Abu as-Su'udAl‑Anfal · 8:21–40

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:21–40

8:21Page 179

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٢١

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

﴿وَلا تَكُونُوا﴾ تَقْرِيرٌ لِلنَّهْيِ السّابِقِ، وتَحْذِيرٌ عَنْ مُخالَفَتِهِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها مُؤَدِّيَةٌ إلى انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ الكَفَرَةِ بِكَوْنِ سَماعِهِمْ كَلا سَماعٍ، أيْ: لا تَكُونُوا بِمُخالَفَةِ الأمْرِ والنَّهْيِ ﴿كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ بِمُجَرَّدِ الِادِّعاءِ مِن غَيْرِ فَهْمٍ وإذْعانٍ كالكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ السَّماعَ ﴿وَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ قالُوا، أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم لا يَسْمَعُونَ، حَيْثُ لا يُصَدِّقُونَ ما سَمِعُوهُ، ولا يَفْهَمُونَهُ حَقَّ فَهْمِهِ، فَكَأنَّهم لا يَسْمَعُونَهُ رَأْسًا.

8:22Page 179

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ٢٢

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are the deaf and dumb who do not use reason [i.e., the disbelievers].

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِ المُشَبَّهِ بِهِمْ؛ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ، وتَقْرِيرًا لِلنَّهْيِ إثْرَ تَقْرِيرٍ، أيْ: إنَّ شَرَّ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ أوْ شَرَّ البَهائِمِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ وقَضائِهِ ﴿الصُّمُّ﴾ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ الحَقَّ ﴿البُكْمُ﴾ الَّذِي لا يَنْطِقُونَ بِهِ، وُصِفُوا بِالصَّمَمِ والبَكَمِ؛ لِأنَّ ما خُلِقَ لَهُ الأُذُنُ واللِّسانُ سَماعَ الحَقِّ والنُّطْقَ بِهِ، وحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ صارُوا كَأنَّهم فاقِدُونَ لِلْجارِحَتَيْنِ رَأْسًا، وتَقْدِيمُ الصُّمِّ عَلى البُكْمِ لِما أنَّ صَمَمَهم مُتَقَدِّمٌ عَلى بَكَمِهِمْ، فَإنَّ السُّكُوتَ عَنِ النُّطْقِ بِالحَقِّ مِن فُرُوعِ عَدَمِ سَماعِهِمْ لَهُ، كَما أنَّ النُّطْقَ بِهِ مِن فُرُوعِ سَماعِهِ، ثُمَّ وُصِفُوا بِعَدَمِ التَّعَقُّلِ فَقِيلَ: ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ تَحْقِيقًا لِكَمالِ سُوءِ حالِهِمْ، فَإنَّ الأصَمَّ الأبْكَمَ إذا كانَ لَهُ عَقْلٌ رُبَّما يَفْهَمُ بَعْضَ الأُمُورِ ويُفْهِمُهُ غَيْرُهُ بِالإشارَةِ، ويَهْتَدِي بِذَلِكَ إلى بَعْضِ مَطالِبِهِ، وأمّا إذا كانَ فاقِدًا لِلْعَقْلِ أيْضًا فَهو الغايَةُ في الشَّرِّيَّةِ وسُوءِ الحالِ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ كَوْنُهم شَرًّا مِنَ البَهائِمِ، حَيْثُ أبْطَلُوا ما بِهِ يَمْتازُونَ عَنْها، وبِهِ يُفَضَّلُونَ عَلى كَثِيرٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَصارُوا أخَسَّ مِن كُلِّ خَسِيسٍ.

8:23Page 179

وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣

Had Allāh known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ شَيْئًا مِن جِنْسِ الخَيْرِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ صَرْفُ قُواهم إلى تَحَرِّي الحَقِّ واتِّباعِ الهُدى ﴿لأسْمَعَهُمْ﴾ سَماعَ تَفَهُّمٍ وتَدَبُّرٍ، ولَوَقَفُوا عَلى حَقِّيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وأطاعُوهُ وآمَنُوا بِهِ، ولَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لِخُلُوِّهِمْ عَنْهُ بِالمَرَّةِ، فَلَمْ يُسْمِعْهم كَذَلِكَ لِخُلُوِّهِ عَنِ الفائِدَةِ وخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ، وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: لَوْ أسْمَعُهم سَماعَ تَفَهُّمٍ وهم عَلى هَذِهِ الحالَةِ العارِيَةِ عَنِ الخَيْرِ بِالكُلِّيَّةِ لَتَوَلَّوْا عَمّا سَمِعُوهُ مِنَ الحَقِّ، ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ قَطُّ، أوِ ارْتَدَوْا بَعْدَما صَدَّقُوهُ وصارُوا كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوهُ أصْلًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ تَوَلَّوْا، أيْ: لَتَوَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَمّا سَمِعُوهُ بِقُلُوبِهِمْ، وإمّا اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، أيْ: وهم قَوْمٌ عادَتُهُمُ الإعْراضُ، وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أحْيِ قُصَيًّا، فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا مُبارَكًا حَتّى يَشْهَدَ لَكَ ونُؤْمِنَ بِكَ، فالمَعْنى: ولَوْ أسْمَعَهم كَلامَ قُصَيٍّ... إلَخْ. وقِيلَ: هم بَنُو عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ، لَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وسُوَيْدُ بْنُ حَرْمَلَةَ، كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ صُمٌّ بُكْمٌ (p-16)عُمْيٌ عَمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ لا نَسْمَعُهُ ولا نُجِيبُهُ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقُتِلُوا جَمِيعًا بِأُحُدٍ، وكانُوا أصْحابَ اللِّواءِ.

وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ.

8:24Page 179

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤

O you who have believed, respond to Allāh and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allāh intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَكْرِيرُ النِّداءِ مَعَ وصْفِهِمْ بِنَعْتِ الإيمانِ لِتَنْشِيطِهِمْ إلى الإقْبالِ عَلى الِامْتِثالِ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الأوامِرِ، وتَنْبِيهِهِمْ عَلى أنَّ فِيهِمْ ما يُوجِبُ ذَلِكَ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ بِحُسْنِ الطّاعَةِ ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ أيِ: الرَّسُولُ إذْ هو المُباشِرُ لِدَعْوَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ مِنَ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي هي مَناطُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، كَما أنَّ الجَهْلَ مَدارُ المَوْتِ الحَقِيقِيِّ، أوْ هي ماءُ حَياةِ القَلْبِ، كَما أنَّ الجَهْلَ مُوجِبٌ مَوْتَهُ، وقِيلَ: لِمُجاهِدَةِ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم لَوْ رَفَضُوها لَغَلَبُوهم وقَتَلُوهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ .

رُوِيَ أنَّهُ ﷺ مَرَّ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وهو يُصَلِّي، فَدَعاهُ فَعَجَّلَ في صِلاتِهِ، ثُمَّ جاءَ فَقالَ ﷺ: "ما مَنَعَكَ مِن إجابَتِي؟" قالَ: كُنْتُ في الصَّلاةِ، قالَ: "ألَمْ تُخْبَرْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم... إلَخْ؟" واخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هَذا مِن خَصائِصِ دُعائِهِ ﷺ وقِيلَ: لِأنَّ إجابَتَهُ ﷺ لا تَقْطَعُ الصَّلاةَ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ الدُّعاءُ لِأمْرٍ مُهِمٍّ لا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ، ولِلْمُصَلِّي أنْ يَقْطَعَ الصَّلاةَ لِمِثْلِهِ.

﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ تَمْثِيلٌ لِغايَةِ قُرْبِهِ تَعالى مِنَ العَبْدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ مِن مَكْنُوناتِ القُلُوبِ عَلى ما عَسى يَغْفُلُ عَنْهُ صاحِبُها، أوْ حَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ إلى إخْلاصِ القُلُوبِ وتَصْفِيَتِها قَبْلَ إدْراكِ المَنِيَّةِ، فَإنَّها حائِلَةٌ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، أوْ تَصْوِيرٌ وتَخْيِيلٌ لِتَمَلُّكِهِ عَلى العَبْدِ قَلْبَهُ بِحَيْثُ يَفْسَخُ عَزائِمَهُ ويُغَيِّرُ نِيّاتِهِ ومَقاصِدَهُ، ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ إنْ أرادَ سَعادَتَهُ، ويُبَدِّلُهُ بِالأمْنِ خَوْفًا وبِالذِّكْرِ نِسْيانًا، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُعْتَرِضَةِ المُفَوِّتَةِ لِلْفُرْصَةِ.

وَقُرِئَ (بَيْنَ المَرِّ) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الرّاءِ، وإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، ﴿وَأنَّهُ﴾ أيِ: اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أوِ الشَّأْنُ ﴿إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِيكم بِحَسَبِ مَراتِبِ أعْمالِكم، فَسارِعُوا إلى طاعَتِهِ تَعالى وطاعَةِ رَسُولِهِ، وبالِغُوا في الِاسْتِجابَةِ لَهُما.

8:25Page 179

وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٥

And fear a trial1 which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allāh is severe in penalty.

﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ أيْ: لا تَخْتَصُّ إصابَتُها بِمَن يُباشِرُ الظُّلْمَ مِنكم بَلْ يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ، كَإقْرارِ المُنْكَرِ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ والمُداهَنَةِ في الأمْرِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وافْتِراقِ الكَلِمَةِ، وظُهُورِ البِدَعِ، والتَّكاسُلِ في الجِهادِ، عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُصِيبَنَّ﴾ ... إلَخْ، إمّا جَوابُ الأمْرِ عَلى مَعْنى: إنْ أصابَتْكم لا تُصِيبُنَّ... إلَخْ، وفِيهِ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مُتَرَدِّدٌ، فَلا يَلِيقُ بِهِ النُّونُ المُؤَكِّدَةُ، لَكِنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ مَعْنى النَّهْيِ ساغَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وإمّا صِفَةٌ لِـ(فِتْنَةً) ولا لِلنَّفْيِ وفِيهِ شُذُوذٌ؛ لِأنَّ النُّونَ لا تَدْخُلُ المَنفِيَّ في غَيْرِ القَسَمِ، أوْ لِلنَّهْيِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ كَقَوْلِ مَن قالَ:

؎ حَتّى إذا جَنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطَ جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ

وَإمّا جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ (لَتُصِيبَنَّ) وإنِ اخْتَلَفَ المَعْنى فِيهِما، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنِ التَّعَرُّضِ لِلظُّلْمِ بَعْدَ الأمْرِ بِاتِّقاءِ الذَّنْبِ، فَإنَّ (p-17)وَبالَهُ يُصِيبُ الظّالِمَ خاصَّةً، ويَعُودُ عَلَيْهِ، ومِن في "مِنكُمْ" عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى الأخِيرَيْنِ لِلتَّبْيِينِ، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الظُّلْمَ مِنكم أقْبَحُ مِنهُ مِن غَيْرِكم ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ولِذَلِكَ يُصِيبُ بِالعَذابِ مَن لَمْ يُباشِرْ سَبَبُهُ.

8:26Page 180

وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ أيْ: وقْتَ كَوْنِكم قَلِيلًا في العَدَدِ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ القِلَّةِ، وما يَتْبَعُها مِنَ الضَّعْفِ والخَوْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ صِفَةٌ لِـ(قَلِيلٌ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: في أرْضِ مَكَّةَ، تَحْتَ أيْدِي قُرَيْشٍ، والخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ، أوْ تَحْتَ أيْدِي فارِسَ والرُّومِ والخِطابُ لِلْعَرَبِ كافَّةً، فَإنَّهم كانُوا أذِلّاءَ تَحْتَ أيْدِي الطّائِفَتَيْنِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ، أوْ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ(قَلِيلٌ) وُصِفَ بِالجُمْلَةِ بَعْدَما وُصِفَ بِالمُفْرِدِ، أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في مُسْتَضْعَفُونَ، والمُرادُ بِالنّاسِ عَلى الأوَّلِ - وهو الأظْهَرُ - إمّا كُفّارُ قُرَيْشٍ، وإمّا كُفّارُ العَرَبِ لِقُرْبِهِمْ مِنهم وشِدَّةِ عَدَواتِهِمْ لَهُمْ، وعَلى الثّانِي: فارِسُ والرُّومُ، أيْ: واذْكُرُوا وقْتَ قِلَّتِكم وذِلَّتِكم وهَوانِكم عَلى النّاسِ، وخَوْفِكم مِنِ اخْتِطافِهِمْ.

﴿فَآواكُمْ﴾ إلى المَدِينَةِ، أوْ جَعَلَ لَكم مَأْوًى تَتَحَصَّنُونَ بِهِ مِن أعْدائِكم ﴿وَأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ عَلى الكُفّارِ، أوْ بِمُظاهَرَةِ الأنْصارِ، أوْ بِإمْدادِ المَلائِكَةِ ﴿وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مِنَ الغَنائِمِ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ هَذِهِ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ.

8:27Page 180

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧

O you who have believed, do not betray Allāh and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ أصْلُ الخَوْنِ النَّقْصُ، كَما أنَّ أصْلَ الوَفاءِ التَّمامُ، واسْتِعْمالهُ في ضِدِّ الأمانَةِ لِتَضَمُّنِهِ إيّاهُ، أيْ: لا تَخُونُوهُما بِتَعْطِيلِ الفَرائِضِ والسُّنَنِ، أوْ بِأنْ تُضْمِرُوا خِلافَ ما تُظْهِرُونَ، أوْ في الغُلُولِ في الغَنائِمِ.

رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ حاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَسَألُوا الصُّلْحَ، كَما صالَحَ بَنِي النَّضِيرِ عَلى أنْ يَسِيرُوا إلى إخْوانِهِمْ بِأذْرِعاتٍ وأرِيحاءَ مِنَ الشّامِ، فَأبى إلّا أنْ يَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأبَوْا، وقالُوا: أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ، وكانَ مُناصِحًا لَهُمْ؛ لِما أنَّ مالَهُ وعِيالَهُ كانا في أيْدِيهِمْ فَبَعَثَهُ إلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما تَرى هَلْ نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ، فَأشارَ إلى حَلْقِهِ: إنَّهُ الذَّبْحُ، قالَ أبُو لَبابَةَ: فَما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَنَزَلَتْ، فَشَدَّ نَفْسَهُ عَلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ، وقالَ: واللَّهِ لا أذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى أمُوتَ أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ حَتّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ تِيبَ عَلَيْكَ، فَحُلَّ نَفْسَكَ، قالَ: لا واللَّهِ، لا أحُلُّها حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّنِي، فَجاءَهُ - ﷺ – فَحَلَّهُ، فَقالَ: إنَّ مِن تَمامِ تَوْبَتِي أنْ أهْجُرَ دارَ قَوْمَيِ الَّتِي أصَبْتُ فِيها الذَّنْبَ، وأنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي، فَقالَ ﷺ: "يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ أنْ تَتَصَدَّقَ بِهِ"» .

﴿وَتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ فِيما بَيْنَكُمْ، وهو مَجْزُومٌ مَعْطُوفٌ عَلى الأوَّلِ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الجَوابِ بِالواوِ ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (p-18)أنَّكم تَخُونُونَ، أوْ أنْتُمْ عُلَماءُ تُمَيِّزُونَ الحَسَنَ مِنَ القَبِيحِ.

8:28Page 180

وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨

And know that your properties and your children are but a trial and that Allāh has with Him a great reward.

﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّها سَبَبُ الوُقُوعِ في الإثْمِ والعِقابِ، أوْ مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِيَبْلُوَكم في ذَلِكَ، فَلا يَحْمِلَنَّكم حُبُّهُما عَلى الخِيانَةِ كَأبِي لُبابَةَ ﴿وَأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لِمَن آثَرَ رِضاهُ تَعالى عَلَيْهِما، وراعى حُدُودَهُ فِيهِما، فَنِيطُوا هِمَمَكم بِما يُؤَدِّيكم إلَيْهِ.

8:29Page 180

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩

O you who have believed, if you fear Allāh, He will grant you a criterion1 and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allāh is the possessor of great bounty.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَكْرِيرُ الخِطابِ والوَصْفِ بِالإيمانِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِما بَعْدَهُ، والإيذانِ بِأنَّهُ مِمّا يَقْتَضِي الإيمانُ مُراعاتَهُ والمُحافَظَةَ عَلَيْهِ كَما في الخِطابَيْنِ السّابِقَيْنِ.

﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿فُرْقانًا﴾ هِدايَةً في قُلُوبِكُمْ، تُفَرِّقُونَ بِها بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، أوْ نَصْرًا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ بِإعْزازِ المُؤْمِنِينَ وإذْلالِ الكافِرِينَ، أوْ مَخْرَجًا مِنَ الشُّبُهاتِ، أوْ نَجاةً عَمّا تَحْذَرُونَ في الدّارَيْنِ، أوْ ظُهُورًا يُشْهِرُ أمْرَكم ويَنْشُرُ صِيتَكم مِن قَوْلِهِمْ: بِتُّ أفْعَلُ كَذا حَتّى سَطَعَ الفُرْقانُ، أيِ: الصُّبْحُ ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ: يَسْتُرْها ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذُنُوبَكم بِالعَفْوِ والتَّجاوُزِ عَنْها، وقِيلَ: السَّيِّئاتُ الصَّغائِرُ، والذُّنُوبُ الكَبائِرُ، وقِيلَ: المُرادُ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ؛ لِأنَّها في أهْلِ بَدْرٍ، وقَدْ غَفَرَهُما اللَّهُ تَعالى لَهم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم عَلى التَّقْوى تَفَضُّلٌ مِنهُ وإحْسانٌ، لا أنَّهُ مِمّا يُوجِبُهُ التَّقْوى، كَما إذا وعَدَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ إنْعامًا عَلى عَمَلٍ.

8:30Page 180

وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠

And [remember, O Muḥammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allāh plans. And Allāh is the best of planners.

﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ" ... إلَخْ، مَسُوقٌ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ الخاصَّةِ بِهِ ﷺ بَعْدَ تَذْكِيرِ النِّعْمَةِ العامَّةِ لِلْكُلِّ، أيْ: واذْكُرْ وقْتَ مَكْرِهِمْ بِكَ ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ بِالوَثاقِ - ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (لِيُقَيِّدُوكَ) - أوِ الإثْخانِ بِالجُرْحِ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ حَتّى أثْبَتَهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، وقُرِئَ (لِيُثَبِّتُوكَ) بِالتَّشْدِيدِ ولِيُبَيِّتُوكَ مِنَ البَياتِ ﴿أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: بِسُيُوفِهِمْ ﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَهُمُّ لَمّا سَمِعُوا بِإسْلامِ الأنْصارِ ومُبايَعَتِهِمْ لَهُ ﷺ فَرِقُوا واجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ يَتَشاوَرُونَ في أمْرِهِ ﷺ فَدَخَلَ إبْلِيسُ عَلَيْهِمْ في صُورَةِ شَيْخٍ، وقالَ: أنا مِن نَجْدٍ، سَمِعْتُ بِاجْتِماعِكم فَأرَدْتُ أنْ أحْضُرَكُمْ، ولَنْ تَعْدِمُوا مِنِّي رَأْيًا ونُصْحًا، فَقالَ أبُو البُحْتُرِيِّ: رَأْيِي أنْ تَحْبِسُوهُ في بَيْتٍ وتَسُدُّوا مَنافِذَهُ غَيْرَ كُوَّةٍ، تُلْقُونَ إلَيْهِ طَعامَهُ وشَرابَهُ مِنها حَتّى يَمُوتَ، فَقالَ الشَّيْخُ: بِئْسَ الرَّأْيُ يَأْتِيكم مَن يُقاتِلُكم مِن قَوْمِهِ، ويُخَلِّصُهُ مِن أيْدِيكُمْ، فَقالَ هِشامُ بْنُ عَمْرٍو: رَأْيِي أنْ تَحْمِلُوهُ عَلى جَمَلٍ وتُخْرِجُوهُ مِن أرْضِكم فَلا يَضُرُّكم ما صَنَعَ، فَقالَ: وبِئْسَ الرَّأْيُ يُفْسِدُ قَوْمًا غَيْرَكُمْ، ويُقاتِلُكم بِهِمْ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أنا أرى أنْ تَأْخُذُوا (p-19)مِن كُلِّ بَطْنٍ غُلامًا، وتُعْطُوهُ سَيْفًا فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةً واحِدَةً، فَيَتَفَرَّقَ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا يَقْوى بَنُو هاشِمٍ عَلى حَرْبِ قُرَيْشٍ كُلِّهِمْ، فَإذا طَلَبُوا العَقْلَ عَقَلْناهُ، فَقالَ: صَدَقَ هَذا الفَتى، فَتَفَرَّقُوا عَلى رَأْيِهِ، فَأتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأخْبَرَهُ بِالخَبَرِ، وأمَرَهُ بِالهِجْرَةِ، فَبَيَّتَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَلى مَضْجَعِهِ، وخَرَجَ هو مَعَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -إلى الغارِ.

﴿وَيَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَرُدُّ مَكْرَهم عَلَيْهِمْ، أوْ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، أوْ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الماكِرِينَ، وذَلِكَ بِأنْ أخْرَجَهم إلى بَدْرٍ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِهِمْ حَتّى حَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَلَقَوْا مِنهم ما لَقَوْا.

﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لا يَعْبَأُ بِمَكْرِهِمْ عِنْدَ مَكْرِهِ، وإسْنادُ أمْثالِ هَذا إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِمّا يُحْسِنُ لِلْمُشاكَلَةِ، ولا مَساغَ لَهُ ابْتِداءً لِما فِيهِ مِن إيهامِ ما لا يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ.

8:31Page 180

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣١

And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."

﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ الَّتِي حَقُّها أنْ يَخِرَّ لَها صُمُّ الجِبالِ ﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ قالَهُ اللَّعِينُ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ، وإسْنادُهُ إلى الكُلِّ لِما أنَّهُ كانَ رَئِيسَهم وقاضِيَهُمُ الَّذِي يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ ويَأْخُذُونَ بِرَأْيِهِ، وقِيلَ: قالَهُ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا في أمْرِهِ ﷺ في دارِ النَّدْوَةِ، وهَذا كَما تَرى غايَةُ المُكابَرَةِ ونِهايَةُ العِنادِ، كَيْفَ لا؟ ولَوِ اسْتَطاعُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَما الَّذِي كانَ يَمْنَعُهم مِنَ المَشِيئَةِ؟ وقَدْ تَحَدَّوْا عَشْرَ سِنِينَ، وقُرِعُوا عَلى العَجْزِ، وذاقُوا مِن ذَلِكَ الأمَرَّيْنِ، ثُمَّ قُورِعُوا بِالسَّيْفِ، فَلَمْ يُعارِضُوا بِما سِواهُ مَعَ أنَفَتِهِمْ وفَرْطِ اسْتِنْكافِهِمْ أنْ يُغْلَبُوا لاسِيَّما في بابِ البَيانِ ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما يَسْطُرُونَهُ مِنَ القَصَصِ.

8:32Page 180

وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٢

And [remember] when they said, "O Allāh, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."

﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا أيْضًا مِن أباطِيلِ ذَلِكَ اللَّعِينِ.

رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا قالَ: إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "وَيْلَكَ إنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى"،» فَقالَ ذَلِكَ، والمَعْنى: إنَّ القرآن إنْ كانَ حَقًّا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا الحِجارَةَ عُقُوبَةً عَلى إنْكارِنا، أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ سِواهُ، والمُرادُ مِنهُ التَّهَكُّمُ وإظْهارُ اليَقِينِ والجَزْمِ التّامِّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وحاشاهُ، وقُرِئَ (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ هو مُبْتَدَأٌ لا فَضْلٌ، وفائِدَةُ التَّعْرِيفِ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُعَلَّقَ بِهِ كَوْنُهُ حَقًّا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ ﷺ وهو تَنْزِيلُهُ لا الحَقُّ مُطْلَقًا لِتَجْوِيزِهِمْ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ غَيْرَ مُنَزَّلٍ كالأساطِيرِ.

8:33Page 180

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ٣٣

But Allāh would not punish them while you, [O Muḥammad], are among them, and Allāh would not punish them while they seek forgiveness.

﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ جَوابٌ لِكَلِمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ، وبَيانٌ لِلْمُوجِبِ لِإمْهالِهِمْ والتَّوَقُّفِ في إجابَةِ دُعائِهِمْ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَعْذِيبَهم عَذابَ اسْتِئْصالٍ - والنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ - خارِجٌ عَنْ عادَتِهِ تَعالى، غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ في حُكْمِهِ وقَضائِهِ، والمُرادُ بِاسْتِغْفارِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إمّا اسْتِغْفارُ مَن بَقِيَ مِنهم مَنِ المُؤْمِنِينَ، أوْ قَوْلُهُمُ: اللَّهُمَّ (p-20)اغْفِرْ، أوْ فَرْضُهُ عَلى مَعْنى لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَمْ يُعَذَّبُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾

8:34Page 181

وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٤

But why should Allāh not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al-Ḥarām and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.

﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ بَيانٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ بَعْدَ بَيانِ أنَّ المانِعَ لَيْسَ مِن قِبَلِهِمْ، أيْ: وما لَهم مِمّا يَمْنَعُ تَعْذِيبَهم مَتى زالَ ذَلِكَ، وكَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ؟ ﴿وَهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: وحالُهم ذَلِكَ، ومِن صَدِّهِمْ عِنْدَ إلْجاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الهِجْرَةِ وإحْصارِهِمْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿وَما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَصُدُّونَ، مُفِيدَةٌ لِكَمالِ قُبْحِ ما صَنَعُوا مِنَ الصَّدِّ، فَإنَّ مُباشَرَتَهم لِلصَّدِّ عَنْهُ مَعَ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِوِلايَةِ أمْرِهِ في غايَةِ القُبْحِ، وهو رَدٌّ لِما كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ والحَرَمِ، فَنَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِينَ لا يَعْبُدُونَ فِيهِ غَيْرَهُ تَعالى ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ لا وِلايَةَ لَهم عَلَيْهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يُعانِدُ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِأكْثَرِهِمْ كُلُّهُمْ، كَما يُرادُ بِالقِلَّةِ العَدَمُ.

8:35Page 181

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٥

And their prayer at the House [i.e., the Kaʿbah] was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved [i.e., practiced of deviations].

﴿وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ﴾ أيْ: دُعاؤُهُمْ، أوْ ما يُسَمُّونَهُ صَلاةً، أوْ ما يَضَعُونَ مَوْضِعَها ﴿إلا مُكاءً﴾ أيْ: صَفِيرًا، فُعالٌ مِن مَكا يَمْكُو إذا صَفَّرَ، وقُرِئَ بِالقَصْرِ كالبُكى ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ أيْ: تَصْفِيقًا تَفْعِلَةً مِنَ الصَّدى، أوْ مِنَ الصَّدِّ عَلى إبْدالِ أحَدِ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ بِالياءِ، وقُرِئَ (صَلاتَهُمْ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ الخَبَرُ لِـ(كانَ) ومَساقُ الكَلامِ لِتَقْرِيرِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، أوْ عَدَمِ وِلايَتِهِمْ لِلْمَسْجِدِ، فَإنَّها لا تَلِيقُ بِمَن هَذِهِ صَلاتُهُ.

رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ عُراةً، الرِّجالُ والنِّساءُ مُشَبِّكِينَ بَيْنَ أصابِعِهِمْ يُصَفِّرُونَ فِيها ويُصَفِّقُونَ، وقِيلَ: كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ، يَخْلِطُونَ عَلَيْهِ، ويَرَوْنَ أنَّهم يُصَلُّونَ أيْضًا.

﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيِ: القَتْلَ والأسْرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: عَذابَ الآخِرَةِ، واللّامُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، والمَعْهُودُ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ اعْتِقادًا وعَمَلًا.

8:36Page 181

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦

Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allāh. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ، يُطْعِمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ جُزُرٍ، أوْ في أبِي سُفْيانَ اسْتَأْجَرَ لِيَوْمِ أُحُدٍ ألْفَيْنِ سِوى مَنِ اسْتَجاشَ مِنَ العَرَبِ، وأنْفَقَ فِيهِمْ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، أوْ في أصْحابِ العِيرِ، فَإنَّهُ لَمّا أُصِيبَ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ قِيلَ لَهُمْ: أعِينُوا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِ مُحَمَّدٍ، لَعَلَّنا نُدْرِكُ ثَأْرَنا مِنهُ فَفَعَلُوا، والمُرادُ بِسَبِيلِ اللَّهِ: دِينُهُ واتِّباعُ رَسُولِهِ.

﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾ بِتَمامِها، ولَعَلَّ الأوَّلَ إخْبارٌ عَنْ إنْفاقِهِمْ في تِلْكَ الحالِ وهو إنْفاقُ يَوْمِ بَدْرٍ، والثّانِي إخْبارٌ عَنْ إنْفاقِهِمْ فِيما يُسْتَقْبَلُ، وهو إنْفاقُ يَوْمِ أُحُدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِما واحِدٌ عَلى أنَّ مَساقَ الأوَّلِ لِبَيانِ الغَرَضِ مِنَ الإنْفاقِ، ومَساقَ الثّانِي لِبَيانِ عاقِبَتِهِ وأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ.

﴿ثُمَّ (p-21)تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ نَدَمًا وغَمًّا لِفَواتِها مِن غَيْرِ حُصُولِ المَقْصُودِ، جَعَلَ ذاتَها حَسْرَةً - وهي عاقِبَةُ إنْفاقِها – مُبالَغَةً ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ آخِرَ الأمْرِ، وإنْ كانَ الحَرْبُ بَيْنَهم سِجالًا قَبْلَ ذَلِكَ.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: تُمُّوا عَلى الكُفْرِ وأصَرُّوا عَلَيْهِ ﴿إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ أيْ: يُساقُونَ، لا إلى غَيْرِها.

8:37Page 181

لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٣٧

[It is] so that Allāh may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.

﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أيِ: الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، أوِ الفَسادَ مِنَ الصَّلاحِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُحْشَرُونَ، أوْ بِيُغْلَبُونَ، أوْ ما أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ في عَداوَتِهِ ﷺ مِمّا أنْفَقَهُ المُسْلِمُونَ في نُصْرَتِهِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ "ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً"، وقُرِئَ (لِيُمَيِّزَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ أيْ: يَضُمُّ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، حَتّى يَتَراكَمُوا لِفَرْطِ ازْدِحامِهِمْ فَيَجْمَعُهُ، أوْ يَضُمُّ إلى الكافِرِ ما أنْفَقَهُ لِيَزِيدَ بِهِ عَذابَهُ كَما لِلْكافِرِينَ ﴿فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾ كُلَّهُ.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الخَبِيثِ؛ إذْ هو عِبارَةٌ عَنِ الفَرِيقِ، أوْ إلى المُنْفِقِينَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في الخُبْثِ ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ؛ لِأنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم وأمْوالَهم.

8:38Page 181

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨

Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.1

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، أيْ: قُلْ لِأجَلِّهِمْ ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ عَمّا هم فِيهِ مِن مُعاداةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ، وقُرِئَ (إنْ تَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَكُمْ) و(يَغْفِرْ لَكُمْ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ تَعالى ﴿وَإنْ يَعُودُوا﴾ إلى قِتالِهِمْ ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِالتَّدْبِيرِ، كَما جَرى عَلى أهْلِ بَدْرٍ، فَلْيَتَوَقَّعُوا مِثْلَ ذَلِكَ.

8:39Page 181

وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣٩

And fight against them until there is no fitnah1 and [until] the religion [i.e., worship], all of it, is for Allāh.2 And if they cease - then indeed, Allāh is Seeing of what they do.

﴿وَقاتِلُوهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قُلْ، وقَدْ عُمِّمَ الخِطابُ لِزِيادَةِ تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في القِتالِ لِتَحْقِيقِ ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ) مِنَ الوَعِيدِ ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: لا يُوجَدَ مِنهم شِرْكٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وتَضْمَحِلَّ الأدْيانُ الباطِلَةُ إمّا بِإهْلاكِ أهْلِها جَمِيعًا، أوْ بِرُجُوعِهِمْ عَنْها خَشْيَةَ القَتْلِ.

﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ عَنِ الكُفْرِ بِقِتالِكم ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلى انْتِهائِهِمْ عَنْهُ وإسْلامِهِمْ، وقُرِئَ بِتاءِ الخِطابِ، أيْ: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الجِهادِ المُخْرِجِ لَهم إلى الإسْلامِ، وتَعْلِيقُهُ بِانْتِهائِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يُثابُونَ بِالسَّبَبِيَّةِ، كَما يُثابُ المُباشِرُونَ بِالمُباشِرَةِ.

8:40Page 181

وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٤٠

But if they turn away - then know that Allāh is your protector. Excellent is the protector, and excellent is the helper.

﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ ولَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ ناصِرُكُمْ، فَثِقُوا بِهِ ولا تُبالُوا بِمُعاداتِهِمْ ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ لا يُضَيِّعُ مَن تَوَلّاهُ ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لا يُغْلَبُ مَن نَصَرَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском