Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
الفجر
Al-Fajr
The Dawn · Meccan · 30 ayahs
(p-153)سُورَةُ الفَجْرِ
مَكِّيَّةٌ وآيُها ثَلاثُونَ
﴿والفَجْرِ﴾ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِالفَجْرِ كَما أقْسَمَ بِالصُّبْحِ حَيْثُ قالَ: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ صَلاتُهُ.
﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ هُنَّ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، ولِذَلِكَ فُسِّرَ الفَجْرُ بِفَجْرِ عَرَفَةَ أوِ النَّحْرِ، أوِ العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ، وقُرِئَ "وَلَيالٍ عَشْرٍ" بِالإضافَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَشْرِ: الأيّامُ.
﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ أيِ: الأشْياءِ كُلِّها شَفْعِها ووِتْرِها، أوْ شَفْعِ هَذِهِ اللَّيالِي ووِتْرِها، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَسَّرَهُما بِيَوْمِ النَّحْرِ ويَوْمِ عَرْفَةَ، ولَقَدْ كَثُرَتْ فِيهِما الأقْوالُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الواوِ وهُما لُغَتانِ كالحَبْرِ والحِبْرِ، وقِيلَ: الوَتْرُ بِالفَتْحِ في العَدَدِ وبِالكَسْرِ في الذَّحْلِ، وقُرِئَ "والوَتْرِ" بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ التّاءِ.
﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ أيْ: يَمْضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾، ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ والتَّقْيِيدُ لِما فِيهِ مِن وُضُوحِ الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ووُفُورِ النِّعْمَةِ، أوْ يَسْرِي فِيهِ مِن قَوْلِهِمْ: صَلّى المَقامُ أيْ: صُلِّيَ فِيهِ، وحَذْفُ الياءِ اكْتِفاءً بِالكَسْرِ، وقُرِئَ بِإثْباتِها عَلى الإطْلاقِ وبِحَذْفِها في الوَقْفِ خاصَّةً، وقُرِئَ "يُسْرٍ" بِالتَّنْوِينِ كَما قُرِئَ "والفَجْرٍ" و"الوَتْرٍ" وهو التَّنْوِينُ الَّذِي يَقَعُ بَدَلًا مِن حَرْفِ الإطْلاقِ.
89:5Page 593
هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ ٥
Is there [not] in [all] that an oath [sufficient] for one of perception?1
﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ﴾ ...إلَخْ تَحْقِيقٌ وتَقْرِيرٌ لِفَخامَةِ شَأْنِ المُقْسَمِ بِها وكَوْنِها أُمُورًا جَلِيلَةً حَقِيقَةً بِالإعْظامِ والإجْلالِ عِنْدَ أرْبابِ العُقُولِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإقْسامَ بِها أمْرٌ مُعْتَدٌّ بِهِ خَلِيقٌ بِأنْ يُؤَكِّدَ بِهِ الإخْبارُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إمّا إلى الأُمُورِ المُقْسَمِ (p-154)
بِها والتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ ما ذُكِرَ، كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ أوْ إلى الإقْسامِ بِها، وأيًّا ما كانَ؛ فَما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ والفَضْلِ، أيْ: هَلْ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأشْياءِ قَسَمٌ أيْ: مُقْسَمٌ بِهِ.
﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ يَراهُ حَقِيقًا بِأنْ يُقْسَمَ بِهِ إجْلالأ وتَعْظِيمًا، والمُرادُ: تَحْقِيقُ أنَّ الكُلَّ كَذَلِكَ، وإنَّما أُوثِرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هَضْمًا لِلْخَلْقِ وإيذانًا بِظُهُورِ الأمْرِ، أوْ هَلْ في إقْسامِي بِتِلْكَ الأشْياءِ إقْسامٌ لِذِي حِجْرٍ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ يَعْتَدُّ بِهِ ويَفْعَلُ مَثَلَهُ ويُؤَكِّدُ بِهِ المُقْسَمَ عَلَيْهِ، والحِجْرُ: العَقْلُ لِأنَّهُ يَحْجُرُ صاحِبَهُ أيْ: يَمْنَعُهُ مِنَ التَّهافُتِ فِيما لا يَنْبَغِي، كَما سُمِّيَ عَقْلًا ونُهْيَةً؛ لِأنَّهُ يَعْقِلُ ويَنْهى، وحَصاةً أيْضًا مِنَ الإحْصاءِ وهو الضَّبْطُ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: إنَّهُ لَذُو حِجْرٍ إذا كانَ قاهِرًا لِنَفْسِهِ ضابَطًا لَها، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهو "لِيُعَذَّبَنَّ" كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: *
89:6Page 593
أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦
Have you not considered how your Lord dealt with ʿAad -
﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ ...إلَخْ فَإنَّهُ اسْتِشْهادٌ بِعِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن تَعْذِيبِ عادٍ وأضْرابِهِمُ المُشارِكِينَ لِقَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الطُّغْيانِ والفَسادِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ تَعْلَمْ عِلْمًا يَقِينِيًّا كَيْفَ عَذَّبَ رَبُّكَ عادًا ونَظائِرَهم فَيُعَذِّبُ هَؤُلاءِ أيْضًا لِاشْتِراكِهِمْ فِيما يُوجِبُهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والمُرادُ بِـ"عادٍ": أوْلادُ عادِ بْنِ عَوْصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمُّوا بِاسْمِ أبِيهِمْ كَما سُمِّيَ بَنُو هاشِمٍ هاشِمًا، وقَدْ قِيلَ لِأوائِلِهِمْ عادٌ الأُولى ولِأواخِرِهِمْ عادٌ الآخِرَةُ، قالَ عِمادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ: كُلُّ ما ورَدَ في القرآن خَبَرُ عادٍ الأُولى إلّا ما في سُورَةِ الأحْقافِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إرَمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِـ"عادٍ" لِلْإيذانِ بِأنَّهم عادٌ الأُولى بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: سِبْطُ إرَمَ أوْ أهْلُ إرَمَ عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ إرَمَ اسْمُ بَلْدَتِهِمْ أوْ أرْضِهِمُ الَّتِي كانُوا فِيها، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالإضافَةِ وأيًّا ما كانَ؛ فامْتِناعُ صَرْفِها لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ، وقُرِئَ "إرْمَ" بِإسْكانِ الرّاءِ تَخْفِيفًا كَما قُرِئَ "بِوَرْقِكُمْ".
﴿ذاتِ العِمادِ﴾ صِفَةٌ لِـ"إرَمَ" أيْ: ذاتُ القُدُودِ الطِّوالِ عَلى تَشْبِيهِ قاماتِهِمْ بِالأعْمِدَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: رَجُلٌ عُمُدٌ وعُمُدّانُ إذا كانَ طَوِيلًا، أوْ ذاتُ الخِيامِ والأعْمِدَةِ حَيْثُ كانُوا بَدَوِيِّينَ أهْلَ عُمُدٍ أوْ ذاتُ البِناءِ الرَّفِيعِ، أوْ ذاتُ الأساطِينِ عَلى أنَّ إرَمَ اسْمُ بَلْدَتِهِمْ، وقُرِئَ "إرَمَ ذاتِ العِمادِ" بِإضافَةِ إرَمَ إلى ذاتِ العِمادِ، والإرَمُ: العِلْمُ أيْ: بِعادٍ أهْلِ أعْلامِ ذاتِ العِمادِ عَلى أنَّها اسْمُ بَلْدَتِهِمْ، وقُرِئَ "إرَمَ ذاتَ العِمادِ" أيْ: جَعَلَها اللَّهُ تَعالى رَمِيمًا بَدَلٌ مِن فَعَلَ رَبُّكَ. وقِيلَ: هي جُمْلَةٌ دُعائِيَّةٌ اعْتَرَضَتْ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ لِعادٍ ابْنانِ شَدِيدٌ وشَدّادٌ فَمَلَكا وقَهَرا ثُمَّ ماتَ شَدِيدٌ، وخَلَصَ الأمْرُ لِشَدّادٍ فَمَلَكَ الدُّنْيا ودانَتْ لَهُ مُلُوكُها فَسَمِعَ بِذِكْرِ الجَنَّةِ فَقالَ: أبْنِي مِثْلَها، فَبَنى إرَمَ في بَعْضِ صَحارِي عَدَنٍ في ثُلْثُمِائَةِ سَنَةٍ وهي مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ قُصُورُها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وأساطِينُها مِنَ الزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ، وفِيها أصْنافُ الأشْجارِ والأنْهارِ المُطَّرِدَةِ، ولَمّا تَمَّ بِناؤُها سارَ إلَيْها أهْلُ مَمْلَكَتِهِ، فَلَمّا كانَ مِنها عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُلابَةَ (p-155)
أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ فَوَقَعَ عَلَيْها فَحَمْلَ ما قُدِّرَ عَلَيْهِ مِمّا ثَمَّةَ وبُلِّغَ خَبَرُهُ مُعاوِيَةَ فاسْتَحْضَرَهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ فَبَعَثَ إلى كَعْبٍ فَسَألَهُ فَقالَ: هي إرَمُ ذاتُ العِمادِ، وسَيُدْخِلُها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِكَ أحْمَرُ أشْقَرُ قَصِيرٌ عَلى حاجِبِهِ خالٌ وعَلى عَقِبِهِ خالٌ يَخْرُجُ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ ثُمَّ التَفَتَ إلى ابْنِ قِلابَةَ فَقالَ: هَذا واللَّهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ.
89:8Page 593
ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨
The likes of whom had never been created in the land?
﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"إرَمَ" أيْ: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهم في عِظَمِ الأجْرامِ والقُوَّةِ، حَيْثُ كانَ طُولُ الرَّجُلِ مِنهم أرْبَعُمائَةِ ذِراعٍ وكانَ يَأْتِي الصَّخْرَةَ العَظِيمَةَ فَيَحْمِلُها ويُلْقِيها عَلى الحَيِّ فَيُهْلِكُهُمْ، أولم يُخْلَقْ مِثْلُ مَدِينَةِ شَدّادٍ في جَمِيعِ بِلادِ الدُّنْيا، وقُرِئَ "لَمْ يَخْلُقْ" عَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى.
89:9Page 593
وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ٩
And [with] Thamūd, who carved out the rocks in the valley?
﴿وَثَمُودَ﴾ عَطْفٌ عَلى "عادٍ" وهي قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّهِمْ ثَمُودَ أخِي جَدِيسَ، وهُما ابْنا عامِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانُوا عَرَبًا مِنَ العارِبَةِ يَسْكُنُونَ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ وتَبُوكَ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ كَعادٍ.
﴿الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ أيْ: قَطَعُوا صَخْرَ الجِبالِ فاتَّخَذُوا فِيها بُيُوتًا نَحَتُوها مِنَ الصَّخْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ قِيلَ: هم أوَّلُ مَن نَحَتَ الجِبالَ والصُّخُورَ والرُّخامَ، وقَدْ بَنَوْا ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ مَدِينَةٍ كُلُّها مِنَ الحِجارَةِ.
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ وُصِفَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ جُنُودِهِ وخِيامِهِمُ الَّتِي يَضْرِبُونَها في مَنازِلِهِمْ أوْ لِتَعْذِيبِهِ بِالأوْتادِ.
﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ، أوْ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى الذَّمِّ أيْ: طَغى كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم في بِلادِهِمْ وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: *
﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ وسائِرِ المَعاصِي.
89:13Page 593
فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ١٣
So your Lord poured upon them a scourge of punishment.
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ﴾ أيْ: أنْزَلَ إنْزالأ شَدِيدًا عَلى كُلِّ طائِفَةٍ مِن أُولَئِكَ الطَّوائِفِ عَقِيبَ ما فَعَلَتْهُ مِنَ الطُّغْيانِ والفَسادِ.
﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ: عَذابٌ شَدِيدٍ لا يُدْرَكُ غايَتُهُ، وهو عِبارَةٌ عَمّا حَلَّ بِكُلٍّ مِنهم مِن فُنُونِ العَذابِ الَّتِي شُرِحَتْ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ، وتَسْمِيَتُهُ سَوْطًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ بِمَنزِلَةِ السَّوْطِ عِنْدَ السَّيْفِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ إنْزالِهِ بِالصَّبِّ لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِهِ واسْتِمْرارِهِ وتَتابُعِهِ، فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إراقَةِ شَيْءٍ مائِعٍ أوْ جارٍ مَجْراهُ في السَّيَلانِ كالرَّمْلِ والحُبُوبِ وإفْراغِهِ بِشِدَّةٍ وكَثْرَةٍ واسْتِمْرارٍ ونِسْبَتِهِ إلى السَّوْطِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِهِ في نُزُولِهِ المُتَتابِعِ المُتَدارِكِ عَلى المَضْرُوبِ بِقَطَراتِ الشَّيْءِ المَصْبُوبِ. وقِيلَ: السَّوْطُ: (p-156)
خَلْطُ الشَّيْءِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فالمَعْنى: ما خُلِطَ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ، وقَدْ فُسِّرَ بِالنَّصِيبِ وبِالشِّدَّةِ أيْضًا؛ لِأنَّ السَّوْطَ يُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِنهُما لُغَةً فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ في تَشْبِيهِهِ بِالمَصْبُوبِ إلى اعْتِبارِ تَكَرُّرِ تَعَلُّقِهِ بِالمُعَذَّبِ كَما في المَعْنى الأوَّلِ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَعانِي مِمّا يَقْبَلُ الأسْتِمْرارَ في نَفْسِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وإيذانٌ بِأنَّ كُفّارَ قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَيُصِيبُهم مِثْلُ ما أصابَ المَذْكُورِينَ مِنَ العَذابِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: هو جَوابُ القَسَمِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ والمِرْصادُ: المَكانُ الَّذِي يُتَرَقَّبُ فِيهِ الرَّصْدُ مِفْعالٌ مِن رَصَدَهُ كالمِيقاتِ مِن وقْتِهُ وهَذا تَمْثِيلٌ لِإرْصادِهِ تَعالى بِالعُصاةِ وأنَّهم لا يُفَوِّتُونَهُ.
89:15Page 593
فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ ١٥
And as for man, when his Lord tries him and [thus] is generous to him and favors him, he says, "My Lord has honored me."1
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ ...إلَخْ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى بِصَدَدِ مُراقَبَةِ أحْوالِ عِبادِهِ ومُجازاتِهِمْ بِأعْمالِهِمْ خَيْرًا وشَرًّا، فَأمّا الإنْسانُ فَلا يُهِمُّهُ ذَلِكَ وإنَّما مَطْمَحُ أنْظارِهِ ومَرْصَدُ أفْكارِهِ الدُّنْيا ولَذائِذُها.
﴿إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ أيْ: عامَلَهُ مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيهِ بِالغِنى واليَسارِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ، فَإنَّ الإكْرامَ والتَّنْعِيمَ مِنَ الأبْتِلاءِ.
﴿فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ أيْ: فَضَّلَنِي بِما أعْطانِي مِنَ المالِ والجاهِ حَسْبَما كُنْتُ أسْتَحِقُّهُ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّهُ فَضْلٌ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِ لِيَبْلُوَهُ أيَشْكُرُ أمْ يَكْفُرُ، وهو خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو الإنْسانُ، والفاءُ لِما في "أمّا" مِن مَعْنى الشَّرْطِ، والظَّرْفُ المُتَوَسِّطُ عَلى نِيَّةِ التَّأْخِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأمّا الإنْسانُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وقْتَ ابْتِلائِهِ بِالإنْعامِ، وإنَّما تَقْدِيمُهُ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ الإكْرامَ والتَّنْعِيمَ بِطَرِيقِ الأبْتِلاءِ لِيَتَّضِحَ اخْتِلالُ قَوْلِهِ المَحْكِيِّ.
89:16Page 593
وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ ١٦
But when He tries him and restricts his provision, he says, "My Lord has humiliated me."
﴿وَأمّا إذا ما ابْتَلاهُ﴾ أيْ: وأمّا هو إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ.
﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ.
﴿فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّ ذَلِكَ لِيَبْلُوَهُ أيَصْبِرُ أمْ يَجْزَعُ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الإهانَةِ في شَيْءٍ بَلْ التَّقْتِيرُ قَدْ يُؤَدِّي إلى كَرامَةِ الدّارَيْنِ والتَّوْسِعَةُ قَدْ تُفْضِي إلى خُسْرانِهِما، وقُرِئَ "فَقَدَّرَ" بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَ "أكْرَمَنِي" و"أهانَنِي" بِإثْباتِ الياءِ و"أكْرَمَن" و"أهانَنْ" بِسُكُونِ النُّونِ في الوَقْفِ.
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ مَقالَتِهِ المَحْكِيَّةِ وتَكْذِيبٌ لَهُ فِيها في كِلْتا الحالَتَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعْنى: لَمْ أبْتَلِهِ بِالغِنى لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ ولَمْ أبْتَلِهِ بِالفَقْرِ لِهَوانِهِ عَلَيَّ، بَلْ ذَلِكَ لِمَحْضِ القَضاءِ والقَدَرِ وحَمْلُ الرَّدْعِ والتَّكْذِيبِ إلى قَوْلِهِ الأخِيرِ بَعِيدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ انْتِقالٌ مِن بَيانِ سُوءِ أقْوالِهِ إلى بَيانِ سُوءِ أفْعالِهِ، والألْتِفاتُ إلى الخِطابِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ مُلاحَظَةِ جِنايَتِهِ السّابِقَةِ لِمُشافَهَتِهِ بِالتَّوْبِيخِ تَشْدِيدًا لِلتَّقْرِيعِ وتَأْكِيدًا لِلتَّشْنِيعِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ (p-157)
مَعْنى الإنْسانِ؛ إذِ المُرادُ: هو الجِنْسُ أيْ: بَلْ لَكم أحْوالٌ أشُدُّ شَرًّا مِمّا ذُكِرَ وأدَلُّ عَلى تَهالُكِكم عَلى المالِ حَيْثُ يُكْرِمُكُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَثْرَةِ المالِ فَلا تُؤَدُّونَ ما يَلْزَمُكم فِيهِ مِن إكْرامِ اليَتِيمِ بِالمَبَرَّةِ بِهِ، وقُرِئَ "لا يُكْرِمُونَ".
89:18Page 593
وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ١٨
And you do not encourage one another to feed the poor.
﴿وَلا تَحاضُّونَ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن تَتَحاضُّونَ أيْ: لا يَحُضُّ بَعْضُكم بَعْضًا.
﴿عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ: عَلى إطْعامِهِ، وقُرِئَ "تَحاضُّونَ" مِنَ المُحاضَّةِ، وقُرِئَ "يَحُضُّونَ" بِالياءِ والتّاءِ.
89:19Page 593
وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا ١٩
And you consume inheritance, devouring [it] altogether,1
﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ﴾ أيِ: المِيراثَ وأصْلُهُ وُراثٌ.
﴿أكْلا لَمًّا﴾ أيْ: ذا لَمٍّ أيْ: جَمْعَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ فَإنَّهم كانُوا لا يُورِثُونَ النِّساءَ والصِّبْيانَ ويَأْكُلُونَ أنْصِباءَهم أوْ يَأْكُلُونَ ما جَمَعَهُ المُورِثُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ عالِمِينَ بِذَلِكَ.
﴿وَتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ كَثِيرًا مَعَ حِرْصِ وشَرَهٍ، وقُرِئَ "يُحِبُّونَ" بِالياءِ.
89:21Page 593
كـَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا ٢١
No! When the earth has been leveled - pounded and crushed
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ ...إلَخْ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ بِطَرِيقِ الوَعِيدِ تَعْلِيلًا لِلرَّدْعِ أيْ: إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا مُتَتابِعًا حَتّى انْكَسَرَ وذَهَبَ كُلُّ ما عَلى وجْهِها مِن جِبالٍ وأبْنِيَةٍ وقُصُورٍ حِينَ زُلْزِلَتْ وصارَتْ هَباءً مُنْبَثًّا. وقِيلَ: الدَّكُّ: حَطُّ المُرْتَفِعِ بِالبَسْطِ والتَّسْوِيَةِ، فالمَعْنى: إذا سُوِّيَتْ تَسْوِيَةً بَعْدَ تَسْوِيَةٍ ولَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِها شَيْءٌ حَتّى صارَتْ كالصَّخْرَةِ المَلْساءِ وأيًّا ما كانَ؛ فَهو عِبارَةٌ عَمّا عَرَضَ لَها عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.
89:22Page 593
وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا ٢٢
And your Lord has come1 and the angels, rank upon rank,
﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ أيْ: ظَهَرَتْ آياتُ قدرته وآثارُ قَهْرِهِ مِثْلَ ذَلِكَ بِما يَظْهَرُ عِنْدَ حُضُورِ السُّلْطانِ مِن أحْكامِ هَيْبَتِهِ وسِياسَتِهِ. وقِيلَ: جاءَ أمْرُهُ تَعالى وقَضاؤُهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ لِلتَّهْوِيلِ.
﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ أيْ: مُصْطَفِّينَ أوْ ذَوِي صُفُوفٍ فَإنَّهُ يَنْزِلُ يَوْمَئِذٍ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ فَيَصْطَفُّونَ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ ومَراتِبِهِمْ مُحَدِّقِينَ بِالجِنِّ والإنْسِ.
89:23Page 593
وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ ٢٣
And brought [within view], that Day, is Hell - that Day, man will remember, but how [i.e., what good] to him will be the remembrance?
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الجحيم﴾ . قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُقاتِلٌ: تُقادُ جَهَنَّمُ بِسَبْعِينَ ألْفَ زِمامٍ كُلُّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها حَتّى تُنْصَبَ عَنْ يَسارِ العَرْشِ لَها تَغَيُّظٌ وزَفِيرٌ وقَدْ رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بَدَلٌ مِن "إذا دُكَّتْ" والعامِلُ فِيهِما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ أيْ: يَتَذَكَّرُ ما فَرَّطَ فِيهِ بِتَفاصِيلِهِ بِمُشاهَدَةِ آثارِهِ وأحْكامِهِ أوْ بِمُعايَنَةِ عَيْنِهِ عَلى أنَّ الأعْمالَ تَتَجَسَّمُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ فَيَبْرُزُ كُلٌّ مِنَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ بِما يُناسِبُها مِنَ الصُّوَرِ الحَسَنَةِ (p-158)
والقَبِيحَةِ أوْ يَتَّعِظُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ لَيْسَ يَتَذَكَّرُ حَقِيقَةً لِعِرائِهِ عَنِ الجَدْوى بِعَدَمِ وُقُوعِهِ في أوانِهِ و"أنّى" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و"الذِّكْرى" مُبْتَدَأٌ و"لَهُ" مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ أيْ: ومِن أيْنَ يَكُونُ لَهُ الذِّكْرى وقَدْ فاتَ أوانُها. وقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأنّى لَهُ مَنفَعَةُ الذِّكْرى والاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ قَبُولِ التَّوْبَةِ في دارِ التَّكْلِيفِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ عَلى أنَّ تُذَكِّرَهُ لَيْسَ مِن التَّوْبَةِ في شَيْءٍ فَإنَّهُ عالِمٌ بِأنَّها إنَّما تَكُونُ في الدُّنْيا كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: *
89:24Page 594
يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي ٢٤
He will say, "Oh, I wish I had sent ahead [some good] for my life."1
﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "يَتَذَكَّرُ" أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَقُولُ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ؟ فَقِيلَ: يَقُولُ: يا لَيْتَنِي عَمِلْتُ لِأجْلِ حَياتِي هَذِهِ أوْ وقْتَ حَياتِي في الدُّنْيا أعْمالأ صالِحَةً أنْتَفِعُ بَها اليَوْمَ، ولَيْسَ في هَذا التَّمَنِّي شائِبَةُ دَلالَةٌ عَلى اسْتِقْلالِ العَبْدِ بِفِعْلِهِ، وإنَّما الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ اعْتِقادُ كَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مِن تَقْدِيمِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأمّا أنَّ ذَلِكَ بِمَحْضِ قدرته أوْ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ صَرْفِ قدرته الكاسِبَةِ إلَيْهِ فَكَلاَّ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَحْجُورَ قَدْ يَتَمَنّى إنْ كانَ مُمْكِنًا مِنهُ فَرُبَّما يُوهِمُ أنَّ مَن صَرَفَ قدرته إلى أحَدِ طَرَفَيْ الفِعْلِ يَعْتَقِدُ أنَّهُ مَحْجُورٌ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ أحَدٍ جازِمٌ بِأنَّهُ لَوْ صَرَفَ قدرته إلى أيِّ طَرَفٍ كانَ مِن أفْعالِهِ الأخْتِيارِيَّةِ لَحَصَلَ وعَلى هَذا يَدُورُ فَلَكُ التَّكْلِيفِ وإلْزامُ الحُجَّةِ.
89:25Page 594
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٥
So on that Day, none will punish [as severely] as His punishment,
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَكُونُ ما ذُكِرَ مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ.
﴿لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ .
89:26Page 594
وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٦
And none will bind [as severely] as His binding [of the evildoers].
﴿وَلا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ الهاءُ لِلَّهِ تَعالى أيْ: لا يَتَوَلّى عَذابَ اللَّهِ تَعالى ووِثاقَهُ أحَدٌ سِواهُ إذِ الأمْرُ كُلُّهُ لَهُ أوْ لِلْإنْسانِ أيْ: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ مِنَ الزَّبانِيَةِ مِثْلَ ما يُعَذِّبُونَهُ، وقُرِئَ الفِعْلانِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والضَّمِيرُ لِلْإنْسانِ أيْضًا، وقِيلَ المُرادُ بِهِ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أيْ: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ مِثْلَ عَذابِهِ ولا يُوثِقُ بِالسَّلاسِلِ والأغْلالِ مِثْلَ وِثاقِهِ لِتَناهِيهِ في الكُفْرِ والعِنادِ. وقِيلَ: لا يَحْمِلُ عَذابَ الإنْسانِ أحَدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ .
89:27Page 594
يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ ٢٧
[To the righteous it will be said], "O reassured soul,
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ حِكايَةٌ لِأحْوالِ مَنِ اطْمَأنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وطاعَتِهِ إثْرَ حِكايَةِ أحْوالِ مَنِ اطْمَأنَّ بِالدُّنْيا، وُصِفَتْ بِالاطْمِئْنانِ لِأنَّها تَتَرَقى في مَعارِجِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ إلى المَبْدَأِ المُؤَثِّرِ بِالذّاتِ فَتَسْتَقِرُّ دُونَ مَعْرِفَتِهِ وتَستْغِنِي بِهِ في وُجُودِها وسائِرِ شُؤُنِها عَنْ غَيْرِهِ بِالكُلِّيَّةِ. وقِيلَ: هي النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ إلى الحَقِّ الواصِلَةُ إلى ثَلَجِ اليَقِينِ بِحَيْثُ لا يُخالِجُها شَكٌّ ما؛ وقِيلَ: هي الآمِنَةُ الَّتِي لا يَسْتَفِزُّها خَوْفٌ ولا حُزْنٌ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: "يا أيَّتُها النَّفْسُ الآمِنَةُ المُطْمَئِنَّةُ" أيْ: يَقُولُ (p-159)
اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِالذّاتِ كَما كَلَّمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ عَلى لِسانِ المَلَكِ عِنْدَ تَمامِ حِسابِ النّاسِ، وهو الأظْهَرُ، وقِيلَ: عِنْدَ البَعْثِ. وقِيلَ: عِنْدَ المَوْتِ.
89:28Page 594
ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ ٢٨
Return to your Lord, well-pleased and pleasing [to Him],
﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ أيْ: إلى مَوْعِدِهِ أوْ إلى أمْرِهِ.
﴿راضِيَةً﴾ بِما أُوتِيَتِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ،
﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ في زُمْرَةِ عِبادِي الصّالِحِينَ المُخْتَصِّينَ بِي.
﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ مَعَهم أوِ انْتَظِمِي في سِلْكِ المُقَرَّبِينَ واسْتَضِيئِي بِأنْوارِهِمْ؛ فَإنَّ الجَواهِرَ القُدْسِيَّةَ كالمَرايا المُتَقابِلَةِ، وقِيلَ المُرادُ بِالنَّفْسِ: الرُّوحُ، والمَعْنى: فادْخُلِي أجْسادَ عِبادِي الَّتِي فارَقَتْ عَنْها وادْخُلِي دارَ ثَوابِي، وهَذا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الخِطابِ عِنْدَ البَعْثِ، وقُرِئَ: "فادْخُلِي في عِبادِي"، وقُرِئَ "فِي جَسَدِ عَبْدِي"، وقِيلَ: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلَبِ، وقِيلَ: في حَبِيبِ بْنِ عَدِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والظّاهِرُ العُمُومُ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الفَجْرِ في اللَّيالِي العَشْرِ غُفِرَ لَهُ، ومَن قَرَأها في سائِرِ الأيّامِ كانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ".»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences