Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:157–164
7:157Page 170
ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٥٧
Those who follow the Messenger, the unlettered prophet, whom they find written [i.e., described] in what they have of the Torah and the Gospel, who enjoins upon them what is right and prohibits them from what is wrong and makes lawful for them what is good and forbids them from what is evil and relieves them of their burden1 and the shackles which were upon them.2 So they who have believed in him, honored him, supported him and followed the light which was sent down with him - it is those who will be the successful.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ الَّذِي نُوحِي إلَيْهِ كِتابًا مُخْتَصًّا بِهِ.
﴿النَّبِيَّ﴾؛ أيْ: صاحِبَ المُعْجِزَةِ، وقِيلَ: عُنْوانُ الرِّسالَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وعُنْوانُ النُّبُوَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَّةِ.
﴿الأُمِّيَّ﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ نِسْبَةً إلى الأُمِّ، كَأنَّهُ باقٍ عَلى حالَتِهِ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْها مِن أُمِّهِ، أوْ إلى أُمَّةِ العَرَبِ، كَما قالَ ﷺ: " «إنّا أُمَّةٌ لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ» "، أوْ إلى أُمِّ القُرى، وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ أيِ: الَّذِي لَمْ يُمارِسِ القِراءَةَ والكِتابَةَ، وقَدْ جَمَعَ مَعَ ذَلِكَ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ.
والمَوْصُولُ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ بَدَلَ الكُلِّ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ مَرْفُوعٌ عَلَيْهِ؛ أيْ: أعْنِي: الَّذِينَ، أوْ هُمُ الَّذِينَ، وأمّا جَعْلُهُ مُبْتَدَأً عَلى أنَّ خَبَرَهُ يَأْمُرُهم، أوْ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ؛ فَغَيْرُ سَدِيدٍ.
﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ بِاسْمِهِ ونُعُوتِهِ، بِحَيْثُ لا يَشُكُّونَ أنَّهُ هو، ولِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: يَجِدُونَ اسْمَهُ، أوْ وصْفَهُ مَكْتُوبًا.
﴿عِنْدَهُمْ﴾ زِيدَ هَذا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وأنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاضِرٌ عِنْدَهم لا يَغِيبُ عَنْهم أصْلًا.
﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ اللَّذَيْنِ تَعَبَّدَ بِهِما بَنُو إسْرائِيلَ سابِقًا ولاحِقًا، والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِيَجِدُونَهُ، أوْ بِمَكْتُوبًا، وذِكْرُ الإنْجِيلِ قَبْلَ نُزُولِهِ مِن قَبِيلِ ما نَحْنُ فِيهِ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ، والقرآن الكَرِيمِ قَبْلَ مَجِيئِهِما.
﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، مُتَضَمِّنٌ لِتَفْصِيلِ بَعْضِ أحْكامِ الرَّحْمَةِ الَّتِي وُعِدَ فِيما سَبَقَ بِكَتْبِها إجْمالًا، فَإنَّ ما بُيِّنَ فِيهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وإحْلالِ الطَّيِّباتِ وتَحْرِيمِ الخَبائِثِ، وإسْقاطِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، كُلُّها مِن آثارِ رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ.
وَقِيلَ: في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن مَفْعُولِ يَجِدُونَهُ، أوْ مِنَ النَّبِيِّ، أوْ مِنَ المُسْتَكِنِ في مَكْتُوبًا، أوْ مُفَسِّرٌ لِمَكْتُوبًا؛ أيْ: لِما كُتِبَ.
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ بِشُؤْمِ ظُلْمِهِمْ.
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ كالدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، والرِّبا والرَّشْوَةِ.
﴿وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: يُخَفِّفُ عَنْهم ما كُلِّفُوهُ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، الَّتِي هي مِن قَبِيلِ ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ، مِن كَوْنِ التَّوْبَةِ بِقَتْلِ (p-280)النَّفْسِ، كَتَعْيِينِ القِصاصِ في العَمْدِ والخَطَأِ مِن غَيْرِ شَرْعِ الدِّيَةِ، وقَطْعِ الأعْضاءِ الخاطِئَةِ، وقَرْضِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ مِنَ الجِلْدِ والثَّوْبِ، وإحْراقِ الغَنائِمِ، وتَحْرِيمِ السَّبْتِ.
وَعَنْ عَطاءٍ: أنَّهُ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا قامُوا يُصَلُّونَ لَبِسُوا المُسُوحَ، وغَلُّوا أيْدِيَهم إلى أعْناقِهِمْ، ورُبَّما ثَقَبَ الرَّجُلُ تَرْقُوَتَهُ وجَعَلَ فِيها طَرَفَ السِّلْسِلَةِ، وأوْثَقَها إلى السّارِيَةِ يَحْبِسُ نَفْسَهُ عَلى العِبادَةِ. وقُرِئَ: ( آصارَهم )، أصْلُ الأصْرِ: الثِّقْلُ الَّذِي يَأْصِرُ صاحِبَهُ مِنَ الحَراكِ.
﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ تَعْلِيمٌ لِكَيْفِيَّةِ اتِّباعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَيانٌ لِعُلُوِّ رُتْبَةِ مُتَّبِعِيهِ واغْتِنامِهِمْ مَغانِمَ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ في الدّارَيْنِ، إثْرَ بَيانِ نُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ، والإشارَةِ إلى إرْشادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وإحْلالِ الطَّيِّباتِ وتَحْرِيمِ الخَبائِثِ؛ أيْ: فالَّذِينَ آمَنُوا بِنُبُوَّتِهِ وأطاعُوهُ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ.
﴿وَعَزَّرُوهُ﴾؛ أيْ: عَظَّمُوهُ ووَقَّرُوهُ، وأعانُوهُ بِمَنعِ أعْدائِهِ عَنْهُ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، وأصْلُهُ المَنعُ، ومِنهُ التَّعْزِيرُ.
﴿وَنَصَرُوهُ﴾ عَلى أعْدائِهِ في الدِّينِ.
﴿واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾؛ أيْ: مَعَ نُبُوَّتِهِ، وهو القرآن، عُبِّرَ عَنْهُ بِالنُّورِ المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِهِ ظاهِرًا بِنَفْسِهِ ومُظْهِرًا لِغَيْرِهِ، أوْ مُظْهِرًا لِلْحَقائِقِ كاشِفًا عَنْها لِمُناسَبَةِ الِاتِّباعِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ مُتَعَلِّقًا بِاتَّبَعُوا؛ أيْ: واتَّبَعُوا القرآن المُنَزَّلَ مَعَ اتِّباعِهِ ﷺ بِالعَمَلِ بِسُنَّتِهِ، وبِما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ، أوِ اتَّبَعُوا القرآن مُصاحِبِينَ لَهُ في اتِّباعِهِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِما فُصِّلَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِلْحُكْمِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وسُمُوِّ طَبَقَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ.
﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: هُمُ الفائِزُونَ بِالمَطْلُوبِ، النّاجُونَ عَنِ الكُرُوبِ، لا غَيْرُهم مِنَ الأُمَمِ، فَيَدْخُلُ فِيهِمْ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، حَيْثُ لَمْ يَنْجُوا عَمّا في تَوْبَتِهِمْ مِنَ المَشَقَّةِ الهائِلَةِ، وبِهِ يَتَحَقَّقُ التَّحْقِيقُ ويَتَأتّى التَّوْفِيقُ والتَّطْبِيقُ بَيْنَ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ الجَوابِ، لا بِمُجَرَّدِ ما قِيلَ مِن أنَّهُ دَعا لِنَفْسِهِ ولِبَنِي إسْرائِيلَ، أُجِيبَ بِما هو مُنْطَوٍ عَلى تَوْبِيخِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى اسْتِجازَتِهِمُ الرُّؤْيَةَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَلى كُفْرِهِمْ بِآياتِهِ العِظامِ الَّتِي أجْراها عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَرَّضَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ " .
وَأُرِيدَ أنْ يَكُونَ اسْتِماعُ أوْصافِ أعْقابِهِمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِما جاءَ بِهِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وغَيْرِهِ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ، لُطْفًا بِهِمْ وتَرْغِيبًا في إخْلاصِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
7:158Page 170
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨
Say, [O Muḥammad], "O mankind, indeed I am the Messenger of Allāh to you all, [from Him] to whom belongs the dominion of the heavens and the earth. There is no deity except Him; He gives life and causes death." So believe in Allāh and His Messenger, the unlettered prophet, who believes in Allāh and His words, and follow him that you may be guided.
﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ لَمّا حُكِيَ في الكِتابَيْنِ مِن نُعُوتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وشَرَفِ مَن يَتَّبِعُهُ مِن أهْلِهِما، ونَيْلِهِمْ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، أُمِرَ عَلِيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِبَيانِ أنَّ تِلْكَ السَّعادَةَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهِمْ، بَلْ شامِلَةٌ لِكُلِّ مَن يَتَّبِعُهُ كائِنًا مَن كانَ، بِبَيانِ عُمُومِ رِسالَتِهِ لِلثَّقَلَيْنِ، مَعَ اخْتِصاصِ رِسالَةِ سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأقْوامِهِمْ.
وَإرْسالُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِالآياتِ التِّسْعِ، إنَّما كانَ لِأمْرِهِمْ بِعِبادَةِ رَبِّ العالَمِينَ عَزَّ سُلْطانُهُ، (p-281)وَتَرْكِ العَظِيمَةِ الَّتِي كانَ يَدَّعِيها الطّاغِيَةُ، ويَقْبَلُها مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ، وبِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ والقَسْرِ، وأمّا العَمَلُ بِأحْكامِ التَّوْراةِ فَمُخْتَصٌّ بِبَنِي إسْرائِيلَ.
﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في إلَيْكم.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَنصُوبٌ، أوْ مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ، أوْ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْجَلالَةِ، وإنْ حِيلَ بَيْنَهُما بِما هو مُتَعَلِّقٌ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ، فَإنَّهُ في حُكْمِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ مَن مَلَكَ العالَمَ كانَ هو الإلَهَ لا غَيْرُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أُلُوهِيَّتِهِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى ما تَمَهَّدَ وتَقَرَّرَ مِن رِسالَتِهِ ﷺ، وإيرادُ نَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ، لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ الِامْتِثالِ بِأمْرِهِ.
وَوَصْفُ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ لِمَدْحِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِما، ولِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أمْرِهِ وتَحْقِيقِ أنَّهُ المَكْتُوبُ في الكِتابَيْنِ.
وَوَصْفُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾؛ أيْ: ما أُنْزِلَ إلَيْهِ وإلى سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن كُتُبِهِ ووَحْيِهِ، لِحَمْلِ أهْلِ الكِتابَيْنِ عَلى الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ، والتَّصْرِيحُ بِإيمانِهِ بِاللَّهِ تَعالى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الإيمانَ بِهِ تَعالى لا يَنْفَكُّ عَنِ الإيمانِ بِكَلِماتِهِ، ولا يَتَحَقَّقُ إلّا بِهِ.
وَقُرِئَ: ( وكَلِمَتِهِ ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، أوِ القرآن؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ هو الإيمانُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَيْثُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ القرآن، لا مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى، أوْ عَلى أنَّ المُرادَ بِها: عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، تَعْرِيضًا بِاليَهُودِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِإيمانِهِ.
﴿واتَّبِعُوهُ﴾؛ أيْ: في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ مِن أُمُورِ الدِّينِ.
﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ عِلَّةٌ لِلْفِعْلَيْنِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلَيْهِما؛ أيْ: رَجاءً لِاهْتِدائِكم إلى المَطْلُوبِ، أوْ راجِينَ لَهُ، وفي تَعْلِيقِهِ بِهِما إيذانٌ بِأنَّ مَن صَدَّقَهُ ولَمْ يُتْبِعْهُ بِالتِزامِ أحْكامِ شَرِيعَتِهِ، فَهو بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاهْتِداءِ، مُسْتَمِرٌّ عَلى الغَيِّ والضَّلالِ.
7:159Page 170
وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٥٩
And among the people of Moses is a community1 which guides by truth and by it establishes justice.
﴿وَمِن قَوْمِ مُوسى﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِدَفْعِ ما عَسى، يُوهِمُهُ تَخْصِيصُ كَتْبِ الرَّحْمَةِ والتَّقْوى والإيمان بالآياتِ بِمُتَّبِعِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن حِرْمانِ أسْلافِ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وبَيانِ أنَّ كُلَّهم لَيْسُوا كَما حُكِيَتْ أحْوالُهم، بَلْ مِنهم ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ﴾؛ أيِ: النّاسَ.
﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِهِ، أوْ يَهْدُونَهم بِكَلِمَةِ الحَقِّ.
﴿وَبِهِ﴾؛ أيْ: بِالحَقِّ.
﴿يَعْدِلُونَ﴾؛ أيْ: في الأحْكامِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهم، وصِيغَةُ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، ويَأْباهُ أنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهم فِيما سَلَفَ.
وَقِيلَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا بالَغُوا في العُتُوِّ والطُّغْيانِ، حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، تَبَرَّأ سِبْطٌ مِنهم مِمّا صَنَعُوا واعْتَذَرُوا، وسَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهم وبَيْنَ أُولَئِكَ الطّاغِينَ، فَفَتَحَ اللَّهُ تَعالى لَهم نَفَقًا في الأرْضِ، فَسارُوا فِيهِ سَنَةً ونِصْفًا حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ، وهُمُ اليَوْمَ هُنالِكَ حُنَفاءُ مُسْلِمُونَ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنا.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ بِهِ لَيْلَةَ الإسْراءِ نَحْوَهم فَكَلَّمَهم، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَلْ تَعْرِفُونَ مَن تُكَلِّمُونَ، قالُوا: لا، قالَ: هَذا مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ؛ فَآمَنُوا بِهِ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ مُوسى أوْصانا: مَن أدْرَكَ مِنكم أحْمَدَ فَلْيَقْرَأْ مِنِّي عَلَيْهِ السَّلامَ، فَرَدَّ مُحَمَّدٌ عَلى مُوسى السَّلامَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ثُمَّ أقْرَأهم عَشْرَ سُوَرٍ مِنَ القرآن نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، (p-282)وَلَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ يَوْمَئِذٍ فَرِيضَةٌ غَيْرُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، أمَرَهم أنْ يُقِيمُوا مَكانَهم، وكانُوا يَسْبِتُونَ فَأمَرَهم أنْ يُجَمِّعُوا ويَتْرُكُوا السَّبْتَ.
هَذا وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَخْصِيصَهم بِالهِدايَةِ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّ مِنهم مَن آمَنَ بِجَمِيعِ الشَّرائِعِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.
7:160Page 171
وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١٦٠
And We divided them into twelve descendant tribes1 [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people [i.e., tribe] knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.
﴿وَقَطَّعْناهُمُ﴾؛ أيْ: قَوْمَ مُوسى لا الأُمَّةَ المَذْكُورَةَ مِنهم، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ ثانِي مَفْعُولَيْ قَطَّعَ، لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّصْيِيرِ، والتَّأْنِيثُ لِلْحَمْلِ عَلى الأُمَّةِ أوِ القِطْعَةِ؛ أيْ: صَيَّرْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً أوْ قِطْعَةً، مُتَمَيِّزًا بَعْضُها مِن بَعْضٍ، أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: فَرَّقْناهم مَعْدُودِينَ هَذا العَدَدَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْباطًا﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وذَلِكَ جَمْعٌ، أوْ مُمَيِّزٌ لَهُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قِطْعَةً أسْباطٌ لا سِبْطٌ، وقُرِئَ: ( عَشِرَةَ ) بِكَسْرِ الشِّينِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُمَمًا﴾ عَلى الأوَّلِ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ، أوْ نَعْتٌ لِأسْباطًا، وعَلى الثّانِي بَدَلٌ مِن أسْباطًا.
﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ حِينَ اسْتَوْلى عَلَيْهِمُ العَطَشُ في التِّيهِ الَّذِي وقَعُوا فِيهِ بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، لا بِمُجَرَّدِ اسْتِسْقائِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَلْ بِاسْتِسْقائِهِ لَهم؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ مُفَسِّرٌ لِفِعْلِ الإيحاءِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ شَأْنِ الحَجَرِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
﴿فانْبَجَسَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى كَمالِ الظُّهُورِ، وإيذانًا بِغايَةِ مُسارَعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الِامْتِثالِ، وإشْعارًا بِعَدَمِ تَأْثِيرِ الضَّرْبِ حَقِيقَةً، وتَنْبِيهًا عَلى كَمالِ سُرْعَةِ الِانْبِجاسِ، وهو الِانْفِجارُ، كَأنَّهُ حَصَلَ إثْرَ الأمْرِ قَبْلَ تَحَقُّقِ الضَّرْبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾؛ أيْ: فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ.
﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ بِعَدَدِ الأسْباطِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ: فَإنْ ضَرَبْتَ فَقَدِ انْبَجَسَتْ؛ فَغَيْرُ حَقِيقٍ بِجَزالَةِ النَّظْمِ التَّنْزِيلِيِّ، وقُرِئَ: ( عَشِرَةَ ) بِكَسْرِ الشِّينِ وفَتْحِها.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ كُلُّ سِبْطٍ، عُبِّرَ عَنْهم بِذَلِكَ إيذانًا بِكَثْرَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأسْباطِ.
﴿مَشْرَبَهُمْ﴾؛ أيْ: عَيْنَهُمُ الخاصَّةَ بِهِمْ.
﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾؛ أيْ: جَعَلْناها بِحَيْثُ تُلْقِي عَلَيْهِمْ ظِلَّها، تَسِيرُ في التِّيهِ بِسَيْرِهِمْ، وتَسْكُنُ بِإقامَتِهِمْ، وكانَ يَنْزِلُ بِاللَّيْلِ عَمُودٌ مِن نارٍ يَسِيرُونَ بِضَوْئِهِ.
﴿وَأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾؛ أيِ: التَّرَّنْجَبِينُ والسُّمانى، قِيلَ: كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ مِثْلَ الثَّلْجِ مِنَ الفَجْرِ إلى الطُّلُوعِ، لِكُلِّ إنْسانٍ صاعٌ، وتَبْعَثُ الجَنُوبُ عَلَيْهِمُ السُّمانى، فَيَذْبَحُ الرَّجُلُ مِنهُ ما يَكْفِيهِ.
﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: وقُلْنا لَهم: كُلُوا.
﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾؛ أيْ: مُسْتَلَذّاتِهِ، وما مَوْصُولَةً كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً عِبارَةٌ عَنِ المَنِّ والسَّلْوى.
﴿وَما ظَلَمُونا﴾ رُجُوعٌ إلى سَنَنِ الكَلامِ الأوَّلِ بَعْدَ حِكايَةِ خِطابِهِمْ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ لِلْإيجازِ، والإشْعارِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ؛ أيْ: فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا بِتِلْكَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ.
وَما ظَلَمُونا بِذَلِكَ ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ إذْ لا يَتَخَطّاهم ضَرَرُهُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ القَصْرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّفْيُ السّابِقُ، وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ (p-283)التَّهَكُّمِ بِهِمْ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَمادِيهِمْ فِيما هم فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ والكُفْرِ.
7:161Page 171
وَإِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةٞ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٦١
And [mention, O Muḥammad], when it was said to them, "Dwell in this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins],' and enter the gate bowing humbly; We will [then] forgive you your sins. We will increase the doers of good [in goodness and reward]."
﴿وَإذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وإيرادُ الفِعْلِ عَلى البِناءِ مَعَ اسْتِنادِهِ إلَيْهِ تَعالى، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَإذْ قُلْنا" لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ، والإيذانِ بِالغِنى عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ لِتَعَيُّنِ الفاعِلِ، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ بِالأمْرِ بِالذِّكْرِ لِلتَّشْدِيدِ في التَّوْبِيخِ؛ أيِ: اذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ تَعالى لِأسْلافِهِمُ.
﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، يُقالُ: سَكَنْتُ الدّارَ، وقِيلَ: عَلى الظَّرْفِيَّةِ اتِّساعًا، وهي بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِيلَ: أرِيحا، وهي قَرْيَةُ الجَبّارِينَ، وكانَ فِيها قَوْمٌ مِن بَقِيَّةِ عادٍ يُقالُ لَهُمُ: العَمالِقَةُ، رَأسَهم عُوجُ بْنُ عُنْقٍ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: " اسْكُنُوا " إيذانٌ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ هو الدُّخُولُ عَلى وجْهِ السُّكْنى والإقامَةِ.
وَلِذَلِكَ اكْتُفِيَ بِهِ عَنْ ذِكْرِ رَغَدًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا مِنها﴾؛ أيْ: مِن مَطاعِمِها وثِمارِها، عَلى أنَّ " مِن " تَبْعِيضِيَّةٌ، أوْ " مِنها " عَلى أنَّها ابْتِدائِيَّةٌ.
﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾؛ أيْ: مِن نَواحِيها مِن غَيْرِ أنْ يُزاحِمَكم فِيها أحَدٌ، فَإنَّ الأكْلَ المُسْتَمِرَّ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ إلّا رَغَدًا واسِعًا، وعَطْفُ كُلُوا عَلى اسْكُنُوا بِالواوِ لِمُقارَنَتِهِما زَمانًا، بِخِلافِ الدُّخُولِ فَإنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلى الأكْلِ، ولِذَلِكَ قِيلَ هُناكَ: " فَكُلُوا " .
﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾؛ أيْ: مَسْئَلَتُنا، أوْ أمْرُكَ حِطَّةٌ لِذُنُوبِنا، وهي فِعْلَةٌ مِنَ الحَطِّ كالجِلْسَةِ.
﴿وادْخُلُوا البابَ﴾؛ أيْ: بابَ القَرْيَةِ.
﴿سُجَّدًا﴾؛ أيْ: مُتَطامِنِينَ مُخْبِتِينَ، أوْ ساجِدِينَ شُكْرًا عَلى إخْراجِهِمْ مِنَ التِّيهِ، وتَقْدِيمُ الأمْرِ بِالدُّخُولِ عَلى الأمْرِ بِالقَوْلِ المَذْكُورِ في سُورَةِ البَقَرَةِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِهَذا التَّرْتِيبِ؛ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ هو الجَمْعُ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُما.
ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالقَرْيَةِ: أرِيحاءَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم دَخَلُوها، حَيْثُ سارَ إلَيْها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ بِذَرارِيهِمْ عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ، فَفَتَحَها كَما مَرَّ في سُورَةِ المائِدَةِ، وأمّا إنْ كانَتْ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم لَمْ يَدْخُلُوهُ في حَياةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالبابِ: بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها.
﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكُمْ﴾ وقُرِئَ: ( خَطاياكم ) كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتُغْفَرْ لَكم خَطِيئاتُكم، وخَطاياكم، وخَطِيئَتُكم، عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ عِدَةٌ بِشَيْئَيْنِ بِالمَغْفِرَةِ وبِالزِّيادَةِ، وطَرْحُ الواوِ هَهُنا لا يُخِلُّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِالغُفْرانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا لَهم بَعْدَ الغُفْرانِ ؟ فَقِيلَ: سَنَزِيدُ، وكَذَلِكَ زِيادَةُ مِنهم زِيادَةُ بَيانٍ.
7:162Page 171
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٦٢
But those who wronged among them changed [the words] to a statement other than that which had been said to them. So We sent upon them a punishment from the sky for the wrong that they were doing.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْهُ ووَضَعُوا مَوْضِعَهُ.
﴿قَوْلا﴾ آخَرَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ. رُوِيَ أنَّهم دَخَلُوهُ زاحِفِينَ عَلى أسْتاهِهِمْ، وقالُوا مَكانَ حِطَّةٌ: حِنْطَةٌ، وقِيلَ: قالُوا بِالنَّبَطِيَّةِ: حَطًا شَمْقاثًا، يَعْنُونَ: حِنْطَةً حَمْراءَ، اسْتِخْفافًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى واسْتِهْزاءً بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-284)والسَّلامُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ نَعْتٌ لِقَوْلًا صُرِّحَ بِالمُغايَرَةِ مَعَ دَلالَةِ التَّبْدِيلِ عَلَيْها قَطْعًا، تَحْقِيقًا لِلْمُبالَغَةِ وتَنْصِيصًا عَلى المُغايَرَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ.
﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ إثْرَ ما فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، والمَعْنى واحِدٌ، والإرْسالُ مِن فَوْقُ، فَيَكُونُ كالإنْزالِ.
﴿رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ عَذابًا كائِنًا مِنها، والمُرادُ: الطّاعُونُ، رُوِيَ أنَّهُ ماتَ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا.
﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ المُسْتَمِرِّ السّابِقِ واللّاحِقِ، حَسْبَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، لا بِسَبَبِ التَّبْدِيلِ فَقَطْ كَما يُشْعِرُ بِهِ تَرْتِيبُ الإرْسالِ عَلَيْهِ بِالفاءِ، والتَّصْرِيحُ بِهَذا التَّعْلِيلِ لِما أنَّ الحُكْمَ هَهُنا مُتَرَتِّبٌ عَلى المُضْمَرِ دُونَ المَوْصُولِ بِالظُّلْمِ، كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأمّا التَّعْلِيلُ بِالفِسْقِ بَعْدَ الإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الظُّلْمِ، فَقَدْ مَرَّ وجْهُهُ هُناكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
7:163Page 171
وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٣
And ask them about the town that was by the sea - when they transgressed in [the matter of] the sabbath - when their fish came to them openly on their sabbath day, and the day they had no sabbath they did not come to them. Thus did We give them trial because they were defiantly disobedient.
﴿واسْألْهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى المُقَدَّرِ في " إذْ "، قِيلَ:؛ أيْ: واسْألِ اليَهُودَ المُعاصِرِينَ لَكَ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَقْرِيرٍ بِقَدِيمِ كُفْرِهِمْ، وتَجاوُزِهِمْ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعالى، وإعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مِن عُلُومِهِمُ الخَفِيَّةِ الَّتِي لا يَقِفُ عَلَيْها إلّا مَن مارَسَ كُتُبَهم، قَدْ أحاطَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ خَبَرًا، وإذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِالتَّلَقِّي مِن كُتُبِهِمْ؛ لِأنَّهُ ﷺ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، تَعَيَّنَ أنَّهُ مِنَ الجِهَةِ الوَحْيُ الصَّرِيحُ.
﴿عَنِ القَرْيَةِ﴾؛ أيْ: عَنْ حالِها وخَبَرِها، وما جَرى عَلى أهْلِها مِنَ الدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ، وهي أيْلَةُ قَرْيَةٌ بَيْنَ مَدْيَنَ والطُّورِ، وقِيلَ: هي مَدْيَنُ، وقِيلَ: طَبَرِيَّةُ، والعَرَبُ تُسَمِّي المَدِينَةَ: قَرْيَةً.
﴿الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾؛ أيْ: قَرِيبَةً مِنهُ مُشْرِفَةً عَلى شاطِئِهِ.
﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾؛ أيْ: يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى بِالصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، و" إذْ " ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المَحْذُوفِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِكانَتْ، أوْ حاضِرَةَ، ولَيْسَ بِذاكَ؛ إذْ لا فائِدَةَ في تَقْيِيدِ الكَوْنِ، أوِ الحُضُورِ بِوَقْتِ العُدْوانِ.
وَقُرِئَ: ( يَعَدُّونَ )، وأصْلُهُ: يَعْتَدُونَ، ويُعِدُّونَ مِنَ الإعْدادِ، حَيْثُ كانُوا يُعِدُّونَ آلاتِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، مَنهِيُّونَ عَنْ الِاشْتِغالِ فِيهِ بِغَيْرِ العِبادَةِ.
﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِيَعْدُونَ، أوْ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ، والأوَّلُ هو الأوْلى؛ لِأنَّ السُّؤالَ عَنْ عَداوَتِهِمْ أدْخَلُ في التَّقْرِيعِ.
والحِيتانُ جَمْعُ حُوتٍ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، كَنُونٍ ونِينانٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وإضافَتُها إلَيْهِمْ لِلْإشْعارِ بِاخْتِصاصِها بِهِ، لِاسْتِقْلالِها بِما لا يَكادُ يُوجَدُ في سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ مِنَ الخَواصِّ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِها: الحِيتانُ الكائِنَةُ في تِلْكَ النّاحِيَةِ، وإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الإتْيانِ وعَدَمِهِ لِاعْتِيادِها أحْوالَهم في عَدَمِ التَّعَرُّضِ يَوْمَ السَّبْتِ.
﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ ظَرْفٌ لِتَأْتِيهِمْ؛ أيْ: تَأْتِيهِمْ يَوْمَ تَعْظِيمِهِمْ لِأمْرِ السَّبْتِ، وهو مَصْدَرُ، سَبَتَتِ اليَهُودُ: إذا عَظَّمَتِ السَّبْتَ بِالتَّجَرُّدِ لِلْعِبادَةِ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْيَوْمِ، والإضافَةُ لِاخْتِصاصِهِمْ بِأحْكامٍ فِيهِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ( يَوْمَ أسْباتِهِمْ ) .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شُرَّعًا﴾ جَمْعُ شارِعٍ، مِن شَرَعَ عَلَيْهِ: إذا دَنا وأشْرَفَ، وهو حالٌ مِن حِيتانِهِمْ؛ أيْ: تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ظاهِرَةً عَلى وجْهِ الماءِ قَرِيبَةً مِنَ السّاحِلِ.
﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾؛ أيْ: لا يُراعُونَ أمْرَ السَّبْتِ، لَكِنْ لا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ المُراعاةِ مَعَ تَحَقُّقِ يَوْمِ السَّبْتِ كَما هو المُتَبادِرُ، بَلْ مَعَ انْتِفائِهِما مَعًا؛ أيْ: لا سَبْتَ ولا مُراعاةَ، كَما في قَوْلِهِ:
وَلا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
وَقُرِئَ: (p-285)( لا يُسْبِتُونَ ) مِن أسْبَتَ، ولا يُسْبَتُونَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى: لا يَدْخُلُونَ في السَّبْتِ، ولا يُدارُ عَلَيْهِمْ حُكْمُ السَّبْتِ، ولا يُؤْمَرُونَ فِيهِ بِما أُمِرُوا بِهِ يَوْمَ السَّبْتِ.
﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾ كَما كانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ؛ حِذارًا مِن صَيْدِهِمْ، وتَغْيِيرُ السَّبْكِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: ولا تَأْتِيهِمْ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ، لِما أنَّ الإخْبارَ بِإتْيانِها يَوْمَ سَبْتِهِمْ، مَظِنَّةُ أنْ يُقالَ: فَماذا حالُها يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ ؟ فَقِيلَ: يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ.
﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ البَلاءِ العَجِيبِ الفَظِيعِ نُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُهم، لِيَظْهَرَ عَدَواتُهم ونُؤاخِذَهم بِهِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها والتَّعْجِيبِ مِنها.
﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ، المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالجَمْعِ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، لَكِنْ لا في تِلْكَ المادَّةِ، فَإنَّ فِسْقَهم فِيها لا يَكُونُ سَبَبًا لِلْبَلْوى، بَلْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ.
وَقِيلَ: كَذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ؛ أيْ: لا تَأْتِيهِمْ مِثْلَ ما تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ، فالجُمْلَةُ بَعْدَهُ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ عَنْ حِكْمَةِ اخْتِلافِ حالِ الحِيتانِ بِالإتْيانِ تارَةً وعَدَمِهِ أُخْرى.
7:164Page 172
وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤
And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allāh is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."
﴿وَإذْ قالَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى " إذْ يَعْدُونَ "، مَسُوقٌ لِتَمادِيهِمْ في العُدْوانِ وعَدَمِ انْزِجارِهِمْ عَنْهُ بَعْدَ العِظاتِ والإنْذاراتِ.
﴿أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: جَماعَةٌ مِن صُلَحائِهِمُ الَّذِينَ رَكِبُوا في عِظَتِهِمْ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، حَتّى يَئِسُوا مِنِ احْتِمالِ القَبُولِ لِآخَرِينَ لا يُقْلِعُونَ عَنِ التَّذْكِيرِ رَجاءً لِلنَّفْعِ والتَّأْثِيرِ، مُبالَغَةً في الإعْذارِ وطَمَعًا في فائِدَةِ الإنْذارِ.
﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾؛ أيْ: مُخْتَرِمُهم بِالكُلِّيَّةِ ومُطَهِّرُ الأرْضِ مِنهم.
﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ دُونَ الِاسْتِئْصالِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: مُهْلِكُهم مُخْزِيهِمْ في الدُّنْيا، أوْ مُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ لِعَدَمِ إقْلاعِهِمْ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الفِسْقِ والطُّغْيانِ، والتَّرْدِيدِ لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ مَنعِ الجَمْعِ، فَإنَّهم مُهْلَكُونَ في الدُّنْيا ومُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ، وإيثارُ صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ مُتَرَقَّبٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِما وتَقَرُّرِهِما البَتَّةَ، كَأنَّهُما واقِعانِ، وإنَّما قالُوهُ مُبالَغَةً في أنَّ الوَعْظَ لا يُنْجِعُ فِيهِمْ، أوْ تَرْهِيبًا لِلْقَوْمِ، أوْ سُؤالًا عَنْ حِكْمَةِ الوَعْظِ ونَفْعِهِ، ولَعَلَّهم إنَّما قالُوهُ بِمَحْضَرٍ مِنَ القَوْمِ حَثًّا لَهم عَلى الِاتِّعاظِ، فَإنَّ بَتَّ القَوْلِ بِهَلاكِهِمْ وعَذابِهِمْ بِما يُلْقِي في قُلُوبِهِمُ الخَوْفَ والخَشْيَةَ.
وَقِيلَ: المُرادُ: طائِفَةٌ مِنَ الفِرْقَةِ الهالِكَةِ، أجابُوا بِهِ وُعّاظَهم رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَهَكُّمًا بِهِمْ، ولَيْسَ بِذاكَ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ.
﴿قالُوا﴾؛ أيِ: الوُعّاظُ.
﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: نَعِظُهم مَعْذِرَةً إلَيْهِ تَعالى، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وهو الأنْسَبُ بِظاهِرِ قَوْلِهِمْ: لِمَ تَعِظُونَ، أوْ نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ إلَيْهِ تَعالى، حَتّى لا نُنْسَبَ إلى نَوْعِ تَفْرِيطٍ في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وفي إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ نَوْعُ تَعْرِيضٍ بِالسّائِلِينَ.
﴿وَلَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْذِرَةً؛ أيْ: ورَجاءً لِأنْ يَتَّقُوا بَعْضَ التُّقاةِ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ القائِلِينَ: لِمَ تَعِظُونَ ... إلَخْ، لَيْسُوا مِنَ الفِرْقَةِ الهالِكَةِ، وإلّا لَوَجَبَ الخِطابُ.(p-286)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences