Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:41–52
8:41Page 182
۞ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤١
And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allāh is one fifth of it and for the Messenger1 and for [his] near relatives2 and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler,3 if you have believed in Allāh and in that which We sent down to Our Servant4 on the day of criterion [i.e., decisive encounter] - the day when the two armies met [at Badr]. And Allāh, over all things, is competent.
(p-22)﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ بِبَدْرٍ، وقالَ الواقِدِيُّ: كانَ الخُمُسُ في غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقاعَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وثَلاثَةِ أيّامٍ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ عَلى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ، وما مَوْصُولَةٌ، وعائِدُها مَحْذُوفٌ أيِ: الَّذِي أصَبْتُمُوهُ مِنَ الكُفّارِ عَنْوَةً، وأصْلُ الغَنِيمَةِ إصابَةُ الغَنَمِ مِنَ العَدُوِّ، ثُمَّ اتُّسِعَ وأُطْلِقَ عَلى ما أُصِيبَ مِنهم كائِنًا ما كانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن عائِدِ المَوْصُولِ، قُصِدَ بِهِ الِاعْتِناءُ بِشَأْنِ الغَنِيمَةِ، وأنْ لا يَشِذَّ عَنْها شَيْءٌ، أيْ: ما غَنِمْتُمُوهُ كائِنًا مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ حَتّى الخَيْطُ والمَخِيطُ خَلا أنَّ سَلَبَ المَقْتُولِ لِلْقاتِلِ إذا نَفَّلَهُ الإمامُ، وأنَّ الأُسارى يُخَيَّرُ فِيها الإمامُ، وكَذا الأراضِي المَغْنُومَةُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَحَقٌّ أوْ واجِبٌ أنَّ لَهُ تَعالى خُمُسَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ "لِأنَّما"... إلَخْ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ، والأوَّلُ آكَدُ وأقْوى في الإيجابِ لِما فِيهِ مِن تَكَرُّرِ الإسْنادِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا بُدَّ مِن ثَباتِ الخُمُسِ ولا سَبِيلَ إلى الإخْلالِ بِهِ، وقُرِئَ (فَلِلَّهِ خُمُسُهُ)، وقُرِئَ (خُمْسَهُ) بِسُكُونِ المِيمِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى لِلتَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ وأنَّ المُرادَ قِسْمَةُ الخُمُسِ عَلى المَعْطُوفِينَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ وإعادَةُ اللّامِ في ذِي القُرْبى - دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ - لِدَفْعِ تَوَهُّمِ اشْتِراكِهِمْ في سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَزِيدِ اتِّصالِهِمْ بِهِ ﷺ وهم بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ، دُونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وبَنِي نَوْفَلٍ، لِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ، وجُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُما قالا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَؤُلاءِ إخْوَتُكَ بَنُو هاشِمٍ، لا نُنْكِرُ فَضْلَهم لِمَكانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللَّهُ مِنهُمْ، أرَأيْتَ إخْوانَنا بَنِي المُطَّلِبِ؟ أعْطَيْتَهم وحَرَمْتَنا، وإنَّما نَحْنُ وهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، فَقالَ ﷺ: ««إنَّهم لَمْ يُفارِقُونا في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ، إنَّما بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ واحِدٌ، وشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ»» وكَيْفِيَّةُ قِسْمَتِها عِنْدَنا، أنَّها كانَتْ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ ﷺ وسَهْمٌ لِلْمَذْكُورِينَ مِن ذَوِي قُرْباهُ، وثَلاثَةُ أسْهُمٍ لِلْأصْنافِ الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ، وأمّا بَعْدَهُ ﷺ فَسَهْمُهُ ساقِطٌ، وكَذا سَهْمُ ذَوِي القُرْبى، وإنَّما يُعْطَوْنَ لِفَقْرِهِمْ، فَهم أُسْوَةٌ لِسائِرِ الفُقَراءِ، ولا يُعْطى أغْنِياؤُهُمْ، فَيُقَسَّمُ عَلى الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ مَنَعَ بَنِي هاشِمٍ الخُمُسَ، وقالَ: إنَّما لَكم أنْ يُعْطى فَقِيرُكُمْ، وتُزَوَّجَ أيِّمُكُمْ، ويُخْدَمَ مَن لا خادِمَ لَهُ مِنكُمْ، ومَن عَداهم فَهو بِمَنزِلَةِ ابْنِ السَّبِيلِ الغَنِيِّ، لا يُعْطى مِنَ الصَّدَقَةِ شَيْئًا.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ مِثْلُهُ، قالَ: لَيْسَ لَنا أنْ نَبْنِيَ مِنهُ قُصُورًا، ولا نَرْكَبَ مِنهُ البَراذِينَ، وقِيلَ: سَهْمُ الرَّسُولِ ﷺ لِوَلِيِّ الأمْرِ بَعْدَهُ.
وَأمّا عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَيُقَسَّمُ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ: سَهْمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصْرَفُ إلى ما كانَ يَصْرِفُهُ ﷺ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ، كَعُدَّةِ الغُزاةِ مِنَ الكُراعِ والسِّلاحِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى مِن أغْنِيائِهِمْ وفُقَرائِهِمْ، يُقَسَّمُ بَيْنَهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، والباقِي لِلْفِرَقِ الثَّلاثِ.
(p-23)وَعِنْدَ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأمْرُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اجْتِهادِ الإمامِ، إنْ رَأى قَسَّمَهُ بَيْنَ هَؤُلاءِ، وإنْ رَأى أعْطاهُ بَعْضًا مِنهم دُونَ بَعْضٍ، وإنْ رَأى غَيْرَهم أوْلى وأهَمَّ فَغَيْرُهم.
وَتَعَلَّقَ أبُو العالِيَةِ بِظاهِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَقالَ: يُقَسَّمُ سِتَّةَ أسْهُمٍ، ويُصْرَفُ سَهْمُ اللَّهِ تَعالى إلى رِتاجِ الكَعْبَةِ، لِما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ، كانَ يَأْخُذُ مِنهُ قَبْضَةً فَيَجْعَلُها لِمَصالِحِ الكَعْبَةِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ ما بَقِيَ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، وقِيلَ: سَهْمُ اللَّهِ لِبَيْتِ المالِ، وقِيلَ: هو مَضْمُومٌ إلى سَهْمِ الرَّسُولِ ﷺ هَذا شَأْنُ الخُمُسِ، وأمّا الأخْماسُ الأرْبَعَةُ فَتُقَسَّمُ بَيْنَ الغانِمِينَ، لِلرّاجِلِ سَهْمٌ ولِلْفارِسِ سَهْمانِ - عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وثَلاثَةُ أسْهُمٍ عِنْدَهُما رَحِمَهُما اللَّهُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ الخُمُسِ وسَكَتَ عَنِ الباقِي دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مِلْكٌ لِلْغانِمِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ المَذْكُورُ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِهِ تَعالى فاعْلَمُوا أنَّ الخُمُسَ مِنَ الغَنِيمَةِ يَجِبُ التَّقَرُّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فاقْطَعُوا أطْماعَكم مِنهُ، واقْتَنَعُوا بِالأخْماسِ الأرْبَعَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُجَرَّدَ العِلْمِ بِذَلِكَ، بَلِ العِلْمَ المَشْفُوعَ بِالعَمَلِ والطّاعَةِ لِأمْرِهِ تَعالى ﴿وَما أنْزَلْنا﴾ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وبِما أنْزَلْناهُ ﴿عَلى عَبْدِنا﴾ وقُرِئَ (عُبُدِنا) وهو اسْمُ جَمْعٍ، أُرِيدَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ، فَإنَّ بَعْضَ ما نَزَلَ نازِلٌ عَلَيْهِمْ بِالذّاتِ كَما سَتَعْرِفُهُ ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ، سُمِّيَ بِهِ لِفَرْقِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وهو مَنصُوبٌ بِأنْزَلْنا أوْ بِآمَنتُمْ ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ أيِ: الفَرِيقانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وهو بَدَلٌ مِن (يَوْمَ الفَرْقانِ) أوْ مَنصُوبٌ بِالفُرْقانِ، والمُرادُ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ مِنَ الوَحْيِ والمَلائِكَةِ والفَتْحِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالإنْزالِ مُجَرَّدُ الإيصالِ والتَّيْسِيرِ، فَيَنْتَظِمُ الكُلُّ انْتِظامًا حَقِيقِيًّا، وجُعِلَ الإيمانُ بِإنْزالِ هَذِهِ الأشْياءِ مِن مُوجِباتِ العِلْمِ بِكَوْنِ الخُمُسِ لِلَّهِ تَعالى عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن حَيْثُ إنَّ الوَحْيَ ناطِقٌ بِذَلِكَ، وإنَّ المَلائِكَةَ والفَتْحَ لَمّا كانا مِن جِهَتِهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ ما حَصَلَ بِسَبَبِهِما مِنَ الغَنِيمَةِ مَصْرُوفَةً إلى الجِهاتِ الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَقْدِرُ عَلى نَصْرِ القَلِيلِ عَلى الكَثِيرِ، والذَّلِيلِ عَلى العَزِيزِ، كَما فَعَلَ بِكم ذَلِكَ اليَوْمَ.
8:42Page 182
إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ٤٢
[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allāh might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ بَدَلٌ ثانٍ مِن (يَوْمَ الفَرْقانِ)، والعُدْوَةُ – بِالضَّمِّ - شَطُّ الوادِي، وكَذا بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما أيْضًا ﴿وَهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى﴾ أيِ: البُعْدى مِنَ المَدِينَةِ، وهي تَأْنِيثُ الأقْصى، وكانَ القِياسُ قَلْبَ الواوِ ياءً كالدُّنْيا والعُلْيا مَعَ كَوْنِهِما مِن بَناتِ الواوِ، لَكِنَّها جاءَتْ عَلى الأصْلِ كالقَوَدِ واسْتُصْوِبَ، وهو أكْثَرُ اسْتِعْمالًا مِنَ القُصْيا ﴿والرَّكْبُ﴾ أيِ: العِيرُ أوْ قُوّادُها ﴿أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أيْ: في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِكُمْ، يَعْنِي السّاحِلَ، وهو نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ واقِعٌ مَوْقِعَ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الظَّرْفِ قَبْلَهُ، وفائِدَتُها الدَّلالَةُ عَلى قُوَّةِ العَدُوِّ واسْتِظْهارِهِمْ بِالرَّكْبِ، وحِرْصِهِمْ عَلى المُقاتَلَةِ عَنْها، وتَوْطِينِ نُفُوسِهِمْ عَلى أنْ لا يُخْلُوا مَراكِزَهُمْ، ويَبْذُلُوا مُنْتَهى جُهْدِهِمْ، وضَعْفِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ والتِياثِ أمْرِهِمْ، واسْتِبْعادِ غَلَبَتِهِمْ عادَةً، وكَذا ذِكْرُ مَراكِزِ الفَرِيقَيْنِ، فَإنَّ العُدْوَةَ الدُّنْيا كانَتْ (p-24)رِخْوَةً تَسُوخُ فِيها الأرْجُلُ، ولا يُمْشى فِيها إلّا بِتَعَبٍ، ولَمْ يَكُنْ فِيها ماءٌ بِخِلافِ العُدْوَةِ القُصْوى، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ أيْ: لَوْ تَواعَدْتُمْ أنْتُمْ وهُمُ القِتالَ، ثُمَّ عَلِمْتُمْ حالَكم وحالَهُمْ، لاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ في المِيعادِ هَيْبَةً مِنهم ويَأْسًا مِنَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ، لِيَتَحَقَّقُوا أنَّ ما اتَّفَقَ لَهم مِنَ الفَتْحِ لَيْسَ إلّا صُنْعًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - خارِقًا لِلْعاداتِ، فَيَزْدادُوا إيمانًا وشُكْرًا، وتَطْمَئِنَّ نُفُوسُهم بِفَرْضِ الخُمُسِ ﴿وَلَكِنْ﴾ جَمَعَ بَيْنَكم عَلى هَذِهِ الحالِ مِن غَيْرِ مِيعادٍ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ حَقِيقًا بِأنْ يُفْعَلَ مِن نَصْرِ أوْلِيائِهِ وقَهْرِ أعْدائِهِ، أوْ مُقَدَّرًا في الأزَلِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَفْعُولًا، أيْ: لِيَمُوتَ مَن يَمُوتُ عَنْ بَيِّنَةٍ عايَنَها، ويَعِيشَ مَن يَعِيشُ عَنْ بَيِّنَةٍ شاهَدَها، لِئَلّا يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ ومَعْذِرَةٌ، فَإنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ مِنَ الآياتِ الواضِحَةِ، أوْ لِيَصْدُرَ كُفْرُ مَن كَفَرَ وإيمانُ مَن آمَنَ عَنْ وُضُوحِ بَيِّنَةٍ، عَلى اسْتِعارَةِ الهَلاكِ والحَياةِ لِلْكُفْرِ والإيمانِ، والمُرادُ بِـ"مَن هَلَكَ" و"مَن حَيَّ" المَشارِفُ لِلْهَلاكِ والحَياةِ، أوْ مَن حالُهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى الهَلاكُ والحَياةُ، وقُرِئَ (لَيَهْلَكُ) بِالفَتْحِ (وَحَيِيَ) بِفَكِّ الإدْغامِ حَمْلًا عَلى المُسْتَقْبَلِ.
﴿وَإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِكُفْرِ مَن كَفَرَ وعِقابِهِ، وإيمانِ مَن آمَنَ وثَوابِهِ، ولَعَلَّ الجَمْعَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِاشْتِمالِ الأمْرَيْنِ عَلى القَوْلِ والِاعْتِقادِ.
8:43Page 182
إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤٣
[Remember, O Muḥammad], when Allāh showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allāh saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ مَنصُوبٌ بِـ"اذْكُرْ"، أوْ بَدَلٌ آخَرُ مِن (يَوْمَ الفَرْقانِ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ(عَلِيمٌ)، أيْ: يَعْلَمُ المَصالِحَ إذْ يُقَلِّلُهم في عَيْنِكَ في رُؤْياكَ، وهو أنْ تُخْبِرَ بِهِ أصْحابَكَ فَيَكُونَ تَثْبِيتًا لَهم وتَشْجِيعًا عَلى عَدُوِّهِمْ.
﴿وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ أيْ: لَجَبُنْتُمْ وهِبْتُمُ الإقْدامَ ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ أيْ: أمْرِ القِتالِ، وتَفَرَّقَتْ آراؤُكم في الثَّباتِ والفِرارِ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ: أنْعَمَ بِالسَّلامَةِ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ فِيها مِنَ الجَراءَةِ، والجُبْنِ، والصَّبْرِ، والجَزَعِ، ولِذَلِكَ دَبَّرَ ما دَبَّرَ.
8:44Page 182
وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ لِيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗاۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤٤
And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allāh might accomplish a matter already destined. And to Allāh are [all] matters returned.
﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ الكُلُّ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ والتَّعْمِيمِ، مَعْطُوفٍ عَلى المُضْمَرِ السّابِقِ، والضَّمِيرانِ مَفْعُولا (يُرِي) و(قَلِيلًا) حالٌ مِنَ الثّانِي، وإنَّما قَلَّلَهم في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَن إلى جَنْبِهِ: أتَراهم سَبْعِينَ؟ فَقالَ: أراهم مِائَةً؛ تَثْبِيتًا لَهُمْ، وتَصْدِيقًا لِرُؤْيا الرَّسُولِ ﷺ.
﴿وَيُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ حَتّى قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّما أصْحابُ مُحَمَّدٍ أكَلَةُ جَزُورٍ، قَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ قَبْلَ التِحامِ القِتالِ؛ لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ ولا يَسْتَعِدُّوا لَهُمْ، ثُمَّ كَثَّرَهم حَتّى رَأوْهم مِثْلَيْهِمْ؛ لِتُفاجِئَهُمُ الكَثْرَةُ، فَيُبْهَتُوا ويَهابُوا، وهَذِهِ مِن عَظائِمِ آياتِ تِلْكَ الوَقْعَةِ، فَإنَّ البَصَرَ قَدْ يَرى الكَثِيرَ قَلِيلًا والقَلِيلَ كَثِيرًا، لَكِنْ لا عَلى هَذا الوَجْهِ ولا إلى هَذا الحَدِّ، وإنَّما ذَلِكَ بِصَدِّ اللَّهِ تَعالى الأبْصارَ عَنْ إبْصارِ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مَعَ التَّساوِي (p-25)فِي الشَّرائِطِ.
﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ كُرِّرَ لِاخْتِلافِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالأمْرِ ثَمَّةَ الِالتِقاءُ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، وهَهُنا إعْزازُ الإسْلامِ وأهْلِهِ، وإذْلالُ الكُفْرِ وحِزْبِهِ ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها، يُصَرِّفُها كَيْفَما يُرِيدُ لا رادَّ لِأمْرِهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وهو الحَكِيمُ المَجِيدُ.
8:45Page 182
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥
O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allāh much that you may be successful.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صُدِّرَ الخِطابُ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ؛ إظْهارًا لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ ما بَعْدَهُ ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ أيْ: حارَبْتُمْ جَماعَةً مِنَ الكَفَرَةِ، وإنَّما لَمْ يُوصَفُوا بِالكُفْرِ لِظُهُورِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يُحارِبُونَ إلّا الكَفَرَةَ، واللِّقاءُ مِمّا غَلَبَ في القِتالِ ﴿فاثْبُتُوا﴾ أيْ: لِلِقائِهِمْ في مَواطِنِ الحَرْبِ ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أيْ: في تَضاعِيفِ القِتالِ، مُسْتَمِدِّينَ مِنهُ، مُسْتَعِينِينَ بِهِ، مُسْتَظْهِرِينَ بِذِكْرِهِ، مُتَرَقِّبِينَ لِنَصْرِهِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: تَفُوزُونَ بِمَرامِكُمْ، وتَظْفَرُونَ بِمُرادِكم مِنَ النُّصْرَةِ والمَثُوبَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَشْغَلَهُ شَيْءٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وأنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدائِدِ، ويُقْبِلَ إلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ فارِغَ البالِ، واثِقًا بِأنَّ لُطْفَهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ.
8:46Page 183
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦
And obey Allāh and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allāh is with the patient.
﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ ما أُمِرُوا بِهِ هَهُنا انْدِراجًا أوَّلِيًّا ﴿وَلا تَنازَعُوا﴾ بِاخْتِلافِ الآراءِ، كَما فَعَلْتُمْ بِبَدْرٍ أوْ أُحُدٍ ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلَيْهِ ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ، عَطْفٌ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِ "فَتَفْشَلُوا" عَلى النَّهْيِ، أيْ: تَذْهَبَ دَوْلَتُكم وشَوْكَتُكُمْ، فَإنَّها مُسْتَعارَةٌ لِلدَّوْلَةِ مِن حَيْثُ إنَّها في تَمَشِّي أمْرِها ونَفاذِهِ مُشَبَّهَةٌ بِها في هُبُوبِها وجَرَيانِها، وقِيلَ: المُرادُ بِها الحَقِيقَةُ، فَإنَّ النُّصْرَةَ لا تَكُونُ إلّا بِرِيحٍ يَبْعَثُها اللَّهُ تَعالى، وفي الحَدِيثِ: ««نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ».»
﴿واصْبِرُوا﴾ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بِالنُّصْرَةِ والكَلاءَةِ، وما يُفْهَمُ مِن كَلِمَةِ (مَعَ) مِن أصالِتِهِمْ إنَّما هي مِن حَيْثُ إنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلصَّبْرِ، فَهم مُتَّبِعُونَ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، ومَعِيَّتُهُ تَعالى إنَّما هي مِن حَيْثُ الإمْدادُ والإعانَةُ.
8:47Page 183
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧
And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allāh. And Allāh is encompassing1 of what they do.
﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ بَعْدَما أُمِرُوا بِما أُمِرُوا بِهِ مِن أحاسِنِ الأعْمالِ، ونُهُوا عَمّا يُقابِلُها مِن قَبائِحِها، والمُرادُ بِهِمْ أهْلُ مَكَّةَ حِينَ خَرَجُوا لِحِمايَةِ العِيرِ ﴿بَطَرًا﴾ أيْ: فَخْرًا وأشَرًا ﴿وَرِئاءَ النّاسِ﴾ لِيُثْنُوا عَلَيْهِمْ بِالشَّجاعَةِ والسَّماحَةِ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا بَلَغُوا جُحْفَةَ أتاهم رَسُولُ أبِي سُفْيانَ، وقالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سَلِمَتْ عِيرُكُمْ، فَأبَوْا إلّا إظْهارَ آثارِ الجِلادَةِ، فَلَقَوْا ما لَقَوْا حَسْبَما ذُكِرَ في أوائِلِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، فَنُهِيَ المُؤْمِنُونَ أنْ يَكُونُوا أمْثالَهم مُرائِينَ بَطِرِينَ، وأُمِرُوا بِالتَّقْوى والإخْلاصِ مِن حَيْثُ إنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْأمْرِ بِضِدِّهِ.
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى (p-26)بَطَرًا، إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، وكَذا إنْ جُعِلَ مَفْعُولًا لَهُ، لَكِنْ عَلى تَأْوِيلِ المَصْدَرِ ﴿واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
8:48Page 183
وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤٨
And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed, I fear Allāh. And Allāh is severe in penalty."
﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، أيْ: واذْكُرْ وقْتَ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ أعْمالَهم في مُعاداةِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِها بِأنْ وسْوَسَ إلَيْهِمْ ﴿وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمُ﴾ أيْ: ألْقى في رُوعِهِمْ، وخَيَّلَ إلَيْهِمْ أنَّهم لا يُغْلَبُونَ، ولا يُطاقُونَ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وأوْهَمَهم أنَّ اتِّباعَهم إيّاهُ - فِيما يَظُنُّونَ أنَّها قُرُباتٌ - مُجِيرٌ لَهُمْ، حَتّى قالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ إحْدى الفِئَتَيْنِ، وأفْضَلَ الدِّينَيْنِ، و(لَكُمْ) خَبَرُ (لا غالِبَ) أوْ صِفَتُهُ، ولَيْسَ صِلَتَهُ وإلّا لانْتَصَبَ، كَقَوْلِكَ لا ضارِبًا زَيْدًا عِنْدَنا.
﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ أيْ: تَلاقى الفَرِيقانِ ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ رَجَعَ القَهْقَرى، أيْ: بَطَلَ كَيْدُهُ، وعادَ ما خُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ مُجِيرُهم سَبَبًا لِهَلاكِهِمْ ﴿وَقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ أيْ: تَبَرَّأ مِنهُمْ، وخافَ عَلَيْهِمْ، ويَئِسَ مِن حالِهِمْ لَمّا رَأى إمْدادَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُسْلِمِينَ بِالمَلائِكَةِ، وقِيلَ: لَمّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ عَلى المَسِيرِ ذَكَرَتْ ما بَيْنَهم وبَيْنَ كِنانَةَ مِنَ الإحْنَةِ، فَكادَ ذَلِكَ يَثْنِيهِمْ، فَتَمَثَّلَ لَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ الكِنانِيِّ، وقالَ: لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ، وإنِّي مُجِيرُكم مِن كِنانَةَ، فَلَمّا رَأى المَلائِكَةَ تَنْزِلُ نَكَصَ، وكانَ يَدُهُ في يَدِ الحَرْثِ بْنِ هِشامٍ فَقالَ لَهُ: إلى أيْنَ أتَخْذِلُنا في هَذِهِ الحالَةِ؟ فَقالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، ودَفَعَ في صَدْرِ الحَرْثِ وانْطَلَقَ، فانْهَزَمُوا، فَلَمّا بَلَغُوا مَكَّةَ، قالُوا: هَزَمَ النّاسَ سُراقَةُ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: واللَّهِ ما شَعَرْتُ بِمَسِيرِكم حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكُمْ، فَلَمّا أسْلَمُوا عَلِمُوا أنَّهُ الشَّيْطانُ، وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ "إنِّي أخافُ اللَّهَ" أخافُهُ أنْ يُصِيبَنِي بِمَكْرُوهٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ يُهْلِكَنِي، ويَكُونَ الوَقْتُ هو الوَقْتَ المَوْعُودَ، إذْ رَأى فِيهِ ما لَمْ يَرَهُ قَبْلَهُ، والأوَّلُ ما قالَهُ الحَسَنُ، واخْتارَهُ ابْنُ بَحْرٍ ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ، أوْ مُسْتَأْنَفًا مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
8:49Page 183
إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩
[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease [i.e., arrogance and disbelief] said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allāh - then indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ مَنصُوبٌ بِـ(زَيَّنَ)، أوْ بِـ"نَكَصَ" أوْ بِشَدِيدِ العِقابِ ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيِ: الَّذِينَ لَمْ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُهم بِالإيمانِ بَعْدُ، وبَقِيَ فِيها نَوْعُ شُبْهَةٍ، وقِيلَ: هُمُ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ في المَدِينَةِ، والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ كَما في قَوْلِهِ:
؎ يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الـ صابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
﴿غَرَّ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنُونَ المُؤْمِنِينَ ﴿دِينُهُمْ﴾ حَتّى تَعَرَّضُوا لِما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، فَخَرَجُوا وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ إلى زُهاءِ ألْفٍ ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ جَوابٌ لَهم مِن جِهَتِهِ تَعالى ورَدٌّ لِمَقالَتِهِمْ ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُذِلُّ مِن تَوَكَّلَ (p-27)عَلَيْهِ واسْتَجارَ بِهِ، وإنْ قَلَّ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَفْعَلُ بِحِكْمَتِهِ البالِغَةِ ما تَسْتَبْعِدُهُ العُقُولُ، وتَحارُ في فَهْمِهِ ألْبابُ الفُحُولِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ.
8:50Page 183
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٥٠
And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved...1 They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.
﴿وَلَوْ تَرى﴾ أيْ: ولَوْ رَأيْتَ، فَإنَّ لَوِ الِامْتِناعِيَّةَ تَرُدُّ المُضارِعَ ماضِيًا، كَما أنَّ (إنْ) تَرُدُّ الماضِيَ مُضارِعًا، والخِطابُ إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ وكَلِمَةُ "إذْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يَتَوَفي الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ ظَرْفٌ لِـ(تَرى) والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ولَوْ تَرى الكَفَرَةَ، أوْ حالَ الكَفَرَةِ، حِينَ يَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ بِبَدْرٍ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وقِيلَ: الفاعِلُ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمَلائِكَةُ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، قَدِ اسْتُغْنِيَ فِيها بِالضَّمِيرِ عَنِ الواوِ، وهو عَلى الأوَّلِ حالٌ مِنهُ، أوْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنهُما لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرَيْهِما.
﴿وَأدْبارَهُمْ﴾ أيْ: وأسْتاهَهُمْ، أوْ ما أقْبَلَ مِنهم وما أدْبَرَ مِنَ الأعْضاءِ ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ مَعْطُوفًا عَلى (يَضْرِبُونَ)، أوْ حالًا مِن فاعِلِهِ، أيْ: ويَقُولُونَ أوْ قائِلِينَ: ذُوقُوا؛ بِشارَةً لَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: كانَتْ مَعَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ كُلَّما ضَرَبُوا التَهَبَتِ النّارُ مِنها، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِلْإيذانِ بِخُرُوجِهِ عَنْ حُدُودِ البَيانِ، أيْ: لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا لا يَكادُ يُوصَفُ.
8:51Page 183
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٥١
That is for what your hands have put forth [of evil] and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الضَّرْبِ والعَذابِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِهِما في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الضَّرْبُ والعَذابُ واقِعٌ بِسَبَبِ ما كَسَبْتُمْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ومَحَلُّ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مَن قِبَلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّ تَعْذِيبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ قَطْعًا - عَلى ما تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًا بالِغًا - قَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى ما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّتَهُ مُقَيَّدَةٌ بِانْضِمامِهِ إلَيْهِ - إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ - فَلَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِما أنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ - بَلْ وُقُوعُهُ - لا يُنافِي كَوْنَ تَعْذِيبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُعَيَّنَةِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ حَتّى يُحْتاجَ إلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ مَعَهُ، نَعَمْ لَوْ كانَ المُدَّعى كَوْنَ جَمِيعِ تَعْذِيباتِهِ تَعالى بِسَبَبِ ذُنُوبِ المُعَذَّبِينَ لاحْتِيجَ إلى ذَلِكَ.
8:52Page 183
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٥٢
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They disbelieved in the signs of Allāh, so Allāh seized them for their sins. Indeed, Allāh is Powerful and severe in penalty.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ لا بِشَيْءٍ آخَرَ مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ، بِتَشْبِيهِ حالِهِمْ بِحالِ (p-28)المَعْرُوفِينَ بِالإهْلاكِ بِسَبَبِ جَرائِمِهِمْ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُطَّرِدَةٌ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، أيْ: شَأْنُهُمُ الَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ مِمّا فَعَلُوا وفُعِلَ بِهِمْ مِنَ الأخْذِ "كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ" المَشْهُورِينَ بِقَباحَةِ الأعْمالِ وفَظاعَةِ العَذابِ والنَّكالِ.
﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي فَعَلُوا مِنَ المَعاصِي ما فَعَلُوا ولَقَوْا مِنَ العِقابِ ما لَقَوْا، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وأضْرابِهِمْ مِن أهْلِ الكُفْرِ والعِنادِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلُوهُ، لا لِدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ونَحْوِهِمْ - كَما قِيلَ - فَإنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنهُ بِقَضِيَّةِ التَّشْبِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فُعِلَ بِهِمْ، والفاءُ لِبَيانِ كَوْنِهِ مِن لَوازِمِ جِناياتِهِمْ وتَبِعاتِها المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ الفاءُ مِنَ السَّبَبِيَّةِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ لَهم مَعَ كُفْرِهِمْ ذُنُوبًا أُخَرَ لَها دَخْلٌ في اسْتِتْباعِ العِقابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ "بِذُنُوبِهِمْ" مَعاصِيَهُمُ المُتَفَرِّعَةَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَتَكُونُ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: فَأخَذَهم مُلْتَبِسِينَ بِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْها، فَدَأْبُهم مَجْمُوعُ ما فَعَلُوا وفُعِلَ بِهِمْ لا ما فَعَلُوهُ فَقَطْ، كَما قِيلَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنْ آلَ فِرْعَوْنَ أيْقَنُوا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيُّ اللَّهِ، فَكَذَّبُوهُ كَذَلِكَ هَؤُلاءِ، جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالصِّدْقِ فَكَذَّبُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ عُقُوبَتَهُ، كَما أنْزَلَ بِآلِ فِرْعَوْنَ، وجَعْلُ العَذابِ مِن جُمْلَةِ دَأْبِهِمْ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُتَصَوَّرُ مُداوَمَتُهم عَلَيْهِ واعْتِيادُهم إيّاهُ - كَما هو المُعْتَبَرُ في مَدْلُولِ الدَّأْبِ - إمّا لِتَغْلِيبِ ما فَعَلُوهُ عَلى ما فُعِلَ بِهِمْ، أوْ لِتَنْزِيلِ مُداوَمَتِهِمْ عَلى ما يُوجِبُهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي مَنزِلَةَ مُداوَمَتِهِمْ عَلَيْهِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ التّامَّةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِنَ الأخْذِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences