Abu as-Su'udAl‑Jinn · 72:1–28

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

الجن

Al-Jinn

The Jinn · Meccan · 28 ayahs

72:1Page 572

قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا ١

Say, [O Muḥammad], "It has been revealed to me that a group of the jinn listened and said, 'Indeed, we have heard an amazing Qur’ān [i.e., recitation].

سُورَةُ الجِنِّ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها ثَمانٍ وعِشْرُونَ.

﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ وقُرِئَ: (أُحِيَ) إلَيَّ أصْلُهُ وُحِيَ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ مَن وُحِيَ إلَيْهِ فَقُلِبَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ هَمْزَةً كَأعَدَ وأزَنَ في وعَدَ ووَزَنَ.

﴿أنَّهُ﴾ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّهُ فاعِلُ "أُوحِي"، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ.

﴿اسْتَمَعَ﴾ أيِ: القرآن كَما ذُكِرَ في "الأحْقافِ"، وقَدْ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ.

﴿نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ النَّفَرُ: ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ والعَشَرَةِ، والجِنُّ: أجْسامٌ عاقِلَةٌ خَفِيَّةٌ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ النّارِيَّةُ، أوِ الهَوائِيَّةُ، وقِيلَ: نَوْعٌ مِنَ الأرْواحِ المُجَرَّدَةِ، وقِيلَ: هي النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ عَنْ أبْدانِها، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ وبِاسْتِماعِهِمْ، ولَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ وإنَّما اتَّفَقَ حُضُورُهم في بَعْضِ أوْقاتِ قِراءَتِهِ فَسَمِعُوهُ فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ مِنَ التَّفْصِيلِ في الأحْقافِ.

﴿فَقالُوا﴾ لِقَوْمِهِمْ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ إلَيْهِمْ.

﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا﴾ كِتابًا مَقْرُوءًا.

﴿عَجَبًا﴾ بَدِيعًا مُبايِنًا لِكَلامِ النّاسِ في حُسْنِ النَّظْمِ ودِقَّةِ المَعْنى، وهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.

72:2Page 572

يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا ٢

It guides to the right course, and we have believed in it. And we will never associate with our Lord anyone.

﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ إلى الحَقِّ والصَّوابِ.

﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ القرآن.

﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ ما فِيهِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ.

72:3Page 572

وَأَنَّهُۥ تَعَٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَٰحِبَةٗ وَلَا وَلَدٗا ٣

And [it teaches] that exalted is the nobleness of our Lord; He has not taken a wife or a son

(p-43)﴿وَأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ بِالفَتْحِ، قالُوا: هو وما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ المُصَدَّرَةِ بِأنَّ في أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا، عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في "فَآمَنّا بِهِ" كَأنَّهُ قِيلَ: فَصَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا، أيِ: ارْتَفَعَ عَظَمَتُهُ مِن جَدَّ فُلانٌ في عَيْنِي، أيْ: عَظُمَ تَمَكُّنُهُ، أوْ سُلْطانُهُ، أوْ غِناهُ عَلى أنَّهُ مُسْتَعارٌ مِنَ الجَدِّ الَّذِي هو البَخْتُ، والمَعْنى: وصَفَهُ بِالاسْتِغْناءِ عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ لِعَظَمَتِهِ، أوْ لِسُلْطانِهِ، أوْ لِغِناهُ، وقُرِئَ: بِالكَسْرِ، وكَذا الجُمَلُ المَذْكُورَةُ عَطْفًا عَلى المَحْكِيِّ بَعْدَ القَوْلِ، وهو الأظْهَرُ لِوُضُوحِ انْدِراجِ كُلِّها تَحْتَ القَوْلِ، وأمّا انْدِراجُ الجُمَلِ الآتِيَةِ تَحْتَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ كَما يَقْتَضِيهِ العَطْفُ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ فَفِيهِ إشْكالٌ كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ بَيانٌ لِحُكْمِ تَعالى جَدُّهُ، وقُرِئَ: (جَدًّا رَبُّنا) عَلى التَّمْيِيزِ (وَجَدُّ رَبِّنا) بِالكَسْرِ، أيْ: صِدْقُ رُبُوبِيَّتِهِ وحَقُّ إلَهِيَّتِهِ عَنِ اتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا القرآن ووُفِّقُوا لِلتَّوْحِيدِ والإيمانِ؛ تَنَبَّهُوا لِلْخَطَأِ فِيما اعْتَقَدُوهُ كَفَرَةُ الجِنِّ مِن تَشْبِيهِ اللَّهِ تَعالى بِخَلْقِهِ في اتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، فاسْتَعْظَمُوهُ ونَزَّهُوهُ تَعالى عَنْهُ.

72:4Page 572

وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطٗا ٤

And that our foolish one [i.e., Iblees]1 has been saying about Allāh an excessive transgression.

﴿وَأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ أيْ: إبْلِيسُ، أوْ مَرَدَةُ الجِنِّ.

﴿عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ أيْ: قَوْلًا شَطَطَ أيْ: بَعُدَ عَنِ القَصْدِ، ومُجاوَزَةً لِلْحَدِّ، أوْ هو شَطَطٌ في نَفْسِهِ لِفَرْطِ بُعْدِهِ عَنِ الحَقِّ، وهو نِسْبَةُ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ إلَيْهِ تَعالى، وتَعَلُّقُ الإيمانِ والتَّصْدِيقُ بِهَذا القَوْلِ، لَيْسَ بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ، فَإنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِقَوْلِ سُفَهائِهِمْ مِن قَبْلُ أيْضًا، بَلْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ شَطَطًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وصَدَّقْنا أنَّ ما كانَ يَقُولُهُ سَفِيهُنا في حَقِّهِ تَعالى كانَ شَطَطًا، وأمّا تَعَلُّقُهُما بِقَوْلِهِ تَعالى:

72:5Page 572

وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ٥

And we had thought that mankind and the jinn would never speak about Allāh a lie.

﴿وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَغَيْرُ ظاهِرٍ، وهو اعْتِذارٌ مِنهم عَنْ تَقْلِيدِهِمْ لِسَفِيهِهِمْ، أيْ: كُنّا نَظُنُّ أنَّهُ لَنْ يَكْذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى أحَدٌ أبَدًا، ولِذَلِكَ اتَّبَعْنا قَوْلَهُ، و"كَذِبًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ"تَقُولَ"؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ، أوْ وصْفٌ لِمَصْدَرِهِ المَحْذُوفِ، أيْ: قَوْلًا كَذِبًا، أيْ: مَكْذُوبًا فِيهِ، وقُرِئَ: (لَنْ تَقُولَ) بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، فَـ"كَذِبًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ لِأنَّ الكَذِبَ هو التَّقَوُّلُ.

72:6Page 572

وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا ٦

And there were men from mankind who sought refuge in men from the jinn, so they [only] increased them in burden [i.e., sin].

﴿وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ كانَ الرَّجُلُ مِنَ العَرَبِ إذا أمْسى في وادٍ قَفْرٍ وخافَ عَلى نَفْسِهِ يَقُولُ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن سُفَهاءِ قَوْمِهِ، يُرِيدُ الجِنَّ وكَبِيرَهُمْ، فَإذا سَمِعُوا بِذَلِكَ اسْتَكْبَرُوا وقالُوا: سُدْنا الإنْسَ والجِنَّ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَزادُوهُمْ﴾ أيْ: زادَ الرِّجالُ العائِذُونَ الجِنَّ.

﴿رَهَقًا﴾ أيْ: تَكَبُّرًا وعُتُوًّا، أوْ فَزادَ الجِنُّ العائِذِينَ غِيًّا بِأنْ أضَلُّوا حَتّى اسْتَعاذُوا بِهِمْ.

72:7Page 572

وَأَنَّهُمۡ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ أَحَدٗا ٧

And they had thought, as you thought, that Allāh would never send anyone [as a messenger].

﴿وَأنَّهم (p-44)ظَنُّوا﴾ أيِ: الإنْسُ.

﴿كَما ظَنَنْتُمْ﴾ أيُّها الجِنُّ عَلى أنَّهُ كَلامُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.

﴿أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ وقِيلَ المَعْنى: أنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ... إلَخْ. فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ وما قَبْلَها مِن جُمْلَةِ الكَلامِ المُوحى بِهِ، والأقْرَبُ أنَّهُما كَذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ عَطْفًا عَلى "أنَّهُ اسْتَمَعَ"، إذْ لا مَعْنى لِإدْراجِهِما تَحْتَ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:

72:8Page 572

وَأَنَّا لَمَسۡنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدۡنَٰهَا مُلِئَتۡ حَرَسٗا شَدِيدٗا وَشُهُبٗا ٨

And we have sought [to reach] the heaven but found it filled with powerful guards and burning flames.

﴿وَأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ وما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ المُصَدَّرَةِ بِـ"أنّا" يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ذَلِكَ عَلى أنَّ المُوحى عَيْنُ عِبارَةِ الجِنِّ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ كَيْتٌ وكَيْتٌ وهَذِهِ العِباراتُ، أيْ: طَلَبْنا بُلُوغَ السَّماءِ أوْ خَبَرَها، واللَّمْسُ مُسْتَعارٌ مِنَ المَسِّ لِلطَّلَبِ كالجَسِّ، يُقالُ: لَمَسَهُ والتَمَسَهُ وتَلَمَّسَهُ كَطَلَبَهُ، واطَّلَبَهُ، وتَطَلَّبَهُ.

﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ أيْ: حُرّاسًا اسْمُ جَمْعٍ كَخَدَمٍ مُفْرَدُ اللَّفْظِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿شَدِيدًا﴾ قَوِيًّا، وهُمُ المَلائِكَةُ يَمْنَعُونَهم عَنْها.

﴿وَشُهُبًا﴾ جَمْعُ شِهابٍ، وهي الشُّعْلَةُ المُقْتَبَسَةُ مِن نارِ الكَواكِبِ.

72:9Page 572

وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا ٩

And we used to sit therein in positions for hearing,1 but whoever listens now will find a burning flame lying in wait for him.

﴿وَأنّا كُنّا نَقْعُدُ﴾ قَبْلَ هَذا.

﴿مِنها﴾ مِنَ السَّماءِ.

﴿مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ خالِيَةً عَنِ الحَرَسِ والشُّهُبِ، أوْ صالِحَةٍ لِلتَّرَصُّدِ والاسْتِماعِ، و"لِلسَّمْعِ" مُتَعَلِّقٌ بِـ"نَقْعُدُ"، أيْ: لِأجْلِ السَّمْعِ، أوْ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِـ"مَقاعِدَ" كائِنَةٌ لِلسَّمْعِ.

﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ﴾ في مَقْعَدٍ مِنَ المَقاعِدِ.

﴿يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ: شِهابًا راصِدًا لَهُ ولِأجْلِهِ يَصُدُّهُ عَنِ الأسْتِماعِ بِالرَّجْمِ، أوْ ذَوِي شِهابٍ راصِدِينَ لَهُ عَلى أنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ في مَعْنى الجَمْعِ كالحَرَسِ، قِيلَ: حَدَثَ هَذا عِنْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والصَّحِيحُ أنَّهُ كانَ قَبْلَ البَعْثِ أيْضًا، لَكِنَّهُ كَثُرَ الرَّجْمُ بَعْدَ البَعْثَةِ وزادَ زِيادَةً حَتّى تَنَبَّهَ لَها الإنْسُ والجِنُّ ومُنِعَ الأسْتِراقُ أصْلًا، فَقالُوا: ما هَذا إلّا لِأمْرٍ أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِأهْلِ الأرْضِ وذَلِكَ قَوْلُهم.

72:10Page 572

وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا ١٠

And we do not know [therefore] whether evil is intended for those on earth or whether their Lord intends for them a right course.

﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ﴾ بِحِراسَةِ السَّماءِ.

﴿أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ أيْ: خَيْرًا ونِسْبَةُ الخَيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى دُونَ الشَّرِّ مِنَ الآدابِ الشَّرِيفَةِ القرآنيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ ونَظائِرِهِ.

72:11Page 572

وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدٗا ١١

And among us are the righteous, and among us are [others] not so; we were [of] divided ways.1

﴿وَأنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ أيِ: المَوْصُوفُونَ بِصَلاحِ الحالِ في شَأْنِ أنْفُسِهِمْ وفي مُعامَلَتِهِمْ مَعَ غَيْرِهِمُ المائِلُونَ إلى الخَيْرِ والصَّلاحِ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ لا إلى الشَّرِّ والفَسادِ كَما هو مُقْتَضى النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ.

﴿وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ، وهُمُ المُقْتَصِدُونَ في صَلاحِ الحالِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لا في الإيمانِ والتَّقْوى كَما تُوُهِّمَ، فَإنَّ هَذا بَيانٌ لِحالِهِمْ قَبْلَ اسْتِماعِ القرآن، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ وأمّا حالُهم بَعْدَ اسْتِماعِهِ فَسَيُحْكى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ﴾ أيْ: كُنّا قَبْلَ هَذا ذَوِي طَرائِقَ، أيْ: مَذاهِبَ، أوْ مِثْلَ طَرائِقَ في اخْتِلافِ الأحْوالِ، أوْ كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدًا، أيْ: مُتَفَرِّقَةً مُخْتَلِفَةً (p-45)جَمْعُ قِدَّةٍ مِن قَدَّ كالقِطْعَةِ مِن قَطَعَ.

72:12Page 572

وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعۡجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَن نُّعۡجِزَهُۥ هَرَبٗا ١٢

And we have become certain that we will never cause failure to Allāh upon earth, nor can we escape Him by flight.

﴿وَأنّا ظَنَنّا﴾ أيْ: عَلِمْنا الآنَ.

﴿أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ﴾ أيِ: الشَّأْنُ لَنْ نَعْجِزَ اللَّهَ كائِنِينَ.

﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْنَما كُنّا مِن أقْطارِها.

﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ هَرَبًا هارِبِينَ مِنها إلى السَّماءِ، أوْ لَنْ نُعْجِزَهُ في الأرْضِ إنْ أرادَ بِنا، ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا إنْ طَلَبَنا.

72:13Page 572

وَأَنَّا لَمَّا سَمِعۡنَا ٱلۡهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦۖ فَمَن يُؤۡمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخۡسٗا وَلَا رَهَقٗا ١٣

And when we heard the guidance [i.e., the Qur’ān], we believed in it. And whoever believes in his Lord will not fear deprivation or burden.1

﴿وَأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ أيِ: القرآن الَّذِي هو الهُدى بِعَيْنِهِ.

﴿آمَنّا بِهِ﴾ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَرَدُّدٍ.

﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ﴾ وبِما أنْزَلَهُ.

﴿فَلا يَخافُ﴾ فَهو لا يَخافُ.

﴿بَخْسًا﴾ أيْ: نَقْصًا في الجَزاءِ.

﴿وَلا رَهَقًا﴾ ولا أنْ تُرْهِقَهُ ذِلَّةٌ، أوْ جَزاءٌ بَخْسٌ ولا رَهَقٌ إذا لَمْ يَبْخَسْ أحَدًا حَقًّا، ولا رَهَقَ ظُلْمِ أحَدٍ فَلا يَخافُ جَزاءَهُما، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ مِن حَقِّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَجْتَنِبَ المَظالِمَ، وقُرِئَ: فَلا يَخَفْ، والأوَّلُ أدَلُّ عَلى تَحْقِيقِ نَجاةِ المُؤْمِنِ واخْتِصاصِها بِهِ.

72:14Page 573

وَأَنَّا مِنَّا ٱلۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا ٱلۡقَٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُوْلَٰٓئِكَ تَحَرَّوۡاْ رَشَدٗا ١٤

And among us are Muslims [in submission to Allāh], and among us are the unjust.1 And whoever has become Muslim - those have sought out the right course.

﴿وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ﴾ الجائِرُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ الَّذِي هو الإيمانُ والطّاعَةُ.

﴿فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى "مَن أسْلَمَ" والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.

﴿تَحَرَّوْا﴾ تَوَخَّوْا.

﴿رَشَدًا﴾ عَظِيمًا يُبَلِّغُهم إلى دارِ الثَّوابِ.

72:15Page 573

وَأَمَّا ٱلۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا ١٥

But as for the unjust, they will be, for Hell, firewood.'

﴿وَأمّا القاسِطُونَ﴾ الجائِرُونَ عَنْ سُنَنِ الإسْلامِ.

﴿فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ تُوقَدُ بِهِمْ كَما تُوقِدُ بِكَفَرَةِ الإنْسِ.

72:16Page 573

وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا ١٦

And [Allāh revealed] that if they had remained straight on the way, We would have given them abundant rain [i.e., provision]

﴿وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ "أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ قَطْعًا عَلى أنَّهُ اسْتَمَعَ، والمَعْنى: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ لَوْ اسْتَقامَ الجِنُّ والإنْسُ أوْ كِلاهُما عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي هي مِلَّةُ الإسْلامِ.

﴿لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ أيْ: لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، وتَخْصِيصُ الماءِ الغَدَقِ - وهو الكَثِيرُ - بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أصْلُ المَعاشِ والسَّعَةِ، ولِعِزَّةِ وجُودِهِ بَيْنَ العَرَبِ، وقِيلَ: لَوْ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى الطَّرِيقَةِ المُثْلى، أيْ: لَوْ ثَبَتَ أبُوهُمُ الجانُّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ، ولَمْ يَتَكَبَّرْ عَنِ السُّجُودِ لَآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَكْفُرْ وتَبِعَهُ ولَدُهُ في الإسْلامِ؛ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ ووَسَّعْنا رِزْقَهم.

72:17Page 573

لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَمَن يُعۡرِضۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِۦ يَسۡلُكۡهُ عَذَابٗا صَعَدٗا ١٧

So We might test them therein. And whoever turns away from the remembrance of his Lord1 He will put into arduous punishment.

﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ لِنَخْتَبِرَهم كَيْفَ يَشْكُرُونَهُ؟ وقِيلَ مَعْناهُ: إنَّهُ لَوْ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى طَرِيقَتِهِمُ القَدِيمَةِ ولَمْ يُسْلِمُوا بِاسْتِماعِ القرآن لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ اسْتِدْراجًا؛ لِنُوقِعَهم في الفِتْنَةِ ونُعَذِّبَهم في كُفْرانِ النِّعْمَةِ.

﴿وَمَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ عَنْ عِبادَتِهِ، أوْ عَنْ مَوْعِظَتِهِ، أوْ وحْيِّهِ.

﴿يَسْلُكْهُ﴾ يُدْخِلْهُ.

﴿عَذابًا صَعَدًا﴾ أيْ: شاقًّا صَعْبًا يَعْلُو المُعَذَّبَ ويَغْلِبُهُ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً.

72:18Page 573

وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا ١٨

And [He revealed] that the masjids1 are for Allāh, so do not invoke2 with Allāh anyone.

(p-46)﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ المَساجِدَ مُخْتَصَّةٌ بِاللَّهِ تَعالى، وقِيلَ مَعْناهُ: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ.

﴿فَلا تَدْعُوا﴾ أيْ: لا تَعْبُدُوا فِيها مَعَ اللَّهِ أحَدًا غَيْرَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَساجِدِ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والجَمْعُ لِأنَّ كُلَّ ناحِيَةٍ مِنهُ مَسْجِدٌ لَهُ قِبْلَةٌ مَخْصُوصَةٌ، أوْ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ، وقِيلَ: الأرْضُ كُلُّها؛لِأنَّها جُعِلَتْ مَسْجِدًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: مَواضِعُ السُّجُودِ عَلى أنَّ المُرادَ نَهْيُّ السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أعْضاءُ السُّجُودِ السَّبْعَةُ، وقِيلَ: السَّجَداتُ عَلى أنَّهُ جَمْعُ المَصْدَرِ المِيمِيِّ.

72:19Page 573

وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيۡهِ لِبَدٗا ١٩

And that when the Servant [i.e., Prophet] of Allāh stood up supplicating Him, they almost became about him a compacted mass."1

﴿وَأنَّهُ﴾ مِن جُمْلَةِ المُوحى، أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ، أيِ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإيرادُهُ بِلَفْظِ العَبْدِ؛ لِلْإشْعارِ بِما هو المُقْتَضى لِقِيامِهِ وعِبادَتِهِ ولِلتَّواضُعِ؛ لِأنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ كَلامِهِ عَنْ نَفْسِهِ.

﴿يَدْعُوهُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "قامَ"، أيْ: يَعْبُدُهُ، وذَلِكَ قِيامُهُ لِصَلاةِ الفَجْرِ بِـ"نَخْلَةَ" كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ الأحْقافِ، "كادُواْ" أيِ: الجِنُّ.

﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ مُتَراكِمِينَ مِنَ ازْدِحامِهِمْ عَلَيْهِ تَعَجُّبًا مِمّا شاهَدُوا مِن عِبادَتِهِ وسَمِعُوا مِن قِراءَتِهِ واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قِيامًا ورُكُوعًا وسُجُودًا؛ لِأنَّهم رَأوْا مالَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وسَمِعُوا بِما لَمْ يَسْمَعُوا بِنَظِيرِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمّا قامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ مُخالِفًا لِلْمُشْرِكِينَ، كادَ المُشْرِكُونَ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ، واللِّبَدُ: جَمْعُ لُبْدَةٍ، وهي تَلَبُّدُ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ ومِنها لُبْدَةُ الأسَدِ، وقُرِئَ: (لُبُدا) جَمْعُ لُبْدَةٍ، وهي بِمَعْنى: اللُّبْدَةُ، و"لُبَّدا" جَمْعُ لابِدٍ كَساجِدٍ وسُجَّدٍ، ولُبُدًا بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ لَبُودٍ كَصَبُورٍ وصُبُرٍ. وعَنْ قَتادَةَ: تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى هَذا الأمْرِ لِيُطْفِئُوهُ فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يُظْهِرَهُ عَلى مَن ناوَأهُ.

72:20Page 573

قُلۡ إِنَّمَآ أَدۡعُواْ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٠

Say, [O Muḥammad], "I only invoke my Lord and do not associate with Him anyone."

﴿قُلْ إنَّما أدْعُو﴾ أيْ: أعْبُدُ.

﴿رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ﴾ بِرَبِّي في العِبادَةِ أحَدًا، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ ولا مُسْتَنْكَرٍ يُوجِبُ التَّعَجُّبَ، أوِ الإطْباقَ عَلى عَداوَتِي، وقُرِئَ: (قالَ) عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْمُتَراكِمِينَ عَلَيْهِ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ والأوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى:

72:21Page 573

قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا ٢١

Say, "Indeed, I do not possess for you [the power of] harm or right direction."

﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ كَأنَّهُ أُرِيدَ لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا، ولا نَفْعًا، ولا غِيًّا، ولا رَشَدًا، فَتُرِكَ مِن كِلا المُتَقابِلَيْنِ ما ذُكِرَ في الآخَرِ.

72:22Page 573

قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا ٢٢

Say, "Indeed, there will never protect me from Allāh anyone [if I should disobey], nor will I find in other than Him a refuge.

﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ إنْ أرادانِي بِسُوءٍ.

﴿وَلَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ مُلْتَجَأً ومَعْدَلًا وهَذا بَيانٌ لِعَجُزِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ شُئُونِ نَفْسِهِ بَعْدَ بَيانِ عَجْزِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ شُئُونِ غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

72:23Page 573

إِلَّا بَلَٰغٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ٢٣

But [I have for you] only notification from Allāh, and His messages." And whoever disobeys Allāh and His Messenger - then indeed, for him is the fire of Hell; they will abide therein forever.

﴿إلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِثْناءٌ (p-47)مِن قَوْلِهِ: "لا أمْلِكُ" فَإنَّ التَّبْلِيغَ إرْشادٌ ونَفْعٌ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْيِ الأسْتِطاعَةِ، أوْ مِن "مُلْتَحَدًا"، أيْ: لَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مَنجًى إلّا أنْ أُبْلِغَ عَنْهُ ما أرْسَلَنِي بِهِ، وقِيلَ: إلّا مُرَكَّبَةٌ مِن "إنِ" الشَّرْطِيَّةِ و"لا" النّافِيَةِ، ومَعْناهُ: إنْ لا أُبْلِغْ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ "ما" قَبْلَهُ عَلَيْهِ، "وَرِسالأتِهِ" عَطْفٌ عَلى "بَلاغًا"، و"مِنَ اللَّهِ" صِفَتُهُ صِلَتُهُ، أيْ: لا أمْلِكُ لَكم إلّا تَبْلِيغًا كائِنًا مِنهُ تَعالى ورِسالأتِهِ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها.

﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في الأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ إذْ الكَلامُ فِيهِ.

﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ وقُرِئَ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى فَحَقُّهُ، أوْ فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ في النّارِ، أوْ في جَهَنَّمَ والجُمَعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى ﴿أبَدًا﴾ بِلا نِهايَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى:

72:24Page 573

حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ أَضۡعَفُ نَاصِرٗا وَأَقَلُّ عَدَدٗا ٢٤

[The disbelievers continue] until, when they see that which they are promised, then they will know who is weaker in helpers and less in number.

﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ غايَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الحالُ مِنَ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لِأنْصارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتِقْلالِهِمْ لِعَدَدِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَزالُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعِدُونَ مِن فُنُونِ العَذابِ في الآخِرَةِ ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حِينَئِذٍ.

﴿مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ وحَمْلُ "ما يُوعِدُونَ" عَلى ما رَأوْا يَوْمَ بَدْرٍ، يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى:

72:25Page 573

قُلۡ إِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٞ مَّا تُوعَدُونَ أَمۡ يَجۡعَلُ لَهُۥ رَبِّيٓ أَمَدًا ٢٥

Say, "I do not know if what you are promised is near or if my Lord will grant for it a [long] period."

﴿قُلْ إنْ أدْرِي﴾ أيْ: ما أدْرِي.

﴿أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ فَإنَّهُ رَدٌّ لِما قالَهُ المُشْرِكُونَ عِنْدَ سَماعِهِمْ ذَلِكَ: مَتى يَكُونُ ذَلِكَ المَوْعُودُ إنْكارًا لَهُ واسْتِهْزاءً بِهِ؟ فَقِيلَ: قُلْ إنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وأمّا وقْتُهُ فَما أدْرِي مَتى يَكُونُ.

72:26Page 573

عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا ٢٦

[He is] Knower of the unseen, and He does not disclose His [knowledge of the] unseen to anyone

﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ بِالرَّفْعِ قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن رَبِّي، أوْ بَيانٌ لَهُ، ويَأْباهُ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ إذْ يَكُونُ النَّظْمُ حِينَئِذٍ، أمْ يَجْعَلُ لَهُ عالِمُ الغَيْبِ أمَدًا فَلا يُظْهِرُ عَلَيْهِ أحَدًا، وفِيهِ مِنَ الأخْتِلالِ ما لا يَخْفى، فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبِلَهُ مِن عَدَمِ الدِّرايَةِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الإظْهارِ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: فَلا يُطْلِعُ عَلى غَيْبِهِ إطْلاعًا كامِلًا يَنْكَشِفُ بِهِ جَلِيَّةُ الحالِ انْكِشافًا تامًّا مُوجَبًا لِعَيْنِ اليَقِينِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ.

72:27Page 573

إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا ٢٧

Except whom He has approved of messengers, and indeed, He sends before him [i.e., each messenger] and behind him observers1

﴿إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ﴾ أيْ: إلّا رَسُولًا ارْتَضاهُ لِإظْهارِهِ عَلى بَعْضِ غُيُوبِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِرِسالَتِهِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ بَيانُ مَن ارْتَضى بِالرَّسُولِ تَعَلُّقًا تامًّا، إمّا لِكَوْنِهِ مِن مَبادِئِ رِسالَتِهِ بِأنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِحَّتِها، وإمّا لِكَوْنِهِ مِن أرْكانِها وأحْكامِها كَعامَّةِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أُمِرَ بِها المُكَلَّفُونَ، وكَيْفِيّاتِ أعْمالِهِمْ وأجْزِيَتِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها في الآخِرَةِ، وما تَتَوَقَّفُ هي عَلَيْهِ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قِيامُ السّاعَةِ والبَعْثُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي بَيَّنَها مِن وظائِفِ الرِّسالَةِ، وأمّا ما لا يَتَعَلَّقُ بِها عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ، فَلا يُظْهِرُ عَلَيْهِ أحَدًا عَلى أنَّ بَيانَ وقْتِهِ مُخِلٌّ بِالحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ الرِّسالَةِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ كَراماتِ الأوْلِياءِ (p-48)المُتَعَلِّقَةِ بِالكَشْفِ، فَإنَّ اخْتِصاصَ الغايَةِ القاصِيَةِ مِن مَراتِبِ الكَشْفِ بِالرُّسُلِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ حُصُولِ مَرْتَبَةٍ ما مِن تِلْكَ المَراتِبِ لِغَيْرِهِمْ أصْلًا، ولا يَدَّعِي أحَدٌ لِأحَدٍ مِنَ الأوْلِياءِ، ما في رُتْبَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الكَشْفِ الكامِلِ الحاصِلِ بِالوَحْيِّ الصَّرِيحِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ تَقْرِيرٌ وتَحْقِيقٌ لِلْإظْهارِ المُسْتَفادِ مِنَ الأسْتِثْناءِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ، أيْ: فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن جَمِيعِ جَوانِبِ الرَّسُولِ ﷺ عِنْدَ إظْهارِهِ عَلى غَيْبِهِ حَرَسًا مِنَ المَلائِكَةِ يَحْرُسُونَهُ مِن تَعَرُّضِ الشَّياطِينِ لِما أظْهَرَهُ عَلَيْهِ مِنَ الغُيُوبِ المُتَعَلِّقَةِ بِرِسالَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

72:28Page 573

لِّيَعۡلَمَ أَن قَدۡ أَبۡلَغُواْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمۡ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيۡهِمۡ وَأَحۡصَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ عَدَدَۢا ٢٨

That he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] may know1 that they have conveyed the messages of their Lord; and He has encompassed whatever is with them and has enumerated all things in number.

﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"يَسْلُكُ" غايَةٌ لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى الإبْلاغِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ، إذْ المُرادُ بِهِ: العِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِالإبْلاغِ المَوْجُودِ بِالفِعْلِ، و"أنْ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُها و"رِسالأتُ رَبِّهِمْ" عِبارَةٌ عَنِ الغَيْبِ الَّذِي أُرِيدَ إظْهارُ المُرْتَضى عَلَيْهِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أفْرادِهِ، وضَمِيرُ "أبْلَغُوا" إمّا لِلرَّصَدِ، فالمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَسْلُكُهم مِن جَمِيعِ جَوانِبِ المُرْتَضى لِيَعْلَمَ أنَّ الشَّأْنَ قَدْ أبْلَغُوهُ رِسالأتِ رَبِّهِمْ سالِمَةً عَنِ الأخْتِطافِ والتَّخْلِيطِ عِلْمًا مُسْتَتْبِعًا لِلْجَزاءِ، وهو أنْ يَعْلَمَهُ مَوْجُودًا حاصِلًا بِالفِعْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ والغايَةُ في الحَقِيقَةِ هو الإبْلاغُ والجِهادُ، وإيرادُ علمه تعالى لِإبْرازِ اعْتِنائِهِ تَعالى بِأمْرِهِما والإشْعارِ بِتَرْتِيبِ الجَزاءِ عَلَيْهِما، والمُبالَغَةِ في الحَثِّ عَلَيْهِما، والتَّحْذِيرِ عَنِ التَّفْرِيطِ فِيهِما، وأمّا لِمَنِ ارْتَضى والجُمَعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن"، كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، فالمَعْنى: لِيَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ أبْلَغَ الرُّسُلَ المُوحى إلَيْهِمْ رِسالأتِ رَبِّهِمْ إلى أُمَمِهِمْ كَما هي مِن غَيْرِ اخْتِطافٍ ولا تَخْلِيطٍ بَعْدَ ما أبْلَغَها الرَّصَدُ إلَيْهِمْ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ أيْ: بَما عِنْدَ الرَّصَدِ، أوِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حالٌ مِن فاعِلِ "يَسْلُكُ" بِإضْمارِ قَدْ، أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ، جِيءَ بِها لِتَحْقِيقِ اسْتِغْنائِهِ تَعالى في العِلْمِ بِالإبْلاغِ عَمّا ذُكِرَ مِن سَلْكِ الرَّصَدِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، أيْ: يَسْلُكُهم بَيْنَ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ علمه تعالى بِما ذُكِرَ، والحالُ أنَّهُ تَعالى قَدْ أحاطَ بِما لَدَيْهِمْ مِنَ الأحْوالِ جَمِيعًا.

﴿وَأحْصى كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِمّا كانَ وما سَيَكُونُ ﴿عَدَدًا﴾ أيْ: فَرْدًا فَرْدًا، وهو تَمْيِيزٌ مَنقُولٌ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا، والأصْلُ أحْصى عَدَدَ كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: هو حالٌ، أيْ: مَعْدُودًا مَحْصُورًا، أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى إحْصاءً، وأيًّا ما كانَ فَفائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ عِلْمَهُ – تَعالى - بِالأشْياءِ لَيْسَ عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ إجْمالِيٍّ، بَلْ عَلى وجْهٍ جُزْئِيٍّ تَفْصِيلِيٍّ فَإنَّ الإحْصاءَ قَدْ يُرادُ بِهِ الإحاطَةُ الإجْمالِيَّةُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ أيْ: لا تَقْدِرُوا عَلى حَصْرِها إجْمالأ، فَضْلًا عَنِ التَّفْصِيلِ، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ الإحْصاءِ أنَّ الحاسِبَ إذا بَلَغَ عَقْدًا مُعَيَّنًا مِن عُقُودِ الأعْدادِ كالعَشَرَةِ والمِائَةِ والألْفِ، وضَعَ حَصاةً لِيَحْفَظَ بِها كَمِّيَّةَ ذَلِكَ العَقْدِ، فَيَبْنِي عَلى ذَلِكَ حِسابَهُ هَذا، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى "وَأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ" ... إلَخْ: مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لِيَعْلَمَ" كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ... إلَخْ. فَبِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ الجِنِّ كانَ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ جِنِّيٍّ صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ أوْ كَذَّبَ بِهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском