Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:66–75
8:66Page 185
ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٦٦
Now, Allāh has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allāh. And Allāh is with the steadfast.
(p-35)﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ لَمّا كانَ الوَعْدُ السّابِقُ مُتَضَمِّنًا لِإيجابِ مُقاوَمَةِ الواحِدِ لِلْعِشَرَةِ، وثَباتِهِ لَهم - كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ - أنَّهُ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرُّوا، ويَثْبُتَ الواحِدُ لِلْعَشَرَةِ، وقَدْ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةَ في ثَلاثِينَ راكِبًا، فَلَقِيَ أبا جَهْلٍ في ثَلاثِمِائَةِ راكِبٍ، فَهَزَمَهُمْ، ثَقُلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وضَجُّوا مِنهُ بَعْدَ مُدَّةٍ، فَنُسِخَ، وخُفِّفَ عَنْهم بِمُقاوَمَةِ الواحِدِ لِلِاثْنَيْنِ، وقِيلَ: كانَ فِيهِمْ قِلَّةٌ في الِابْتِداءِ، ثُمَّ لَمّا كَثُرُوا نَزَلَ التَّخْفِيفُ،» والمُرادُ بِالضَّعْفِ: ضَعْفُ البَدَنِ، وقِيلَ: ضَعْفُ البَصِيرَةِ - وكانُوا مُتَفاوِتِينَ في الِاهْتِداءِ إلى القِتالِ - لا الضَّعْفُ في الدِّينِ، كَما قِيلَ: وقُرِئَ (ضُعْفًا) بِضَمِّ الضّادِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ كالفَقْرِ والفُقْرِ، والمَكْثِ والمُكْثِ، وقِيلَ: الضَّعْفُ بِالفَتْحِ ما في الرَّأْيِ والعَقْلِ، وبِالضَّمِّ ما في البَدَنِ، وقُرِئَ (ضُعَفاءَ) جَمْعُ ضَعِيفٍ، والمُرادُ بِعلمه تعالى بِضَعْفِهِمْ علمه تعالى بِهِ مِن حَيْثُ هو مُتَحَقِّقٌ بِالفِعْلِ، لا علمه تعالى بِهِ مُطْلَقًا، كَيْفَ لا وهو ثابِتٌ في الأزَلِ؟!
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ تَفْسِيرٌ لِلتَّخْفِيفِ، وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ، وقُرِئَ (تَكُنْ) هَهُنا وفِيما سَبَقَ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ.
﴿وَإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِتَيْسِيرِهِ وتَسْهِيلِهِ، وهَذا القَيْدُ مُعْتَبَرٌ فِيما سَبَقَ مِن غَلَبَةِ المِائَةِ المِائَتَيْنِ والألِفِ وغَلَبَةِ العِشْرِينَ المِائَتَيْنِ، كَما أنَّ قَيْدَ الصَّبْرِ مُعْتَبَرٌ هَهُنا، وإنَّما تُرِكَ ذِكْرُهُ ثِقَةً بِما مَرَّ، وبُقُولِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ فَإنَّهُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالمَعِيَّةِ مَعِيَّةُ نَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ هَهُنا لِحالِ الكَفَرَةِ مِنَ الخِذْلانِ - كَما لَمْ يَتَعَرَّضْ هُناكَ لِحالِ المُؤْمِنِينَ - مَعَ أنَّ مَدارَ الغَلَبَةِ في الصُّورَتَيْنِ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ - أعْنِي نَصْرَ المُؤْمِنِينَ وخِذْلانَ الكَفَرَةِ - اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في كُلِّ مَقامٍ عَمّا تُرِكَ في المَقامِ الآخَرِ، وما تُشْعِرُ بِهِ كَلِمَةُ (مَعَ) مِن مَتْبُوعِيَّةِ مَدْخُولِها لِأصالَتِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلصَّبْرِ كَما مَرَّ مِرارًا.
8:67Page 185
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٧
It is not for a prophet to have captives [of war] until he inflicts a massacre [upon Allāh's enemies] in the land. You [i.e., some Muslims] desire the commodities of this world,1 but Allāh desires [for you] the Hereafter. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ وقُرِئَ (لِلنَّبِيِّ) عَلى العَهْدِ، والأوَّلُ أبْلَغُ؛ لِما فِيهِ مِن بَيانِ أنَّ ما يُذْكَرُ سُنَّةٌ مُطَّرِدَةٌ فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ وقُرِئَ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ، وأُسارى أيْضًا ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ أيْ: يُكْثِرَ القَتْلَ ويُبالِغَ فِيهِ؛ حَتّى يَذِلَّ الكُفْرُ ويَقِلَّ حِزْبُهُ، ويَعِزَّ الإسْلامُ، ويَسْتَوْلِيَ أهْلُهُ، مِن أثْخَنَهُ المَرَضُ والجُرْحُ إذا أثْقَلَهُ، وجَعَلَهُ بِحَيْثُ لا حَراكَ بِهِ ولا بِراحَ، وأصْلُهُ الثَّخانَةُ الَّتِي هي الغِلَظُ والكَثافَةُ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْعِتابِ، أيْ: تُرِيدُونَ حُطامَها بِأخْذِكُمُ الفِداءَ، وقُرِئَ (يُرِيدُونَ) بِالياءِ ﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: يُرِيدُ لَكم ثَوابَ الآخِرَةِ، الَّذِي لا مِقْدارَ عِنْدَهُ لِلدُّنْيا وما فِيها، أوْ يُرِيدُ سَبَبَ نَيْلِ الآخِرَةِ مِن إعْزازِ دِينِهِ وقِمْعِ أعْدائِهِ، وقُرِئَ بِجَرِّ الآخِرَةِ عَلى إضْمارِ المُضافِ كَما في (p-36)قَوْلِهِ:
؎ أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ونارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نارًا
﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يُغَلِّبُ أوْلِيائَهُ عَلى أعْدائِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَعْلَمُ ما يَلِيقُ بِكُلِّ حالٍ، ويَخُصُّهُ بِها، كَما أمَرَ بِالإثْخانِ، ونَهى عَنْ أخْذِ الفِداءِ حِينَ كانَتِ الشَّوْكَةُ لِلْمُشْرِكِينَ، وخَيَّرَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَنِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: (فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً) لَمّا تَحَوَّلَتِ الحالُ وصارَتِ الغَلَبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِسَبْعِينَ أسِيرًا فِيهِمُ العَبّاسُ، وعَقِيلُ بْنُ أبِي طالِبٍ، فاسْتَشارَ فِيهِمْ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْمُكَ وأهْلُكَ، اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، وخُذْ مِنهم فِدْيَةً تُقَوِّي أصْحابَكَ، وقالَ عُمَرُ: اضْرِبْ أعْناقَهُمْ، فَإنَّهم أئِمَّةُ الكُفْرِ، واللَّهُ أغْناكَ عَنِ الفِداءِ، مَكِّنْ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ وحَمْزَةَ مِنَ العَبّاسِ، ومَكِّنِي مِن فُلانٍ نَسِيبٍ لَهُ فَلْنَضْرِبْ أعْناقَهُمْ، فَقالَ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لَيُلِينُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللِّينِ، وإنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، وإنَّ مَثَلَكَ يا أبا بَكْرٍ مَثَلُ إبْراهِيمَ، قالَ: فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ومَثَلَكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ، قالَ: رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا»» فَخَيَّرَ أصْحابَهُ، فَأخَذُوا الفِداءَ، فَنَزَلَتْ، فَدَخَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو وأبُو بَكْرٍ يَبْكِيانِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي، فَإنْ وجَدْتُ بُكاءً بَكَيْتُ وإلّا تَباكَيْتُ، فَقالَ: «أبْكِي عَلى أصْحابِكَ في أخْذِهِمُ الفِداءَ، ولَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُهم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنهُ».
وَرُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««لَوْ نَزَلَ عَذابٌ مِنَ السَّماءِ لَما نَجا غَيْرُ عُمَرَ وسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ»» وكانَ هو أيْضًا مِمَّنْ أشارَ بِالإثْخانِ.
8:68Page 185
لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٦٨
If not for a decree from Allāh that preceded,1 you would have been touched for what you took by a great punishment.
﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أيْ: لَوْلا حُكْمٌ مِنهُ تَعالى سَبَقَ إثْباتُهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو أنْ لا يُعاقِبَ المُخْطِئَ في اجْتِهادِهِ، أوْ أنْ لا يُعَذِّبَ أهْلَ بَدْرٍ أوْ قَوْمًا لَمْ يُصَرِّحْ لَهم بِالنَّهْيِ، وأمّا أنَّ الفِدْيَةَ الَّتِي أخَذُوها سَتَحِلُّ لَهم فَلا يَصْلُحُ أنْ يُعَدَّ مِن مَوانِعِ مِساسِ العَذابِ، فَإنَّ الحِلَّ اللّاحِقَ لا يَرْفَعُ حُكْمَ الحُرْمَةِ السّابِقَةَ، كَما أنَّ الحُرْمَةَ اللّاحِقَةَ - كَما في الخَمْرِ مَثَلًا - لا تَرْفَعُ حُكْمَ الإباحَةِ السّابِقَةِ، عَلى أنَّهُ قادِحٌ في تَهْوِيلِ ما نُعِيَ عَلَيْهِمْ مِن أخْذِ الفِداءِ ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ أيْ: لَأصابَكم ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِ ما أخَذْتُمْ مِنَ الفِداءِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
8:69Page 185
فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٩
So consume what you have taken of war booty [as being] lawful and good, and fear Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ﴾ رُوِيَ أنَّهم أمْسَكُوا عَنِ الغَنائِمِ، فَنَزَلَتْ.
قالُوا: الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى سَبَبٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قَدْ أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ، فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ، والأظْهَرُ أنَّها لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: دَعُوهُ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ، وقِيلَ: "ما" عِبارَةٌ عَنِ الفِدْيَةِ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ الغَنائِمِ، ويَأْباهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ ﴿حَلالا﴾ حالٌ مِنَ المَغْنُومِ أوْ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: أكْلًا حَلالًا، وفائِدَتُهُ التَّرْغِيبُ في أكْلِها، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ صِفَةٌ لِـ(حَلالًا) مُفِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ التَّرْغِيبِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في مُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَغْفِرُ لَكم ما فَرَطَ مِنكم مِنِ اسْتِباحَةِ الفِداءِ قَبْلَ وُرُودِ الإذْنِ فِيهِ، ويَرْحَمُكم ويَتُوبُ عَلَيْكم إذا اتَّقَيْتُمُوهُ.
8:70Page 186
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٠
O Prophet, say to whoever is in your hands of the captives, "If Allāh knows [any] good in your hearts, He will give you [something] better than what was taken from you, and He will forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful."
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: في مِلْكَتِكم كَأنَّ أيْدِيَكم قابِضَةٌ عَلَيْهِمْ ﴿مِنَ الأسْرى﴾ (p-37)وَقُرِئَ (مِنَ الأُسارى) ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ خُلُوصَ إيمانٍ وصِحَّةَ نِيَّةٍ ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ مِنَ الفِداءِ، وقُرِئَ (أخَذَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.
رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في العَبّاسِ، كَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَفْدِيَ ابْنَيْ أخِيهِ عَقِيلَ بْنِ أبِي طالِبٍ، ونَوْفَلَ بْنِ الحَرْثِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، تَرَكْتَنِي أتَكَفَّفُ قُرَيْشًا ما بَقِيتُ، فَقالَ لَهُ ﷺ: ««فَأيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلى أُمِّ الفَضْلِ وقْتَ خُرُوجِكَ مِن مَكَّةَ ؟ وقُلْتَ لَها: ما أدْرِي ما يُصِيبُنِي في وجْهِي هَذا، فَإنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَهو لَكَ، ولِعَبْدِ اللَّهِ، وعُبَيْدِ اللَّهِ، والفَضْلِ؟ فَقالَ العَبّاسُ: ما يُدْرِيكَ؟ فَقالَ: أخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي، قالَ العَبّاسُ: فَأنا أشْهَدُ أنَّكَ صادِقٌ، وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، واللَّهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، ولَقَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْها في سَوادِ اللَّيْلِ، ولَقَدْ كُنْتُ مُرْتابًا في أمْرِكَ، فَأمّا إذا أخْبَرْتَنِي بِذَلِكَ فَلا رَيْبَ»» قالَ العَبّاسُ بَعْدَ حِينٍ: فَأبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ لِي الآنَ عِشْرُونَ عَبْدًا، وإنَّ أدْناهم لَيُضْرِبُ في عِشْرِينَ ألْفًا، وأعْطانِي زَمْزَمَ ما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها جَمِيعَ أمْوالِ أهْلِ مَكَّةَ، وأنا أنْتَظِرُ المَغْفِرَةَ مِن رَبِّي يَتَأوَّلُ بِهِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإنَّهُ وعْدٌ بِالمَغْفِرَةِ مُؤَكَّدٌ بِما بَعْدَهُ مِنَ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ.
8:71Page 186
وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدۡ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ فَأَمۡكَنَ مِنۡهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٧١
But if they intend to betray you - then they have already betrayed Allāh before, and He empowered [you] over them. And Allāh is Knowing and Wise.
﴿وَإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ أيْ: نَكْثَ ما بايَعُوكَ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ، وهَذا كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ بِطَرِيقِ الوَعْدِ لَهُ والوَعِيدِ لَهم ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ بِكَفْرِهِمْ ونَقْضِ ما أُخِذَ عَلى كُلِّ عاقِلٍ مِن مِيثاقِهِ ﴿فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ أيْ: أقْدَرَكَ عَلَيْهِمْ حَسْبَما رَأيْتَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإنْ أعادُوا الخِيانَةَ فاعْلَمْ أنَّهُ سَيُمَكِّنُكَ مِنهم أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالخِيانَةِ: مَنعُ ما ضَمِنُوا مِنَ الفِداءِ وهو بَعِيدٌ.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ ما في نِيّاتِهِمْ وما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ.
8:72Page 186
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٧٢
Indeed, those who have believed and emigrated and fought with their wealth and lives in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - they are allies of one another. But those who believed and did not emigrate - for you there is no support of them until they emigrate. And if they seek help of you for the religion, then you must help, except against a people between yourselves and whom is a treaty. And Allāh is Seeing of what you do.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا﴾ هُمُ المُهاجِرُونَ، هاجَرُوا أوْطانَهم حُبًّا لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ ﴿وَجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ﴾ بِأنْ صَرَفُوها إلى الكُراعِ والسِّلاحِ، وأنْفَقُوها عَلى المَحاوِيجِ ﴿وَأنْفُسِهِمْ﴾ بِمُباشَرَةِ القِتالِ، واقْتِحامِ المَعارِكِ، والخَوْضِ في المَهالِكِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاهَدُوا، قَيْدٌ لِنَوْعَيِ الجِهادِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الأمْوالِ عَلى الأنْفُسِ لِما أنَّ المُجاهَدَةَ بِالأمْوالِ أكْثَرُ وُقُوعًا وأتَمُّ دَفْعًا لِلْحاجَةِ، حَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ المُجاهَدَةُ بِالنَّفْسِ بِلا مُجاهَدَةٍ بِالمالِ.
﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ هُمُ الأنْصارُ، آوَوُا المُهاجِرِينَ، وأنْزَلُوهم مَنازِلَهُمْ، وبَذَلُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ، وآثَرُوهم عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَتْ بِهِمْ خَصاصَةٌ، ونَصَرُوهم عَلى أعْدائِهِمْ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضِيلَةِ، وهو مُبْتَدَأُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُهُمْ﴾ إمّا بَدَلٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ خَبَرُهُ، (p-38)وَإمّا مُبْتَدَأٌ ثانٍ و(أوْلِياءُ بَعْضٍ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ، أيْ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في المِيراثِ.
وَقَدْ كانَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ دُونَ الأقارِبِ، حَتّى نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ﴾ ... الآيَةَ، وقِيلَ: في النُّصْرَةِ والمُظاهَرَةِ، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ بَعْدَ نَفْيِ مُوالاتِهِمْ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ كَسائِرِ المُؤْمِنِينَ ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن تَوَلِّيهِمْ في المِيراثِ وإنْ كانُوا مِن أقْرَبِ أقارِبِكم ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِ الواوِ؛ تَشْبِيهًا بِالعَمَلِ والصِّناعَةِ، كالكِتابَةِ والإمارَةِ.
﴿وَإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ فَواجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهم عَلى المُشْرِكِينَ ﴿إلا عَلى قَوْمٍ﴾ مِنهم ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ مُعاهَدَةٌ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ نَقْضُ عَهْدِهِمْ بِنَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَلا تُخالِفُوا أمْرَهُ كَيْلا يَحِلَّ بِكم عِقابُهُ.
8:73Page 186
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ ٧٣
And those who disbelieved are allies of one another. If you do not do so [i.e., ally yourselves with other believers], there will be fitnah [i.e., disbelief and oppression] on earth and great corruption.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ آخَرَ مِنهم في المِيراثِ، أوْ في المُوازَرَةِ، وهَذا بِمَفْهُومِهِ مُفِيدٌ لِنَفْيِ المُوارَثَةِ والمُوازَرَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، وإيجابِ المُباعَدَةِ والمُصارَمَةِ وإنْ كانُوا أقارِبَ.
﴿إلا تَفْعَلُوهُ﴾ أيْ: ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ التَّواصُلِ بَيْنَكم وتَوَلِّي بَعْضِكم بَعْضًا حَتّى التَّوارُثِ، ومِن قَطْعِ العَلائِقِ بَيْنَكم وبَيْنَ الكُفّارِ ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ﴾ أيْ: تَحْصُلُ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها، وهي ضَعْفُ الإيمانِ، وظُهُورُ الكُفْرِ ﴿وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ في الدّارَيْنِ، وقُرِئَ (كَثِيرٌ).
8:74Page 186
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٧٤
But those who have believed and emigrated and fought in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - it is they who are the believers, truly. For them is forgiveness and noble provision.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ، والشَّهادَةِ لَهم بِفَوْزِهِمْ بِالقِدْحِ المُعَلّى مِنَ الإيمانِ مَعَ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا تَبِعَةَ لَهُ ولا مِنَّةَ فِيهِ، فَلا تَكْرارَ لِما أنَّ مَساقَ الأوَّلِ لِإيجابِ التَّواصُلِ بَيْنَهم.
8:75Page 186
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ٧٥
And those who believed after [the initial emigration] and emigrated and fought with you - they are of you. But those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh.1 Indeed, Allāh is Knowing of all things.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا﴾ بَعْدَ هِجْرَتِكم ﴿وَجاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ في بَعْضِ مُغازِيكم ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن جُمْلَتِكم أيُّها المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، وهُمُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ: (رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ) ألْحَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالسّابِقِينَ، وجَعَلَهم مِنهُمْ؛ تَفَضُّلًا مِنهُ وتَرْغِيبًا في الإيمانِ والهِجْرَةِ، وفي تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مِن تَشْرِيفِهِمْ ورَفْعِ مَحَلِّهِمْ ما لا يَخْفى.
﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ آخَرَ مِنهم في التَّوارُثِ مِنَ الأجانِبِ ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ، أوْ في اللَّوْحِ، أوْ في القرآن، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ومِن جُمْلَتِهِ ما في تَعْلِيقِ التَّوارُثِ بِالقَرابَةِ الدِّينِيَّةِ أوَّلًا وبِالقَرابَةِ النَّسَبِيَّةِ آخِرًا مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ.
عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ-: ««مَن قَرَأ سُورَةَ الأنْفالِ وبَراءَةَ، فَأنا شَفِيعٌ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ وشاهِدٌ أنَّهُ بَرِئَ مِنَ (p-39)النِّفاقِ، وأُعْطِيَ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ مُنافِقٍ ومُنافِقَةٍ، وكانَ العَرْشُ وحَمَلَتُهُ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ أيّامَ حَياتِهِ»» واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences