Abu as-Su'udAl‑Anfal · 8:10–20

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:10–20

8:10Page 178

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠

And Allāh made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allāh. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ الأسْبابَ الظّاهِرَةَ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّأْثِيرِ، وإنَّما التَّأْثِيرُ مُخْتَصٌّ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِيَثِقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، ولا يَقْنَطُوا مِنَ النَّصْرِ عِنْدَ فُقْدانِ أسْبابِهِ، والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ هو الضَّمِيرُ العائِدُ إلى مَصْدَرِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ اقْتِضاءً ظاهِرًا مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأُمِدُّكم بِهِمْ، وما جَعَلَ إمْدادَكم بِهِمْ ﴿إلا بُشْرى﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، أيْ: وما جَعَلَ إمْدادَكم بِإنْزالِ المَلائِكَةِ عِيانًا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِلْبُشْرى لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أيْ: بِالإمْدادِ ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ وتَسْكُنَ إلَيْهِ نُفُوسُكم كَما كانَتِ السَّكِينَةُ لِبَنِي إسْرائِيلَ كَذَلِكَ، فَكِلاهُما مَفْعُولٌ لَهُ لِلْجَعْلِ، وقَدْ نُصِبَ الأوَّلُ لِاجْتِماعِ شَرائِطِهِ، وبَقِيَ الثّانِي عَلى حالِهِ لِفِقْدانِها، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أصالَتِهِ في العِلِّيَّةِ، وأهَمِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ وفي قَصْرِ الإمْدادِ عَلَيْهِما إشْعارٌ بِعَدَمِ مُباشَرَةِ المَلائِكَةِ لِلْقِتالِ، وإنَّما كانَ إمْدادُهم بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِ المُباشِرِينَ وتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ ونَحْوِهِ، كَما هو رَأْيُ بَعْضِ السَّلَفِ، وقِيلَ الجَعْلُ مُتَّعَدٍ إلى اثْنَيْنِ، ثانِيهِما: إلّا بُشْرى عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: وما جَعَلَهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا بِشارَةً لَكُمْ، فاللّامُ في (وَلِتَطْمَئِنَّ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ، تَقْدِيرُهُ ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم فَعَلَ ذَلِكَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وَما النَّصْرُ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ النَّصْرِ عَلى الإطْلاقِ ﴿إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: إلّا كائِنٌ مِن عِنْدِهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ شَرِكَةٌ (p-9)مِن جِهَةِ الأسْبابِ والعَدَدِ، وإنَّما هي مَظاهِرُ لَهُ بِطَرِيقِ جَرَيانِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُغالَبُ في حُكْمِهِ ولا يُنازَعُ في أقْضِيَتِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مُتَضَمِّنٌ لِلْإشْعارِ بِأنَّ النَّصْرَ الواقِعَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكَمِ البالِغَةِ.

8:11Page 178

إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١

[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.

﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ أيْ: يَجْعَلُهُ غاشِيًا لَكم ومُحِيطًا بِكُمْ، وهو بَدَلٌ ثانٍ مِن " إذْ يَعِدُكم " لِإظْهارِ نِعْمَةٍ أُخْرى، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ فِيهِ وفِيما عُطِفَ عَلَيْهِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ كَما في (تَسْتَغِيثُونَ)، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرُوا، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِالنَّصْرِ، أوْ بِما في (مِن عِنْدِ اللَّهِ) مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِالجَعْلِ ولَيْسَ بِواضِحٍ، وقُرِئَ (يُغْشِيكُمْ) مِنَ الإغْشاءِ، بِمَعْنى التَّغْشِيَةِ، والفاعِلُ في الوَجْهَيْنِ هو البارِي تَعالى، وقُرِئَ (يَغْشاكُمْ) عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى النُّعاسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ عَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مَنصُوبٌ عَلى العِلِّيَّةِ بِفِعْلٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى الفِعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ فَتَنْعَسُونَ أمَنًا كائِنًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لا كَلالًا وإعْياءً، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ آخَرَ كَذَلِكَ، أيْ: فَتَأْمَنُونَ آمَنًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ المَذْكُورِ، والأمَنَةُ بِمَعْنى الإيمانِ، وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ مَنصُوبٌ عَلى العِلِّيَّةِ بِيَغْشاكم بِاعْتِبارِ المَعْنى فَإنَّهُ في حُكْمِ تَنْعَسُونَ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُتَرَتِّبٍ عَلَيْهِ كَما مَرَّ، وقُرِئَ (أمْنَةً) كَرَحْمَةٍ ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً لَهُ، فَعِنْدَ وُرُودِهِ يَتَمَكَّنُ عِنْدَها فَضْلَ تَمَكُّنٍ، وتَقْدِيمُ (عَلَيْكُمْ) لِما أنَّ بَيانَ كَوْنِ التَّنْزِيلِ عَلَيْهِمْ أهَمُّ مِن بَيانِ كَوْنِهِ مِنَ السَّماءِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْزالِ ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ أيْ: مِنَ الحَدَثِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ الكَلامُ في تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ كَما مَرَّ آنِفًا، والمُرادُ "بِرِجْزِ الشَّيْطانِ": وسْوَسَتُهُ وتَخْوِيفُهُ إيّاهم مِنَ العَطَشِ.

رُوِيَ أنَّهم نَزَلُوا في كَثِيبٍ أعْفَرَ تَسُوخُ فِيهِ الأقْدامُ عَلى غَيْرِ ماءٍ، ونامُوا فاحْتَلَمَ أكْثَرُهُمْ، وقَدْ غَلَبَ المُشْرِكُونَ عَلى الماءِ فَتَمَثَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ فَوَسْوَسَ إلَيْهِمْ وقالَ: أنْتُمْ يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ تَزْعُمُونَ أنَّكم عَلى الحَقِّ، وإنَّكم تُصَلُّونَ عَلى غَيْرِ وُضُوءٍ وعَلى الجَنابَةِ، وقَدْ عَطِشْتُمْ، ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ ما غَلَبَكم هَؤُلاءِ عَلى الماءِ، وما يَنْتَظِرُونَ بِكم إلّا أنْ يَجْهَدَكُمُ العَطَشُ فَإذا قَطَعَ أعْناقَكم مَشَوْا إلَيْكم فَقَتَلُوا مَن أحَبُّوا، وساقُوا بَقِيَّتَكم إلى مَكَّةَ، فَحَزِنُوا حُزْنًا شَدِيدًا وأشْفَقُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - المَطَرَ فَمُطِرُوا لَيْلًا حَتّى جَرى الوادِي، فاغْتَسَلُوا وتَوَضَّئُوا وسَقَوُا الرِّكابَ، وتَلَبَّدَ الرَّمْلُ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ العَدُوِّ، حَتّى ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الأقْدامُ، وزالَتْ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ، وطابَتِ النُّفُوسُ، وقَوِيَتِ القُلُوبُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: يُقَوِّيَها بِالثِّقَةِ بِلُطْفِ اللَّهُ تَعالى فِيما بَعْدَ مُشاهَدَةِ طَلائِعِهِ ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ فَلا تَسُوخُ في الرَّمْلِ، فالضَّمِيرُ لِلْماءِ كالأوَّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلرَّبْطِ فَإنَّ القَلْبَ إذا قَوِيَ (p-10)وَتَمَكَّنَ فِيهِ الصَّبْرُ والجَراءَةُ لا تَكادُ تَزِلُّ القَدَمُ في مَعارِكِ الحُرُوبِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

8:12Page 178

إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ ١٢

[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."1

﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ، خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّجْرِيدِ حَسْبَما تَنْطِقُ بِهِ الكافُ، لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِمّا لا يَسْتَطِيعُهُ غَيْرُهُ ﷺ فَإنَّ الوَحْيَ المَذْكُورَ قَبْلَ ظُهُورِهِ بِالوَحْيِ المَتْلُوِّ عَلى لِسانِهِ ﷺ لَيْسَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي يَقِفُ عَلَيْها عامَّةُ الأُمَّةِ كَسائِرِ النِّعَمِ السّابِقَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِذِكْرِ وقْتِها بِطَرِيقِ الشُّكْرِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن عَوْدِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في بِهِ إلى الرَّبْطِ عَلى القُلُوبِ لِيَكُونَ المَعْنى: ويُثَبِّتَ أقْدامَكم بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِكم وقْتَ إيحائِهِ إلى المَلائِكَةِ وأمْرِهِ بِتَثْبِيتِهِمْ إيّاكُمْ، وهو وقْتُ القِتالِ، ولا يَخْفى أنَّ تَقْيِيدَ التَّثْبِيتِ المَذْكُورِ بِوَقْتٍ مُبْهَمٍ عِنْدَهم لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ، وأمّا انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ ثالِثٌ مِن (إذْ يَعِدُكُمْ) كَما قِيلَ فَيَأْباهُ تَخْصِيصُ الخِطابِ بِهِ ﷺ مَعَ ما عَرَفْتَ مِن أنَّ المَأْمُورَ بِهِ لَيْسَ مِنَ الوَظائِفِ العامَّةِ لِلْكُلِّ كَسائِرِ أخَواتِهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِنَ التَّنْوِيهِ والتَّشْرِيفِ ما لا يَخْفى، والمَعْنى: اذْكُرْ وقْتَ إيحائِهِ تَعالى إلى المَلائِكَةِ ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ أيْ: بِالإمْدادِ والتَّوْفِيقِ في أمْرِ التَّثْبِيتِ، فَهو مَفْعُولُ يُوحِي، وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ الوَحْيِ مَجْراهُ، وما يُشْعِرُ بِهِ دُخُولُ كَلِمَةِ (مَعَ) مِن مَتْبُوعِيَّةِ المَلائِكَةِ إنَّما هي مِن حَيْثُ إنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلتَّثْبِيتِ صُورَةً، فَلَهُمُ الأصالَةُ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ كَما في أمْثالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ (إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ)﴾، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ إمْدادَهُ تَعالى إيّاهم مِن أقْوى مُوجِباتِ التَّثْبِيتِ.

واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ التَّثْبِيتِ، فَقالَتْ جَماعَةٌ: إنَّما أُمِرُوا بِتَثْبِيتِهِمْ بِالبِشارَةِ وتَكْثِيرِ السَّوادِ ونَحْوِهِما مِمّا تَقْوى بِهِ قُلُوبُهُمْ، وتَصِحُّ عَزائِمُهم ونِيّاتُهُمْ، ويَتَأكَّدُ جِدُّهم في القِتالِ، وهو الأنْسَبُ بِمَعْنى التَّثْبِيتِ وحَقِيقَتِهِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ الحَمْلِ عَلى الثَّباتِ في مَوْطِنِ الحِرابِ، والجِدِّ في مُقاساةِ شَدائِدِ القِتال.

وَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ المَلَكُ يَتَشَبَّهُ بِالرَّجُلِ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ بِوَجْهِهِ، فَيَأْتِي ويَقُولُ: إنّى سَمِعْتُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ: واللَّهِ لَئِنْ حَمَلُوا عَلَيْنا لَنَنْكَشِفَنَّ، ويَمْشِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فَيَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُكُمْ، وقالَ آخَرُونَ: أُمِرُوا بِمُحارَبَةِ أعْدائِهِمْ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا﴾ ... إلَخْ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَثَبِّتُوا﴾ مُبَيِّنًا لِكَيْفِيَّةِ التَّثْبِيتِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي داوُدَ المازِنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا أنَّهُ قالَ: اتَّبَعْتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ لِأضْرِبَهُ، فَوَقَعَتْ رَأْسُهُ بَيْنَ يَدَيَّ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ سَيْفِي، وعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُنا يَوْمَ بَدْرٍ وإنَّ أحَدَنا يُشِيرُ بِسَيْفِهِ إلى المُشْرِكِ فَتَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ السَّيْفُ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ قَتْلَهم لِلْكَفَرَةِ مَعَ عَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِمَعْنى تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ مِمّا لا يَتَوَقَّفُ عَلى الإمْدادِ بِإلْقاءِ الرُّعْبِ فَلا يَتَّجِهُ تَرْتِيبُ الأمْرِ بِهِ عَلَيْهِ بِالفاءِ، وقَدِ اعْتَذَرَ الأوَّلُونَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (سَأُلْقِي)... إلَخْ لَيْسَ بِنَصٍّ فِيما ذُكِرَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَلْقِينًا لِلْمَلائِكَةِ ما يُثَبِّتُونَهم بِهِ (p-11)كَأنَّهُ قِيلَ: قُولُوا لَهُمْ: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا﴾ ... إلَخْ.

فالضّارِبُونَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ خِطابٌ مِنهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالذّاتِ عَلى طَرِيقِ التَّلْوِينِ فَمَبْناهُ تَوَهُّمُ وُرُودِهِ قَبْلَ القِتالِ وأنّى ذَلِكَ؟! والسُّورَةُ الكَرِيمَةُ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ تَمامِ الوَقْعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أيْ: أعالِيَها الَّتِي هي المَذابِحُ أوِ الهاماتُ ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ قِيلَ: البَنانُ أطْرافُ الأصابِعِ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ، وقِيلَ: هي الأصابِعُ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: البَنانُ المَفاصِلُ وكُلُّ مَفْصِلٍ بَنانَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والضَّحّاكُ: يَعْنِي الأطْرافَ، أيِ: اضْرِبُوهم في جَمِيعِ الأعْضاءِ مِن أعالِيها إلى أسافِلِها، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَنانِ الأدانِي وبِفَوْقِ الأعْناقِ الأعالِي، والمَعْنى: فاضْرِبُوا الصَّنادِيدَ والسَّفَلَةَ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِالضَّرْبِ لِمَزِيدِ التَّشْدِيدِ والِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ، ومِنهم مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا بَعْدَهُ.

8:13Page 178

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٣

That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh and His Messenger - indeed, Allāh is severe in penalty.

"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما أصابَهم مِنَ العِقابِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَلِيقُ بِالخِطابِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ العِقابُ الفَظِيعُ واقِعٌ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ ومُغالَبَتِهِمْ مَن لا سَبِيلَ إلى مُغالَبَتِهِ أصْلًا، واشْتِقاقُ المُشاقَّةِ مِنَ الشِّقِّ لِما أنَّ كُلًّا مِنَ المُشاقَّيْنِ في شِقٍّ خِلافِ شِقِّ الآخَرِ، كَما أنَّ اشْتِقاقَ المُعاداةِ والمُخاصَمَةِ مِنَ العَدْوَةِ والخَصْمِ، أيِ: الجانِبِ، لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِيَيْنِ والمُتَخاصِمَيْنِ في عَدْوَةٍ وخَصْمٍ غَيْرِ عَدْوَةِ الآخَرِ وخَصْمِهِ.

﴿وَمَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ إمّا نَفْسُ الجَزاءِ قَدْ حُذِفَ مِنهُ العائِدُ إلى (مَن) عِنْدَ مَن يَلْتَزِمُهُ، أيْ: شَدِيدُ العِقابِ لَهُ، أوْ تَعْلِيلٌ لِلْجَزاءِ المَحْذُوفِ، أيْ: يُعاقِبْهُ اللَّهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، وأيًّا ما كانَ فالشَّرْطِيَّةُ تَكْمِلَةٌ لِما قَبْلَها، وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهِ، وتَحْقِيقٌ لِلسَّبَبِيَّةِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ العِقابُ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، وكُلُّ مَن يُشاقِقُ اللَّهَ ورَسُولَهُ كائِنًا مَن كانَ فَلَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِقابٌ شَدِيدٌ، فَإذَنْ لَهم بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ لَهُما عِقابٌ شَدِيدٌ، وأمّا أنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ بَعْدَما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا -كَما قِيلَ - فَيَرُدُّهُ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى:

8:14Page 178

ذَٰلِكُمۡ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٤

"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.

﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ هو المَسُوقَ لِلْوَعِيدِ بِما ذُكِرَ ناطِقٌ بِكَوْنِ المُرادِ بِالعِقابِ المَذْكُورِ ما أصابَهم عاجِلًا، سَواءٌ جُعِلَ (ذَلِكُمْ) إشارَةً إلى نَفْسِ العِقابِ، أوْ إلى ما تُفِيدُهُ الشَّرْطِيَّةُ مِن ثُبُوتِ العِقابِ لَهُمْ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّ الأظْهَرَ أنَّ مَحَلَّهُ النَّصْبُ بِمُضْمَرٍ يَسْتَدْعِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوهُ﴾ والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ لِلْكافِرِينَ﴾ ... إلَخْ بِمَعْنى (مَعَ) فالمَعْنى: باشِرُوا ذَلِكُمُ العِقابَ الَّذِي أصابَكم فَذُوقُوهُ عاجِلًا، مَعَ أنَّ لَكم عَذابَ النّارِ آجِلًا، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَوْبِيخِهِمْ بِالكُفْرِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِهِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ الأقْرَبَ أنَّ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ لِلْكافِرِينَ﴾ ... إلَخْ، مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والمَعْنى: حُكْمُ اللَّهِ ذَلِكُمْ، أيْ: ثُبُوتُ هَذا (p-12)العُقابِ لَكم عاجِلًا، وثُبُوتُ عَذابِ النّارِ آجِلًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوهُ﴾ اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِلتَّهْدِيدِ، والضَّمِيرُ عَلى الأوَّلِ لِنَفْسِ المُشارِ إلَيْهِ، وعَلى الثّانِي لِما في ضِمْنِهِ، وقَدْ ذُكِرَ في إعْرابِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وُجُوهٌ أُخَرُ مَدارُ الكُلِّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعُقابِ ما أصابَهم عاجِلًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

8:15Page 178

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ١٥

O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [in battle], do not turn to them your backs [in flight].

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِحُكْمٍ كُلِّيٍّ جارٍ فِيما سَيَقَعُ مِنَ الوَقائِعِ والحُرُوبِ، جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ؛ إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، ومُبالَغَةً في حَضِّهِمْ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْهِ ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الزَّحْفُ الدَّبِيبُ، يُقالُ: زَحَفَ الصَّبِيُّ زَحْفًا إذا دَبَّ عَلى إسْتِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا، سُمِّيَ بِهِ الجَيْشُ الدّاهِمُ المُتَوَجِّهُ إلى العَدُوِّ؛ لِأنَّهُ لِكَثْرَتِهِ وتَكاثُفِهِ يُرى كَأنَّهُ يَزْحَفُ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُلَّ يُرى كَجِسْمٍ واحِدٍ مُتَّصِلٍ، فَيُحَسُّ حَرَكَتُهُ بِالقِياسِ إلَيْهِ في غايَةِ البُطْءِ وإنْ كانَتْ في نَفْسِ الأمْرِ عَلى غايَةِ السُّرْعَةِ قالَ قائِلُهُمْ:

؎ وأرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ

وَنَصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ (لَقِيتُمْ)، أيْ: زاحِفِينَ نَحْوَكُمْ، وإمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو الحالُ مِنهُ، أيْ: يَزْحَفُونَ زَحْفًا، وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن فاعِلِهِ أوْ مِنهُ ومِن مَفْعُولِهِ مَعًا - كَما قِيلَ - فَيَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ إذْ لا مَعْنى لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ عَنِ الإدْبارِ بِتَوَجُّهِهِمُ السّابِقِ إلى العَدُوِّ أوْ بِكَثْرَتِهِمْ، بَلْ تَوَجُّهُ العَدُوِّ إلَيْهِمْ وكَثْرَتُهم هو الدّاعِي إلى الإدْبارِ عادَةً، والمُحْوِجُ إلى النَّهْيِ عَنْهُ، وحَمْلُهُ عَلى الإشْعارِ بِما سَيَكُونُ مِنهم يَوْمَ حُنَيْنٍ - حَيْثُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ وهم زَحْفٌ مِنَ الزَّحُوفِ اثْنا عَشَرَ ألْفًا - بَعِيدٌ، والمَعْنى: إذا لَقِيتُمُوهم لِلْقِتالِ وهم كَثِيرٌ جَمٌّ وأنْتُمْ قَلِيلٌ فَلا تُوَلُّوهم أدْبارَكم فَضْلًا عَنِ الفِرارِ، بَلْ قابِلُوهم وقاتِلُوهم مَعَ قِلَّتِكم فَضْلًا عَنْ أنْ تُدانُوهم في العَدَدِ، أوْ تُساوُوهم.

8:16Page 178

وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦

And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allāh, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.

﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ اللِّقاءِ ﴿دُبُرَهُ﴾ فَضْلًا عَنِ الفِرارِ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الباءِ ﴿إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ إمّا بِالتَّوَجُّهِ إلى قِتالِ طائِفَةٍ أُخْرى أهَمَّ مِن هَؤُلاءِ، وإمّا بِالفَرِّ لِلْكَرِّ، بِأنْ يُخَيَّلَ عَدُوُّهُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ لِيُغِرَّهُ ويُخْرِجَهُ مِن بَيْنِ أعْوانِهِ، ثُمَّ يَعْطِفَ عَلَيْهِ وحْدَهُ، أوْ مَعَ مَن في الكَمِينِ مِن أصْحابِهِ، وهو بابٌ مِن خِدَعِ الحَرْبِ ومَكايِدِها ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أيْ: مُنْحازًا إلى جَماعَةٍ أُخْرى مِنَ المُؤْمِنِينَ لِيَنْضَمَّ إلَيْهِمْ، ثُمَّ يُقاتِلَ مَعَهُمُ العَدُوَّ.

«عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنْ سَرِيَّةً فَرُّوا وأنا مَعَهُمْ، فَلَمّا رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ اسْتَحْيَوْا ودَخَلُوا البُيُوتَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ الفَرّارُونَ، فَقالَ ﷺ: "بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ"» أيِ: الكَرّارُونَ مِن عَكَرَ، أيْ: رَجَعَ وأنا فِئَتُكم.

وانْهَزَمَ رَجُلٌ مِنَ القادِسِيَّةِ فَأتى المَدِينَةَ إلى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هَلَكْتُ فَفَرَرْتُ مِنَ الزَّحْفِ، فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا فِئَتُكَ، ووَزْنُ مُتَحَيِّزٍ مُتَفَيْعِلٌ لا مُتَفَعِّلٌ وإلّا لَكانَ مُتَحَوِّزًا؛ لِأنَّهُ مِن حازَ يَجُوزُ، وانْتِصابُهُما إمّا عَلى الحالِيَّةِ و(إلّا) لَغْوٌ لا عَمَلَ لَها، وإمّا عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُوَلِّينَ، أيْ: ومَن يُوَلِّهِمْ دُبُرَهُ إلّا رَجُلًا مِنهم مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا ﴿فَقَدْ باءَ﴾ أيْ: رَجَعَ ﴿بِغَضَبٍ﴾ عَظِيمٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ومِن في قَوْلِهِ (p-13)تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِغَضَبٍ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ والهَوْلِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، أيْ: بِغَضَبٍ كائِنٍ مِنهُ تَعالى: ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: بَدَلَ ما أرادَ بِفِرارِهِ أنْ يَأْوِيَ إلَيْهِ مِن مَأْوًى يُنْجِيهِ مِنَ القَتْلِ ﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ في إيقاعِ البَوْءِ في مَوْقِعِ جَوابِ الشَّرْطِ الَّذِي هو التَّوْلِيَةُ مَقْرُونًا بِذِكْرِ المَأْوى والمَصِيرِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وهَذا إذا لَمْ يَكُنِ العَدُوُّ أكْثَرَ مِنَ الضِّعْفِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ، وقِيلَ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأهْلِ بَيْتِهِ والحاضِرِينَ مَعَهُ في الحَرْبِ.

8:17Page 179

فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٧

And you did not kill them, but it was Allāh who killed them.1 And you threw not, [O Muḥammad], when you threw, but it was Allāh who threw2 that He might test the believers with a good test.3 Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ بَقِيَّةِ أحْكامِ الواقِعَةِ وأحْوالِها، وتَقْرِيرُ ما سَبَقَ مِنها، والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ ما مَرَّ مِن ذِكْرِ إمْدادِهِ تَعالى وأمْرِهِ بِالتَّثْبِيتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَمْ تَقْتُلُوهم أنْتُمْ بِقُوَّتِكم وقُدْرَتِكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بِنَصْرِكم وتَسْلِيطِكم عَلَيْهِمْ، وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ، أيْ: فاعْلَمُوا أوْ فَأُخْبِرُكم أنَّكم لَمْ تَقْتُلُوهُمْ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَلَمْ تَقْتُلُوهم عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، لِما رُوِيَ أنَّهم لَمّا انْصَرَفُوا مِنَ المَعْرَكَةِ غالِبِينَ غانِمِينَ أقْبَلُوا يَتَفاخَرُونَ، يَقُولُونَ: قَتَلْتُ وأسَرْتُ وفَعَلْتُ وتَرَكْتُ، فَنَزَلَتْ.

وَقَدْ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ طَلَعَتْ قُرَيْشٌ مِنَ العَقَنْقَلِ قالَ: "هَذِهِ قُرَيْشٌ جاءَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها يُكَذِّبُونَ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ ما وعَدْتَنِي"» فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَلَمّا التَقى الجَمْعانِ قالَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "أعْطِنِي قَبْضَةً مِن حَصْباءِ الوادِي"، فَرَمى بِها في وُجُوهِهِمْ، وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا شُغِلَ بِعَيْنَيْهِ فانْهَزَمُوا، وذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ تَحْقِيقًا لِكَوْنِ الرَّمْيِ الظّاهِرِ عَلى يَدِهِ ﷺ حِينَئِذٍ مِن أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَجْرِيدُ الفِعْلِ عَنِ المَفْعُولِ بِهِ لِما أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ بَيانُ حالِ الرَّمْيِ نَفْيًا وإثْباتًا، إذْ هو الَّذِي ظَهَرَ مِنهُ ما ظَهَرَ، وهو المَنشَأُ لِتَغَيُّرِ المَرْمِيِّ بِهِ في نَفْسِهِ وتَكَثُّرِهِ إلى حَيْثُ أصابَ عَيْنَيْ كُلِّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ الأُمَّةِ الجَمَّةِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، أيْ: وما فَعَلْتَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ تِلْكَ الرَّمْيَةَ المُسْتَتْبِعَةَ لِهَذِهِ الآثارِ العَظِيمَةِ حَقِيقَةً حِينَ فَعَلْتَها صُورَةً وإلّا لَكانَ أثَرُها مِن جِنْسِ آثارِ الأفاعِيلِ البَشَرِيَّةِ، ولَكِنَّ اللَّهَ فَعَلَها، أيْ: خَلَقَها حِينَ باشَرْتَها، لَكِنْ لا عَلى نَهْجِ عادَتِهِ تَعالى في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، بَلْ عَلى وجْهٍ غَيْرِ مُعْتادٍ، ولِذَلِكَ أثَّرَتْ هَذا التَّأْثِيرَ الخارِجَ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ ودائِرَةِ القُوى والقَدَرِ، فَمَدارُ إثْباتِها لِلَّهِ تَعالى ونَفْيِها عَنْهُ ﷺ كَوْنُ أثَرِها مِن أفْعالِهِ ﷺ وقُرِئَ (وَلَكِنِ اللَّهُ) بِالتَّخْفِيفِ والرَّفْعِ في المَحَلَّيْنِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ﴾ - أيْ: لِيُعْطِيَهم مِن عِنْدِهِ تَعالى: ﴿بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ: عَطاءً جَمِيلًا غَيْرَ مَشُوبٍ بِمُقاساةِ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ - إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفِ مُتَأخِّرٍ فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، أيْ: ولِلْإحْسانِ إلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ فَعَلَ ما فَعَلَ لا لِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُجْدِيهِمْ نَفْعًا، وإمّا بِـ(رَمى) فالواوُ لِلْعَطْفِ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى لِيَمْحَقَ الكافِرِينَ ولِيُبْلِيَ ... إلَخْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ (p-14)اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أيْ: لِدُعائِهِمْ واسْتِغاثَتِهِمْ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِنِيّاتِهِمْ وأحْوالِهِمُ الدّاعِيَةِ إلى الإجابَةِ، تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ.

8:18Page 179

ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٨

That [is so], and [also] that Allāh will weaken the plot of the disbelievers.

"ذَلِكُمْ" إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ بِالإضافَةِ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، أيِ: المَقْصِدُ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ، وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ، وإبْطالُ حِيَلِهِمْ، وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ القَتْلُ والرَّمْيُ، والمُبْتَدَأُ الأمْرُ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكُمْ، أيِ: القَتْلُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ﴾ الآيَةَ، مِن قَبِيلِ عَطْفِ البَيانِ، وقُرِئَ (مُوَهِّنٌ) بِالتَّنْوِينِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا ونَصْبِ كَيْدِ الكافِرِينَ.

8:19Page 179

إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدۡ وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَوۡ كَثُرَتۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٩

If you [disbelievers] seek the decision [i.e., victory] - the decision [i.e., defeat] has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allāh is with the believers.

﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ أرادُوا الخُرُوجَ تَعَلَّقُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، وقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ، وأهْدى الفِئَتَيْنِ، وأكْرَمَ الحِزْبَيْنِ أيْ: إنْ تَسْتَنْصِرُوا لِأعْلى الجَنَدَيْنِ ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ حَيْثُ نَصَرَ أعْلاهُما، وقَدْ زَعَمْتُمْ أنَّكُمُ الأعْلى فالتَّهَكُّمُ في المَجِيءِ، أوْ فَقَدْ جاءَكُمُ الهَزِيمَةُ والقَهْرُ فالتَّهَكُّمُ في نَفْسِ الفَتْحِ، حَيْثُ وُضِعَ مَوْضِعَ ما يُقابِلُهُ ﴿وَإنْ تَنْتَهُوا﴾ عَمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحِرابِ ومُعاداةِ الرَّسُولِ ﷺ ﴿فَهُوَ﴾ أيِ: الِانْتِهاءُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الحِرابِ الَّذِي ذُقْتُمْ غائِلَتَهُ لِما فِيهِ مِنَ السَّلامَةِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، ومَبْنى اعْتِبارِ أصْلِ الخَيْرِيَّةِ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِ هو التَّهَكُّمُ ﴿وَإنْ تَعُودُوا﴾ أيْ: إلى حِرابِهِ ﷺ ﴿نَعُدْ﴾ لِما شاهَدْتُمُوهُ مِنَ الفَتْحِ ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ﴾ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ، وقُرِئَ بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ الفِئَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِلْفَصْلِ، أيْ: لَنْ تَدْفَعَ أبَدًا ﴿عَنْكم فِئَتُكُمْ﴾ جَماعَتُكُمُ الَّتِي تَجْمَعُونَهم وتَسْتَعِينُونَ بِهِمْ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: مِنَ الإغْناءِ، أوْ مِنَ المَضارِّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وقَدْ مَرَّ التَّحْقِيقُ ﴿وَأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ولِأنَّ اللَّهَ مُعِينُ المُؤْمِنِينَ كانَ ذَلِكَ، أوْ: والأمْرُ أنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ويَقْرُبُ مِنهُ بِحَسَبِ المَعْنى قِراءَةُ الكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

وَقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ، وإنْ تَنْتَهُوا عَنِ التَّكاسُلِ والرَّغْبَةِ عَمّا يُرَغِّبُ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ فَهو خَيْرٌ لَكم مِن كُلِّ شَيْءٍ، لِما أنَّهُ مَناطٌ لِنَيْلِ سَعادَةِ الدّارَيْنِ، وإنْ تَعُودُوا إلَيْهِ نَعُدْ عَلَيْكم بِالإنْكارِ وتَهْيِيجِ العَدُوِّ، ولَنْ تُغْنِيَ حِينَئِذٍ كَثْرَتُكم إذا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَكم بِالنَّصْرِ، والأمْرُ أنَّ اللَّهَ مَعَ الكامِلِينَ في الإيمانِ.

8:20Page 179

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ ٢٠

O you who have believed, obey Allāh and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا﴾ بِطَرْحِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِإدْغامِها ﴿عَنْهُ﴾ أيْ: لا تَتَوَلَّوْا عَنِ الرَّسُولِ، فَإنَّ المُرادَ: هو الأمْرُ بِطاعَتِهِ والنَّهْيُ عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ، وذِكْرُ طاعَتِهِ تَعالى لِلتَّمْهِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ طاعَتَهُ تَعالى في طاعَةِ رَسُولِهِ - ﷺ – (مَنِ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ) وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجِهادِ، وقِيلَ: لِلْأمْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الطّاعَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ وارِدَةٌ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَنِ التَّوَلِّي مُطْلَقًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ (p-15)عَنْهُ بِحالِ السَّماعِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ أيْ: لا تَتَوَلَّوْا عَنْهُ والحالُ أنَّكم تَسْمَعُونَ القرآن النّاطِقَ بِوُجُوبِ طاعَتِهِ والمَواعِظَ الزّاجِرَةَ عَنْ مُخالَفَتِهِ سَماعَ فَهْمٍ وإذْعانٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском