Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
المطففين
Al-Mutaffifin
The Defrauding · Meccan · 36 ayahs
(p-124)سُورَةُ المُطَفِّفِينَ
مَكِّيَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها وآياتُها سِتٌّ وثَلاثُونَ
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ قِيلَ: الوَيْلُ: شِدَّةُ الشَّرِّ، وقِيلَ: العَذابُ الألِيمُ، وقِيلَ: هو وادٍ في جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، وقِيلَ وقِيلَ .. وأيًّا ما كانَ؛ فَهو مُبْتَدَأٌ وإنْ كانَ نَكِرَةً لِوُقُوعِهِ في مَوْقِعِ الدُّعاءِ، والتَّطْفِيفُ: البَخْسُ في الكَيْلِ والوَزْنِ؛ لِأنَّ ما يُبْخَسُ شَيْءٌ طَفِيفٌ حَقِيرٌ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ وكانَ أهْلُها مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا، فَنَزَلَتْ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ. وقِيلَ: قَدِمَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبِها رَجُلٌ يُعْرَفُ بِأبِي جُهَيْنَةَ، ومَعَهُ صاعانِ يَكِيلُ بِأحَدِهِما ويَكْتالُ بِالآخَرِ. وقِيلَ: كانَ أهْلُ المَدِينَةِ تُجّارًا يُطَفِّفُونَ، وكانَتْ بِياعاتِهُمُ المُنابَذَةَ والمُلامَسَةَ والمُخاطَرَةَ فَنَزَلَتْ؛ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ وقالَ: « "خَمْسٌ بِخَمْسٍ، ما نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، وما حَكَمُوا بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلّا فَشا فِيهِمُ الفَقْرُ، وما ظَهَرَتْ فِيهِمُ المَوْتُ ولا طَفَّفُوا الكَيْلَ إلّا مُنِعُوا النَّباتَ وأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، ولا مَنَعُوا الزَّكاةَ إلّا حُبِسَ عَنْهُمُ القَطْرُ.»
83:2Page 587
ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ ٢
Who, when they take a measure from people, take in full.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ...إلَخْ، صِفَةٌ كاشِفَةٌ لِلْمُطَفِّفِينَ شارِحَةٌ لِكَيْفِيَّةِ تَطْفِيفِهِمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الذَّمَّ والدُّعاءَ بِالوَيْلِ، أيْ: إذا اكْتالُوا مِنَ النّاسِ مَكِيلَهم بِحُكْمِ الشِّراءِ ونَحْوِهِ يَأْخُذُونَهُ وافِيًا وافِرًا، وتَبْدِيلُ كَلِمَةِ "عَلى" بِـ"مِن" لِتَضْمِينِ الأكْتِيالِ مَعْنى الاسْتِيلاءِ، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ اكْتِيالٌ مُضِرٌ بِهِمْ، لَكِنْ لا عَلى اعْتِبارِ الضَّرَرِ في حَيِّزِ الشَّرْطِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ كَلِمَةُ "إذا" لِإخْلالِهِ بِالمَعْنى، بَلْ في نَفْسِ الأمْرِ بِمُوجِبِ الجَوابِ، فَإنَّ المُرادَ بِالأسْتِيفاءِ لَيْسَ أخْذَ الحَقِّ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، بَلْ مُجَرَّدَ الأخْذِ الوافِي الوافِرِ حَسْبَما أرادُوا بِأيِّ وجْهٍ تَيَسَّرَ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ، وكانُوا يَفْعَلُونَهُ بِكَبْسِ المَكِيلِ وتَحْرِيكِ المِكْيالِ واحْتِيالٍ في مَلْئِهِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اكْتِيالَهم لِما لَهم عَلى النّاسِ، فَمَعَ اقْتِضائِهِ لِعَدَمِ شُمُولِ الحُكْمِ لِاكْتِيالِهِمْ قَبْلَ أنْ يَكُونَ لَهم عَلى النّاسِ شَيْءٌ بِطَرِيقِ الشِّراءِ ونَحْوِهِ، مَعَ أنَّهُ الشّائِعُ فِيما بَيْنَهُمْ، يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَعْنى الأسْتِيفاءِ أخْذُ ما لَهم عَلَيْهِمْ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ؛ إذْ هو المُتَبادَرُ مِنهُ عِنْدَ الإطْلاقِ في مَعْرِضِ الحَقِّ، فَلا يَكُونُ مَدارًا لِذَمِّهِمْ والدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، وحَمْلُ ما لَهم عَلَيْهِمْ عَلى مَعْنى ما سَيَكُونُ (p-125)لَهم عَلَيْهِمْ، مَعَ كَوْنِهِ بَعِيدًا جِدًّا مِمّا لا يُجْدِي نَفْعًا، فَإنَّ اعْتِبارَ كَوْنِ المَكِيلِ لَهم حالأ كانَ أوْ مَآلًا، لا يَسْتَدْعِي كَوْنَ الأسْتِيفاءِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ حَتْمًا، وهَكَذا حالُ ما نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ مِن أنَّ "مِن" و"عَلى" تَعْتَقِبانِ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَإذا قالَ: اكْتَلْتُ عَلَيْكَ فَإنَّهُ قالَ: أخَذْتُ ما عَلَيْكَ، وإذا قالَ: اكْتَلْتُ مِنكَ فَكَقَوْلِهِ: اسْتَوْفَيْتُ مِنكَ فَتَأمَّلْ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ "عَلى" مُتَعَلِّقَةً بِـ"يَسْتَوْفُونَ" ويَكُونُ تَقْدِيمُها عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ الخُصُوصِيَّةِ، أيْ: يَسْتَوْفُونَ عَلى النّاسِ خاصَّةً، فَأمّا أنْفُسُهم فَيَسْتَوْفُونَ لَها.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ القَصْرَ بِتَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ إنَّما يَكُونُ فِيما يُمْكِنُ تَعَلُّقُ الفِعْلِ بِغَيْرِ المَجْرُورِ أيْضًا حَسَبَ تَعَلُّقِهِ بِهِ، فَيُقْصَدُ بِالتَّقْدِيمِ قَصْرُهُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ القَلْبِ أوِ الإفْرادِ أوِ التَّعْيِينِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ولا رَيْبَ في أنَّ الأسْتِيفاءَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الأخْذِ الوافِي مِمّا لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، حَتّى يُقْصَدَ بِتَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ قَصْرُهُ عَلى النّاسِ عَلى أنَّ الحَدِيثَ واقِعٌ في الفِعْلِ لا فِيما وقَعَ عَلَيْهِ فَتَدَبَّرْ.
83:3Page 587
وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ ٣
But if they give by measure or by weight to them, they cause loss.
والضَّمِيرُ البارِزُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ لِلنّاسِ أيْ: إذا كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم لِلْبَيْعِ ونَحْوِهِ.
﴿يُخْسِرُونَ﴾ أيْ: يُنْقِصُونَ، يُقالُ: خَسِرَ المِيزانَ وأخْسَرَهُ، فَحَذَفَ الجارَّ وأوْصَلَ الفِعْلَ كَما في قَوْلِهِ:
؎ ولَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وعَساقِلًا
أيْ: جَنَيْتُ لَكَ، وجَعْلُ البارِزِ تَأْكِيدًا لِلْمُسْتَكِنِّ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الكَيْلِ والوَزْنِ في صُورَةِ الإخْسارِ، والأقْتِصارَ عَلى الأكْتِيالِ في صُورَةِ الأسْتِيفاءِ لِما أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الأحْتِيالِ عِنْدَ الأتِّزانِ تَمَكُّنَهم مِنهُ عِنْدَ الكَيْلِ والوَزْنِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْمَكِيلِ والمَوْزُونِ في الصُّورَتَيْنِ؛ لِأنَّ مَساقَ الكَلامِ لِبَيانِ سُوءِ مُعُامَلَتِهِمْ في الأخْذِ والإعْطاءِ، لا في خُصُوصِيَّةِ المَأْخُوذِ والمُعْطى.
83:4Page 587
أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ ٤
Do they not think that they will be resurrected
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَهْوِيلِ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ التَّطْفِيفِ والتَّعْجِيبِ مِنَ اجْتِرائِهِمْ عَلَيْهِ، و"أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المُطَفِّفِينَ، ووَضْعُهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِمَناطِ الحُكْمِ الَّذِي هو وصْفُهُمْ، فَإنَّ الإشارَةَ إلى الشَّيْءِ مُتَعَرِّضَةٌ لَهُ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِوَصْفِهِ، وأمّا الضَّمِيرُ فَلا يَتَعَرَّضُ لِوَصْفِهِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّهم مُمْتازُونَ بِذَلِكَ الوَصْفِ القَبِيحِ عَنْ سائِرِ النّاسِ أكْمَلَ امْتِيازٍ، نازِلُونَ مَنزِلَةَ الأُمُورِ المُشارِ إلَيْها إشارَةً حِسِّيَّةً، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في الشَّرارَةِ والفَسادِ، أيْ: ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ الوَصْفِ الشَّنِيعِ الهائِلِ أنَّهم مَبْعُوثُونَ.
﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُ عِظَمِهِ وعِظَمِ ما فِيهِ، ومُحاسَبُونَ فِيهِ عَلى مِقْدارِ الذَّرَّةِ والخَرْدَلَةِ، فَإنَّ مَن يَظُنُّ ذَلِكَ وإنْ كانَ ظَنًّا ضَعِيفًا مُتاخِمًا لِلشَّكِّ والوَهْمِ، لا يَكادُ يَتَجاسَرُ عَلى أمْثالِ هاتِيكَ القَبائِحِ، فَكَيْفَ بِمَن تَيَقَّنَهُ؟!
83:6Page 587
يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦
The Day when mankind will stand before the Lord of the worlds?
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ (p-126)
أيْ: لِحُكْمِهِ وقَضائِهِ، مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "أعْنِي" وقِيلَ: بِمَبْعُوثُونَ أوْ مَرْفُوعُ المَحَلِّ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أوْ مَجْرُورٌ بَدَلًا مِن "يَوْمٍ عَظِيمٍ" مَبْنِيٍّ عَلى الفَتْحِ؛ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ وإنْ كانَ مُضارِعًا كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، ويُؤَيِّدُ الأخِيرَيْنِ القَرّاءَةُ بِالرَّفْعِ وبِالجَرِّ، وفي هَذا الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ وإيرادِ الظَّنِّ ووَصْفِ اليَوْمِ بِالعِظَمِ، وقِيامِ النّاسِ فِيهِ كافَّةً لِلَّهِ تَعالى خاضِعِينَ، ووَصْفِهِ تَعالى بِرُبُوبِيَّةِ العالَمِينِ مِنَ البَيانِ البَلِيغِ لِعِظَمِ الذَّنْبِ، وتَفاقُمِ الإثْمِ في التَّطْفِيفِ وأمْثالِهِ ما لا يَخْفى.
83:7Page 588
كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ ٧
No! Indeed, the record of the wicked is in sijjeen.
﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ عَنِ البَعْثِ والحِسابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ...إلَخْ، تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ أوْ وُجُوبِ الأرْتِداعِ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ، و"سِجِّينٌ": عَلَمٌ لِـكِتابٍ جامِعٍ هو دِيوانُ الشَّرِّ دُوِّنَ فِيهِ أعْمالُ الشَّياطِينِ وأعْمالُ الكَفَرَةِ والفَسَقَةِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، مَنقُولٌ مِن وصْفٍ كَخاتَمٍ، وأصْلُهُ فِعِّيلٌ مِنَ السِّجْنِ وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الحَبْسِ والتَّضْيِيقِ في جَهَنَّمَ، أوْ لِأنَّهُ مَطْرُوحٌ كَما قِيلَ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ في مَكانٍ مُظْلِمٍ وحْشٍ وهو مَسْكَنُ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، فالمَعْنى: إنَّ كِتابَ الفُجّارِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ المُطَفِّفُونَ أيْ: ما يُكْتَبُ مِن أعْمالِهِمْ، أوْ كِتابَةَ أعْمالِهِمْ لَفي ذَلِكَ الكِتابِ المُدَوَّنِ فِيهِ قَبائِحُ أعْمالِ المَذْكُورِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ تَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ أيْ: هو بِحَيْثُ لا يَبْلُغُهُ دِرايَةُ أحَدٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ أيْ: مَسْطُورٌ بَيِّنُ الكِتابَةِ أوْ مُعَلَّمٌ يَعْلَمُ مَن رَآهُ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِ، وقِيلَ: هو اسْمُ المَكانِ والتَّقْدِيرُ: ما كِتابُ السَّجِينِ، أوْ مَحَلُ كِتابٍ مَرْقُومٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: *
﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ذامَّةٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ.
83:12Page 588
وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢
And none deny it except every sinful transgressor.
﴿وَما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزٍ عَنْ حُدُودِ النَّظَرِ والأعْتِبارِ، غالٍ في التَّقْلِيدِ حَتّى اسْتَقْصَرَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعَلِمَهُ عَنِ الإعادَةِ مَعَ مُشاهَدَتِهِ لِلْبَدْءِ.
﴿أثِيمٍ﴾ أيْ: مُنْهَمِكٍ في الشَّهَواتِ المُخْدِجَةِ الفانِيَةِ، بِحَيْثُ شَغَلَتْهُ عَمّا وراءَها مِنَ اللَّذّاتِ التّامَّةِ الباقِيَةِ، وحَمَلَتْهُ عَلى إنْكارِها.
83:13Page 588
إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣
When Our verses are recited to him, he says, "Legends of the former peoples."
﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ (p-127)آياتُنا﴾ النّاطِقَةُ بِذَلِكَ.
﴿قالَ﴾ مِن فَرْطِ جَهْلِهِ وإعْراضِهِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ.
﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: هي حِكاياتُ الأوَّلِينَ، قالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ بِالمُعْتَدِي الأثِيمِ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ، وقِيلَ: عامٌّ لِكُلِّ مَن اتَّصَفَ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ، وقُرِئَ "إذا يُتْلى" بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ، وقُرِئَ "أإذا تُتْلى" عَلى الاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ.
83:14Page 588
كـَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤
No! Rather, the stain has covered their hearts of that which they were earning.1
كَلّا رَدْعٌ لِلْمُعْتَدِي الأثِيمِ عَنْ ذَلِكَ القَوْلِ الباطِلِ وتَكْذِيبٌ لَهُ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بَيانٌ لِما أدّى بِهِمْ إلى التَّفَوُّهِ بِتِلْكَ العَظِيمَةِ، أيْ: لَيْسَ في آياتِنا ما يَصِحُّ أنْ يُقالَ في شَأْنِها مِثْلُ هَذِهِ المَقالأتِ الباطِلَةِ، بَلْ رَكِبَ عَلى قُلُوبِهِمْ وغَلَبَ عَلَيْها ما كانُوا يَكْسِبُونَها مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، حَتّى صارَتْ كالصَّدَأِ في المِرْآةِ، فَحالَ ذاكَ بَيْنَهم وبَيْنَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ، كَما قالَ ﷺ: ﴿إنَّ العَبْدَ كُلَّما أذْنَبَ ذَنْبًا حَصَلَ في قَلْبِهِ نَكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ﴾ ولِذَلِكَ قالُوا ما قالُوا، والرَّيْنُ: الصَّدَأُ، يُقالُ: رانَ عَلَيْهِ الذَّنْبُ وغانَ عَلَيْهِ رَيْنًا وغَيْنًا، ويُقالُ: رانَ فِيهِ النَّوْمُ أيْ: رُسِّخَ فِيهِ، وقُرِئَ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ.
83:15Page 588
كـَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ١٥
No! Indeed, from their Lord, that Day, they will be partitioned.1
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ.
﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَلا يَكادُونَ يَرَوْنَهُ بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هو تَمْثِيلٌ لِإهانَتِهِمْ بِإهانَةِ مَن يُحْجَبُ عَنِ الدُّخُولِ عَلى المُلُوكِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادةَ وابْنِ أبِي مَلِيكَةَ: مَحْجُوبُونَ عَنْ رَحْمَتِهِ، وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ عَنْ كَرامَتِهِ.
83:16Page 588
ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ ١٦
Then indeed, they will [enter and] burn in Hellfire.
﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجحيم﴾ أيْ: داخِلُوا النّارِ و"ثُمَّ" لِتَراخِي الرُّتْبَةِ؛ فَإنَّ صَلْيَ الجحيم أشَدُّ مِنَ الإهانَةِ والحِرْمانِ مِنَ الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ.
83:17Page 588
ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ١٧
Then it will be said [to them], "This is what you used to deny."
﴿ثُمَّ يُقالُ﴾ لَهم تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا مِن جِهَةِ الزَّبانِيَةِ.
﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَذُوقُوا عَذابَهُ.
83:18Page 588
كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ١٨
No! Indeed, the record of the righteous is in ʿilliyyūn.
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ بَعْدَ رَدْعٍ، زَجْرٌ إثْرَ زَجْرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَحَلِّ كِتابِ الأبْرارِ، بَعْدَهُ بَيانُ سُوءِ حالِ الفُجّارِ مُتَّصِلًا بِبَيانِ سُوءِ حالِ كِتابِهِمْ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلرَّدْعِ ووُجُوبِ الأرْتِداعِ و"كِتابُهُمْ": ما كُتِبَ مِن أعْمالِهِمْ، و"عِلِّيُّونَ": عَلَمٌ لِدِيوانِ الخَيْرِ الَّذِي دُوِّنَ فِيهِ كُلُّ ما أعْمَلَتْهُ المَلائِكَةُ وصُلَحاءُ الثَّقَلَيْنِ، مَنقُولٌ مِن جَمْعٍ عَلى فَعِيلٍ مِنَ العُلُوِّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ إمّا لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْتِفاعِ إلى أعالِي الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ، وإمّا لِأنَّهُ مَرْفُوعٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ حَيْثُ يَسْكُنُ الكَرُوبِيُّونَ تَكْرِيمًا لَهُ وتَعْظِيمًا.
83:19–20Page 588
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩
And what can make you know what is ʿilliyyūn?
كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ٢٠
It is [their destination1 recorded in] a register inscribed
(p-128)والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ كَما مَرَّ في نَظِيرِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"كِتابَ" أيْ: يَحْضُرُونَهُ ويَحْفَظُونَهُ أوْ يَشْهَدُونَ بِما فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَحاسِنِ أحْوالِهِمْ إثْرَ بَيانِ حالِ كِتابِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ ما مَرَّ في شَأْنِ الفُجّارِ.
﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيْ: عَلى الأسِرَّةِ في الحِجالِ، ولا يَكادُ تُطْلَقُ الأرِيكَةُ عَلى السَّرِيرِ عِنْدَهم إلّا عِنْدَ كَوْنِهِ في الحَجَلَةِ.
﴿يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: إلّا ما شاءُوا مَدَّ أعْيُنِهِمْ إلَيْهِ مِن رَغائِبِ مَناظِرِ الجَنَّةِ، وإلى ما أوْلاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النِّعْمَةِ والكَرامَةِ، وإلى أعْدائِهِمْ يُعَذَّبُونَ في النّارِ، وما تَحْجُبُ الحِجالُ أبْصارَهم عَنِ الإدْراكِ.
83:24Page 588
تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ ٢٤
You will recognize in their faces the radiance of pleasure.
﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أيْ: بَهْجَةَ التَّنَعُّمِ وماءَهُ ورَوْنَقَهُ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما لَهم مِن آثارِ النِّعْمَةِ وأحْكامِ البَهْجَةِ، بِحَيْثُ لا يَخْتَصُّ بِرُؤْيَتِهِ راءٍ دُونَ راءٍ.
83:25Page 588
يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ ٢٥
They will be given to drink [pure] wine1 [which was] sealed.
﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ شَرابٍ خالِصٍ لا غِشَّ فِيهِ ﴿مَخْتُومٍ﴾ .
83:26Page 588
خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦
The last of it1 is musk. So for this let the competitors compete.
﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أيْ: مَخْتُومٌ أوانِيهِ وأكْوابُهُ بِالمِسْكِ مَكانَ الطِّينِ ولَعَلَّهُ تَمْثِيلٌ لِكَمالِ نَفاسَتِهِ، وقِيلَ: خِتامُهُ مِسْكٌ أيْ: مَقْطَعُهُ رائِحَةُ مِسْكٍ، وقُرِئَ "خاتَمُهُ" بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِها أيْ: ما يُخْتَمُ بِهِ ويُقْطَعُ.
﴿وَفِي ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الرَّحِيقِ وهو الأنْسَبُ لِما بَعْدَهُ أوْ إلى ما ذُكِرَ مِن أحْوالِهِمْ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ إمّا لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ، أوْ لِكَوْنِهِ في الجَنَّةِ، أيْ: في ذَلِكَ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ.
﴿فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ أيْ: فَلْيَرْغَبْ الرّاغِبُونَ بِالمُبادَرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ وقِيلَ: فَلْيَسْتَبِقِ المُسْتَبِقُونَ، وأصْلُ التَّنافُسِ التَّغالُبُ في الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وأصْلُهُ مِنَ النَّفْسِ لِعِزَّتِها، قالَ الواحِدِيُّ: نَفَسْتُ الشَّيْءَ أُنْفُسُهُ نَفاسَةً، والتَّنافُسُ تَفاعُلٌ مِنهُ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الشَّخْصَيْنِ يُرِيدُ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ، وقالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُهُ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ الَّذِي يَحْرِصُ (p-129)
عَلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ، ويَزِيدُهُ كُلُّ أحَدٍ لِنَفْسِهِ ويَنْفُسُ بِهِ عَلى غَيْرِهِ، أيْ: يَضَنُّ بِهِ.
﴿وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ عَطْفٌ عَلى "خِتامُهُ" صِفَةٌ أُخْرى لِـ"رَحِيقٍ" مِثْلِهِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَفاسَتِهِ، أيْ: ما يُمْزَجُ بِهِ عَلى الرَّحِيقِ مِن ماءِ تَسْنِيمٍ، عَلى أنَّ "مِن" بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، أوْ "مِن نَفْسِهِ" عَلى أنَّها ابْتِدائِيَّةٌ و"التَّسْنِيمُ" عَلَمٌ لِـ"عَيْنٍ" بِعَيْنِها سُمِّيتُ بِهِ إمّا لِأنَّها أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ، وإمّا لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن فَوْقِ، رُوِيَ أنَّها تَجْرِي في الهَواءِ مُتَسَنِّمَةً فَتَصُبُّ في أوانِيهِمْ.
83:28Page 588
عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢٨
A spring from which those near [to Allāh] drink.
﴿عَيْنًا﴾ نُصِبَ عَلى الأخْتِصاصِ، وجَوازُ أنْ يَكُونَ حالأ مِن "تَسْنِيمٍ" مَعَ كَوْنِهِ جامِدًا لِاتِّصافِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ
فَإنَّهم يَشْرَبُونَها صِرْفًا وتُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ، فالباءُ مَزِيدَةٌ أوْ بِمَعْنى مِن.
83:29Page 588
إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ ٢٩
Indeed, those who committed crimes used to laugh at those who believed.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ ...إلَخْ، حِكايَةٌ لِبَعْضِ قَبائِحِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، جِيءَ بِها تَمْهِيدًا لِذِكْرِ بَعْضِ أحْوالِ الأبْرارِ في الجَنَّةِ.
﴿كانُوا﴾ في الدُّنْيا.
﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ: يَسْتَهْزِئُونَ بِفُقَرائِهِمْ كَعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وبِلالٍ وغَيْرِهِمْ مِن فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ؛ إمّا لِلْقَصْرِ إشْعارًا بِغايَةِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا، أيْ: كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مَعَ ظُهُورِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ أوْ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
83:30Page 588
وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ ٣٠
And when they passed by them, they would exchange derisive glances.
﴿وَإذا مَرُّوا﴾ أيْ: فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ.
﴿بِهِمْ﴾ أيْ: بِالمُشْرِكِينَ وهم في أنْدِيَتِهِمْ وهو الأظْهَرُ وإنَّ جازَ العَكْسُ أيْضًا.
﴿يَتَغامَزُونَ﴾ أيْ: يَغْمِزُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُشِيرُونَ بِأعْيُنِهِمْ.
83:31Page 588
وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ ٣١
And when they returned to their people, they would return jesting.
﴿وَإذا انْقَلَبُوا﴾ مِن مَجالِسِهِمْ.
﴿إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مُلْتَذِّينَ بِذِكْرِهِمْ بِالسُّوءِ والسُّخْرِيَةِ مِنهُمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِمَرْأى مِنَ المارِّينَ بِهِمْ ويَكْتَفُونَ حِينَئِذٍ بِالتَّغامُزِ، وقُرِئَ "فاكِهِينَ"، قِيلَ: هُما بِمَعْنى، وقِيلَ: فَكِهِينَ أشِرِينَ، وقِيلَ: فَرِحِينَ وفاكِهِينَ مُتَفَكِّهِينَ، وقِيلَ: ناعِمِينَ، وقِيلَ: مازِحِينَ.
83:32Page 588
وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ ٣٢
And when they saw them, they would say, "Indeed, those are truly lost."
﴿وَإذا رَأوْهُمْ﴾ أيْنَما كانُوا.
﴿قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ: نَسَبُوا المُسْلِمِينَ مِمَّنْ رَأوْهم ومِن غَيْرِهِمْ إلى الضَّلالِ بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ.
83:33Page 588
وَمَآ أُرۡسِلُواْ عَلَيۡهِمۡ حَٰفِظِينَ ٣٣
But they had not been sent as guardians over them.
﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ﴾ عَلى المُسْلِمِينَ.
﴿حافِظِينَ﴾ حالٌ مِن واوِ (p-130)"قالُوا" أيْ: قالُوا ذَلِكَ، والحالُ أنَّهم ما أُرْسِلُوا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى مُوَكَّلِينَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهم ويُهَيْمِنُونَ عَلى أعْمالِهِمْ ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ، وهَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وإشْعارٌ بِأنَّ ما اجْتَرَؤُا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ مِن وظائِفِ مَن أُرْسِلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ المُجْرِمِينَ، كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ وما أُرْسِلُوا عَلَيْنا حافِظِينَ؛ إنْكارًا لِصَدِّهِمْ عَنِ الشِّرْكِ ودُعائِهِمْ إلى الإسْلامِ، وإنَّما قِيلَ عَلَيْهِمْ نَقْلًا لَهُ بِالمَعْنى، كَما في قَوْلِكَ: حَلَفَ لِيَفْعَلَنَّ لا بِالعِبارَةِ كَما في قَوْلِكَ: حَلَفَ لِأفْعَلَنَّ.
83:34Page 588
فَٱلۡيَوۡمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلۡكُفَّارِ يَضۡحَكُونَ ٣٤
So Today1 those who believed are laughing at the disbelievers,
﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: المَعْهُودُونَ مِنَ الفُقَراءِ.
﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ أيْ: مِنَ المَعْهُودِينَ -وَهُوَ الأظْهَرُ- وإنْ أمْكَنَ التَّنْعِيمُ مِنَ الجانِبَيْنِ.
﴿يَضْحَكُونَ﴾ حِينَ يَرَوْنَهم أذِلّاءَ مَغْلُولِينَ قَدْ غَشِيَهم فُنُونُ الهَوانِ والصَّغارِ بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ، ورَهَقَهم ألْوانُ العَذابِ بَعْدَ التَّنَعُّمِ والتَّرَفُّهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلْقَصْرِ تَحْقِيقًا لِلْمُقابِلَةِ، أيْ: فاليَوْمَ هم مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ، لا الكُفّارُ مِنهم كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يَضْحَكُونَ" أيْ: يَضْحَكُونَ مِنهم ناظِرِينَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِن سُوءِ الحالِ، وقِيلَ: يُفْتَحُ لِلْكُفّارِ بابٌ إلى الجَنَّةِ، فَيُقالُ لَهُمْ: اخْرُجُوا إلَيْها فَإذا وصَلُوا إلَيْها أُغْلِقَ دُونَهم يُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ مِرارًا ويَضْحَكُ المُؤْمِنُونَ مِنهم.
83:36Page 589
هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦
Have the disbelievers [not] been rewarded [this Day] for what they used to do?
وَيَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ ضَحِكَ المُؤْمِنِينَ مِنهم جَزاءٌ لِضَحِكِهِمْ مِنهم في الدُّنْيا، فَلا بُدَّ مِنَ المُجانَسَةِ والمُشاكَلَةِ حَتْمًا، والتَّثْوِيبُ والإثابَةُ: المُجازاةُ، وقُرِئَ بِإدْغامِ اللّامِ في الثّاءِ.
وَعَنْهُ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ المُطَفِّفِينَ سَقاهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ".»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences