعٍ يَقَعُ فِيهِ النَّفْخَتانِ والصَّعْقَةُ والنُّشُورُ والحِسابُ، وإدْخالُ أهْلِ الجَنَّةَ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، صَحَّ جَعْلُهُ ظَرْفًا لِلْكُلِّ.

﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ حالٌ مِن مَرْفُوعٍ تُعْرَضُونَ، أيْ: تُعْرَضُونَ غَيْرَ خافٍ عَلَيْهِ تَعالى سِرٌّ مِن أسْرارِكم قَبْلَ ذَلِكَ أيْضًا، وإنَّما العَرْضُ لِإفْشاءِ الحالِ والمُبالَغَةِ في العَدْلِ، أوْ غَيْرِ خافٍ يَوْمئِذٍ عَلى النّاسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ وقُرِئَ: (يَخْفى) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.

69:19Page 567

فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ ١٩

So as for he who is given his record in his right hand, he will say, "Here, read my record!

﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ تَفْصِيلٌ لِأحْكامِ العَرْضِ.

﴿فَيَقُولُ﴾ تَبَجُّحًا وابْتِهاجًا.

﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ ها اِسْمٌ لخُذْ، وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ أجْوَدُهُنَّ هاءٍ يا رَجُلُ، وهاءِ يا امْرَأةُ، وهاؤُما يا رَجُلانِ، أوِ امْرَأتانِ، وهاءونَ يا رِجالُ، وهاؤُنَّ يا نِسْوَةُ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، وكِتابِيَهْ مَفْعُولُ "اقْرَؤُا"؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ العالَمِينَ؛ ولِأنَّهُ (p-25)لَوْ كانَ مَفْعُولَ هاؤُمُ لَقِيلَ اقْرَؤُهُ إذِ الأوْلى إضْمارُهُ حَيْثُ أمْكَنَ، والهاءُ فِيهِ وفي حِسابِيَهْ ومالِيَهْ وسُلْطانِيَهْ لَلسَّكْتِ، تُثْبَتُ في الوَقْفِ، وتَسْقُطُ في الوَصْلِ، واسْتُحِبَّ إثْباتُها لِثَباتِها في الإمامِ.

69:20Page 567

إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ ٢٠

Indeed, I was certain that I would be meeting my account."

﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ أيْ: عَلِمْتُ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِالظَّنِّ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا يَقْدَحُ في الأعْتِقادِ ما يَهْجِسُ في النَّفْسِ مِنَ الخَطِراتِ الَّتِي لا يَنْفَكُّ عَنْها العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ غالِبًا.

69:21Page 567

فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ٢١

So he will be in a pleasant life -

﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ذاتِ رِضًا عَلى النِّسْبَةِ بِالصِّيغَةِ كَما يُقالُ: دارِعٌ في النِّسْبَةِ بِالحَرْفِ، أوْ جُعِلَ الفِعْلُ لَها مَجازًا، وهو لِصاحِبِها وذَلِكَ لِكَوْنِها صافِيَةً عَنِ الشَّوائِبِ دائِمَةً مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ.

69:22Page 567

فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ٢٢

In an elevated garden,

﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ مُرْتَفِعَةِ المَكانِ؛ لِأنَّها في السَّماءِ، أوِ الدَّرَجاتِ، أوِ الأبْنِيَةِ والأشْجارِ.

69:23Page 567

قُطُوفُهَا دَانِيَةٞ ٢٣

Its [fruit] to be picked hanging near.

﴿قُطُوفُها﴾ جَمْعُ قِطْفٍ، وهو ما يُجْتَنى بِسُرْعَةٍ، والقَطْفُ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ.

﴿دانِيَةٌ﴾ يَتَناوَلُها القاعِدُ.

69:24Page 567

كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَآ أَسۡلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡأَيَّامِ ٱلۡخَالِيَةِ ٢٤

[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you put forth1 in the days past."

﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ بِإضْمارِ القَوْلِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.

﴿هَنِيئًا﴾ أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا، أوْ هُنِّئْتُمْ هَنِيئًا.

﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ بِماقَبْلَهُ ما قَدَّمَتْهم مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

﴿فِي الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ أيِ: الماضِيَةِ في الدُّنْيا، وعَنْ مُجاهِدٍ: أيّامُ الصِّيامِ. ورُوِيَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: يا أوْلِيائِي، طالَما نَظَرْتُ إلَيْكم في الدُّنْيا. وقَدْ قَلَّصَتْ شِفاهُكُمْعَنِ الأشْرِبَةِ وغارَتْ أعْيُنُكم وخَمُصَتْ بُطُونُكُمْ؛ فَكُونُوا اليَوْمَ في نَعِيمِكم " وكُلُوا واشْرَبُوا " الآيَةَ.

69:25Page 567

وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُوتَ كِتَٰبِيَهۡ ٢٥

But as for he who is given his record in his left hand, he will say, "Oh, I wish I had not been given my record

﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾ وأُرِي ما فِيهِ مِن قَبائِحِ الأعْمالِ ﴿فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ .

69:26Page 567

وَلَمۡ أَدۡرِ مَا حِسَابِيَهۡ ٢٦

And had not known what is my account.

﴿وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ لِما شاهَدَ مِن سُوءِ العاقِبَةِ

69:27Page 567

يَٰلَيۡتَهَا كَانَتِ ٱلۡقَاضِيَةَ ٢٧

I wish it [i.e., my death] had been the decisive one.1

﴿يا لَيْتَها﴾ يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها ﴿كانَتِ القاضِيَةَ﴾ أيِ: القاطِعَةُ لِأمْرِي ولَمْ أُبْعَثْ بَعْدَها ولَمْ ألْقَ ما ألْقى، فَضَمِيرُ "لَيْتَها" لِلْمَوْتَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِما شاهَدَهُ مِنَ الحالَةِ، أيْ: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضَتْ عَلَيَّ، لِما أنَّهُ وجَدَها أمَرَّ مِنَ المَوْتِ فَتَمَنّاهُ عِنْدَها، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا أيْ: (p-26)يا لَيْتَ الحَياةَ الدُّنْيا كانَتِ المَوْتَةَ ولَمْ أُخْلَقْ حَيًّا.

69:28Page 567

مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ ٢٨

My wealth has not availed me.

﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ ما لِيَ مِنَ المالِ، والأتْباعِ عَلى أنَّ "ما" نافِيَةٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلْإنْكارِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي ما كانَ لِي مِنَ اليَسارِ.

69:29Page 567

هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ ٢٩

Gone from me is my authority."1

﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أيْ: مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ، أوْ حُجَّتِي الَّتِى كُنْتُ أحْتَجُّ بِها في الدُّنْيا، أوْ تَسَلُّطِي عَلى القُوى والآلاتِ فَعَجَزْتُ عَنِ اسْتِعْمالِها في العِباداتِ.

69:30Page 567

خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ٣٠

[Allāh will say], "Seize him and shackle him.

﴿خُذُوهُ﴾ حِكايَةٌ لِما يَقُولُهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ لِخَزَنَةِ النّارِ: ﴿فَغُلُّوهُ﴾ أيْ: شُدُّوهُ بِالأغْلالِ.

69:31Page 567

ثُمَّ ٱلۡجَحِيمَ صَلُّوهُ ٣١

Then into Hellfire drive him.

﴿ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ﴾ أيْ: لا تُصْلُوهُ إلّا الجحيم، وهي النّارُ العَظِيمَةُ؛ لِيَكُونَ الجَزاءُ عَلى وفْقِ المَعْصِيَةِ، حَيْثُ كانَ يَتَعاظَمُ عَلى النّاسِ.

69:32Page 567

ثُمَّ فِي سِلۡسِلَةٖ ذَرۡعُهَا سَبۡعُونَ ذِرَاعٗا فَٱسۡلُكُوهُ ٣٢

Then into a chain whose length is seventy cubits insert him."

﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها﴾ أيْ: طُولُها ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ فَأدْخِلُوهُ فِيها بِأنْ تَلُفُّوها عَلى جَسَدِهِ، فَهو فِيما بَيْنَها مُرْهَقٌ لا يَسْتَطِعُ حِراكًا ما، وتَقْدِيمُ السِّلْسِلَةِ كَتَقْدِيمِ الجحيم لِلدَّلالَةِ عَلى الأخْتِصاصِ والأهْتِمامِ بِذِكْرِ ألْوانِ ما يُعَذَّبُ بِهِ، و"ثُمَّ" لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الغَلِّ والتَّصْلِيَةِ وما بَيْنَهُما، وبَيْنَ السَّلْكِ في السِّلْسِلَةِ في الشِّدَّةِ.

69:33Page 567

إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ ٱلۡعَظِيمِ ٣٣

Indeed, he did not used to believe in Allāh, the Most Great,

﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ الأسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ، ووَصْفُهُ تَعالى بِالعِظَمِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعَظَمَةِ فَحَسْبُ، فَمَن نَسَبَها إلى نَفْسِهِ اسْتَحَقَّ أعْظَمَ العُقُوباتِ.

69:34Page 567

وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ٣٤

Nor did he encourage the feeding of the poor.

﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ولا يَحُثُّ عَلى بَذْلِ طَعامِهِ، أوْ عَلى إطْعامِهِ فَضْلًا أنْ يَبْذُلَ ما مِن مالِهِ، وقِيلَ: ذُكِرَ الحَضُّ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تارِكَ الحَضِّ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ فَما ظَنُّكَ بِتارِكِ الفِعْلِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ قالُوا: تَخْصِيصُ الأمْرَيْنِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّ أقْبَحَ العَقائِدِ الكُفْرُ، وأشْنَعَ الرَّذائِلِ البُخْلُ وقَسْوَةُ القَلْبِ.

69:35Page 568

فَلَيۡسَ لَهُ ٱلۡيَوۡمَ هَٰهُنَا حَمِيمٞ ٣٥

So there is not for him here this Day any devoted friend

﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَحْمِيهِ ويَدْفَعُ عَنْهُ ويَحْزَنُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ أوْلِياءَهُ يَتَحامَوْنَهُ ويَفِرُّونَ مِنهُ.

69:36Page 568

وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنۡ غِسۡلِينٖ ٣٦

Nor any food except from the discharge of wounds;

﴿وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ أيْ: مِن غُسالَةِ أهْلِ النّارِ (p-27)وَصَدِيدِهِمْ، فِعْلِينَ مِنَ الغُسْلِ.

69:37Page 568

لَّا يَأۡكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡخَٰطِـُٔونَ ٣٧

None will eat it except the sinners.

﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ أصْحابُ الخَطايا مِن خَطِيءَ الرَّجُلُ إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ لا مِنَ الخَطَأِ المُقابِلِ لِلصَّوابِ دُونَ المُقابِلِ لِلْعَمْدِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، وقُرِئَ: (الخاطِيُونَ) بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً، وقُرِئَ: بِطَرْحِها، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِمُ الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ الحَقَّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ.

69:38Page 568

فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَا تُبۡصِرُونَ ٣٨

So I swear by what you see

﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ أيْ: فَأُقْسِمُ، عَلى أنَّ "لا" مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وأمّا حَمْلُهُ عَلى مَعْنى نَفْيِ الإقْسامِ لِظُهُورِ الأمْرِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّحْقِيقِ فَيَرُدُّهُ تَعْيِينُ المُقْسَمِ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾

69:39Page 568

وَمَا لَا تُبۡصِرُونَ ٣٩

And what you do not see

﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ كَمّا مَرَّ في سُورَةِ الواقِعَةِ، أيْ: أُقْسِمُ بِالمُشاهَداتِ والمُغَيَّباتِ، وقِيلَ: بِالدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: بِالأجْسامِ والأرْواحِ، والإنْسِ والجِنِّ، والخَلْقِ والخالِقِ، والنِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والأوَّلُ مُنْتَظِمٌ لِلْكُلِّ.

69:40Page 568

إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ٤٠

[That] indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the word of a noble Messenger.

﴿إنَّهُ﴾ أيِ: القرآن.

﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّ الرَّسُولَ لا يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ ﴿كَرِيمٍ﴾ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو النَّبِيُّ، أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ.

69:41Page 568

وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ ٤١

And it is not the word of a poet; little do you believe.

﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ كَمّا تَزْعُمُونَ تارَةً.

﴿قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ إيمانًا قَلِيلًا تُؤْمِنُونَ.

69:42Page 568

وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٤٢

Nor the word of a soothsayer; little do you remember.

﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ كَمّا تَدَّعُونَ ذَلِكَ تارَةً أُخْرى.

﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ عَلى أنَّ القِلَّةَ بِمَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَتَذَكَّرُونَ أصْلًا، قِيلَ: ذُكِرَ الإيمانُ مَعَ نَفْيِ الشّاعِرِيَّةِ والتَّذَكُّرِ مَعَ نَفْيِ الكاهِنِيَّةِ لِما أنَّ عَدَمَ مُشابَهَةِ القرآن الشِّعْرَ أمْرٌ بَيِّنٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُعانِدٌ بِخِلافِ مُبايَنَتِهِ لِلْكَهانَةِ، فَإنَّها تَتَوَقَّفُ عَلى تَذَكُّرِ أحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَعانِي القرآن المُنافِيَةِ لِطَرِيقَةِ الكَهَنَةِ ومَعانِي أقْوالِهِمْ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِمّا لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَأمُّلٍ قَطْعًا، وقُرِئَ: بِالياءِ فِيهِما.

69:43Page 568

تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٣

[It is] a revelation from the Lord of the worlds.

﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ نَزَّلَّهُ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

69:44Page 568

وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ ٤٤

And if he [i.e., Muḥammad] had made up about Us some [false] sayings,

﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ سُمِّي الأفْتِراءُ تَقَوُّلًا؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، والأقْوالُ المُفْتَراةُ أقاوِيلُ تَحْقِيرًا لَها، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ كالأضاحِيكِ.

69:45Page 568

لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ ٤٥

We would have seized him by the right hand;1

(p-28)﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ أيْ: بِيَمِينِهِ.

69:46Page 568

ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ ٤٦

Then We would have cut from him the aorta.1

﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ أيْ: نِياطَ قَلْبِهِ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، وهو تَصْوِيرٌ لِإهْلاكِهِ بِأفْظَعِ ما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَغْضَبُونَ عَلَيْهِ، وهو أنْ يَأْخُذَ القَتّالُ بِيَمِينِهِ ويَكْفَحُهُ بِالسَّيْفِ، ويَضْرِبَ عُنُقَهُ، وقِيلَ: اليَمِينُ بِمَعْنى القُوَّةِ، قالَ قائِلُهُمْ:

؎ إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском