Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:22–40
7:22Page 152
فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٢
So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"
﴿فَدَلاهُما﴾ (p-221)فَنَزَّلَهُما عَلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ أهْبَطَهُما بِذَلِكَ مِن دَرَجَةٍ عالِيَةٍ، فَإنَّ التَّدْلِيَةَ والإدْلاءَ: إرْسالُ الشَّيْءِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ.
﴿بِغُرُورٍ﴾ بِما غَرَّهُما بِهِ مِنَ القَسَمِ، فَإنَّهُما ظَنّا أنَّ أحَدًا لا يُقْسِمُ بِاللَّهِ كاذِبًا، أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِغُرُورٍ.
﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾؛ أيْ: فَلَمّا وجَدا طَعْمَها آخِذَيْنِ في الأكْلِ مِنها، أخَذَتْهُما العُقُوبَةُ وشُؤْمُ المَعْصِيَةِ، فَتَهافَتَ عَنْهُما لِباسُهُما وظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما، واخْتُلِفَ في أنَّ الشَّجَرَةَ كانَتِ السُّنْبُلَةَ، أوِ الكَرْمَ، أوْ غَيْرَهُما، وأنَّ اللِّباسَ كانَ نَوْرًا أوْ ظُفُرًا.
﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ﴾ طَفِقَ: مِن أفْعالِ الشُّرُوعِ والتَّلَبُّسِ، كَأخَذَ، وجَعَلَ، وأنْشَأ، وعَلَّقَ، وهَبَّ، وانْبَرى؛ أيْ: أخَذا يَرْقَعانِ ويُلْزِقانِ ورَقَةً فَوْقَ ورَقَةٍ.
﴿عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ قِيلَ: كانَ ذَلِكَ ورَقَ التِّينِ، وقُرِئَ: ( يَخْصِفانِ ) مِن أخْصَفَ؛ أيْ: يَخْصِفانِ أنْفُسَهُما، ويُخَصِّفانِ مِنَ التَّخْصِيفِ، ويَخْصِفانِ أصْلُهُ: يَخْتَصِفانِ.
﴿وَناداهُما رَبُّهُما﴾ مالِكُ أمْرِهِما بِطَرِيقِ العِتابِ والتَّوْبِيخِ.
﴿ألَمْ أنْهَكُما﴾ وهو تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ، فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، أوْ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: وقالَ أوْ قائِلًا: ألَمْ أنْهَكُما.
﴿عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ، لِما أنَّهُ إشارَةٌ إلى الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ قُرْبانِها.
﴿وَأقُلْ لَكُما﴾ عَطْفٌ عَلى أنْهَكُما؛ أيْ: ألَمْ أقُلْ لَكُما.
﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وهَذا عِتابٌ وتَوْبِيخٌ عَلى الِاغْتِرارِ بِقَوْلِ العَدُوِّ، كَما أنَّ الأوَّلَ عِتابٌ عَلى مُخالَفَةِ النَّهْيِ، قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ، ولَكُما مُتَعَلِّقٌ بِعَدُوٌّ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن عَدُوٌّ، ولَمْ يُحْكَ هَذا القَوْلُ هَهُنا، وقَدْ حُكِيَ في سُورَةِ طَهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ ...﴾ الآيَةَ.
رُوِيَ أنَّهُ تَعالى قالَ لَآدَمَ: ألَمْ يَكُنْ فِيما مَنَحْتُكَ مِن شَجَرِ الجَنَّةِ مَندُوحَةٌ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؛ فَقالَ: بَلى وعِزَّتِكَ، ولَكِنْ ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا مِن خَلْقِكَ يَحْلِفُ بِكَ كاذِبًا. قالَ: فَبِعِزَّتِي لَأُهْبِطَنَّكَ إلى الأرْضِ، ثُمَّ لا تَنالُ العَيْشَ إلّا كَدًّا؛ فَأُهْبِطَ وعُلِّمَ صَنْعَةَ الحَدِيدِ، وأُمِرَ بِالحَرْثِ فَحَرَثَ، وسَقى وحَصَدَ، ودَرَسَ وذَرّى، وعَجَنَ وخَبَزَ.
7:23Page 153
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣
They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."
﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾؛ أيْ: ضَرَرْناها بِالمَعْصِيَةِ والتَّعْرِيضِ لِلْإخْراجِ مِنَ الجَنَّةِ.
﴿وَإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ ذَلِكَ.
﴿وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّغائِرَ يُعاقَبُ عَلَيْها إنْ لَمْ تُغْفَرْ، وقالَ المُعْتَزِلَةُ: لا يَجُوزُ المُعاقَبَةُ عَلَيْها مَعَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ، ولِذَلِكَ حَمَلُوا قَوْلَهُما ذَلِكَ عَلى عاداتِ المُقَرَّبِينَ في اسْتِعْظامِ الصَّغِيرِ مِنَ السَّيِّئاتِ، واسْتِصْغارِ العَظِيمِ مِنَ الحَسَناتِ.
7:24Page 153
قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٢٤
[Allāh] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment [i.e., provision] for a time."
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ مِرارًا.
﴿اهْبِطُوا﴾ خِطابٌ لَآدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتِهِما، أوْ لَهُما ولِإبْلِيسَ، كُرِّرَ الأمْرُ لَهُ تَبَعًا لَهُما، لِيُعْلَمَ أنَّهم قُرَناءُ أبَدًا، أوْ أُخْبِرَ عَمّا قالَ لَهم مُفَرَّقًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾، ولَمْ يُذْكَرْ هَهُنا قَبُولُ تَوْبَتِهِما ثِقَةً بِما ذُكِرَ في سائِرِ المَواضِعِ.
﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ اهْبِطُوا؛ أيْ: مُتَعادِينَ.
﴿وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أيِ: اسْتِقْرارٌ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ.
﴿وَمَتاعٌ﴾؛ أيْ: تَمَتُّعٌ وانْتِفاعٌ.
﴿إلى حِينٍ﴾ هو حِينُ انْقِضاءِ آجالِكم.
7:25Page 153
قَالَ فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ ٢٥
He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."
﴿قالَ﴾ أُعِيدَ الِاسْتِئْنافُ؛ إمّا لِلْإيذانِ بِعَدَمِ اتِّصالِ ما بَعْدَهُ بِما قَبْلَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ (p-222)، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ .
وَإمّا لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾؛ أيْ: لِلْجَزاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ .
7:26Page 153
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٢٦
O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allāh that perhaps they will remember.
﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ خِطابٌ لِلنّاسِ كافَّةً، وإيرادُهم بِهَذا العُنْوانِ مِمّا لا يَخْفى سِرُّهُ.
﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾؛ أيْ: خَلَقْناهُ لَكم بِتَدْبِيراتٍ سَماوِيَّةٍ، وأسْبابٍ نازِلَةٍ مِنها، ونَظِيرُهُ: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ...﴾ إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ .
﴿يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ الَّتِي قَصَدَ إبْلِيسُ إبْداءَها مِن أبَوَيْكم، حَتّى اضْطُرّا إلى خَصْفِ الأوْراقِ، وأنْتُمْ مُسْتَغْنُونَ عَنْ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ أنَّ العَرَبَ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عَرايا، ويَقُولُونَ: لا نَطُوفُ بِثِيابٍ عَصَيْنا اللَّهَ تَعالى فِيها؛ فَنَزَلَتْ. ولَعَلَّ ذِكْرَ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ، لِلْإيذانِ بِأنَّ انْكِشافَ العَوْرَةِ أوَّلُ سُوءٍ أصابَ الإنْسانَ مِن قِبَلِ الشَّيْطانِ، وأنَّهُ أغْواهم في ذَلِكَ كَما أغْوى أبَوَيْهِمْ.
﴿وَرِيشًا﴾ ولِباسًا تَتَجَمَّلُونَ بِهِ، والرِّيشُ: الجَمالُ، وقِيلَ: مالًا، ومِنهُ: تَرَيَّشَ الرَّجُلُ؛ أيْ: تَمَوَّلَ، وقُرِئَ: ( رِياشًا ) وهو جَمْعُ رِيشٍ، كَشِعْبٍ وشِعابٍ.
﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾؛ أيْ: خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: الإيمانُ، وقِيلَ: السَّمْتُ الحَسَنُ، وقِيلَ: لِباسُ الحَرْبِ.
وَرَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ، خَبَرُهُ جُمْلَةُ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، أوْ خَبَرٌ وذَلِكَ صِفَتُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولِباسُ التَّقْوى المُشارُ إلَيْهِ خَيْرٌ، وقُرِئَ: ( ولِباسَ التَّقْوى ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى لِباسًا.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: إنْزالُ اللِّباسِ.
﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ دالَّةٌ عَلى عَظِيمِ فَضْلِهِ وعَمِيمِ رَحْمَتِهِ.
﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ فَيَعْرِفُونَ نِعْمَتَهُ، أوْ يَتَّعِظُونَ فَيَتَوَرَّعُونَ عَنِ القَبائِحِ.
7:27Page 153
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٧
O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing1 to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.
﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ تَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ ما صُدِّرَ بِهِ، وإيرادُهم بِهَذا العُنْوانِ مِمّا لا يَخْفى سَبَبُهُ.
﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: لا يُوقِعَنَّكم في الفِتْنَةِ والمِحْنَةِ بِأنْ يَمْنَعَكم مِن دُخُولِ الجَنَّةِ.
﴿كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا يَفْتِنَنَّكم فِتْنَةً مِثْلَ إخْراجِ أبَوَيْكم، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يُخْرِجَنَّكم بِفِتْنَتِهِ إخْراجًا مِثْلَ إخْراجِهِ لِأبَوَيْكم، والنَّهْيُ وإنْ كانَ مُتَوَجِّهًا إلى الشَّيْطانِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ مُتَوَجِّهٌ إلى المُخاطَبِينَ، كَما في قَوْلِكَ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا.
﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ حالٌ مِن أبَوَيْكم، أوْ مِن فاعِلِ أخْرَجَ، وإسْنادُ النَّزْعِ إلَيْهِ لِلتَّسْبِيبِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ﴾؛ أيْ: جُنُودُهُ وذُرِّيَّتُهُ، اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ التَّحْذِيرِ مِنهُ.
﴿مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ " مِن " لِابْتِداءِ غايَةِ الرُّؤْيَةِ، و" حَيْثُ " ظَرْفٌ لِمَكانِ انْتِفاءِ الرُّؤْيَةِ، و" لا تَرَوْنَهم " في مَحَلِّ الجَرِّ بِإضافَةِ الظَّرْفِ إلَيْهِ، ورُؤْيَتُهم لَنا مِن حَيْثُ لا نَراهم لا تَقْتَضِي امْتِناعَ رُؤْيَتِنا (p-223)لَهم مُطْلَقًا، واسْتِحالَةَ تَمَثُّلِهِمْ لَنا.
﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ﴾ جُعِلَ قَبِيلُهُ مِن جُمْلَتِهِ فَجُمِعَ.
"الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ"؛ أيْ: جَعَلْناهم بِما أوْجَدْنا بَيْنَهم مِنَ المُناسَبَةِ، أوْ بِإرْسالِهِمْ عَلَيْهِمْ وتَمْكِينِهِمْ مِن إغْوائِهِمْ، وحَمْلِهِمْ عَلى ما سَوَّلُوا لَهم أوْلِياءَ؛ أيْ: قُرَناءَ مُسَلَّطِينَ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ آخَرُ لِلنَّهْيِ، وتَأْكِيدٌ لِلتَّحْذِيرِ إثْرَ تَحْذِيرٍ.
7:28Page 153
وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٢٨
And when they commit an immorality, they say, "We found our fathers doing it, and Allāh has ordered us to do it." Say, "Indeed, Allāh does not order immorality. Do you say about Allāh that which you do not know?"
﴿وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقَدْ جُوِّزَ عَطْفُها عَلى الصِّلَةِ، والفاحِشَةُ: الفَعْلَةُ المُتَناهِيَةُ في القُبْحِ، والتّاءُ لِأنَّها مُجْراةٌ عَلى المَوْصُوفِ المُؤَنَّثِ، أوْ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ، والمُرادُ بِها: عِبادَةُ الأصْنامِ، وكَشْفُ العَوْرَةِ في الطَّوافِ، ونَحْوُهُما.
﴿قالُوا﴾ جَوابًا لِلنّاهِينَ عَنْها.
﴿وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ مُحْتَجِّينَ بِأمْرَيْنِ: تَقْلِيدِ الآباءِ، والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ المُقَدَّمِ لِلْإيذانِ مِنهم بِأنَّ آباءَهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَها بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِها، عَلى أنَّ ضَمِيرَ " ﴿أمَرَنا﴾ " لَهم ولِآبائِهِمْ.
فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ وجْهُ الإعْراضِ عَنِ الأوَّلِ في رَدِّ مَقالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ فَإنَّ عادَتَهُ تَعالى جارِيَةٌ عَلى الأمْرِ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ، والحَثِّ عَلى مَراضِي الخِصالِ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ قُبْحَ الفِعْلِ، بِمَعْنى تَرَتُّبِ الذَّمِّ عَلَيْهِ عاجِلًا والعِقابِ آجِلًا، عَقْلِيٌّ؛ فَإنَّ المُرادَ بِالفاحِشَةِ: ما يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ، ويَسْتَنْقِصُهُ العَقْلُ المُسْتَقِيمُ.
وَقِيلَ: هُما جَوابا سُؤالَيْنِ مُتَرَتِّبَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَمّا فَعَلُوها: لِمَ فَعَلْتُمْ ؟ فَقالُوا: وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا، فَقِيلَ: لِمَ فَعَلَها آباؤُكم ؟ فَقالُوا: اللَّهُ أمَرَنا بِها، وعَلى الوَجْهَيْنِ يُمْنَعُ التَّقْلِيدُ إذا قامَ الدَّلِيلُ بِخِلافِهِ لا مُطْلَقًا.
﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، وتَوْجِيهُ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ إلى قَوْلِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى ما لا يَعْلَمُونَ صُدُورَهُ عَنْهُ تَعالى، مَعَ أنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُونَ عَدَمَ صُدُورِهِ عَنْهُ تَعالى، مُبالَغَةٌ في إنْكارِ تِلْكَ الصُّورَةِ، فَإنَّ إسْنادَ ما لَمْ يُعْلَمْ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى إلَيْهِ تَعالى إذا كانَ مُنْكَرًا، فَإسْنادُ ما عُلِمَ عَدَمُ صُدُورِهِ عَنْهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ أشَدُّ قُبْحًا وأحَقُّ بِالإنْكارِ.
7:29Page 153
قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ ٢٩
Say, [O Muḥammad], "My Lord has ordered justice and that you direct yourselves [to the Qiblah] at every place [or time] of prostration, and invoke Him, sincere to Him in religion." Just as He originated you, you will return [to life] -
﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ بَيانٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ إثْرَ نَفْيِ ما أُسْنِدَ أمْرُهُ إلَيْهِ تَعالى مِنَ الأُمُورِ المَنهِيِّ عَنْها، والقِسْطُ: هو العَدْلُ، وهو الوَسَطُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، المُتَجافِي عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ.
﴿وَأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وتَوَجَّهُوا إلى عِبادَتِهِ مُسْتَقِيمِينَ غَيْرَ عادِلِينَ إلى غَيْرِها، أوْ أقِيمُوا وُجُوهَكم نَحْوَ القِبْلَةِ.
﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ في كُلِّ وقْتِ سُجُودٍ، أوْ مَكانِ سُجُودٍ، وهو الصَّلاةُ، أوْ في أيِّ مَسْجِدٍ حَضَرَتْكُمُ الصَّلاةُ عِنْدَهُ، ولا تُؤَخِّرُوها حَتّى تَعُودُوا إلى مَساجِدِكم.
﴿وادْعُوهُ﴾ واعْبُدُوهُ.
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أيِ: الطّاعَةَ، فَإنَّ مَصِيرَكم إلَيْهِ بِالآخِرَةِ.
﴿كَما بَدَأكُمْ﴾؛ أيْ: أنْشَأكُمُ ابْتِداءً.
﴿تَعُودُونَ﴾ إلَيْهِ بِإعادَتِهِ، فَيُجازِيَكم عَلى أعْمالِكم، وإنَّما شُبِّهَ الإعادَةُ بِالإبْداءِ تَقْرِيرًا لِإمْكانِها والقُدْرَةِ عَلَيْها. وقِيلَ: كَما بَدَأكم مِنَ التُّرابِ تَعُودُونَ إلَيْهِ. وقِيلَ: حُفاةً عُراةً غُرْلًا تَعُودُونَ إلَيْهِ. وقِيلَ: كَما بَدَأكم مُؤْمِنًا وكافِرًا يُعِيدُكم.(p-224)
7:30Page 153
فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٠
A group [of you] He guided, and a group deserved [to be in] error. Indeed, they [i.e., the latter] had taken the devils as allies instead of Allāh while they thought that they were guided.
﴿فَرِيقًا هَدى﴾ بِأنْ وفَّقَهم لِلْإيمانِ.
﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ بِمُقْتَضى القَضاءِ السّابِقِ، التّابِعِ لِلْمَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ؛ أيْ: وخَذَلَ فَرِيقًا.
﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِخِذْلانِهِ، أوْ تَحْقِيقٌ لِضَلالَتِهِمْ.
﴿وَيَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكافِرَ المُخْطِئَ والمُعانِدَ سَواءٌ في اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ، ولِلْفارِقِ أنْ يَحْمِلَهُ عَلى المُقَصِّرِ في النَّظَرِ.
7:31Page 154
۞ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١
O children of Adam, take your adornment [i.e., wear your clothing] at every masjid,1 and eat and drink, but be not excessive. Indeed, He likes not those who commit excess.
﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾؛ أيْ: ثِيابَكم لِمُواراةِ عَوْرَتِكم.
﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ أيْ: طَوافٍ أوْ صَلاةٍ، ومِنَ السُّنَّةِ أنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ أحْسَنَ هَيْئَتِهِ لِلصَّلاةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ.
﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا﴾ مِمّا طابَ لَكم. رُوِيَ أنَّ بَنِي عامِرٍ كانُوا في أيّامِ حَجِّهِمْ لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ إلّا قُوتًا، ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا، يُعَظِّمُونَ بِذَلِكَ حَجَّهم، فَهَمَّ المُسْلِمُونَ بِمِثْلِهِ؛ فَنَزَلَتْ.
﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ، أوْ بِالتَّعَدِّي إلى الحَرامِ، أوْ بِالإفْراطِ في الطَّعامِ والشَّرَهِ عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كُلْ ما شِئْتَ ما أخْطَأتْكَ خَصْلَتانِ: سَرَفٌ ومَخِيلَةٌ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ واقٍدٍ: جَمَعَ اللَّهُ الطِّبَّ في نِصْفِ آيَةٍ، فَقالَ: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ .
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾؛ أيْ: لا يَرْتَضِي فِعْلَهم.
7:32Page 154
قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣٢
Say, "Who has forbidden the adornment of [i.e., from] Allāh which He has produced for His servants and the good [lawful] things of provision?" Say, "They are for those who believed during the life of this world, exclusively [for them] on the Day of Resurrection." Thus do We detail the verses for a people who know.
﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ مِنَ الثِّيابِ وما يُتَجَمَّلُ بِهِ.
﴿الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ مِنَ النَّباتِ كالقُطْنِ والكَتّانِ، والحَيَوانِ كالحَرِيرِ والصُّوفِ، والمَعادِنِ كالدُّرُوعِ.
﴿والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾؛ أيِ: المُسْتَلَذّاتِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَطاعِمِ، والمَلابِسِ، وأنْواعِ التَّجَمُّلاتِ، الإباحَةُ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ في " مِن " إنْكارِيٌّ.
﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِالأصالَةِ، والكَفَرَةُ وإنْ شارَكُوهم فِيها فَبِالتَّبَعِ.
﴿خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لا يُشارِكُهم فِيها غَيْرُهم، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا التَّفْصِيلِ نُفَصِّلُ سائِرَ الأحْكامِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ما في تَضاعِيفِها مِنَ المَعانِي الرّائِقَةِ.
7:33Page 154
قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٣
Say, "My Lord has only forbidden immoralities - what is apparent of them and what is concealed - and sin,1 and oppression without right, and that you associate with Allāh that for which He has not sent down authority, and that you say about Allāh that which you do not know."
﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ﴾؛ أيْ: ما تَفاحَشَ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: ما يَتَعَلَّقُ مِنها بِالفُرُوجِ.
﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الفَواحِشِ؛ أيْ: جَهْرَها وسِرَّها.
﴿والإثْمَ﴾؛ أيْ: ما يُوجِبُ الإثْمَ، وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وقِيلَ: هو شُرْبُ الخَمْرِ.
﴿والبَغْيَ﴾؛ أيِ: الظُّلْمَ أوِ الكِبْرَ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ (p-225)لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْهُ.
﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بالبَغْيِ مُؤَكِّدٌ لَهُ مَعْنًى.
﴿وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وتَنْبِيهٌ عَلى تَحْرِيمِ اتِّباعِ ما لا يَدُلُّ عَلَيْهِ بُرْهانٌ.
﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ بِالإلْحادِ في صِفاتِهِ والِافْتِراءِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِمْ: واللَّهُ أمَرَنا بِها، وتَوْجِيهُ التَّحْرِيمِ إلى قَوْلِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى ما لا يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ، لا ما يَعْلَمُونَ عَدَمَ وُقُوعِهِ، قَدْ مَرَّ سِرُّهُ.
7:34Page 154
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٤
And for every nation is a [specified] term. So when their time has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ.
﴿أجَلٌ﴾ حَدٌّ مُعَيَّنٌ مِنَ الزَّمانِ مَضْرُوبٌ لِمَهْلِكِهِمْ.
﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ إنْ جُعِلَ الضَّمِيرُ لِلْأُمَمِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ أُمَّةٍ، فَإظْهارُ الأجَلِ مُضافًا إلَيْهِ لِإفادَةِ المَعْنى المَقْصُودِ، الَّذِي هو بُلُوغُ كُلِّ أُمَّةٍ أجَلَها الخاصَّ بِها ومَجِيئُهُ إيّاها، بِواسِطَةِ اكْتِسابِ الأجَلِ بِالإضافَةِ عُمُومًا يُفِيدُهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا جاءَهم آجالُهم بِأنْ يَجِيءَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ أجْلُها الخاصُّ بِها.
وَإنْ جُعِلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ خاصَّةً كَما هو الظّاهِرُ، فالإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإضافَةُ إلى الضَّمِيرِ لِإفادَةِ أكْمَلِ التَّمْيِيزِ؛ أيْ: إذا جاءَها أجْلُها الخاصُّ بِها.
﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ.
﴿ساعَةً﴾؛ أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ، فَإنَّها مَثَلٌ في غايَةِ القِلَّةِ مِنهُ؛ أيْ: لا يَتَأخَّرُونَ أصْلًا، وصِيغَةُ الِاسْتِفْعالِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ وحِرْمانِهِمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ.
﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ أيْ: ولا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهِ، وهو عَطْفٌ عَلى يَسْتَأْخِرُونَ، لَكِنْ لا لِبَيانِ انْتِفاءِ التَّقَدُّمِ مَعَ إمْكانِهِ في نَفْسِهِ كالتَّأخُّرِ، بَلْ لِلْمُبالَغَةِ في انْتِفاءِ التَّأخُّرِ بِنَظْمِهِ في سِلْكِ المُسْتَحِيلِ عَقْلًا، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾؛ فَإنَّ مَن ماتَ كافِرًا مَعَ ظُهُورِ أنْ لا تَوْبَةَ لَهُ رَأْسًا، قَدْ نُظِمَ في عَدَمِ القَبُولِ في سِلْكِ مَن سَوَّفَها إلى حُضُورِ المَوْتِ؛ إيذانًا بِتَساوِي وُجُودِ التَّوْبَةِ حِينَئِذٍ وعَدَمِها بِالمَرَّةِ.
وَقِيلَ: المُرادُ بِالمَجِيءِ: الدُّنُوُّ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ في الجُمْلَةِ، كَمَجِيءِ اليَوْمِ الَّذِي ضُرِبَ لِهَلاكِهِمْ ساعَةٌ فِيهِ، ولَيْسَ بِذاكَ، وتَقْدِيمُ بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِيخارِ، لِما أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ بَيانُ عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنَ العَذابِ.
وَأمّا ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ مِن سَبْقِ السَّبْقِ في الذِّكْرِ، فَلِما أنَّ المُرادَ هُناكَ: بَيانُ سِرِّ تَأْخِيرِ إهْلاكِهِمْ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ فالأهَمُّ هُناكَ بَيانُ انْتِفاءِ السَّبْقِ.
7:35Page 154
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٥
O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses [i.e., scriptures and laws], then whoever fears Allāh and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى كافَّةِ النّاسِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ ما في حَيِّزِهِ.
﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي " إنِ " الشَّرْطِيَّةُ ضُمَّتْ إلَيْها " ما " لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ لَزِمَتْ فِعْلَها النُّونُ الثَّقِيلَةُ أوِ الخَفِيفَةُ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ أمْرٌ جائِزٌ لا واجِبٌ عَقْلًا.
﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِرُسُلٌ؛ أيْ: كائِنُونَ مِن جِنْسِكم.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِرُسُلٌ؛ أيْ: يُبَيِّنُونَ لَكم أحْكامِي وشَرائِعِي.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا (p-226)لِلشَّرْطِ؛ أيْ: فَمَنِ اتَّقى مِنكُمُ التَّكْذِيبَ وأصْلَحَ عَمَلَهُ، فَلا خَوْفٌ ... إلَخْ.
7:36Page 154
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٦
But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾؛ أيْ: والَّذِينَ كَذَّبُوا مِنكم بِآياتِنا، وإيرادُ الِاتِّقاءِ في الأوَّلِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الفَلاحِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَدَمِ التَّكْذِيبِ، بَلْ هو الِاتِّقاءُ والِاجْتِنابُ عَنْهُ، وإدْخالُ الفاءِ في الجَزاءِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي لِلْمُبالَغَةِ في الوَعْدِ، والمُسامَحَةِ في الوَعِيدِ.
7:37Page 154
فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ٣٧
And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree1 until, when Our messengers [i.e., angels] come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allāh?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾؛ أيْ: تَقَوَّلَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ، أوْ كَذَّبَ ما قالَهُ؛ أيْ: هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، كَما أنَّ إفْرادَ الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِتَمادِيهِمْ في سُوءِ الحالِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الِافْتِراءِ والتَّكْذِيبِ.
﴿يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: مِمّا كُتِبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمارِ، وقِيلَ: الكِتابُ: اللَّوْحُ؛ أيْ: ما أُثْبِتَ لَهم فِيهِ.
وَأيًّا ما كانَ فَمِن الِابْتِدائِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن نَصِيبِهِمْ؛ أيْ: يَنالُهم نَصِيبُهم كائِنًا مِنَ الكِتابِ، وقِيلَ: نَصِيبُهم مِنَ العَذابِ، وسَوادِ الوَجْهِ، وزُرْقَةِ العُيُونِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كُتِبَ لِمَن يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ سَوادُ الوَجْهِ، قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾؛ أيْ: مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ.
﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ مُتَوَفِّينَ لِأرْواحِهِمْ يُؤَيِّدُ الأوَّلَ، فَإنَّ حَتّى وإنْ كانَتْ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ، لَكِنَّها غايَةٌ لِما قَبْلَها، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ نَصِيبُهم مِمّا يَتَمَتَّعُونَ بِها إلى حِينِ وفاتِهِمْ؛ أيْ: يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ إلى أنْ يَأْتِيَهم مَلائِكَةُ المَوْتِ، فَإذا جاءَتْهم ﴿قالُوا﴾ لَهم.
﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَها في الدُّنْيا، و" ما " وقَعَتْ مَوْصُولَةً بِأيْنَ في خَطِّ المُصْحَفِ، وحَقُّها الفَصْلُ لِأنَّها مَوْصُولَةٌ.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ سُؤالِ الرُّسُلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: قالُوا.
﴿ضَلُّوا عَنّا﴾؛ أيْ: غابُوا عَنّا؛ أيْ: لا نَدْرِي مَكانَهم.
﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قالُوا؛ أيِ: اعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ.
﴿أنَّهم كانُوا﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا.
﴿كافِرِينَ﴾ عابِدِينَ لِما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ أصْلًا، حَيْثُ شاهَدُوا حالَهُ وضَلالَهُ، ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِوَقْتِ مَجِيءِ الرُّسُلِ وحالِ التَّوَفِّي: الزَّمانُ المُمْتَدُّ مِنِ ابْتِداءِ المَجِيءِ، والتَّوَفِّي إلى انْتِهائِهِ يَوْمَ الجَزاءِ؛ بِناءً عَلى تَحَقُّقِ المَجِيءِ، والتَّوَفِّي في كُلِّ ذَلِكَ الزَّمانِ بَقاءً، وإنْ كانَ حُدُوثُهُما في أوَّلِهِ فَقَطْ، أوْ قُصِدَ بَيانُ غايَةِ سُرْعَةِ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، كَأنَّهُما حاصِلانِ عِنْدَ ابْتِداءِ التَّوَفِّي، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: " «مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» "، وإلّا فَهَذا السُّؤالُ والجَوابُ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِما مِنَ الأمْرِ بِدُخُولِ النّارِ، وما جَرى بَيْنَ أهْلِها مِنَ التَّلاعُنِ (p-227)والتَّقاوُلِ، إنَّما يَكُونُ بَعْدَ البَعْثِ لا مَحالَةَ.
7:38Page 155
قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ٣٨
[Allāh] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister1 until, when they have all overtaken one another therein, the last of them2 will say about the first of them,3 "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire." He will say, "For each is double, but you do not know."
﴿قالَ﴾؛ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ بِالذّاتِ، أوْ بِواسِطَةِ المَلَكِ.
﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ أيْ: كائِنِينَ مِن جُمْلَةِ أُمَمٍ مُصاحِبِينَ لَهم.
﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِنَ النَّوْعَيْنِ.
﴿فِي النّارِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ادْخُلُوا.
﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ فِيها.
﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ الَّتِي ضَلَّتْ بِالِاقْتِداءِ بِها.
﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾؛ أيْ: تَدارَكُوا وتَلاحَقُوا في النّارِ.
﴿قالَتْ أُخْراهُمْ﴾ دُخُولًا أوْ مَنزِلَةً، وهُمُ الأتْباعُ.
﴿لأُولاهُمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِهِمْ؛ إذِ الخِطابُ مَعَ اللَّهِ تَعالى لا مَعَهم.
﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ سَنُّوا لَنا الضَّلالَ فاقْتَدْنا بِهِمْ.
﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾؛ أيْ: مُضاعَفًا.
﴿مِنَ النّارِ﴾ لِأنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا.
﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أمّا القادَةُ فَلِما ذُكِرَ مِنَ الضَّلالِ والإضْلالِ، وأمّا الأتْباعُ فَلِكُفْرِهِمْ وتَقْلِيدِهِمْ.
﴿وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: ما لَكم وما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ العَذابِ، وقُرِئَ بِالياءِ.
7:39Page 155
وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٣٩
And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."
﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ﴾؛ أيْ: مُخاطِبِينَ.
﴿لأُخْراهُمْ﴾ حِينَ سَمِعُوا جَوابَ اللَّهِ تَعالى لَهم.
﴿فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾؛ أيْ: فَقَدْ ثَبَتَ أنْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، وإنّا وإيّاكم مُتَساوُونَ في الضَّلالِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ.
﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾؛ أيِ: العَذابَ المَعْهُودَ المُضاعَفَ.
﴿بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ مِن قَوْلِ القادَةِ.
7:40Page 155
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤٠
Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle [i.e., never]. And thus do We recompense the criminals.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مَعَ وُضُوحِها.
﴿واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِها والعَمَلِ بِمُقْتَضاها.
﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾؛ أيْ: لا تُقْبَلُ أدْعِيَتُهم ولا أعْمالُهم، أوْ لا تَعْرُجُ إلَيْها أرْواحُهم، كَما هو شَأْنُ أدْعِيَةِ المُؤْمِنِينَ وأعْمالِهِمْ وأرْواحِهِمْ، والتّاءُ في " تُفَتَّحُ " لِتَأْنِيثِ الأبْوابِ، والتَّشْدِيدُ لِكَثْرَتِها، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، وبِالتَّخْفِيفِ والياءِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ ( الأبْوابِ ) عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلْآياتِ، وبِالياءِ عَلى أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى.
﴿وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾؛ أيْ: حَتّى يَدْخُلَ ما هو مَثَلٌ في عِظَمِ الجُرْمِ فِيما عُلِمَ في ضِيقِ المَسْلَكِ، وهو ثُقْبَةُ الإبْرَةِ، وفي كَوْنِ الجَمَلِ مِمّا لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الوُلُوجُ في سَمِّ الإبْرَةِ مُبالَغَةٌ في الِاسْتِبْعادِ.
وَقُرِئَ: ( الجُمَّلُ ) كالقُمَّلِ، والجُمَلُ كالنُّغَرِ، والجُمْلُ كالقُفْلِ، والجُمُلُ كالنُّصُبِ، والجَمْلُ كالحَبْلِ، وهي الحَبْلُ الغَلِيظُ مِنَ القُنَّبِ، وقِيلَ: حَبْلُ السَّفِينَةِ.
وَ( سَمُّ ) بِالضَّمِّ والكَسْرِ، وقُرِئَ: ( في سَمِّ المِخْيَطِ ) وهو الخِياطُ؛ أيْ: ما يُخاطُ بِهِ، كالحِزامِ والمِحْزَمِ.
﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ.
﴿نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾؛ أيْ: جِنْسَ المُجْرِمِينَ، وهم داخِلُونَ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا.(p-228)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences