Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:73–84
7:73Page 159
وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٣
And to the Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. This is the she-camel of Allāh [sent] to you as a sign. So leave her to eat within Allāh's land and do not touch her with harm, lest there seize you a painful punishment.
﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ "، مُوافِقٌ لَهُ في تَقْدِيمِ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ، وثَمُودُ: قَبِيلَةٌ مِنَ العَرَبِ، سُمُّوا بِاسْمِ أبِيهِمُ الأكْبَرِ ثَمُودَ بْنِ عابِرِ بْنِ إرَمَ ابْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَقِيلَ: إنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ لِقِلَّةِ مائِهِمْ، مِنَ الثَّمَدِ: وهو الماءُ القَلِيلُ، وقُرِئَ بِالصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ الحَيِّ، وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ إلى وادِي القُرى.
وَأُخُوَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم مِن حَيْثُ النَّسَبُ كَهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ صالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ آسِفِ بْنِ ماسِحِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حاذِرِ بْنِ ثَمُودَ، ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِإرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ، مَظِنَّةً لِأنْ يُسْألَ، ويُقالَ: فَماذا قالَ لَهم ؟ قِيلَ جَوابًا عَنْهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ: ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في نَظائِرِهِ.
﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ﴾؛ أيْ: آيَةٌ ومُعْجِزَةٌ ظاهِرَةٌ شاهِدَةٌ بِنُبُوَّتِي، وهي مِنَ الألْفاظِ الجارِيَةِ مَجْرى الأبْطَحِ والأبْرَقِ في الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِ مَوْصُوفاتِها حالَةَ الإفْرادِ والجَمْعِ، كالصّالِحِ إفْرادًا وجَمْعًا، وكَذَلِكَ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ، سَواءٌ كانَتا صِفَتَيْنِ لِلْأعْمالِ، أوِ المَثُوبَةِ، أوِ الحالَةِ مِنَ الرَّخاءِ والشِّدَّةِ، ولِذَلِكَ أُولِيَتِ العَوامِلَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَتْكم، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَبَيِّنَةٌ، كَما مَرَّ مِرارًا، والمُرادُ بِها: النّاقَةُ، ولَيْسَ هَذا الكَلامُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ ما خاطَبَهم إثْرَ دَعْوَتِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ، بَلْ إنَّما قالَهُ بَعْدَ ما نَصَحَهم وذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَقْبَلُوا كَلامَهُ وكَذَّبُوهُ، ألا يُرى إلى ما في سُورَةِ هُودٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها ...﴾ إلى آخِرِ الآياتِ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُهْلِكَتْ عادٌ، عَمَرَتْ ثَمُودُ بِلادَها وخَلَّفُوهم في الأرْضِ، وكَثُرُوا وعَمَّرُوا أعْمارًا طِوالًا، حَتّى إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَبْنِي المَسْكَنَ المُحْكَمَ فَيَنْهَدِمُ في حَياتِهِ، فَنَحَتُوا البُيُوتَ مِنَ الجِبالِ، وكانُوا في سَعَةٍ ورَخاءٍ مِنَ العَيْشِ، فَعَتَوْا عَلى اللَّهِ تَعالى وأفْسَدُوا في الأرْضِ، وعَبَدُوا الأوْثانَ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ صالِحًا، وكانُوا قَوْمًا عَرَبًا، وصالِحٌ مِن أوْساطِهِمْ نَسَبًا؛ فَدَعاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمْ يَتَّبِعْهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم مُسْتَضْعَفُونَ، فَحَذَّرَهم وأنْذَرَهم، فَسَألُوهُ آيَةً، فَقالَ: أيُّ آيَةٍ تُرِيدُونَ ؟ قالُوا: تَخْرُجُ مَعَنا إلى عِيدِنا في يَوْمٍ مَعْلُومٍ لَهم مِنَ السَّنَةِ، فَتَدْعُو إلَهَكَ ونَدْعُوا آلِهَتَنا، فَإنِ اسْتُجِيبَ لَكَ اتَّبَعْناكَ، وإنِ اسْتُجِيبَ لَنا اتَّبَعْتَنا؛ فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: نَعَمْ؛ فَخَرَجَ مَعَهم ودَعَوْا أوْثانَهم وسَألُوا الِاسْتِجابَةِ فَلَمْ تُجِبْهم، ثُمَّ قالَ سَيِّدُهم جُنْدَعُ بْنُ عَمْرٍو، وأشارَ إلى صَخْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ في ناحِيَةِ الجَبَلِ - يُقالُ لَها: الكاثِبَةُ -: أخْرِجْ لَنا مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ ناقَةً مُخْتَرِجَةً جَوْفاءَ وبْراءَ - والمُخْتَرِجَةُ: الَّتِي شاكَلَتِ البُخْتَ - فَإنْ فَعَلْتَ صَدَّقْناكَ وأجَبْناكَ، فَأخَذَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ المَواثِيقَ لَئِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لِتُؤْمِنُنَّ ولَتُصَدِّقُنَّ، قالُوا: نَعَمْ؛ فَصَلّى ودَعا رَبَّهُ، فَتَمَخَّضَتِ الصَّخْرَةُ تَمَخُّضَ النَّتُوجِ بِوَلَدِها، فانْصَدَعَتْ عَنْ ناقَةٍ عُشَراءَ جَوْفاءَ وبْراءَ كَما وصَفُوا، لا يَعْلَمُ ما بَيْنَ جَنْبَيْها إلّا اللَّهُ تَعالى، وعُظَماؤُهم يَنْظُرُونَ، ثُمَّ نُتِجَتْ ولَدًا مِثْلَها في العِظَمِ؛ فَآمَنَ بِهِ جُنْدَعٌ ورَهْطٌ مِن قَوْمِهِ، ومَنَعَ أعْقابَهم ناسٌ مِن رُءُوسِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا، فَمَكَثَتِ النّاقَةُ مَعَ ولَدِها تَرْعى الشَّجَرَ وتَشْرَبُ الماءَ، (p-242)وَكانَتْ تَرِدُ غِبًّا؛ فَإذا كانَ يَوْمُها وضَعَتْ رَأْسَها في البِئْرِ، فَما تَرْفَعُها حَتّى تَشْرَبَ كُلَّ ما فِيها، ثُمَّ تَتَفَحَّجُ، فَيَحْتَلِبُونَ ما شاءُوا حَتّى تَمْتَلِئَ أوانِيهِمْ، فَيَشْرَبُونَ ويَدَّخِرُونَ، وكانَتْ إذا وقَعَ الحَرُّ تَصَيَّفَتْ بِظَهْرِ الوادِي، فَيَهْرُبُ مِنها أنْعامُهم، فَتَهْبِطُ إلى بَطْنِهِ، وإذا وقَعَ البَرْدُ تَشَتَّتْ بِبَطْنِ الوادِي، فَتَهْرُبُ مَواشِيهِمْ إلى ظَهْرِهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وزَيَّنَتْ عَقْرَها لَهُمُ امْرَأتانِ: عُنَيْزَةُ أمُّ غَنَمٍ وصَدَقَةُ بِنْتُ المُخْتارِ، لِما أضَرَّتْ بِهِ مِن مَواشِيهِما، وكانَتا كَثِيرَتَيِ المَواشِي، فَعَقَرُوها واقْتَسَمُوا لَحْمَها وطَبَخُوهُ، فانْطَلَقَ سَقِيُّها حَتّى رَقى جَبَلًا اسْمُهُ قارَةُ فَرَغا ثَلاثًا، وكانَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: أدْرِكُوا الفَصِيلَ عَسى أنْ يُرْفَعَ عَنْكُمُ العَذابُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فانْفَجَّتِ الصَّخْرَةُ بَعْدَ رُغائِهِ فَدَخَلَها، فَقالَ لَهم صالِحٌ: تُصْبِحُونَ غَدًا وُجُوهُكم مُصْفَرَّةٌ، وبَعْدَ غَدٍ ووُجُوهُكم مُحَمَّرَةٌ، واليَوْمَ الثّالِثَ ووُجُوهُكم مُسَوَّدَةٌ، ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ، فَلَمّا رَأوُا العَلاماتِ طَلَبُوا أنْ يَقْتُلُوهُ، فَأنْجاهُ اللَّهُ تَعالى إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ، ولَمّا كانَ اليَوْمُ الرّابِعُ وارْتَفَعَ الضُّحى، تَحَنَّطُوا بِالصَّبِرِ وتَكَفَّنُوا بِالأنْطاعِ، فَأتَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ ورَجْفَةٌ مِنَ الأرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم فَهَلَكُوا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ البَيِّنَةِ، وإضافَةُ النّاقَةِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْظِيمِها، ولِمَجِيئِها مِن جِهَتِهِ تَعالى بِلا أسْبابٍ مَعْهُودَةٍ، ووَسايِطَ مُعْتادَةٍ، ولِذَلِكَ كانَتْ آيَةً وأيَّ آيَةٍ، ولَكم بَيانٌ لِمَن هي آيَةٌ لَهُ.
وانْتِصابُ آيَةٍ عَلى الحالِيَّةِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ناقَةُ اللَّهِ بَدَلًا مِن هَذِهِ، أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، أوْ مُبْتَدَأً ثانِيًا، ولَكم خَبَرًا عامِلًا في آيَةٌ.
﴿فَذَرُوها﴾ تَفْرِيعٌ عَلى كَوْنِها آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَها.
﴿تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ جَوابُ الأمْرِ؛ أيِ: النّاقَةُ ناقَةُ اللَّهِ والأرْضُ أرْضُ اللَّهِ تَعالى، فاتْرُكُوها تَأْكُلْ ما تَأْكُلُ في أرْضِ رَبِّها، فَلَيْسَ لَكم أنْ تَحُولُوا بَيْنَها وبَيْنَها، وقُرِئَ: ( تَأْكُلُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: آكِلَةً فِيها.
وَعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلشُّرْبِ إمّا لِلِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ الأكْلِ، أوْ لِتَعْمِيمِهِ لَهُ أيْضًا، كَما في قَوْلِهِ:
عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبٌ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ .
﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ نُهِيَ عَنِ المَسِّ الَّذِي هو مُقَدِّمَةُ الإصابَةِ بِالشَّرِّ الشّامِلِ لِأنْواعِ الأذِيَّةِ، ونُكِّرَ السُّوءُ مُبالَغَةً في النَّهْيِ؛ أيْ: لا تَتَعَرَّضُوا لَها بِشَيْءٍ مِمّا يَسُوءُها أصْلًا، ولا تَطْرُدُوها، ولا تُرِيبُوها إكْرامًا لِآيَةِ اللَّهِ تَعالى.
﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جَوابُ النَّهْيِ، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَرَّ بِالحِجْرِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِأصْحابِهِ: " لا يَدْخُلَنَّ أحَدٌ مِنكُمُ القَرْيَةَ، ولا تَشْرَبُوا مِن مائِها، ولا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ الَّذِي أصابَهم» " .
«وَقالَ ﷺ لَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " يا عَلِيُّ؛ أتُدْرِي مَن أشْقى الأوَّلِينَ " ؟ قالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: " عاقِرُ ناقَةِ صالِحٍ، أتَدْرِي مَن أشْقى الآخِرِينَ " ؟ قالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: " قاتِلُكَ "» .
7:74Page 160
وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادٖ وَبَوَّأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورٗا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٧٤
And remember when He made you successors after the ʿAad and settled you in the land, [and] you take for yourselves palaces from its plains and carve from the mountains, homes. Then remember the favors of Allāh and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾؛ أيْ: خُلَفاءَ في الأرْضِ، أوْ خُلَفاءَ لَهم كَما مَرَّ.
﴿وَبَوَّأكم في الأرْضِ﴾؛ أيْ: جَعَلَ لَكم مَباءَةً ومَنزِلًا في أرْضِ الحِجْرِ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ.
﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّبْوِئَةِ؛ أيْ: تَبْنُونَ في سُهُولِها قُصُورًا رَفِيعَةً، أوْ تَبْنُونَ مِن سُهُولَةِ الأرْضِ بِما تَعْلَمُونَ مِنها مِنَ الرَّهْصِ، واللَّبِنِ، والآجُرِّ.
﴿وَتَنْحِتُونَ الجِبالَ﴾ (p-243)؛ أيِ: الصُّخُورَ، وقُرِئَ: ( تَنْحَتُونَ ) بِفَتْحِ الحاءِ، وتَناحَتُونَ بِإشْباعِ الفَتْحَةِ، كَما في قَوْلِهِ:
يَنْباعُ مِن ذِفْرى أسِيلٍ حُرَّةٍ
والنَّحْتُ: نَجْرُ الشَّيْءِ الصَّلْبِ، فانْتِصابُ الجِبالِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
وانْتِصابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُيُوتًا﴾ عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنها، كَما تَقُولُ: خِطْتُ هَذا الثَّوْبَ قَمِيصًا. وقِيلَ: انْتِصابُ الجِبالِ عَلى إسْقاطِ الجارِّ؛ أيْ: مِنَ الجِبالِ، وانْتِصابُ بُيُوتًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُضَمَّنَ النَّحْتُ مَعْنى الِاتِّخاذِ؛ فانْتِصابُهُما عَلى المَفْعُولِيَّةِ، قِيلَ: كانُوا يَسْكُنُونَ السُّهُولَ في الصَّيْفِ، والجِبالَ في الشِّتاءِ.
﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِمّا ذُكِرَ، أوْ جَمِيعَ آلائِهِ الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها.
﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فَإنَّ حَقَّ آلائِهِ تَعالى أنْ تُشْكَرَ ولا تُهْمَلَ ولا يُغْفَلَ عَنْها، فَكَيْفَ بِالكُفْرِ والعِثِيِّ في الأرْضِ بِالفَسادِ.
7:75Page 160
قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِمَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُمۡ أَتَعۡلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحٗا مُّرۡسَلٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلَ بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٧٥
Said the eminent ones who were arrogant among his people to those who were oppressed - to those who believed among them, "Do you [actually] know that Ṣāliḥ is sent from his Lord?" They said, "Indeed we, in that with which he was sent, are believers."
﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾؛ أيْ: عَتَوْا وتَكَبَّرُوا، اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ، وقُرِئَ بِالواوِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ ... " إلَخْ.
واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ لِلتَّبْلِيغِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ بِإعادَةِ العامِلِ بَدَلَ الكُلِّ إنْ كانَ ضَمِيرُ " ﴿مِنهُمْ﴾ " لِقَوْمِهِ، وبَدَلَ البَعْضِ إنْ كانَ " لِلَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا " عَلى أنَّ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مَن لَمْ يُؤْمِن، والأوَّلُ هو الوَجْهُ؛ إذْ لا داعِيَ إلى تَوْجِيهِ الخِطابِ أوَّلًا إلى جَمِيعِ المُسْتَضْعَفِينَ، مَعَ أنَّ المُجاوَبَةَ مَعَ المُؤْمِنِينَ مِنهم عَلى أنَّ الِاسْتِضْعافَ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ؛ أيْ: قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَضْعَفُوهم واسْتَرْذَلُوهم.
﴿أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ﴾ وإنَّما قالُوهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ.
﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ عَدَلُوا عَنِ الجَوابِ المُوافِقِ لِسُؤالِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا: نَعَمْ، أوْ نَعْلَمُ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنهُ تَعالى؛ مُسارَعَةً إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ، وإظْهارِ ما لَهم مِنَ الإيمانِ الثّابِتِ المُسْتَمِرِّ، الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ أمْرَ إرْسالِهِ مِنَ الظُّهُورِ، بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُسْألَ عَنْهُ، وإنَّما الحَقِيقُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ هو الإيمانُ بِهِ.
7:76Page 160
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا بِٱلَّذِيٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٧٦
Said those who were arrogant, "Indeed we, in that which you have believed, are disbelievers."
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أُعِيدَ المَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ مَعَ كِفايَةِ الضَّمِيرِ؛ إيذانًا بِأنَّهم قَدْ قالُوا ما قالُوهُ بِطَرِيقِ العُتُوِّ والِاسْتِكْبارِ.
﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُولُوا: إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ كافِرُونَ، إظْهارًا لِمُخالَفَتِهِمْ إيّاهم ورَدًّا لِمَقالَتِهِمْ.
7:77Page 160
فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ وَقَالُواْ يَٰصَٰلِحُ ٱئۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٧٧
So they hamstrung the she-camel and were insolent toward the command of their Lord and said, "O Ṣāliḥ, bring us what you promise us, if you should be of the messengers."
﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾؛ أيْ: نَحَرُوها، أُسْنِدَ العَقْرُ إلى الكُلِّ مَعَ أنَّ المُباشِرَ بَعْضُهم لِلْمُلابَسَةِ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ بِرِضاهم فَكَأنَّهُ فَعَلَهُ كُلُّهم، وفِيهِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ وتَفْظِيعِهِ بِحَيْثُ أصابَتْ غائِلَتُهُ الكُلَّ ما لا يَخْفى.
﴿وَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾؛ أيِ: اسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِهِ، وهو ما بَلَّغَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ.
﴿وَقالُوا﴾ مُخاطِبِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ التَّعْجِيزِ والإفْحامِ عَلى زَعْمِهِمْ.
﴿يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾؛ أيْ: مِنَ العَذابِ، والإطْلاقُ لِلْعِلْمِ بِهِ قَطْعًا.
﴿إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ فَإنَّ كَوْنَكَ مِن جُمْلَتِهِمْ يَسْتَدْعِي صِدْقَ ما تَقُولُ مِنَ (p-244)الوَعْدِ والوَعِيدِ.
7:78Page 160
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٧٨
So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾؛ أيِ: الزَّلْزَلَةُ، لَكِنْ لا إثْرَ ما قالُوا ما قالُوا، بَلْ بَعْدَ ما جَرى عَلَيْهِمْ ما جَرى مِن مَبادِئِ العَذابِ في الأيّامِ الثَّلاثَةِ حَسْبَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ.
﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾؛ أيْ: صارُوا في أرْضِهِمْ وبَلَدِهِمْ، أوْ في مَساكِنِهِمْ.
﴿جاثِمِينَ﴾ خامِدِينَ، مَوْتى لا حَراكَ بِهِمْ، وأصْلُ الجُثُومِ: البُرُوكُ، يُقالُ: النّاسُ جُثُومٌ؛ أيْ: قُعُودٌ لا حَراكَ بِهِمْ، ولا يَنْبِسُونَ نُبْسَةً.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجُثُومُ لِلنّاسِ والطَّيْرِ، والبُرُوكُ لِلْإبِلِ، والمُرادُ: كَوْنُهم كَذَلِكَ عِنْدَ ابْتِداءِ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ مِن غَيْرِ اضْطِرابٍ ولا حَرَكَةٍ، كَما يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ المُعْتادِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن شِدَّةِ الأخْذِ وسُرْعَةِ البَطْشِ، اللَّهُمَّ إنّا بِكَ نَعُوذُ مِن نُزُولِ سُخْطِكَ وحُلُولِ غَضَبِكَ.
وَجاثِمِينَ خَبَرٌ لِأصْبَحُوا، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ولا مَساغَ لِكَوْنِهِ خَبَرًا، أوْ جاثِمِينَ حالًا لِإفْضائِهِ إلى كَوْنِ الإخْبارِ بِكَوْنِهِمْ في دارِهِمْ مَقْصُودًا بِالذّاتِ، وكَوْنِهِمْ جاثِمِينَ قَيْدًا تابِعًا لَهُ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ، قِيلَ: حَيْثُ ذُكِرَتِ الرَّجْفَةُ وُحِّدَتِ الدّارُ، وحَيْثُ ذُكِرَتِ الصَّيْحَةُ جُمِعَتْ؛ لِأنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ مِنَ السَّماءِ، فَبُلُوغُها أكْثَرُ وأبْلَغُ مِنَ الزَّلْزَلَةِ، فَقُرِنَ كُلٌّ مِنهُما بِما هو ألْيَقُ بِهِ.
7:79Page 160
فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٧٩
And he [i.e., Ṣāliḥ] turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the message of my Lord and advised you, but you do not like advisors."
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ إثْرَ ما شاهَدَ ما جَرى عَلَيْهِمْ، تَوَلّى مُغْتَمٌّ، مُتَحَسِّرٌ عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ، مُتَحَزِّنٌ عَلَيْهِمْ.
﴿وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وبَذَلْتُ فِيكم وُسْعِي، ولَكِنْ لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي ذَلِكَ.
وَصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ؛ أيْ: شَأْنُكم الِاسْتِمْرارُ عَلى بُغْضِ النّاصِحِينَ وعَداوَتِهِمْ، خاطَبَهم ﷺ بِذَلِكَ خِطابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ، حَيْثُ قالَ: " «إنّا وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا، فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا» " .
وَقِيلَ: إنَّما تَوَلّى عَنْهم قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ ﷺ لِعَلاماتِهِ، تَوَلّى ذاهِبٌ عَنْهم مُنْكِرٌ لِإصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ أنَّ عَقْرَهُمُ النّاقَةَ كانَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، ونَزَلَ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ السَّبْتِ، ورُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ في مِائَةٍ وعَشَرَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وهو يُبْكِي، فالتَفَتَ فَرَأى الدُّخانَ ساطِعًا، فَعَلِمَ أنَّهم قَدْ هَلَكُوا، وكانُوا ألْفًا وخَمْسَمِائَةِ دارٍ، ورُوِيَ أنَّهُ رَجَعَ بِمَن مَعَهُ فَسَكَنُوا دِيارَهم.
7:80Page 160
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٠
And [We had sent] Lot when he said to his people, "Do you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds [i.e., peoples]?
﴿وَلُوطًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، مَعْطُوفٍ عَلى ما سَبَقَ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ مُقَدَّمًا عَلى المَنصُوبِ حَسْبَما وقَعَ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ، قَدْ مَرَّ بَيانُهُ في قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو لُوطُ بْنُ هارانَ بْنِ تارِخِ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، كانَ مِن أرْضِ بابِلَ مِنَ العِراقِ مَعَ عَمِّهِ إبْراهِيمَ، فَهاجَرَ إلى الشّامِ فَنَزَلَ فِلَسْطِينَ، وأنْزَلَ لُوطًا الأُرْدُنَّ، وهي كُورَةٌ بِالشّامِ، فَأرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى أهْلِ سَدُومَ، وهي بَلَدٌ بِحِمْصَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظَرْفٌ لِلْمُضْمَرِ المَذْكُورِ؛ أيْ: أرْسَلْنا لُوطًا إلى قَوْمِهِ وقْتَ قَوْلِهِ لَهم ... إلَخْ.
وَلَعَلَّ تَقْيِيدَ إرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ، لِما أنَّ إرْسالَهُ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ في أوَّلِ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ.
وَقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن " لُوطًا " بَدَلَ اشْتِمالٍ عَلى أنَّ انْتِصابَهُ بِاذْكُرْ؛ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ بِطَرِيقِ الإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ التَّقْرِيعِيِّ؛ أيْ: أتَفْعَلُونَ تِلْكَ الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ، المُتَمادِيَةِ في (p-245)الشَّرِّيَّةِ والسُّوءِ.
﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ ما عَمِلَها قَبْلَكم، عَلى أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " سَبَقَكَ بِها عُكّاشَةُ "، مِن قَوْلِكَ: سَبَقْتُهُ بِالكُرَةِ؛ أيْ: ضَرَبْتُها قَبْلَهُ.
وَ" مِن " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أحَدٍ﴾ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ العالَمِينَ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ، وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، فَإنَّ مُباشَرَةَ القَبِيحِ واخْتِراعَهُ أقْبَحُ، ولَقَدْ أنْكَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ أوَّلًا إتْيانَ الفاحِشَةِ، ثُمَّ وبَّخَهم بِأنَّهم أوَّلُ مَن عَمِلَها، فَإنَّ سَبْكَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وإنْ كانَ عَلى نَفْيِ كَوْنِهِمْ مَسْبُوقِينَ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِهِمْ سابِقِينَ، لَكِنَّ المُرادَ: أنَّهم سابِقُونَ لِكُلِّ مَن عَداهم مِنَ العالَمِينَ، كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ .
أوْ مَسُوقَةٌ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ مِن جِهَتِهِمْ: لِمَ لا نَأْتِيها ؟ فَقِيلَ بَيانًا لِلْعِلَّةِ وإظْهارًا لِلزّاجِرِ: ما سَبَقَكم بِها أحَدٌ؛ لِغايَةِ قُبْحِها وسُوءِ سَبِيلِها، فَكَيْفَ تَفْعَلُونَها.
قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ما نَزا ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ حَتّى كانَ قَوْمُ لُوطٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَقَ: كانَتْ لَهم ثِمارٌ وقُرًى لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا مِثْلُها، فَقَصَدَهُمُ النّاسُ فَآذَوْهم، فَعَرَضَ لَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ: إنْ فَعَلْتُمْ بِهِمْ كَذا وكَذا نَجَوْتُمْ مِنهم؛ فَأبَوْا، فَلَمّا ألَحَّ النّاسُ عَلَيْهِمْ قَصَدُوهم، فَأصابُوا غِلْمانًا صِباحًا فَأُخْبِثُوا، فاسْتَحْكَمَ فِيهِمْ ذَلِكَ.
قالَ الحَسَنُ: كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلّا بِالغُرَباءِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: أوَّلُ مَن فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ الفِعْلُ إبْلِيسُ الخَبِيثُ، حَيْثُ تَمَثَّلَ لَهم في صُورَةِ شابٍّ جَمِيلٍ، فَدَعاهم إلى نَفْسِهِ، ثُمَّ عَبَثُوا بِذَلِكَ العَمَلِ.
7:81Page 160
إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ٨١
Indeed, you approach men with desire, instead of women. Rather, you are a transgressing people."
﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ تِلْكَ الفاحِشَةِ، وقُرِئَ بِهَمْزَتَيْنِ صَرِيحَتَيْنِ وبِتَلْيِينِ الثّانِيَةِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وبِمَدٍّ أيْضًا عَلى أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ، وتَشْدِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ، وفي زِيادَةِ " إنَّ " واللّامِ مَزِيدُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا يَتَحَقَّقُ صُدُورُهُ عَنْ أحَدٍ، فَيُؤَكَّدُ تَأْكِيدًا قَوِيًّا، وفي إيرادِ لَفْظِ الرِّجالِ دُونَ الغِلْمانِ، والمِرْدانِ، ونَحْوِهِما، مُبالَغَةٌ في التَّوْبِيخِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْوَةً﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ، وفي التَّقْيِيدِ بِها وصْفُهم بِالبَهِيمَةِ الصِّرْفَةِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العاقِلَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكُونَ الدّاعِي لَهُ إلى المُباشَرَةِ طَلَبَ الوَلَدِ، وبَقاءَ النَّوْعِ، لا قَضاءَ الشَّهْوَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: الإنْكارَ عَلَيْهِمْ وتَقْرِيعَهم عَلى اشْتِهائِهِمْ تِلْكَ الفِعْلَةَ الخَبِيثَةَ المَكْرُوهَةَ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلُّ الِاشْتِهاءِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ .
﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ إضْرابٌ عَنِ الإنْكارِ المَذْكُورِ إلى الإخْبارِ بِحالِهِمُ الَّتِي أفْضَتْهم إلى ارْتِكابِ أمْثالِها، وهي اعْتِيادُ الإسْرافِ في كُلِّ شَيْءٍ، أوْ عَنِ الإنْكارِ عَلَيْها إلى الذَّمِّ عَلى جَمِيعِ مَعايِبِهِمْ، أوْ عَنْ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا عُذْرَ لَكم فِيهِ، بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإسْرافُ.
7:82Page 161
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢
But the answer of his people was only that they said, "Evict them from your city! Indeed, they are men who keep themselves pure."
﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾؛ أيِ: المُسْتَكْبِرِينَ مِنهُمُ، المُتَوَلِّينَ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، المُتَصَدِّينَ لِلْعَقْدِ والحَلِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ؛ أيْ: ما كانَ جَوابًا مِن جِهَةِ قَوْمِهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ، إلاَّ قَوْلُهم؛ أيْ: لِبَعْضِهِمُ الآخَرِينَ المُباشِرِينَ لِلْأُمُورِ، مُعْرِضِينَ عَنْ مُخاطَبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿أخْرِجُوهُمْ﴾؛ أيْ: لُوطًا ومَن مَعَهُ مِن أهْلِهِ المُؤْمِنِينَ.
﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾؛ أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ الَّذِي يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِكَلامِ (p-246)لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُرِئَ بِرَفْعِ جَوابَ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ، وإلّا أنْ قالُوا ... إلَخْ خَبَرُها، وهو أظْهَرُ.
وَإنْ كانَ الأوَّلُ أقْوى في الصِّناعَةِ؛ لِأنَّ الأعْرَفَ أحَقُّ بِالِاسْمِيَّةِ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم بِصَدَدِ الجَوابِ عَنْ مَقالاتِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَواعِظِهِ، إلّا هَذِهِ المَقالَةُ الباطِلَةُ، كَما هو المُتَسارِعُ إلى الإفْهامِ، بَلْ إنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم في المَرَّةِ الأخِيرَةِ مِن مَرّاتِ المُحاوَراتِ الجارِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا هَذِهِ الكَلِمَةُ الشَّنِيعَةُ، وإلّا فَقَدْ صَدَرَ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التُّرَّهاتِ، حَسْبَما حُكِيَ عَنْهم في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ، وهَذا هو الوَجْهُ في نَظائِرِهِ الوارِدَةِ بِطَرِيقِ القَصْرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإخْراجِ، ووَصْفُهم بِالتَّطْهِيرِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ بِهِمْ، وبِتَطَهُّرِهِمْ مِنَ الفَواحِشِ والخَبائِثِ، والِافْتِخارِ بِما هم فِيهِ مِنَ القَذارَةِ، كَما هو دِينُ الشُّطّارِ والدُّعّارِ.
7:83Page 161
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٨٣
So We saved him and his family, except for his wife; she was of those who remained [with the evildoers].
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾؛ أيِ: المُؤْمِنِينَ مِنهم.
﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أهْلِهِ، فَإنَّها كانَتْ تُسِرُّ بِالكُفْرِ.
﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾؛ أيِ: الباقِينَ في دِيارِهِمُ الهالِكِينَ فِيها، والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ، ولِبَيانِ اسْتِحْقاقِها لِما يَسْتَحِقُّهُ المُباشِرُونَ لِلْفاحِشَةِ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ عَنِ اسْتِثْنائِها مِن حُكْمِ الإنْجاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ حالُها ؟ فَقِيلَ: كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ.
7:84Page 161
وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٨٤
And We rained upon them a rain [of stones]. Then see how was the end of the criminals.
﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾؛ أيْ: نَوْعًا مِنَ المَطَرِ عَجِيبًا، وقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ .
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُطِرَ في الرَّحْمَةِ، وأُمْطِرَ في العَذابِ. وقالَ الرّاغِبُ: مُطِرَ في الخَيْرِ، وأُمْطِرَ في العَذابِ، والصَّحِيحُ أنَّ أمْطَرْنا بِمَعْنى: أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ إرْسالَ المَطَرِ.
قِيلَ: كانَتِ المُؤْتَفِكَةُ خَمْسَ مَدائِنَ. وقِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ، فَأمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الكِبْرِيتَ والنّارَ. وقِيلَ: خُسِفَ بِالمُقِيمِينَ مِنهم، وأُمْطِرَتِ الحِجارَةُ عَلى مُسافِرِيهِمْ وشُذّاذِهِمْ. وقِيلَ: أُمْطِرَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ خُسِفَ بِهِمْ.
وَرُوِيَ أنَّ تاجِرًا مِنهم كانَ في الحَرَمِ، فَوَقَفَ الحَجَرُ لَهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى قَضى تِجارَتَهُ وخَرَجَ مِنَ الحَرَمِ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ امْرَأتَهُ التَفَتَتْ نَحْوَ دِيارِها فَأصابَها حَجَرٌ؛ فَماتَتْ.
﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ التَّأمُّلُ والنَّظَرُ، تَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ وتَحْذِيرًا مِن أعْمالِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences