Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:148–156
7:148Page 168
وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ ١٤٨
And the people of Moses made, after [his departure], from their ornaments a calf - an image having a lowing sound. Did they not see that it could neither speak to them nor guide them to a way? They took it [for worship], and they were wrongdoers.
﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى الطُّورِ.
﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاتَّخَذَ، كالجارِّ الأوَّلِ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، فَإنَّ الأوَّلَ لِلِابْتِداءِ، (p-273)والثّانِيَ لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلْبَيانِ، أوِ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا بَعْدَهُ؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ.
وَإضافَةُ الحُلِيِّ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّها كانَتْ لِلْقِبْطِ لِأدْنى المُلابَسَةِ، حَيْثُ كانُوا اسْتَعارُوها مِن أرْبابِها قُبَيْلَ الغَرَقِ، فَبَقِيَتْ في أيْدِيهِمْ، وأمّا أنَّهم مَلَكُوها بَعْدَ الغَرَقِ فَذَلِكَ مَنُوطٌ بِتَمَلُّكِ بَنِي إسْرائِيلَ غَنائِمَ القِبْطِ، وهم مُسْتَأْمَنُونَ فِيما بَيْنَهم، فَلا يُساعِدُهُ قَوْلُهم: ﴿حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ .
والحُلِيُّ بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ اللّامِ جَمْعُ حَلْيٍ، كَثَدْيٍ وثُدِيٍّ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الحاءِ بِالإتْباعِ كَدِلِيٍّ، وقُرِئَ: ( حَلْيِهِمْ ) عَلى الإفْرادِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِجْلا﴾ مَفْعُولُ اتَّخَذَ، أُخِّرَ عَنِ المَجْرُورِ لِما مَرَّ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: هو مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ؛ أيْ: إلَهًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَسَدًا﴾ بَدَلٌ مِن عِجْلًا، أوْ جُثَّةً ذا دَمٍ ولَحْمٍ، أوْ جَسَدًا مِن ذَهَبٍ لا رُوحَ مَعَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ خُوارٌ﴾؛ أيْ: صَوْتُ بَقَرٍ، وقُرِئَ بِالجِيمِ والهَمْزَةِ، وهو الصِّياحُ، نَعْتٌ لِعِجْلًا.
رُوِيَ أنَّ السّامِرِيَّ لَمّا صاغَ العِجْلَ ألْقى في فَمِهِ تُرابًا مِن أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ كانَ أخَذَهُ عِنْدَ فَلْقِ البَحْرِ، أوْ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إلى الطُّورِ فَصارَ حَيًّا. وقِيلَ: صاغَهُ بِنَوْعٍ مِنَ الحِيَلِ، فَيَدْخُلُ الرِّيحُ في جَوْفِهِ فَيُصَوِّتُ، والأنْسَبُ بِما في سُورَةِ طَهَ هو الأوَّلُ، وإنَّما نُسِبَ اتِّخاذُهُ إلَيْهِمْ وهو فِعْلُهُ، إمّا لِأنَّهُ واحِدٌ مِنهم، وإمّا لِأنَّهم رَضُوا بِهِ فَكَأنَّهم فَعَلُوهُ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالِاتِّخاذِ: اتِّخاذُهم إيّاهُ إلَهًا، لا صُنْعُهُ وإحْداثُهُ.
﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيعِهِمْ وتَشْنِيعِهِمْ، وتَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ، وتَسْفِيهِهِمْ فِيما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُنْكَرِ، الَّذِي هو اتِّخاذُهُ إلَهًا؛ أيْ: ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ حَيْثُ لا يُكَلِّمُهم.
﴿وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكَيْفَ اتَّخَذُوهُ إلَهًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّخِذُوهُ﴾؛ أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ.
﴿وَكانُوا ظالِمِينَ﴾؛ أيْ: واضِعِينَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، فَلَمْ يَكُنْ هَذا أوَّلَ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، وتَكْرِيرُ اتَّخَذُوهُ لِتَثْنِيَةِ التَّشْنِيعِ وتَرْتِيبِ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ.
7:149Page 168
وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ١٤٩
And when regret overcame them1 and they saw that they had gone astray, they said, "If our Lord does not have mercy upon us and forgive us, we will surely be among the losers."
﴿وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾؛ أيْ: نَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوهُ غايَةَ النَّدَمِ، فَإنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْهُ؛ لِأنَّ النّادِمَ المُتَحَسِّرَ يَعَضُّ يَدَهُ غَمًّا، فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها، وقُرِئَ: ( سَقَطَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ بِمَعْنى: وقَعَ العَضُّ فِيها، فاليَدُ حَقِيقَةٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: سَقَطَ النَّدَمُ في أنْفُسِهِمْ، إمّا بِطْرِيقِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، أوْ بِطْرِيقِ التَّمْثِيلِ.
﴿وَرَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا﴾ بِاتِّخاذِ العِجْلِ؛ أيْ: تَبَيَّنُوا بِحَيْثُ تَيَقَّنُوا بِذَلِكَ، حَتّى كَأنَّهم رَأوْهُ بِأعْيُنِهِمْ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَدَمِهِمْ عَلى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ مَعَ كَوْنِهِ مُتَأخِّرًا عَنْها، لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِهِ، والإشْعارِ بِغايَةِ سُرْعَتِهِ، كَأنَّهُ سابِقٌ عَلى الرُّؤْيَةِ.
﴿قالُوا﴾ واللَّهِ.
﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ بِإنْزالِ التَّوْبَةِ المُكَفِّرَةِ.
﴿وَيَغْفِرْ لَنا﴾ ذُنُوبَنا بِالتَّجاوُزِ عَنْ خَطِيئَتِنا، وتَقْدِيمُ الرَّحْمَةِ عَلى المَغْفِرَةِ، مَعَ أنَّ التَّخْلِيَةَ حَقُّها أنْ تُقَدَّمَ عَلى التَّحْلِيَةِ، إمّا لِلْمُسارَعَةِ إلى ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالرَّحْمَةِ: مُطْلَقُ إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ، وهو مَبْدَأٌ لِإنْزالِ التَّوْبَةِ المُكَفِّرَةِ لِذُنُوبِهِمْ.
واللّامُ في " لَئِنْ " مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ لِجَوابِ القَسَمِ، وما حُكِيَ عَنْهم مِنَ النَّدامَةِ والرُّؤْيَةِ والقَوْلِ، وإنْ كانَ بَعْدَ (p-274)ما رَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ، كَما يَنْطِقُ بِهِ الآياتُ الوارِدَةُ في سُورَةِ طَهَ، لَكِنْ أُرِيدَ بِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ حِكايَةُ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ.
7:150Page 169
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥٠
And when Moses returned to his people, angry and grieved, he said, "How wretched is that by which you have replaced me after [my departure]. Were you impatient over the matter of your Lord?" And he threw down the tablets and seized his brother by [the hair of] his head, pulling him toward him. [Aaron] said, "O son of my mother, indeed the people overpowered me and were about to kill me, so let not the enemies rejoice over me1 and do not place me among the wrongdoing people."
﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما جَرى مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ المِيقاتِ، إثْرَ بَيانِ ما وقَعَ مِن قَوْمِهِ بَعْدَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ حالانِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوِ الثّانِي مِنَ المُسْتَكِنِ في غَضْبانَ، والآسِفُ: الشَّدِيدُ الغَضَبِ، وقِيلَ: الحَزِينُ.
﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾؛ أيْ: بِئْسَما فَعَلْتُمْ مِن بَعْدِ غَيْبَتِي، حَيْثُ عَبَدْتُمُ العِجْلَ بَعْدَ ما رَأيْتُمْ فِعْلِي مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، أوْ مِن حَمْلِكم عَلى ذَلِكَ، وكَفِّكم عَمّا طَمَحَتْ نَحْوَهُ أبْصارُكم، حَيْثُ قُلْتُمْ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ .
وَمِن حَقِّ الخُلَفاءِ أنْ يَسِيرُوا بِسِيرَةِ المُسْتَخْلَفِ، فالخِطابُ لِلْعَبَدَةِ مِنَ السّامِرِيِّ وأشْياعِهِ، أوْ بِئْسَما قُمْتُمْ مَقامِي ولَمْ تُراعُوا عَهْدِي، حَيْثُ لَمْ تَكُفُّوا العَبَدَةَ عَمّا فَعَلُوا؛ فالخِطابُ لِهارُونَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ .
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْكُلِّ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالخَلِيفَةِ ما يَعُمُّ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، و" ما " نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ " بِئْسَ " المُسْتَكِنِ فِيهِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: بِئْسَ خِلافَةً خَلَفْتُمُونِيها مِن بَعْدِي خِلافَتُكم.
﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: تَرَكْتُمُوهُ غَيْرَ تامٍّ عَلى تَضْمِينِ عَجِلَ مَعْنى سَبَقَ، يُقالُ: عَجِلَ عَنِ الأمْرِ: إذا تَرَكَهُ غَيْرَ تامٍّ، أوْ أُعْجِلْتُمْ وعْدَ رَبِّكُمُ الَّذِي وعَدَنِيهِ مِنَ الأرْبَعِينَ، وقَدَّرْتُمْ مَوْتِي، وغَيَّرْتُمْ بَعْدِي كَما غَيَّرَتِ الأُمَمُ بَعْدَ أنْبِيائِهِمْ.
﴿وَألْقى الألْواحَ﴾ طَرْحًا مِن شِدَّةِ الغَضَبِ وفَرْطِ الضَّجَرِ حَمِيَّةً لِلدِّينِ. رُوِيَ أنَّ التَّوْراةَ كانَتْ سَبْعَةَ أسْباعٍ في سَبْعَةِ ألْواحٍ، فَلَمّا ألْقاها انْكَسَرَتْ، فَرُفِعَتْ سِتَّةُ أسِباعِها الَّتِي كانَ فِيها تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، وبَقِيَ سُبُعٌ كانَ فِيهِ المَواعِظُ والأحْكامُ.
﴿وَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ بِشَعْرِ رَأْسِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ.
﴿يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ أخَذَ، فَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَوَهُّمًا أنَّهُ قَصَّرَ في كَفِّهِمْ، وهارُونُ كانَ أكْبَرَ مِنهُ عَلَيْهِما السَّلامُ بِثَلاثِ سِنِينَ، وكانَ حَمُولًا، ولِذَلِكَ كانَ أحَبَّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿قالَ﴾؛ أيْ: هارُونُ مُخاطِبًا لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
﴿ابْنَ أُمَّ﴾ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ، وتَخْصِيصُ الأُمِّ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِما شَقِيقَيْنِ، لِما أنَّ حَقَّ الأُمِّ أعْظَمُ وأحَقُّ بِالمُراعاةِ، مَعَ أنَّها كانَتْ مُؤْمِنَةً، وقَدْ قاسَتْ فِيهِ المَخاوِفَ والشَّدائِدَ، وقُرِئَ بِكَسْرِ المِيمِ بِإسْقاطِ الياءِ تَخْفِيفًا، كالمُنادى المُضافِ إلى الياءِ، وقِراءَةُ الفَتْحِ لِزِيادَةِ التَّخْفِيفِ، أوْ لِتَشْبِيهِهِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ.
﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ إزاحَةً لِتَوَهُّمِ التَّقْصِيرِ في حَقِّهِ، والمَعْنى: بَذَلْتُ جُهْدِي في كَفِّهِمْ حَتّى قَهَرُونِي، واسْتَضْعَفُونِي وقارَبُوا قَتْلِي.
﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾؛ أيْ: فَلا تَفْعَلْ بِي ما يَكُونُ سَبَبًا لِشَماتَتِهِمْ بِي.
﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ بِالمُؤاخَذَةِ، أوِ النِّسْبَةِ إلى التَّقْصِيرِ، وهَذا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الخِطابِ لِلْكُلِّ، أوْ لا تَعْتَقِدْ أنِّي واحِدٌ مِنَ الظّالِمِينَ مَعَ بَراءَتِي مِنهم ومِن ظُلْمِهِمْ.(p-275)
7:151Page 169
قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٥١
[Moses] said, "My Lord, forgive me and my brother and admit us into Your mercy, for You are the most merciful of the merciful."
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ اعْتِذارِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى عِنْدَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: قالَ.
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾؛ أيْ: ما فَعَلْتُ بِأخِي مِن غَيْرِ ذَنْبٍ مُقَرَّرٍ مِن قِبَلِهِ.
﴿وَلأخِي﴾ إنْ فَرَطَ مِنهُ تَقْصِيرٌ ما في كَفِّهِمْ عَمّا فَعَلُوهُ مِنَ العَظِيمَةِ، اسْتَغْفَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِنَفْسِهِ لِيُرْضِيَ أخاهُ، ويُظْهِرَ لِلشّامِتِينَ رِضاهُ؛ لِئَلّا تَتِمَّ شَماتَتُهم بِهِ ولِأخِيهِ، لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى الِاسْتِغْفارِ، حَيْثُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُقاتِلَهم.
﴿وَأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ﴾ بِمَزِيدِ الإنْعامِ بَعْدَ غُفْرانِ ما سَلَفَ مِنّا.
﴿وَأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فَلا غَرْوَ في انْتِظامِنا في سِلْكِ رَحْمَتِكَ الواسِعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.
7:152Page 169
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ ١٥٢
Indeed, those who took the calf [for worship] will obtain anger from their Lord and humiliation in the life of this world, and thus do We recompense the inventors [of falsehood].
﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾؛ أيْ: تَمُّوا عَلى اتِّخاذِهِ، واسْتَمَرُّوا عَلى عِبادَتِهِ، كالسّامِرِيِّ وأشْياعِهِ مِنَ الَّذِينَ أُشْرِبُوهُ في قُلُوبِهِمْ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ كَوْنُ المَوْصُولِ الثّانِي عِبارَةً عَنِ التّائِبِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّ المَوْصُولَ الأوَّلَ عِبارَةٌ عَنِ المُصِرِّينَ.
﴿سَيَنالُهُمْ﴾؛ أيْ: في الآخِرَةِ.
﴿غَضَبٌ﴾؛ أيْ: عَظِيمٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، مُسْتَتْبِعٌ لِفُنُونِ العُقُوباتِ، لِما أنَّ جَرِيمَتَهم أعْظَمُ الجَرائِمِ وأقْبَحُ الجَرائِرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: مالِكِهِمْ، مُتَعَلِّقٌ بِيَنالُهم، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو نَعْتٌ لِغَضَبٌ، مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ؛ أيْ: كائِنٌ مِن رَبِّهِمْ.
﴿وَذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هي ذِلَّةُ الِاغْتِرابِ الَّتِي تُضْرَبُ بِها الأمْثالُ، والمَسْكَنَةُ المُنْتَظِمَةُ لَهم ولِأوْلادِهِمْ جَمِيعًا، والذِّلَّةُ الَّتِي اخْتَصَّ بِها السّامِرِيُّ مِنَ الِانْفِرادِ عَنِ النّاسِ، والِابْتِلاءِ بِلا مِساسٍ.
يُرْوى أنَّ بَقاياهُمُ اليَوْمَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وإذا مَسَّ أحَدَهم أحَدٌ غَيْرُهم حُمّا جَمِيعًا في الوَقْتِ، وإيرادُ ما نالَهم في حَيِّزِ السِّينِ مَعَ مُضِيِّهِ بِطَرِيقِ تَغْلِيبِ حالِ الأخْلافِ عَلى حالِ الأسْلافِ.
وَقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ: التّائِبُونَ، وبِالغَضَبِ ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، واعْتُذِرَ عَنِ السِّينِ بِأنَّ ذَلِكَ حِكايَةٌ عَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخْبَرَهُ بِافْتِتانِ قَوْمِهِ، واتِّخاذِهِمُ العِجْلَ بِأنَّهُ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ، فَيَكُونُ سابِقًا عَلى الغَضَبِ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ سِباقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقَهُ نابِيانِ عَنْ ذَلِكَ نُبُوًّا ظاهِرًا.
كَيْفَ لا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ يُنادِي عَلى خِلافِهِ، فَإنَّهم شُهَداءُ تائِبُونَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالِافْتِراءِ، وأيْضًا لَيْسَ يَجْزِي اللَّهُ تَعالى كُلَّ المُفْتَرِينَ بِهَذا الجَزاءِ الَّذِي ظاهِرُهُ قَهْرٌ وباطِنُهُ لُطْفٌ ورَحْمَةٌ.
وَقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ: أبْناؤُهُمُ المُعاصِرُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّ تَعْيِيرَ الأبْناءِ بِأفاعِيلِ الآباءِ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ، مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ...﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى ...﴾ الآيَةَ.
والمُرادُ بِالغَضَبِ: الغَضَبُ الأُخْرَوِيُّ، وبِالذِّلَّةِ ما أصابَهم مِنَ القَتْلِ، والإجْلاءِ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ: المُتَّخِذُونَ حَقِيقَةً، وبِالضَّمِيرِ في يَنالُهم أخْلافُهم. ولا رَيْبَ في أنَّ تَوْسِيطَ حالِ هَؤُلاءِ في تَضاعِيفِ بَيانِ حالِ المُتَّخِذِينَ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ.
7:153Page 169
وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٥٣
But those who committed misdeeds and then repented after them and believed - indeed your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.
﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيُّ سَيِّئَةٍ كانَتْ. (p-276)
﴿ثُمَّ تابُوا﴾ عَنْ تِلْكَ السَّيِّئاتِ.
﴿مِن بَعْدِها﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ عَمَلِها.
﴿وَآمَنُوا﴾ إيمانًا صَحِيحًا خالِصًا، واشْتَغَلُوا بِإقامَةِ ما هو مِن مُقْتَضَياتِهِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا كالطّائِفَةِ الأُولى.
﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ تِلْكَ التَّوْبَةِ المَقْرُونَةِ بِالإيمانِ.
﴿لَغَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ إنْ عَظُمَتْ وكَثُرَتْ.
﴿رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في إفاضَةِ فُنُونِ الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّشْرِيفِ.
7:154Page 169
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ ١٥٤
And when the anger subsided in Moses, he took up the tablets; and in their inscription was guidance and mercy for those who are fearful of their Lord.
﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَقِيَّةِ الحِكايَةِ إثْرَ ما بُيِّنَ تَحَزُّبُ القَوْمِ إلى مُصِرٍّ وتائِبٍ، والإشارَةُ إلى مَآلِ كُلٍّ مِنهُما إجْمالًا؛ أيْ: لَمّا سَكَنَ عَنْهُ الغَضَبُ بِاعْتِذارِ أخِيهِ وتَوْبَةِ القَوْمِ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ النَّدَمِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ، كانَ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وَفِي هَذا النَّظْمِ الكَرِيمِ مِنَ البَلاغَةِ والمُبالَغَةِ بِتَنْزِيلِ الغَضَبِ الحامِلِ لَهُ عَلى ما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الفِعْلِ والقَوْلِ، مَنزِلَةَ الآمِرِ بِذَلِكَ، المُغْرِي عَلَيْهِ بِالتَّحَكُّمِ والتَّشْدِيدِ، والتَّعْبِيرِ عَنْ سُكُونِهِ بِالسُّكُوتِ ما لا يَخْفى، وقُرِئَ: ( سَكَنَ ) و( سَكَتَ ) و( أسْكَتَ ) عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ تَعالى، أوْ أخُوهُ، أوِ التّائِبُونَ.
﴿أخَذَ الألْواحَ﴾ الَّتِي ألْقاها.
﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾؛ أيْ: فِيما نُسِخَ فِيها، وكُتِبَ فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُطْبَةِ. وقِيلَ: فِيما نُسِخَ مِنها؛ أيْ: مِنَ الألْواحِ المُنْكَسِرَةِ.
وَهُدى؛ أيْ: بَيانٌ لِلْحَقِّ.
وَرَحْمَةً لِلْخَلْقِ بِإرْشادِهِمْ إلى ما فِيهِ الخَيْرُ والصَّلاحُ.
﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ اللّامُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِرَحْمَةٍ؛ أيْ: كائِنَةٌ لَهم، أوْ هي لامُ الأجَلِ؛ أيْ: هُدًى ورَحْمَةٌ لِأجْلِهِمْ، والثّانِيَةُ لِتَقْوِيَةِ عَمَلِ الفِعْلِ المُؤَخَّرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾، أوْ هي أيْضًا لامُ العِلَّةِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: يَرْهَبُونَ المَعاصِيَ لِأجْلِ رَبِّهِمْ، لا لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ.
7:155Page 169
وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ ١٥٥
And Moses chose from his people seventy men for Our appointment.1 And when the earthquake seized them,2 he said, "My Lord, if You had willed, You could have destroyed them before and me [as well]. Would You destroy us for what the foolish among us have done? This is not but Your trial by which You send astray whom You will and guide whom You will. You are our Protector, so forgive us and have mercy upon us; and You are the best of forgivers.
﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ اسْتِدْعاءِ التَّوْبَةِ وكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها، واخْتارَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما مَجْرُورٌ بِمِن؛ أيْ: اخْتارَ مِن قَوْمِهِ بِحَذْفِ الجارِّ، وإيصالِ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ كَما قَوْلُهُ:
اخْتارَكَ النّاسَ إذْ رَثَّتْ خَلائِقُهم ... واعْتَلَّ مَن كانَ يُرْجى عِنْدَهُ السُّولُ
أيِ: اخْتارَكَ مِنَ النّاسِ.
﴿سَبْعِينَ رَجُلا﴾ مَفْعُولٌ لِاخْتارَ أُخِّرَ عَنِ الثّانِي، لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.
﴿لِمِيقاتِنا﴾ الَّذِي وقَّتْناهُ بَعْدَ ما وقَعَ مِن قَوْمِهِ ما وقَعَ، لا لِمِيقاتِ الكَلامِ الَّذِي ذُكِرَ (p-277)قَبْلَ ذَلِكَ كَما قِيلَ.
قالَ السُّدِّيُّ: أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَأْتِيَهُ في ناسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ تَعالى مِن عِبادَةِ العِجْلِ، ووَعَدَهم مَوْعِدًا، فاخْتارَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا.
وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: اخْتارَهم لِيَتُوبُوا إلَيْهِ تَعالى مِمّا صَنَعُوهُ، ويَسْألُوهُ التَّوْبَةَ عَلى مَن تَرَكُوهم وراءَهم مِن قَوْمِهِمْ، قالُوا: اخْتارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن كُلِّ سِبْطٍ سِتَّةً، فَزادَ اثْنانِ، فَقالَ: لِيَتَخَلَّفْ مِنكم رَجُلانِ، فَتَشاحُّوا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ لِمَن قَعَدَ مِثْلَ أجْرِ مَن خَرَجَ؛ فَقَعَدَ كالِبُ ويُوشَعُ، وذَهَبَ مَعَ الباقِينَ، وأمَرَهم أنْ يَصُومُوا ويَتَطَهَّرُوا ويُطَهِّرُوا ثِيابَهم، فَخَرَجَ بِهِمْ إلى طُورِ سَيْناءَ، فَلَمّا دَنَوْا مِنَ الجَبَلِ غَشِيَهُ غَمامٌ، فَدَخَلَ مُوسى بِهِمُ الغَمامَ وخَرُّوا سُجَّدًا، فَسَمِعُوهُ تَعالى يُكَلِّمُ مُوسى يَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ حَسْبَما يَشاءُ، وهو الأمْرُ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ تَوْبَةً.
﴿فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ مِمّا اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِن طَلَبِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ لَمّا انْكَشَفَ الغَمامُ أقْبَلُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ؛ أيِ: الصّاعِقَةُ، أوْ رَجْفَةُ الجَبَلِ فَصَعِقُوا مِنها؛ أيْ: ماتُوا.
وَلَعَلَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ: لَنْ نُصَدِّقَكَ في أنَّ الآمِرَ بِما سَمِعْنا مِنَ الأمْرِ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى حَتّى نَراهُ، حَيْثُ قاسُوا رُؤْيَتَهُ تَعالى عَلى سَماعِ كَلامِهِ قِياسًا فاسِدًا، فَحِينَ شاهَدَ مُوسى تِلْكَ الحالَةَ الهائِلَةَ.
﴿قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: حِينَ فَرَّطُوا في النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ، وما فارَقُوا عَبَدَتَهُ حِينَ شاهَدُوا إصْرارَهم عَلَيْها.
﴿وَإيّايَ﴾ أيْضًا حِينَ طَلَبْتُ مِنكَ الرُّؤْيَةَ؛ أيْ: لَوْ شِئْتَ إهْلاكَنا بِذُنُوبِنا لَأهْلَكْتَنا حِينَئِذٍ، أرادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَذْكِيرَ العَفْوِ السّابِقِ لِاسْتِجْلابِ العَفْوِ اللّاحِقِ، فَإنَّ الِاعْتِرافَ بِالذَّنْبِ والشُّكْرَ عَلى النِّعْمَةِ، مِمّا يَرْبِطُ العَتِيدَ ويَسْتَجْلِبُ المَزِيدَ، يَعْنِي: إنّا كُنّا مُسْتَحِقِّينَ لِلْإهْلاكِ، ولَمْ يَكُنْ مِن مَوانِعِهِ إلّا عَدَمُ مَشِيئَتِكَ إيّاهُ، فَحَيْثُ لَطَفْتَ بِنا وعَفَوْتَ عَنّا تِلْكَ الجَرائِمَ، فَلا غَرْوَ في أنْ تَعْفُوَ عَنّا هَذِهِ الجَرِيمَةَ أيْضًا.
وَحَمْلُ الكَلامِ عَلى التَّمَنِّي يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾؛ أيِ: الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ تَفاصِيلَ شُئُونِكَ، ولا يَتَثَبَّتُونَ في المَداحِضِ، والهَمْزَةُ إمّا لِإنْكارِ وُقُوعِ الإهْلاكِ ثِقَةً بِلُطْفِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، أوْ لِلِاسْتِعْطافِ كَما قالَهُ المُبَرِّدُ؛ أيْ: لا تُهْلِكْنا.
﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، واعْتِذارٌ عَمّا صَنَعُوا بِبَيانِ مَنشَأِ غَلَطِهِمْ؛ أيْ: ما الفِتْنَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها السُّفَهاءُ، وقالُوا بِسَبَبِها ما قالُوا مِنَ العَظِيمَةِ إلّا فِتْنَتُكَ؛ أيْ: مِحْنَتُكَ وابْتِلاؤُكَ، حَيْثُ أسْمَعْتَهم كَلامَكَ فافْتَتَنُوا بِذَلِكَ ولَمْ يَتَثَبَّتُوا، فَطَمِعُوا فِيما فَوْقَ ذَلِكَ تابِعِينَ لِلْقِياسِ الفاسِدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحُكْمِ الفِتْنَةِ، أوْ حالٌ مِن فِتْنَتِكَ؛ أيْ: حالَ كَوْنِها مُضَلًّا بِها ... إلَخْ؛ أيْ: تُضِلُّ بِسَبَبِها مَن تَشاءُ إضْلالَهُ فَلا يَهْتَدِي إلى التَّثَبُّتِ، وتَهْدِي مَن تَشاءُ هِدايَتَهُ إلى الحَقِّ فَلا يَتَزَلْزَلُ في أمْثالِها، فَيَقْوى بِها إيمانُهُ.
﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾؛ أيِ: القائِمُ بِأُمُورِنا الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، وناصِرُنا وحافِظُنا لا غَيْرُكَ.
﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ما قارَفْناهُ مِنَ المَعاصِي، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الدُّعاءِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الوِلايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَن شاءَ الوَلِيُّ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ. وقِيلَ: إنَّ إقْدامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنْ يَقُولَ: " ﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ﴾ ... " إلَخْ، جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى غُفْرانَها والتَّجاوُزَ عَنْها.
﴿وارْحَمْنا﴾ بِإفاضَةِ آثارِ الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ عَلَيْنا.
﴿وَأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الدُّعاءِ، وتَخْصِيصُ المَغْفِرَةِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الأهَمُّ بِحَسَبِ المَقامِ.(p-278)
7:156Page 170
۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ١٥٦
And decree for us in this world [that which is] good and [also] in the Hereafter; indeed, we have turned back to You." [Allāh] said, "My punishment - I afflict with it whom I will, but My mercy encompasses all things." So I will decree it [especially] for those who fear Me and give zakāh and those who believe in Our verses-
﴿واكْتُبْ لَنا﴾؛ أيْ: عَيِّنْ لَنا، وقِيلَ: أوْجِبْ وحَقِّقْ وأثْبِتْ.
﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾؛ أيْ: نِعْمَةً وعافِيَةً، أوْ خَصْلَةً حَسَنَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: اقْبَلْ وِفادَتَنا ورُدَّنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: واكْتُبْ لَنا فِيها أيْضًا حَسَنَةً، وهي المَثُوبَةُ الحُسْنى والجَنَّةُ.
﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾؛ أيْ: تُبْنا وأنَبْنا إلَيْكَ، مِن هادَ يَهُودُ: إذا رَجَعَ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهاءِ، مِن هادَهُ يَهِيدُهُ: إذا حَرَّكَهُ وأمالَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أوْ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى أمَلْنا أنْفُسَنا، أوْ أمَلْنا إلَيْكَ.
وَتَجْوِيزُ أنْ تَكُونَ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ عَلى بِناءِ المَفْعُولِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: عُودِ المَرِيضَ، مَعَ كَوْنِها لُغَةً ضَعِيفَةً، مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ الدُّعاءِ، فَإنَّ التَّوْبَةَ مِمّا يُوجَبُ قَبْلَهُ بِمُوجَبِ الوَعْدِ المَحْتُومِ، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِإظْهارِ كَمالِ النَّشاطِ، والرَّغْبَةِ في التَّوْبَةِ.
والمَعْنى: إنّا تُبْنا ورَجَعْنا عَمّا صَنَعْنا مِنَ المَعْصِيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي جِئْناكَ لِلِاعْتِذارِ عَنْها، وعَمّا وقَعَ هَهُنا مِن طَلَبِ الرُّؤْيَةِ، فَبَعِيدٌ مِن لُطْفِكَ وفَضْلِكَ أنْ لا تَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ.
قِيلَ: لَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ماتُوا جَمِيعًا، فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى حَتّى أحْياهم. وقِيلَ: رَجَفُوا وكادَتْ تَبِينُ مَفاصِلُهم وأشْرَفُوا عَلى الهَلاكِ، فَخافَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَبَكى، فَكَشَفَها اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ فَقِيلَ: قالَ.
﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ لَعَلَّهُ عَزَّ وجَلَّ حِينَ جَعَلَ تَوْبَةَ عَبَدَةِ العِجْلِ بِقَتْلِهِمْ أنْفُسَهم، ضَمَّنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُعاءَهُ التَّخْفِيفَ والتَّيْسِيرَ، حَيْثُ قالَ: واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً؛ أيْ: خَصْلَةً حَسَنَةً عارِيَةً عَنِ المَشَقَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّ في قَتْلِ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ والتَّشْدِيدِ ما لا يَخْفى؛ فَأجابَ تَعالى بِأنَّ عَذابِي شَأْنُهُ أنْ أُصِيبَ بِهِ مَن أشاءُ تَعْذِيبَهُ، مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِغَيْرِي فِيهِ، وهم مِمَّنْ تَناوَلَتْهُ مَشِيئَتِي، ولِذَلِكَ جُعِلَتْ تَوْبَتُهم مَشُوبَةً بِالعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ.
﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: شَأْنُها أنْ تَسَعَ في الدُّنْيا المُؤْمِنَ والكافِرَ، بَلْ كُلَّ ما يَدْخُلُ تَحْتَهُ الشَّيْئِيَّةُ مِنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ، وقَدْ نالَ قَوْمَكَ نَصِيبٌ مِنها في ضِمْنِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، وفي نِسْبَةِ الإصابَةِ إلى العَذابِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ، ونِسْبَةِ السَّعَةِ إلى الرَّحْمَةِ بِصِيغَةِ الماضِي؛ إيذانٌ بِأنَّ الرَّحْمَةَ مُقْتَضى الذّاتِ، وأمّا العَذابُ فَبِمُقْتَضى مَعاصِي العِبادِ، والمَشِيئَةُ مُعْتَبَرَةٌ في جانِبِ الرَّحْمَةِ أيْضًا.
وَعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِها لِلْإشْعارِ بِغايَةِ الظُّهُورِ، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَأكْتُبُها﴾؛ أيْ: أُثْبِتُها وأُعَيِّنُها، فَإنَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَلى اعْتِبارِ المَشِيئَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ أيْ: كَما ذُكِرَ مِن إصابَةِ عَذابِي وسَعَةِ رَحْمَتِي لِكُلِّ مَن أشاءُ، فَسَأكْتُبُها كَتْبَةً كائِنَةً كَما دَعَوْتَ بِقَوْلِكَ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ﴾ ... إلَخْ؛ أيْ: سَأكْتُبُها خالِصَةً غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِالعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ.
﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾؛ أيِ: الكُفْرَ، والمَعاصِيَ إمّا ابْتِداءً، أوْ بَعْدَ مُلابَسَتِهِما، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِقَوْمِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا لِقَوْمِكَ؛ لِأنَّهم غَيْرُ مُتَّقِينَ، فَيَكْفِيهِمْ ما قُدِّرَ لَهم مِنَ الرَّحْمَةِ وإنْ كانَتْ مُقارِنَةً لِلْعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ.
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ (p-279)وَفِيهِ أيْضًا تَعْرِيضٌ بِهِمْ، حَيْثُ كانَتِ الزَّكاةُ شاقَّةً عَلَيْهِمْ، ولَعَلَّ الصَّلاةَ إنَّما لَمْ تُذْكَرْ مَعَ إنافَتِها عَلى سائِرِ العِباداتِ اكْتِفاءً عَنْها بِالِاتِّقاءِ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ المُوجَباتِ بِأسْرِها، وتَرْكِ المُنْكَراتِ عَنْ آخِرِها، وإيرادُ إيتاءِ الزَّكاةِ لِما مَرَّ مِنَ التَّعْرِيضِ.
﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا﴾ جَمِيعًا.
﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إيمانًا مُسْتَمِرًّا مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنها، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِهِمْ وبِكُفْرِهِمْ بِالآياتِ العِظامِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبِما سَيَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ، كَتَظْلِيلِ الغَمامِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وَتَكْرِيرُ المَوْصُولِ مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِ عَيْنُ ما أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ الأوَّلِ دُونَ أنْ يُقالَ: ويُؤْمِنُونَ بِآياتِنا، عَطْفًا عَلى يُؤْتُونَ الزَّكاةَ، كَما عُطِفَ هو عَلى يَتَّقُونَ، لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ القَصْرِ بِتَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ هم بِجَمِيعِ آياتِنا يُؤْمِنُونَ لا بِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences