Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:137–147
7:137Page 166
وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ ١٣٧
And We caused the people who had been oppressed to inherit the eastern regions of the land and the western ones, which We had blessed. And the good word [i.e., decree] of your Lord was fulfilled for the Children of Israel because of what they had patiently endured. And We destroyed [all] that Pharaoh and his people were producing and what they had been building.
﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾؛ أيْ: بِالِاسْتِعْبادِ وذَبْحِ الأبْناءِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الِاسْتِضْعافِ وتَجَدُّدِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ، ذُكِرُوا بِهَذا العُنْوانِ إظْهارًا لِكَمالِ لُطْفِهِ تَعالى بِهِمْ، وعَظِيمِ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ في رَفْعِهِمْ مِن حَضِيضِ المَذَلَّةِ إلى أوْجِ العِزَّةِ.
﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾؛ أيْ: جانِبَيْها الشَّرْقِيَّ والغَرْبِيَّ، حَيْثُ مَلَكَها بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ الفَراعِنَةِ والعَمالِقَةِ، وتَصَرَّفُوا في أكْنافِها الشَّرْقِيَّةِ والغَرْبِيَّةِ كَيْفَ شاءُوا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾؛ أيْ: بِالخَصْبِ وسَعَةِ الأرْزاقِ، صِفَةٌ لِلْمَشارِقِ والمَغارِبِ، وقِيلَ: لِلْأرْضِ، وفِيهِ ضَعْفٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالمَعْطُوفِ، كَما في قَوْلِكَ: قامَ أمُّ هِنْدَ وأبُوها العاقِلَةُ.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ وهي وعْدُهُ تَعالى إيّاهم بِالنَّصْرِ والتَّمْكِينِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهم الوارِثِينَ﴾، وقُرِئَ: ( كَلِماتُ ) لِتَعَدُّدِ المَواعِيدِ، ومَعْنى تَمَّتْ: مَضَتْ واسْتَمَرَّتْ. (p-267)
﴿عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى الشَّدائِدِ الَّتِي كابَدُوها مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
﴿وَدَمَّرْنا﴾؛ أيْ: خَرَّبْنا وأهْلَكْنا.
﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ﴾ مِنَ العِماراتِ والقُصُورِ؛ أيْ: ودَمَّرْنا الَّذِي كانَ فِرْعَوْنُ يَصْنَعُهُ، عَلى أنَّ "فِرْعَوْنُ" اسْمُ كانَ، و" ﴿يَصْنَعُ﴾ " خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والجُمْلَةُ الكَوْنِيَّةُ صِلَةُ " ما "، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. وقِيلَ: اسْمُ كانَ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ما المَوْصُولَةِ، ويَصْنَعُ مُسْنَدٌ إلى فِرْعَوْنَ، والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْضًا، والتَّقْدِيرُ: ودَمَّرْنا الَّذِي كانَ هو يَصْنَعُهُ فِرْعَوْنُ ... إلَخْ.
وَقِيلَ: كانَ زائِدَةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: ما يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ ... إلَخْ. وقِيلَ: كانَ زائِدَةٌ كَما ذُكِرَ، وما مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ودَمَّرْنا الَّذِي يَصْنَعُهُ فِرْعَوْنُ ... إلَخْ؛ أيْ: صُنْعَهُ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
﴿وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ مِنَ الجَنّاتِ، أوْ ما كانُوا يَرْفَعُونَهُ مِنَ البُنْيانِ كَصَرْحِ هامانَ، وقُرِئَ: ( يَعْرُشُونَ ) بِضَمِّ الرّاءِ، والكَسْرُ أفْصَحُ، وهَذا آخِرُ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
7:138Page 167
وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ١٣٨
And We took the Children of Israel across the sea; then they came upon a people intent in devotion to [some] idols of theirs. They [the Children of Israel] said, "O Moses, make for us a god just as they have gods." He said, "Indeed, you are a people behaving ignorantly.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وشَرْحِ ما أحْدَثُوهُ مِنَ الأُمُورِ الشَّنِيعَةِ بَعْدَ أنْ أنْقَذَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن مَلَكَةِ فِرْعَوْنَ، ومَنَّ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ المُوجِبَةِ لِلشُّكْرِ، وأراهم مِنَ الآياتِ الكِبارِ ما تَخِرُّ لَهُ شُمُّ الجِبالِ، تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإيقاظًا لِلْمُؤْمِنِينَ حَتّى لا يَغْفُلُوا عَنْ مُحاسَبَةِ أنْفُسِهِمْ ومُراقَبَةِ أحْوالِهِمْ.
وَجاوَزَ بِمَعْنى جازَ، وقُرِئَ: ( جَوَّزْنا ) بِالتَّشْدِيدِ، وهو أيْضًا بِمَعْنى جازَ، فَعُدِّيَ بِالباءِ؛ أيْ: قَطَعْنا بِهِمُ البَحْرَ. رُوِيَ أنَّهُ عَبَرَ بِهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ عاشُوراءَ بَعْدَ ما أهْلَكَ اللَّهُ تَعالى فِرْعَوْنَ، فَصامُوهُ شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿فَأتَوْا﴾؛ أيْ: مَرُّوا.
﴿عَلى قَوْمٍ﴾ قِيلَ: كانُوا مِن لَخْمٍ، وقِيلَ: مِنَ العَمالِقَةِ الكَنْعانِيِّينَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقِتالِهِمْ.
﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾؛ أيْ: يُواظِبُونَ عَلى عِبادَتِها ويُلازِمُونَها، وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ أصْنامُهم تَماثِيلَ بَقَرٍ، وهو أوَّلُ شَأْنِ العِجْلِ.
﴿قالُوا﴾ عِنْدَ ما شاهَدُوا أحْوالَهم.
﴿يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ مِثالًا نَعْبُدُهُ.
﴿كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَإلَهًا، وما مَوْصُولَةٌ، ولَهم صِلَتُها، وآلِهَةٌ بَدَلٌ مِن ما، والتَّقْدِيرُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كائِنًا كالَّذِي اسْتَقَرَّ هو لَهم.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تَعَجَّبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِمْ هَذا إثْرَ ما شاهَدُوا مِنَ الآيَةِ الكُبْرى والمُعْجِزَةِ العُظْمى، فَوَصَفَهم بِالجَهْلِ المُطْلَقِ؛ إذْ لا جَهْلَ أعْظَمُ مِمّا ظَهَرَ مِنهم.
7:139Page 167
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٩
Indeed, those [worshippers] - destroyed is that in which they are [engaged], and worthless is whatever they were doing."
وَأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي: القَوْمَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ تِلْكَ التَّماثِيلَ.
﴿مُتَبَّرٌ﴾؛ أيْ: مُدَمَّرٌ مُكَسَّرٌ.
﴿ما هم فِيهِ﴾؛ أيْ: مِنَ الدِّينِ الباطِلِ؛ أيْ: يُتَبِّرُ اللَّهُ تَعالى، ويَهْدِمُ دِينَهُمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ عَنْ قَرِيبٍ، ويُحَطِّمُ أصْنامَهم ويَتْرُكُها رُضاضًا، وإنَّما جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ.
﴿وَباطِلٌ﴾؛ أيْ: مُضْمَحِلٌّ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن عِبادَتِها، وإنْ كانَ قَصْدُهم بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ كُفْرٌ مَحْضٌ، ولَيْسَ هَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ كَما تُوُهِّمَ، فَإنَّ المُرادَ بِهِ: أعْمالُ البِرِّ الَّتِي عَمِلُوها في الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّها في أنْفُسِها حَسَناتٌ (p-268)لَوْ قارَنَتِ الإيمانَ لاسْتَتْبَعَتْ أُجُورَها، وإنَّما بَطَلَتْ لِمُقارَنَتِها الكُفْرَ.
وَفِي إيقاعِ هَؤُلاءِ اسْمًا لِإنَّ، وتَقْدِيمِ الخَبَرِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَها وسْمٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ بِأنَّهم هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ، وأنَّهُ لا يَعْدُوهُمُ البَتَّةَ، وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةَ لازِبٍ، لِيُحَذِّرَهم عاقِبَةَ ما طَلَبُوا ويُبَغِّضَ إلَيْهِمْ ما أحَبُّوا.
7:140Page 167
قَالَ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِيكُمۡ إِلَٰهٗا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٠
He said, "Is it other than Allāh I should desire for you as a god1 while He has preferred you over the worlds?"
﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ شُئُونِ اللَّهِ تَعالى المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ تَعالى، بَعْدَ بَيانِ أنَّ ما طَلَبُوا عِبادَتَهُ مِمّا لا يُمْكِنُ طَلَبُهُ أصْلًا لِكَوْنِهِ هالِكًا باطِلًا، ولِذَلِكَ وُسِّطَ بَيْنَهُما " قالَ " مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ والتَّوْبِيخِ، وإدْخالُ الهَمْزَةِ عَلى " غَيْرَ " لِلْإيذانِ بِأنَّ المَنكُوَّ هو كَوْنُ المَبْغِيِّ غَيْرَهُ تَعالى، لِما أنَّهُ لِاخْتِصاصِ الإنْكارِ بِغَيْرِهِ تَعالى دُونَ إنْكارِ الِاخْتِصاصِ بِغَيْرِهِ تَعالى، وانْتِصابُ " غَيْرَ " عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ أبْغِي بِحَذْفِ اللّامِ؛ أيْ: أبْغِي لَكم؛ أيْ: أطْلُبُ لَكم غَيْرَ اللَّهِ تَعالى.
وَ" إلَهًا " إمّا تَمْيِيزٌ، أوْ حالٌ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِن إلَهًا، وهو المَفْعُولُ لِأبْغِي، عَلى أنَّ الأصْلَ: أبْغِي لَكم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ، فَغَيْرَ اللَّهِ صِفَةٌ لَإلَهًا، فَلَمّا قُدِّمَتْ صِفَةُ النَّكِرَةِ انْتَصَبَتْ حالًا.
﴿وَهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى خَصَّكم بِنِعَمٍ لَمْ يُعْطِها غَيْرَكم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى ما صَنَعُوا مِن سُوءِ المُعامَلَةِ، حَيْثُ قابَلُوا تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم مِن بَيْنِ أمْثالِهِمْ بِما لَمْ يَسْتَحِقُّوهُ، تَفَضُّلًا بِأنْ عَمَدُوا إلى أخَسِّ شَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، فَجَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ تَعالى، تَبًّا لَهم ولِما يَعْبُدُونَ.
7:141Page 167
وَإِذۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ١٤١
And [recall, O Children of Israel], when We saved you from the people of Pharaoh, [who were] afflicting you with the worst torment - killing your sons and keeping your women alive. And in that was a great trial from your Lord.
﴿وَإذْ أنْجَيْناكُمْ﴾ تَذْكِيرٌ لَهم مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ بِنِعْمَةِ الإنْجاءِ مِن مَلَكَةِ فِرْعَوْنَ، وقُرِئَ: ( نَجَّيْناكم ) مِنَ التَّنْجِيَةِ، وقُرِئَ: ( أنْجاكم )، فَيَكُونُ مَسُوقًا مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ أيْ: واذْكُرُوا وقْتَ إنْجائِنا إيّاكم.
﴿مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ مِن مَلَكَتِهِمْ، لا بِمُجَرَّدِ تَخْلِيصِكم مِن أيْدِيهِمْ، وهم عَلى حالِهِمْ في المُكْنَةِ والقُدْرَةِ، بَلْ بِإهْلاكِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ مِن سامَهُ خَسْفًا؛ أيْ: أوْلاهُ إيّاهُ أوْ كَلَّفَهُ إيّاهُ، وهو إمّا اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أنْجاهم مِنهُ، أوْ حالٌ مِنَ المُخاطَبِينَ، أوْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، أوْ مِنهُما مَعًا؛ لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرَيْهِما.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن " يَسُومُونَكم " مُبَيِّنٌ أوْ مُفَسِّرٌ لَهُ.
﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ الإنْجاءِ أوْ سُوءِ العَذابِ.
﴿بَلاءٌ﴾؛ أيْ: نِعْمَةٌ أوْ مِحْنَةٌ.
﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مِن مالِكِ أمْرِكم، فَإنَّ النِّعْمَةَ والنِّقْمَةَ كِلْتاهُما مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
﴿عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
7:142Page 167
۞ وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤٢
And We made an appointment with Moses for thirty nights and perfected them by [the addition of] ten; so the term of his Lord was completed as forty nights. And Moses said to his brother Aaron, "Take my place among my people, do right [by them],1 and do not follow the way of the corrupters."
﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ وهم بِمِصْرَ إنْ أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهم، أتاهم بِكِتابٍ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ الكِتابَ، فَأمَرَهُ بِصَوْمِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وهو شَهْرُ ذِي القَعْدَةِ، فَلَمّا أتَمَّ الثَّلاثِينَ أنْكَرَ خُلُوفَ فِيهِ، فَتَسَوَّكَ؛ (p-269)فَقالَتِ المَلائِكَةُ: كُنّا نَشُمُّ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ، فَأفْسَدْتَهُ بِالسِّواكِ.
وَقِيلَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أما عَلِمْتَ أنَّ رِيحَ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدِي مِن رِيحِ المِسْكِ؛ فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَزِيدَ عَلَيْها عَشَرَةَ أيّامٍ مِن ذِي الحِجَّةِ لِذَلِكَ.
وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِاللَّيالِي؛ لِأنَّها غُرَرُ الشُّهُورِ، وقِيلَ: أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وأنْ يَعْمَلَ فِيها بِما يُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ في العَشْرِ وكَلَّمَ فِيها، وقَدْ أُجْمِلَ ذِكْرُ الأرْبَعِينَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفُصِّلَ هَهُنا.
وَواعَدْنا بِمَعْنى وعَدْنا، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الصِّيغَةُ عَلى بابِها بِناءً عَلى تَنْزِيلِ قَبُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَنزِلَةَ الوَعْدِ، وثَلاثِينَ مَفْعُولٌ ثانٍ لِواعَدْنا بِحَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: إتْمامَ ثَلاثِينَ لَيْلَةً.
﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾؛ أيْ: بالِغًا أرْبَعِينَ لَيْلَةً.
﴿وَقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ﴾ حِينَ تَوَجَّهَ إلى المُناجاةِ حَسْبَما أُمِرَ بِهِ.
﴿اخْلُفْنِي﴾؛ أيْ: كُنْ خَلِيفَتِي.
﴿فِي قَوْمِي﴾ وراقِبْهم فِيما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ.
﴿وَأصْلِحْ﴾ ما يَحْتاجُ إلى الإصْلاحِ مِن أُمُورِهِمْ، أوْ كُنْ مُصْلِحًا.
﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾؛ أيْ: لا تَتَّبِعْ مَن سَلَكَ الإفْسادَ، ولا تُطِعْ مَن دَعاكَ إلَيْهِ.
7:143Page 167
وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٤٣
And when Moses arrived at Our appointed time and his Lord spoke to him, he said, "My Lord, show me [Yourself] that I may look at You." [Allāh] said, "You will not see Me,1 but look at the mountain; if it should remain in place, then you will see Me." But when his Lord appeared to the mountain, He rendered it level,2 and Moses fell unconscious. And when he awoke, he said, "Exalted are You! I have repented to You, and I am the first [among my people] of the believers."3
﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ لِوَقْتِنا الَّذِي وقَّتْناهُ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ؛ أيِ: اخْتَصَّ مَجِيئُهُ بِمِيقاتِنا.
﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفِيما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَسْمَعُ ذَلِكَ مِن كُلِّ جِهَةٍ، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ سَماعَ كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ مِن جِنْسِ سَماعِ كَلامِ المُحَدِّثِينَ.
﴿قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: أرِنِي ذاتَكَ بِأنْ تُمَكِّنَنِي مِن رُؤْيَتِكَ، أوْ تَتَجَلّى لِي فَأنْظُرَ إلَيْكَ وأراكَ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ رُؤْيَتَهُ تَعالى جائِزَةٌ في الجُمْلَةِ، لِما أنَّ طَلَبَ المُسْتَحِيلِ مُسْتَحِيلٌ مِنَ الأنْبِياءِ، لا سِيَّما ما يَقْتَضِي الجَهْلَ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى؛ ولِذَلِكَ رَدَّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: " لَنْ تَرانِي "، دُونَ لَنْ أرى، ولَنْ أُرِيَكَ، ولَنْ تَنْظُرَ إلَيَّ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ قاصِرٌ عَنْ رُؤْيَتِهِ، لِتَوَقُّفِها عَلى مُعَدٍّ في الرّائِي، ولَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ بَعْدُ، وجَعْلُ السُّؤالِ لِتَبْكِيتِ قَوْمِهِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ خَطَأٌ؛ إذْ لَوْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةً، لَوَجَبَ أنْ يُجَهِّلَهم ويُزِيحَ شُبْهَتَهم، كَما فَعَلَ ذَلِكَ حِينَ قالُوا: " ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ "، وأنْ لا يَتَّبِعَ سَبِيلَهم، كَما قالَ لِأخِيهِ: ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ .
والِاسْتِدْلالُ بِالجَوابِ عَلى اسْتِحالَتِها أشَدُّ خَطَأً؛ إذْ لا يَدُلُّ الإخْبارُ بِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ إيّاهُ عَلى أنَّهُ لا يَراهُ أبَدًا، وأنْ لا يَراهُ غَيْرُهُ أصْلًا، فَضْلًا عَنْ أنْ يَدُلَّ عَلى اسْتِحالَتِها، ودَعْوى الضَّرُورَةِ مُكابَرَةٌ، أوْ جَهْلٌ لِحَقِيقَةِ الرُّؤْيَةِ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ رَبُّ العِزَّةِ حِينَ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما قالَ ؟ فَقِيلَ: قالَ.
﴿لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ اسْتِدْراكٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا يُطِيقُ بِها، وفي تَعْلِيقِها بِاسْتِقْرارِ الجَبَلِ أيْضًا دَلِيلٌ عَلى الجَوازِ، ضَرُورَةَ أنَّ المُعَلَّقَ بِالمُمْكِنِ مُمْكِنٌ، والجَبَلُ: قِيلَ: هو جَبَلُ أُرْدُنَّ.
﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾؛ أيْ: ظَهَرَتْ لَهُ عَظَمَتُهُ، وتَصَدّى لَهُ اقْتِدارُهُ وأمْرُهُ، وقِيلَ: أُعْطِيَ الجَبَلُ حَياةً ورُؤْيَةً حَتّى رَآهُ.
﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ مَدْكُوكًا مُفَتَّتًا، والدَّكُ والدَّقُّ أخَوانِ، كالشَّكِّ والشَّقِّ، (p-270)وَقُرِئَ: ( دَكّاءَ )؛ أيْ: أرْضًا مُسْتَوِيَةً، ومِنهُ: ناقَةٌ دَكّاءُ: لِلَّتِي لا سَنامَ لَها، وقُرِئَ: ( دُكًّا ) جَمْعُ دَكّاءَ؛ أيْ: قِطَعًا.
﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مِن هَوْلِ ما رَآهُ.
﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ الإفاقَةُ: رُجُوعُ العَقْلِ والفَهْمِ إلى الإنْسانِ بَعْدَ ذَهابِهِما بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ.
﴿قالَ﴾ تَعْظِيمًا لِما شاهَدَهُ.
﴿سُبْحانَكَ﴾؛ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ مِن أنْ أسْألَكَ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنٍ مِنكَ.
﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: مِنَ الجَراءَةِ والإقْدامِ عَلى السُّؤالِ بِغَيْرِ إذْنٍ.
﴿وَأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِكَ وجَلالِكَ، وقِيلَ: أوَّلُ مَن آمَنَ بِأنَّكَ لا تُرى في الدُّنْيا، وقِيلَ: بِأنَّهُ لا يَجُوزُ السُّؤالُ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنكَ.
7:144Page 168
قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤
[Allāh] said, "O Moses, I have chosen you over the people with My messages and My words [to you]. So take what I have given you and be among the grateful."
﴿قالَ يا مُوسى﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن عَدَمِ الإجابَةِ إلى سُؤالِ الرُّؤْيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ مَنَعْتُكَ الرُّؤْيَةَ فَقَدْ أعْطَيْتُكَ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ ما لَمْ أُعْطِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فاغْتَنِمْها وثابِرْ عَلى شُكْرِها.
﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾؛ أيِ: اخْتَرْتُكَ، واتَّخَذْتُكَ صَفْوَةً، وآثَرْتُكَ.
﴿عَلى النّاسِ﴾؛ أيِ: المُعاصِرِينَ لَكَ، وهارُونُ وإنْ كانَ نَبِيًّا كانَ مَأْمُورًا بِاتِّباعِهِ، وما كانَ كَلِيمًا ولا صاحِبَ شَرْعٍ.
﴿بِرِسالاتِي﴾؛ أيْ: بِأسْفارِ التَّوْراةِ، وقُرِئَ: ( بِرِسالَتِي ) .
﴿وَبِكَلامِي﴾ وبِتَكْلِيمِي إيّاكَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ.
﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾؛ أيْ: أعْطَيْتُكَ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ.
﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ عَلى ما أُعْطِيتَ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ، قِيلَ: كانَ سُؤالُ الرُّؤْيَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وإعْطاءُ التَّوْراةِ يَوْمَ النَّحْرِ.
7:145Page 168
وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٤٥
And We wrote for him on the tablets [something] of all things - instruction and explanation for all things, [saying], "Take them with determination and order your people to take the best of it. I will show you the home of the defiantly disobedient."1
﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ.
﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ؛ أيْ: كَتَبْنا لَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَواعِظِ وتَفْصِيلِ الأحْكامِ، واخْتُلِفَ في عَدَدِ الألْواحِ وفي جَوْهَرِها ومِقْدارِها؛ فَقِيلَ: إنَّها كانَتْ عَشَرَةَ ألْواحٍ، وقِيلَ: سَبْعَةً، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ، وإنَّها كانَتْ مِن زُمُرُّدَةٍ جاءَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: مِن زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ، أوْ ياقُوتَةٍ حَمْراءَ.
وَقِيلَ: أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى بِقَطْعِها مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيَّنَها لَهُ، فَقَطَّعَها بِيَدِهِ وشَقَّقَها بِأصابِعِهِ. وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانَتْ مِن خُشُبٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ فِيها التَّوْراةُ، وإنَّ طُولَها كانَ عَشَرَةَ أذْرُعٍ.
وَقِيلَ: أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وهي سَبْعُونَ وِقْرَ بَعِيرٍ، يُقْرَأُ الجُزْءُ مِنهُ في سَنَةٍ، لَمْ يَقْرَأْها إلّا أرْبَعَةُ نَفَرٍ: مُوسى، ويُوشَعُ، وعُزَيْرٌ، وعِيسى، عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وعَنْ مُقاتِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُتِبَ في الألْواحِ: إنِّي أنا اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ لا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، ولا تَقْطَعُوا السَّبِيلَ، ولا تَزْنُوا، ولا تَعُقُّوا الوالِدَيْنِ.
﴿فَخُذْها﴾ عَلى إضْمارِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى كَتَبْنا؛ أيْ: فَقُلْنا: خُذْها.
﴿بِقُوَّةٍ﴾ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ "، والضَّمِيرُ لِلْألْواحِ، أوْ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الأشْياءِ، أوْ لِلرِّسالَةِ، أوْ لِلتَّوْراةِ.
﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾؛ أيْ: بِأحْسَنِ ما فِيها، كالعَفْوِ والصَّبْرِ، بِالإضافَةِ إلى الِاقْتِصاصِ والِانْتِصارِ عَلى طَرِيقَةِ النَّدْبِ، والحَثِّ عَلى اخْتِيارِ الأفْضَلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾، أوْ بِواجِباتِها، فَإنَّها (p-271)أحْسَنُ مِنَ المُباحِ.
وَقِيلَ: المَعْنى: يَأْخُذُوا بِها وأحْسَنَ صِلَةً. قالَ قُطْرُبٌ: أيْ: بِحَسَنِها، وكُلُّها حَسَنٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ . وقِيلَ: هو أنْ تُحْمَلَ الكَلِمَةُ المُحْتَمِلَةُ لِمَعْنَيَيْنِ، أوْ لِمَعانٍ عَلى أشْبَهِ مُحْتَمِلاتِها بِالحَقِّ، وأقْرَبِها إلى الصَّوابِ.
﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، حَمْلًا لَهم عَلى الجِدِّ في الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ، إمّا عَلى نَهْجِ الوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِدارِ الفاسِقِينَ: أرْضُ مِصْرَ، ودِيارُ عادٍ وثَمُودَ، وأضْرابِهِمْ؛ فَإنَّ رُؤْيَتَها وهي الخالِيَةُ عَنْ أهْلِها خاوِيَةً عَلى عُرُوشِها، مُوجِبَةٌ لِلِاعْتِبارِ والِانْزِجارِ عَنْ مِثْلِ أعْمالِ أهْلِها؛ كَيْ لا يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ.
وَإمّا عَلى نَهْجِ الوَعْدِ والتَّرْغِيبِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِدارِ الفاسِقِينَ: إمّا أرْضُ مِصْرَ خاصَّةً، أوْ مَعَ أرْضِ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ بِالشّامِ، فَإنَّها أيْضًا مِمّا أُتِيحَ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكُتِبَ لَهم حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ .
وَمَعْنى الإراءَةِ: الإدْخالُ بِطَرِيقِ الإيراثِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ( سَأُورِثُكم ) بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾، وقُرِئَ: ( سَأُورِيكم )، ولَعَلَّهُ مِن أوْرَيْتُ الزَّنْدَ؛ أيْ: سَأُبَيِّنُها لَكم.
7:146Page 168
سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٤٦
I will turn away from My signs those who are arrogant upon the earth without right; and if they should see every sign, they will not believe in it. And if they see the way of consciousness,1 they will not adopt it as a way; but if they see the way of error, they will adopt it as a way. That is because they have denied Our signs and they were heedless of them.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْذِيرِهِمْ عَنِ التَّكَبُّرِ المُوجِبِ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ في الآياتِ، الَّتِي هي ما كُتِبَ في ألْواحِ التَّوْراةِ مِنَ المَواعِظِ والأحْكامِ، أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما وُعِدَ إراءَتُهُ مِن دارِ الفاسِقِينَ، ومَعْنى صَرْفِهِمْ عَنْها: الطَّبْعُ عَلى قُلُوبِهِمْ بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يَتَفَكَّرُونَ فِيها، ولا يَعْتَبِرُونَ بِها لِإصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ .
وَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ، لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، مَعَ أنَّ في المُؤَخَّرِ نَوْعَ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الجَلِيلِ؛ أيْ: سَأطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أنْفُسَهم كُبَراءَ، ويَرَوْنَ لَهم عَلى الخَلْقِ مَزِيَّةً وفَضْلًا، فَلا يَنْتَفِعُونَ بِآياتِي التَّنْزِيلِيَّةِ والتَّكْوِينِيَّةِ، ولا يَغْتَنِمُونَ مَغانِمَ آثارِها، فَلا تَسْلُكُوا مَسْلَكَهم لِتَكُونُوا أمْثالَهم.
وَقِيلَ: المَعْنى: سَأصْرِفُهم عَنْ إبْطالِها، وإنِ اجْتَهَدُوا كَما اجْتَهَدَ فِرْعَوْنُ في إبْطالِ ما رَآهُ مِنَ الآياتِ، فَأبى اللَّهُ تَعالى إلّا إحْقاقَ الحَقِّ وإزْهاقَ الباطِلِ، وعَلى هَذا فالأنْسَبُ أنْ يُرادَ بِدارِ الفاسِقِينَ: أرْضُ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ المَشْهُورِينَ بِالفِسْقِ والتَّكَبُّرِ في الأرْضِ، وبِإراءَتِها لِلْمُخاطَبِينَ إدْخالُهُمُ الشّامَ وإسْكانُهم في مَساكِنِهِمْ ومَنازِلِهِمْ، حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ .
وَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ ... " إلَخْ، جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِنَ الوَعْدِ بِإدْخالِ الشّامِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالآياتِ: ما تُلِيَ آنِفًا ونَظائِرُهُ، وبِصَرْفِهِمْ عَنْها: إزالَتُهم عَنْ مَقامِ مُعارَضَتِها ومُمانَعَتِها، لِوُقُوعِ أخْبارِها وظُهُورِ أحْكامِها وآثارِها بِإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حِينَ سارَ بَعْدَ التِّيهِ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ (p-272)أوْ بِذُرِّيّاتِهِمْ، عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ إلى أرِيحا، ويُوشَعُ بْنُ نُونٍ في مُقَدِّمَتِهِ، فَفَتَحَها واسْتَقَرَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِالشّامِ، ومَلَكُوا مَشارِقَها ومَغارِبَها، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَرَوْنَ دارَهم وهم فِيها ؟ فَقِيلَ: سَأُهْلِكُهم، وإنَّما عَدَلَ إلى الصَّرْفِ لِيَزْدادُوا ثِقَةً بِالآياتِ واطْمِئْنانًا بِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ إمّا صِلَةٌ لِلتَّكَبُّرِ؛ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ، وهو دِينُهُمُ الباطِلُ وظُلْمُهُمُ المُفْرِطُ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ مُلْتَبِسِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ عَطْفٌ عَلى يَتَكَبَّرُونَ، داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ، والمُرادُ بِالآيَةِ: إمّا المُنَزَّلَةُ؛ فالمُرادُ بِرُؤْيَتِها: مُشاهَدَتُها بِسَماعِها، أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ المُعْجِزاتِ؛ فالمُرادُ بِرُؤْيَتِها: مُطْلَقُ المُشاهَدَةِ المُنْتَظِمَةِ لِلسَّماعِ والإبْصارِ؛ أيْ: وإنْ يُشاهِدُوا كُلَّ آيَةٍ مِنَ الآياتِ لا يُؤْمِنُوا بِها عَلى عُمُومِ النَّفْيِ لا عَلى نَفْيِ العُمُومِ؛ أيْ: كَفَرُوا بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها لِعَدَمِ اجْتِلائِهِمْ إيّاها كَما هي، وهَذا كَما تَرى يُؤَيِّدُ كَوْنَ الصَّرْفِ بِمَعْنى الطَّبْعِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ أيْ: لا يَتَوَجَّهُونَ إلى الحَقِّ ولا يَسْلُكُونَ سَبِيلَهُ أصْلًا، لِاسْتِيلاءِ الشَّيْطَنَةِ عَلَيْهِمْ ومَطْبُوعِيَّتِهِمْ عَلى الِانْحِرافِ والزَّيْغِ، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ، وقُرِئَ: ( الرَّشادِ )، وثَلاثَتُها لُغاتٌ، كالسُّقْمِ والسَّقَمِ والسَّقامِ.
﴿وَإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾؛ أيْ: يَخْتارُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ مَسْلَكًا مُسْتَمِرًّا لا يَكادُونَ يَعْدِلُونَ عَنْهُ، لِمُوافَقَتِهِ لِأهْوائِهِمُ الباطِلَةِ، وإفْضائِهِ بِهِمْ إلى شَهَواتِهِمْ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن تَكَبُّرِهِمْ، وعَدَمِ إيمانِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ، وإعْراضِهِمْ عَنْ سَبِيلِ الرُّشْدِ، وإقْبالِهِمُ التّامِّ إلى سَبِيلِ الغَيِّ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّهُمْ﴾؛ أيْ: حاصِلٌ بِسَبَبِ أنَّهم.
﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ ما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ القَبائِحِ، وعَلى حَقِّيَّةِ أضْدادِها.
﴿وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها، وإلّا لَما فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الأباطِيلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِنَ الصَّرْفِ، ولا يَمْنَعُهُ الإشْعارُ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، كَيْفَ لا وقَدْ مَرَّ أنَّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا ...﴾ الآيَةَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، والبَوْءِ بِالغَضَبِ العَظِيمِ، مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ مُعَلَّلًا بِالكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ صَرِيحًا.
وَقِيلَ: مَحَلُّ اسْمِ الإشارَةِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: سَأصْرِفُهم ذَلِكَ الصَّرْفَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِنا وغَفْلَتِهِمْ عَنْها.
7:147Page 168
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡۚ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤٧
Those who denied Our signs and the meeting of the Hereafter - their deeds have become worthless. Are they recompensed except for what they used to do?
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: وبِلِقائِهِمُ الدّارَ الآخِرَةَ، أوْ لِقائِهِمْ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ مِنَ الجَزاءِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ خَبَرُهُ؛ أيْ: ظَهَرَ بُطْلانُ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا عَمِلُوها مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ حَبِطَتْ أعْمالُهم بَعْدَ ما كانَتْ مَرْجُوَّةَ النَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ إيمانِهِمْ بِها.
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾؛ أيْ: لا يُجْزَوْنَ.
﴿إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أيِ: إلّا جْزاءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences