Abu as-Su'udAl‑A'raf · 7:165–175

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:165–175

7:165Page 172

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٥

And when they [i.e., those advised] forgot that by which they had been reminded, We saved those who had forbidden evil and seized those who wronged, with a wretched punishment, because they were defiantly disobeying.

﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أيْ: تَرَكُوا ما ذَكَّرَهم بِهِ صُلَحاؤُهم تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ، وأعْرَضُوا عَنْهُ إعْراضًا كُلِّيًّا، بِحَيْثُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ شَيْءٌ مِن تِلْكَ المَواعِظِ أصْلًا.

﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وهُمُ الفَرِيقانِ المَذْكُورانِ، وإخْراجُ إنْجائِهِمْ مُخْرَجَ الجَوابِ الَّذِي حَقُّهُ التَّرَتُّبُ عَلى الشَّرْطِ، وهو نِسْيانُ المُعْتَدِينَ المُسْتَتْبِعُ لِإهْلاكِهِمْ، لِما أنَّ ما في حَيِّزِ الشَّرْطِ شَيْآنِ: النِّسْيانِ والتَّذْكِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا ذَكَّرَ المُذَكِّرُونَ ولَمْ يَتَذَكَّرِ المُعْتَدُونَ، أنْجَيْنا الأوَّلِينَ وأخَذْنا الآخَرِينَ، وأمّا تَصْدِيرُ الجَوابِ بِإنْجائِهِمْ فَلِما مَرَّ مِرارًا مِنَ المُسارَعَةِ إلى بَيانِ نَجاتِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ مَعَ ما في المُؤَخَّرِ مِن نَوْعِ طُولٍ.

﴿وَأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالِاعْتِداءِ ومُخالَفَةِ الأمْرِ.

﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ: شَدِيدٍ، وزْنًا ومَعْنًى، مِن بَؤُسَ يَبْؤُسُ بَأسًا: إذا اشْتَدَّ، وقُرِئَ: ( بَيْئِسٍ ) عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ، بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها، وبِئِسٍ كَحَذِرٍ عَلى تَخْفِيفِ العَيْنِ، ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى الفاءِ كَكِبِدٍ في كَبِدٍ، وبَيِيسٍ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً كَذِيبٍ في ذِئْبٍ، وبَيِّسٍ كَرَيِّسٍ بِقَلْبِ هَمْزَةِ بَئِيسٍ ياءً وإدْغامِ الياءِ فِيها، وبَيْسٍ عَلى تَخْفِيفِ بَيِّسٍ كَهَيْنٍ في هَيِّنٍ، وتَنْكِيرُ العَذابِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ.

﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأخَذْنا كالباءِ الأُولى، ولا ضَيْرَ فِيهِ لِاخْتِلافِهِما مَعْنًى؛ أيْ: أخَذْناهم بِما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ تَمادِيهِمْ في الفِسْقِ، الَّذِي هو الخُرُوجُ عَنِ الطّاعَةِ، وهو الظُّلْمُ والعُدْوانُ أيْضًا، وإجْراءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ، وإنْ أشْعَرَ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ، لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّعْلِيلِ المَذْكُورِ إيذانًا بِأنَّ العِلَّةَ هو الِاسْتِمْرارُ عَلى الظُّلْمِ والعُدْوانِ، مَعَ اعْتِبارِ كَوْنِ ذَلِكَ خُرُوجًا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا نَفْسَ الظُّلْمِ والعُدْوانِ، وإلّا لَما أُخِّرُوا عَنِ ابْتِداءِ المُباشَرَةِ ساعَةً.

7:166Page 172

فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ١٦٦

So when they were insolent about that which they had been forbidden, We said to them, "Be apes, despised."

وَلَعَلَّهُ تَعالى قَدْ عَذَّبَهم بِعَذابٍ شَدِيدٍ دُونَ الِاسْتِئْصالِ، فَلَمْ يُقْلِعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، بَلِ ازْدادُوا في الغَيِّ فَمَسَخَهم بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾؛ أيْ: تَمَرَّدُوا وتَكَبَّرُوا، وأبَوْا أنْ يَتْرُكُوا ما نُهُوا عَنْهُ.

﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ صاغِرِينَ أذِلّاءَ بُعَداءَ عَنِ النّاسِ، والمُرادُ بِالأمْرِ هو الأمْرُ التَّكْوِينِيُّ لا القَوْلِيُّ، وتَرْتِيبُ المَسْخِ عَلى العُتُوِّ عَنْ الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لَيْسَ لِخُصُوصِيّاتِ الحُوتِ، بَلِ العُمْدَةُ في ذَلِكَ هو مُخالَفَةُ الأمْرِ، والِاسْتِعْصاءُ عَلَيْهِ تَعالى.

وَقِيلَ: المُرادُ بِالعَذابِ البَئِيسِ: هو المَسْخُ، والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ تَقْرِيرٌ لِلْأُولى. رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ أُمِرُوا بِاليَوْمِ الَّذِي أُمِرْنا بِهِ وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ، فَتَرَكُوهُ واخْتارُوا السَّبْتَ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ فابْتُلُوا بِهِ وحُرِّمَ عَلَيْهِمُ الصَّيْدُ فِيهِ وأُمِرُوا بِتَعْظِيمِهِ، فَكانَتِ الحِيتانُ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ كَأنَّها المَخاضُ، لا يُرى وجْهُ الماءِ لِكَثْرَتِها، ولا تَأْتِيهِمْ في سائِرِ الأيّامِ، فَكانُوا عَلى ذَلِكَ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ جاءَهم إبْلِيسُ فَقالَ لَهم: إنَّما نُهِيتُمْ عَنْ أخْذِها يَوْمَ السَّبْتِ، فاتَّخِذُوا حِياضًا سَهْلَةَ الوُرُودِ صَعْبَةَ الصُّدُورِ؛ فَفَعَلُوا، فَجَعَلُوا يَسُوقُونَ الحِيتانَ إلَيْها يَوْمَ السَّبْتِ، فَلا تَقْدِرُ عَلى الخُرُوجِ مِنها ويَأْخُذُونَها يَوْمَ الأحَدِ.

وَأخَذَ رَجُلٌ مِنهم حُوتًا ورَبَطَ في ذَنَبِهِ خَيْطًا إلى (p-287)خَشَبَةٍ في السّاحِلِ، ثُمَّ شَواهُ يَوْمَ الأحَدِ، فَوَجَدَ جارُهُ رِيحَ السَّمَكِ فَتَطالَعَ في تَنُّورِهِ، فَقالَ لَهُ: إنِّي أرى اللَّهَ سَيُعَذِّبُكَ؛ فَلَمّا لَمْ يَرَهُ عُذِّبَ، أخَذَ في يَوْمِ السَّبْتِ القابِلِ حُوتَيْنِ، فَلَمّا رَأوْا أنَّ العَذابَ لا يُعاجِلُهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ، فَصادُوا وأكَلُوا، ومَلَّحُوا وباعُوا، وكانُوا نَحْوًا مِن سَبْعِينَ ألْفًا، فَصارَ أهْلُ القَرْيَةِ أثْلاثًا، ثُلُثٌ اسْتَمَرُّوا عَلى النَّهْيِ، وثُلُثٌ مَلُّوا التَّذْكِيرَ وسَئِمُوهُ، وقالُوا لِلْواعِظِينَ: لِمَ تَعِظُونَ ... إلَخْ، وثُلُثٌ باشَرُوا الخَطِيئَةَ؛ فَلَمّا لَمْ يَنْتَهُوا قالَ المُسْلِمُونَ: نَحْنُ لا نُساكِنُكم، فَقَسَمُوا القَرْيَةَ بِجِدارٍ، لِلْمُسْلِمِينَ بابٌ ولِلْمُعْتَدِينَ بابٌ.

وَلَعَنَهم داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأصْبَحَ النّاهُونَ ذاتَ يَوْمٍ في مَجالِسِهِمْ، ولَمْ يَخْرُجْ مِنَ المُعْتَدِينَ أحَدٌ، فَقالُوا: إنَّ لَهم لَشَأْنًا فَعَلَوُا الجِدارَ، فَنَظَرُوا فَإذا هم قِرَدَةٌ، فَفَتَحُوا البابَ ودَخَلُوا عَلَيْهِمْ فَعَرَفَتِ القِرَدَةُ أنْسِباءَهم مِنَ الإنْسِ وهم لا يَعْرِفُونَها، فَجُعِلَ القِرْدُ يَأْتِي نَسِيبَهُ فَيَشُمُّ ثِيابَهُ فَيَبْكِي، فَيَقُولُ لَهُ نَسِيبُهُ: ألَمْ نَنْهَكم، فَيَقُولُ القِرْدُ بِرَأْسِهِ: بَلى، ثُمَّ ماتُوا عَنْ ثَلاثٍ.

وَقِيلَ: صارَ الشُّبّانُ قِرَدَةً، والشُّيُوخُ خَنازِيرَ، وعَنْ مُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مُسِخَتْ قُلُوبُهم. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أكَلُوا واللَّهِ أوْخَمَ أكْلَةٍ أكَلَها أهْلُها أثْقَلُها خِزْيًا في الدُّنْيا وأطْوَلُها عَذابًا في الآخِرَةِ، هاهَ وايْمُ اللَّهِ ما حُوتٌ أخَذَهُ قَوْمٌ، فَأكَلُوهُ أعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ مِن قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مَوْعِدًا والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ.

7:167Page 172

وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٦٧

And [mention] when your Lord declared that He would surely [continue to] send upon them until the Day of Resurrection those who would afflict them with the worst torment. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿واسْألْهُمْ﴾ "، وتَأذَّنَ بِمَعْنى آذَنَ، كَما أنَّ تَوَعَّدَ بِمَعْنى أوْعَدَ، أوْ بِمَعْنى عَزَمَ، فَإنَّ العازِمَ عَلى الأمْرِ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ، وأُجْرِيَ مُجْرى فِعْلِ القَسَمِ، كَعَلِمَ اللَّهُ، وشَهِدَ اللَّهُ.

فَلِذَلِكَ أُجِيبَ بِجَوابِهِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾؛ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ إيجابِهِ تَعالى عَلى نَفْسِهِ أنْ يُسَلِّطَ عَلى اليَهُودِ البَتَّةَ.

﴿مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ كالإذْلالِ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ، وقَدْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بَعْدَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بُخْتَ نَصَّرَ، فَخَرَّبَ دِيارَهم، وقَتَلَ مُقاتِلَتَهم، وسَبى نِساءَهم وذَرارِيَهم، وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلى مَن بَقِيَ مِنهم، وكانُوا يُؤَدُّونَها إلى المَجُوسِ، حَتّى بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ، فَفَعَلَ ما فَعَلَ، ثُمَّ ضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، فَلا تَزالُ مَضْرُوبَةً إلى آخِرِ الدَّهْرِ.

﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ يُعاقِبُهم في الدُّنْيا.

﴿وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ مِنهم.

7:168Page 172

وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨

And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].

﴿وَقَطَّعْناهُمْ﴾؛ أيْ: فَرَّقْنا بَنِي إسْرائِيلَ.

﴿فِي الأرْضِ﴾ وجَعَلْنا كُلَّ فِرْقَةٍ مِنهم في قُطْرٍ مِن أقْطارِها، بِحَيْثُ لا تَخْلُو ناحِيَةٌ مِنها مِنهم تَكْمِلَةً لِأدْبارِهِمْ، حَتّى لا تَكُونَ لَهم شَوْكَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُمَمًا﴾ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لَقَطَّعْنا، أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ.

﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ صِفَةٌ لِأُمَمًا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالمَدِينَةِ ومَن يَسِيرُ بِسِيرَتِهِمْ.

﴿وَمِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: ناسٌ دُونَ ذَلِكَ الوَصْفِ؛ أيْ: مُنْحَطُّونَ عَنِ الصَّلاحِ، وهم كَفَرَتُهم وفَسَقَتُهم. (p-288)

﴿وَبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ بِالنِّعَمِ والنِّقَمِ.

﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

7:169Page 172

فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩

And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities1 of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it2 comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture [i.e., the Torah] taken from them that they would not say about Allāh except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allāh, so will you not use reason?

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ المَذْكُورِينَ.

خَلْفٌ؛ أيْ: بَدَلُ سُوءٍ، مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ، ولِذَلِكَ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقِيلَ: جَمْعٌ، وهو شائِعٌ في الشَّرِّ، والخَلَفُ بِفَتْحِ اللّامِ في الخَيْرِ، والمُرادُ بِهِ: الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

﴿وَرِثُوا الكِتابَ﴾؛ أيِ: التَّوْراةَ مِن أسْلافِهِمْ، يَقْرَءُونَها ويَقِفُونَ عَلى ما فِيها.

﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما يَصْنَعُونَ بِالكِتابِ بَعْدَ وِراثَتِهِمْ إيّاهُ؛ أيْ: يَأْخُذُونَ حُطامَ هَذا الشَّيْءِ الأدْنى؛ أيِ: الدُّنْيا، وهو مِنَ الدُّنُوِّ أوِ الدَّناءَةِ، والمُرادُ بِهِ: ما كانُوا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِّشا في الحُكُوماتِ وعَلى تَحْرِيفِ الكَلامِ، وقِيلَ: حالٌ مِن واوِ ورِثُوا.

﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ ولا يُؤاخِذُنا اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ ويَتَجاوَزُ عَنْهُ، والجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ العَطْفَ والحالِيَّةَ، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، أوْ مَصْدَرُ يَأْخُذُونَ.

﴿وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَنا؛ أيْ: يَرْجُونَ المَغْفِرَةَ، والحالُ أنَّهم مُصِرُّونَ عَلى الذَّنْبِ عائِدُونَ إلى مِثْلِهِ غَيْرُ تائِبِينَ عَنْهُ.

﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾؛ أيِ: المِيثاقُ الوارِدُ في الكِتابِ.

﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمِيثاقِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ؛ أيْ: بِأنْ لا يَقُولُوا ... إلَخْ، والمُرادُ بِهِ: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخُ عَلى بَتِّهِمُ القَوْلَ بِالمَغْفِرَةِ بِلا تَوْبَةٍ، والدَّلالَةُ عَلى أنَّها افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى وخُرُوجٌ عَنْ مِيثاقِ الكِتابِ.

﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾ عَطْفٌ عَلى " ألَمْ يُؤْخَذْ " مِن حَيْثُ المَعْنى فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ، أوْ عَلى " ورِثُوا " وهو اعْتِراضٌ.

﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ما فَعَلَ هَؤُلاءِ.

﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَتَعْلَمُوا ذَلِكَ، فَلا تَسْتَبْدِلُوا الأدْنى المُؤَدِّي إلى العِقابِ بِالنَّعِيمِ المُخَلَّدِ، وقُرِئَ بِالياءِ، وفي الِالتِفاتِ تَشْدِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ.

7:170Page 172

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٧٠

But those who hold fast to the Book [i.e., the Qur’ān] and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.

﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ﴾؛ أيْ: يَتَمَسَّكُونَ في أُمُورِ دِينِهِمْ، يُقالُ: مَسَكَ بِالشَّيْءِ وتَمَسَّكَ بِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، تَمَسَّكُوا بِالكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يُحَرِّفُوهُ، ولَمْ يَكْتُمُوهُ، ولَمْ يَتَّخِذُوهُ مَأْكَلَةً. وقالَ عَطاءٌ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقُرِئَ: ( يُمْسِكُونَ ) مِنَ الإمْساكِ.

وَقُرِئَ: ( تَمَسَّكُوا، واسْتَمْسَكُوا ) مُوافِقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ﴾ ولَعَلَّ التَّغْيِيرَ في المَشْهُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ بِالكِتابِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ، بِخِلافِ إقامَةِ الصَّلاةِ فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِأوْقاتِها، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ العِباداتِ لِإنافَتِها عَلَيْها، ومَحَلُّ المَوْصُولِ إمّا الجَرُّ نَسَقًا عَلى " الَّذِينَ يَتَّقُونَ "، وقَوْلُهُ: " ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ " اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.

وَإمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ والرّابِطُ إمّا الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ كَما هو رَأْيُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، والتَّقْدِيرُ: أجْرُ المُصْلِحِينَ مِنهم، وإمّا الألِفُ واللّامُ كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، فَإنَّهُ في حُكْمِ مُصْلِحِيهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ (p-289)أيْ: مَأْواهم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾؛ أيْ: أبْوابُها، وإمّا العُمُومُ في مُصْلِحِينَ فَإنَّهُ مِنَ الرَّوابِطِ، ومِنهُ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، عَلى أحَدِ الوُجُوهِ. وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ مَأْجُورُونَ أوْ مُثابُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ ... " إلَخْ. اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.

7:171Page 173

۞ وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧١

And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them,1 [and Allāh said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allāh."

﴿وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾؛ أيْ: قَلَعْناهُ مِن مَكانِهِ ورَفَعْناهُ عَلَيْهِمْ.

﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾؛ أيْ: سَقِيفَةٌ، وهي كُلُّ ما أظَلَّكَ.

﴿وَظَنُّوا﴾؛ أيْ: تَيَقَّنُوا.

﴿أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ ساقِطٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الجَبَلَ لا يَثْبُتُ في الجَوِّ؛ لِأنَّهم كانُوا يُوعَدُونَ بِهِ، وإطْلاقُ الظَّنِّ في الحِكايَةِ لِعَدَمِ وُقُوعِ مُتَعَلَّقِهِ، وذَلِكَ أنَّهم أبَوْا أنْ يَقْبَلُوا أحْكامَ التَّوْراةِ لِثِقَلِها، فَرَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الطُّورَ، وقِيلَ لَهم: إنْ قَبِلْتُمْ ما فِيها فَبِها وإلّا لَيَقَعَنَّ عَلَيْكم.

﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾؛ أيْ: وقُلْنا، أوْ قائِلِينَ: خُذُوا ما آتَيْناكم مِنَ الكِتابِ.

﴿بِقُوَّةٍ﴾ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ عَلى تَحَمُّلِ مَشاقِّهِ، وهو حالٌ مِنَ الواوِ.

﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ بِالعَمَلِ ولا تَتْرُكُوهُ كالمَنسِيِّ.

﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ بِذَلِكَ قَبائِحَ الأعْمالِ ورَذائِلَ الأخْلاقِ، أوْ راجِينَ أنْ تَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ

7:172Page 173

وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢

And [mention] when your Lord took from the children of Adam - from their loins - their descendants and made them testify of themselves, [saying to them], "Am I not your Lord?" They said, "Yes, we have testified." [This] - lest you should say on the Day of Resurrection, "Indeed, we were of this unaware."

﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٌ عَلى ما انْتَصَبَ بِهِ؛ إذْ نَتَقْنا مَسُوقٌ لِلِاحْتِجاجِ عَلى اليَهُودِ بِتَذْكِيرِ المِيثاقِ العامِّ المُنْتَظِمِ لِلنّاسِ قاطِبَةً، وتَوْبِيخِهِمْ بِنَقْضِهِ إثْرَ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِتَذْكِيرِ مِيثاقِ الطُّورِ، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ، قَدْ مَرَّ بَيانُهُ مِرارًا؛ أيْ: واذْكُرْ لَهم أخْذَ رَبِّكَ.

﴿مِن بَنِي آدَمَ﴾ المُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ وُلِدَ لَهم كائِنًا مَن كانَ، نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ، سِوى مَن لَمْ يُولَدْ لَهُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، كالعُقْمِ، وعَدَمِ التَّزَوُّجِ، والمَوْتِ صَغِيرًا، وإيثارُ الأخْذِ عَلى الإخْراجِ لِلْإيذانِ بِالِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَأْخُوذِ، لِما فِيهِ مِنَ الأنْباءِ عَنْ الِاجْتِباءِ والِاصْطِفاءِ، وهو السَّبَبُ في إسْنادِهِ إلى اسْمِ الرَّبِّ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمْهِيدِ لِلِاسْتِفْهامِ الآتِي، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِلتَّشْرِيفِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن " بَنِي آدَمَ " بَدَلَ البَعْضِ بِتَكْرِيرِ الجارِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ .

وَ" مِن " في المَوْضِعَيْنِ ابْتِدائِيَّةٌ، وفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِابْتِنائِهِ عَلى البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ، والتَّفْصِيلِ غِبَّ الإجْمالِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المِيثاقَ قَدْ أُخِذَ مِنهم وهم في أصْلابِ الآباءِ، ولَمْ يُسْتَوْدَعُوا في أرْحامِ الأُمَّهاتِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ مَفْعُولُ أخَذَ أُخِّرَ عَنِ المَفْعُولِ بِواسِطَةِ الجارِّ، لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرٍ راجِعٍ إلَيْهِ، ولِمُراعاةِ أصالَتِهِ ومَنشَئِيَّتِهِ، ولِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وقُرِئَ: ( ذُرِّيّاتِهِمْ )، والمُرادُ بِهِمْ: أوْلادُهم عَلى العُمُومِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِمُ اليَهُودُ المُعاصِرُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، كَما انْدَرَجَ أسْلافُهم في بَنِي آدَمَ كَذَلِكَ، وتَخْصِيصُهُما بِاليَهُودِ سَلَفًا وخَلَفًا، مَعَ أنَّ ما أُرِيدَ بَيانُهُ مِن بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ شامِلٌ لِلْكُلِّ كافَّةً، مُخِلٌّ بِفَخامَةِ التَّنْزِيلِ وجَزالَةِ التَّمْثِيلِ.

﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: أشْهَدَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن أُولَئِكَ الذُّرِّيّاتِ المَأْخُوذِينَ مِن (p-290)ظُهُورِ آبائِهِمْ عَلى نَفْسِها لا عَلى غَيْرِها، تَقْرِيرًا لَهم بِرُبُوبِيَّتِهِ التّامَّةِ وما تَسْتَتْبِعُهُ مِنَ المَعْبُودِيَّةِ عَلى الِاخْتِصاصِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْكامِها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ أيْ: قائِلًا: ألَسْتُ بِرَبِّكم ومالِكِ أمْرِكم، ومُرَبِّيكم عَلى الإطْلاقِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ مُدْخَلٌ في شَأْنٍ مِن شُئُونِكم، فَيَنْتَظِمُ اسْتِحْقاقُ المَعْبُودِيَّةِ ويَسْتَلْزِمُ اخْتِصاصَهُ بِهِ تَعالى.

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: قالُوا.

﴿بَلى شَهِدْنا﴾؛ أيْ: عَلى أنْفُسِنا بِأنَّكَ رَبُّنا وإلَهُنا لا رَبَّ لَنا غَيْرُكَ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، وهَذا تَمْثِيلٌ لِخَلْقِهِ تَعالى إيّاهم جَمِيعًا في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ، مُسْتَعِدِّينَ لِلِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ، والأنْفُسِ المُؤَدِّيَةِ إلى التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ ﷺ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» " الحَدِيثَ.

مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن تَعْرِيضِهِ تَعالى إيّاهم لِمَعْرِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ بَعْدَ تَمْكِينِهِمْ مِنها، بِما رُكِزَ فِيهِمْ مِنَ العُقُولِ والبَصائِرِ، ونُصِبَ لَهم في الآفاقِ والأنْفُسِ مِنَ الدَّلائِلِ تَمْكِينًا تامًّا، ومِن تَمَكُّنِهِمْ مِنها تَمَكُّنًا كامِلًا، وتَعَرُّضِهِمْ لَها تَعَرُّضًا قَوِيًّا، بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِن حَمْلِهِ تَعالى إيّاهم عَلى الِاعْتِرافِ بِها بِطَرِيقِ الأمْرِ، ومِن مُسارَعَتِهِمْ إلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ أصْلًا، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ أخْذٌ وإشْهادٌ، وسُؤالٌ وجَوابٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ بِالتّاءِ عَلى تَلْوِينِ الخِطابِ، وصَرْفِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى مُعاصِرِيهِ مِنَ اليَهُودِ، تَشْدِيدًا في الإلْزامِ، أوْ إلَيْهِمْ وإلى مُتَقَدِّمِيهِمْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، لَكِنْ لا مِن حَيْثُ إنَّهم مُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ "؛ فَإنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ.

وَقُرِئَ بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلذُّرِّيَّةِ، وأيًّا ما كانَ فَهو مَفْعُولٌ لَهُ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأخْذِ والإشْهادِ؛ أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، أوْ لِئَلّا تَقُولُوا أيُّها الكَفَرَةُ، أوْ يَقُولُوا هم.

﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ عِنْدَ ظُهُورِ الأمْرِ.

﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا﴾ عَنْ وحْدانِيَّةِ الربوبية وأحْكامِها.

﴿غافِلِينَ﴾ لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ، فَإنَّهم حَيْثُ جُبِلُوا عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّهَيُّؤِ التّامِّ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ، والقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنَ الفِعْلِ، صارُوا مَحْجُوجِينَ عاجِزِينَ عَنْ الِاعْتِذارِ بِذَلِكَ؛ إذْ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى إنْكارِ ما ذُكِرَ مِن خَلْقِهِمْ عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.

7:173Page 173

أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ١٧٣

Or [lest] you say, "It was only that our fathers associated [others in worship] with Allāh before, and we were but descendants after them. Then would You destroy us for what the falsifiers have done?"

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا﴾ عَطْفٌ عَلى تَقُولُوا، و " أوْ " لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ؛ أيْ: هُمُ اخْتَرَعُوا الإشْراكَ وهم سَنُّوهُ.

﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ زَمانِنا.

﴿وَكُنّا﴾ نَحْنُ.

﴿ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ لا نَهْتَدِي إلى السَّبِيلِ، ولا نَقْدِرُ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِالدَّلِيلِ.

﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ مِن آبائِنا المُضِلِّينَ بَعْدَ ظُهُورِ أنَّهُمُ المُجْرِمُونَ، ونَحْنُ عاجِزُونَ عَنِ التَّدْبِيرِ والِاسْتِبْدادِ بِالرَّأْيِ، أوْ أتُؤاخِذُنا فَتُهْلِكُنا ... إلَخْ؛ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنِ اسْتِعْدادِهِمُ الكامِلِ يَسُدُّ عَلَيْهِمْ بابَ الِاعْتِذارِ بِهَذا أيْضًا، فَإنَّ التَّقْلِيدَ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ والقُدْرَةِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها مِمّا لا مَساغَ لَهُ أصْلًا.

هَذا وقَدْ حُمِلَتْ هَذِهِ المُقاوَلَةُ عَلى الحَقِيقَةِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن أنَّهُ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأخْرَجَ مِنهُ كُلَّ نَسَمَةٍ هو خالِقُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾؛ فَنُودِيَ يَوْمَئِذٍ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْها، فَقالَ: " «إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ (p-291)وَبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ» " .

وَلَيْسَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ الكُلَّ مِن ظَهْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالذّاتِ، بَلْ أخْرَجَ مِن ظَهْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْناءَهُ الصُّلْبِيَّةَ، ومِن ظَهْرِهِمْ أبْناءَهُمُ الصُّلْبِيَّةَ، وهَكَذا إلى آخِرِ السِّلْسِلَةِ، لَكِنْ لَمّا كانَ المَظْهَرُ الأصْلِيُّ ظَهْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ مَساقُ الحَدِيثَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ بَيانَ حالِ الفَرِيقَيْنِ إجْمالًا مِن غَيْرِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِذِكْرِ الوَسايِطِ غَرَضٌ عِلْمِيٌّ، نُسِبَ إخْراجُ الكُلِّ إلَيْهِ.

وَأمّا الآيَةُ الكَرِيمَةُ فَحَيْثُ كانَتْ مَسُوقَةً لِلِاحْتِجاجِ عَلى الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبَيانِ عَدَمِ إفادَةِ الِاعْتِذارِ بِإسْنادِ الإشْراكِ إلى آبائِهِمُ، اقْتَضى الحالُ نِسْبَةَ إخْراجِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم إلى ظَهْرِ أبِيهِمْ، مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإخْراجِ الأبْناءِ الصُّلْبِيَّةِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ظَهْرِهِ قَطْعًا.

وَعَدَمُ بَيانِ المِيثاقِ في حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ بَيانًا لِعَدَمِهِ ولا مُسْتَلْزِمًا لَهُ، وأمّا ما قالُوا مِن أنَّ أخْذَ المِيثاقِ لِإسْقاطِ عُذْرِ الغَفْلَةِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾، ومَعْلُومٌ أنَّهُ غَيْرُ دافِعٍ لِغَفْلَتِهِمْ في دارِ التَّكْلِيفِ؛ إذْ لا فَرْدَ مِن أفْرادِ البَشَرِ يَذْكُرُ ذَلِكَ فَمَرْدُودٌ، لَكِنْ لا بِما قِيلَ مِن أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أوْضَحَ الدَّلائِلَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وصِدْقِ رُسُلِهِ فِيما أخْبَرُوا بِهِ، فَمَن أنْكَرَهُ كانَ مُعانِدًا ناقِضًا لِلْعَهْدِ ولَزِمَتْهُ الحُجَّةُ، ونِسْيانُهم وعَدَمُ حِفْظِهِمْ لا يُسْقِطُ الِاحْتِجاجَ بَعْدَ إخْبارِ المُخْبِرِ الصّادِقِ، بَلْ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ ... " إلَخْ، لَيْسَ مَفْعُولًا لَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَأشْهَدَهُمْ﴾ "، وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: " ﴿بَلى شَهِدْنا﴾ "، حَتّى يَجِبَ كَوْنُ ذَلِكَ الإشْهادِ، والشَّهادَةِ مَحْفُوظًا لَهم في إلْزامِهِمْ، بَلْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ.

والمَعْنى: فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِ المِيثاقِ وبَيانِهِ؛ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، أوْ لِئَلّا تَقُولُوا أيُّها الكَفَرَةُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنّا كُنّا غافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ المِيثاقِ، لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ في دارِ التَّكْلِيفِ، وإلّا لَعَمِلْنا بِمُوجَبِهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ بِالياءِ فَهو مَفْعُولٌ لَهُ لِنَفْسِ الأمْرِ المُضْمَرِ العامِلِ في إذْ أخَذَ، والمَعْنى: اذْكُرْ لَهُمُ المِيثاقَ المَأْخُوذَ مِنهم فِيما مَضى؛ لِئَلّا يَعْتَذِرُوا يَوْمَ القِيامَةِ بِالغَفْلَةِ عَنْهُ، أوْ بِتَقْلِيدِ الآباءِ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ قَوْلِهِ تَعالى: شَهِدْنا مِن كَلامِ الذُّرِّيَّةِ، وهو الظّاهِرُ.

فَأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِن كَلامِهِ تَعالى، فَهو العامِلُ في أنْ تَقُولُوا، ولا مَحْذُورَ أصْلًا؛ إذِ المَعْنى: شَهِدْنا قَوْلَكم هَذا؛ لِئَلّا تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ ... إلَخْ؛ لِأنّا نَرُدُّكم ونُكَذِّبُكم حِينَئِذٍ.

7:174Page 173

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٧٤

And thus do We [explain in] detail the verses, and perhaps they will return.1

﴿وَكَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ، والكافُ مُقْحَمَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ، والتَّقْدِيمُ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: ذَلِكَ التَّفْصِيلَ البَلِيغَ المُسْتَتْبِعَ لِلْمَنافِعِ الجَلِيلَةِ.

﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ المَذْكُورَةَ لا غَيْرَ ذَلِكَ.

﴿وَلَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ولِيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإصْرارِ عَلى الباطِلِ وتَقْلِيدِ الآباءِ، نَفْعَلُ التَّفْصِيلَ المَذْكُورَ، فالواوانِ ابْتِدائِيَّتانِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ عاطِفَةً عَلى مُقَدَّرٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى التَّفْصِيلِ؛ أيْ: وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِيَقِفُوا عَلى ما فِيها مِنَ المُرَغِّباتِ والزَّواجِرِ، ولِيَرْجِعُوا ... إلَخْ.

7:175Page 173

وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥

And recite to them, [O Muḥammad], the news of him1 to whom We gave [knowledge of] Our signs, but he detached himself from them; so Satan pursued him, and he became of the deviators.2

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ (p-292)عَلى المُضْمَرِ العامِلِ في إذْ أخَذَ، وارِدٌ عَلى نَمَطِهِ في الإنْباءِ عَنِ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، والضَّلالَةِ بَعْدَ الهُدى؛ أيْ: واتْلُ عَلى اليَهُودِ.

﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾؛ أيْ: خَبَرُهُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ، وهو أحَدُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ، أوْ بَلْعامُ بْنُ باعِرٍ، مِنَ الكَنْعانِيِّينَ، أُوتِيَ عِلْمَ بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى.

وَقِيلَ: هو أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ، وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُرْسِلٌ في ذَلِكَ الزَّمانِ رَسُولًا، ورَجا أنْ يَكُونَ هو الرَّسُولَ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى النَّبِيَّ ﷺ حَسَدَهُ وكَفَرَ بِهِ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِمَقامِ تَوْبِيخِ اليَهُودِ بِهَناتِهِمْ.

﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾؛ أيْ: مِن تِلْكَ الآياتِ انْسِلاخَ الجِلْدِ مِنَ الشّاةِ، ولَمْ يُخْطِرْها بِبالِهِ أصْلًا، أوْ خَرَجَ مِنها بِالكُلِّيَّةِ بِأنْ كَفَرَ بِها، ونَبَذَها وراءَ ظَهْرِهِ، وأيًّا ما كانَ؛ فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالِانْسِلاخِ المُنْبِئِ عَنِ اتِّصالِ المُحِيطِ بِالمُحاطِ خِلْقَةً، وعَنْ عَدَمِ المُلاقاةِ بَيْنَهُما أبَدًا؛ لِلْإيذانِ بِكَمالِ مُبايَنَتِهِ لِلْآياتِ بَعْدَ أنْ كانَ بَيْنَهُما كَمالُ الِاتِّصالِ.

﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: تَبِعَهُ حَتّى لَحِقَهُ وأدْرَكَهُ، فَصارَ قَرِينًا لَهُ، وهو المَعْنى عَلى قِراءَةِ ( فاتَّبَعَهُ ) مِنَ الِافْتِعالِ، وفِيهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّهُ أشَدُّ مِنَ الشَّيْطانِ غَوايَةً، أوْ أتْبَعَهُ خُطُواتِهِ.

﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ فَصارَ مِن زُمْرَةِ الضّالِّينَ الرّاسِخِينَ في الغَوايَةِ، بَعْدَ أنْ كانَ مِنَ المُهْتَدِينَ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ طَلَبُوا إلَيْهِ أنْ يَدْعُوا عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: كَيْفَ أدْعُو عَلى مَن مَعَهُ المَلائِكَةُ، فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى فَعَلَ؛ فَبَقُوا في التِّيهِ، ويَرُدُّهُ أنَّ التِّيهَ كانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَوْحًا وراحَةً، وإنَّما عُذِّبَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِدُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ، كَما مَرَّ في سُورَةِ المائِدَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском