Abu as-Su'udAt‑Tawbah · 9:7–17

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:7–17

9:7Page 188

كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧

How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allāh and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Ḥarām? So as long as they are upright toward you,1 be upright toward them. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ شُرُوعٌ في تَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ ما سَبَقَ مِنَ البَراءَةِ وأحْكامِها المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْها، وتَبْيِينِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ، والمُرادُ بِالمُشْرِكِينَ النّاكِثُونَ؛ لِأنَّ البَراءَةَ إنَّما هي في شَأْنِهِمْ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ لا بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ ... إلَخْ، بَلْ بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ، ويَكُونُ مِنَ الكَوْنِ التّامِّ، وكَيْفَ في مَحَلِّ (p-45)النَّصْبِ عَلى التَّشْبِيهِ بِالحالِ أوِ الظَّرْفِ.

وَقِيلَ: مِنَ الكَوْنِ النّاقِصِ، وكَيْفَ خَبَرٌ يَكُونُ قُدِّمَ عَلى اسْمِهِ وهو (عَهْدٌ) لِاقْتِضائِهِ الصَّدارَةَ؟ ولِلْمُشْرِكِينَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (عَهْدٌ) ولَوْ كانَ مُؤَخَّرًا لَكانَ صِفَةً لَهُ، أوْ بِـ(يَكُونُ) عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ عَمَلَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ في الظُّرُوفِ و(عِنْدَ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(عَهْدٌ) أوْ بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ بِـ(يَكُونُ) كَما مَرَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ لِلْمُشْرِكِينَ و(عِنْدَ) كَما ذُكِرَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ لِلْمُشْرِكِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (عِنْدَ اللَّهِ) ولِلْمُشْرِكِينَ إمّا تَبْيِينٌ وإمّا حالٌ مِن (عَهْدٌ) وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَكُونُ) أوْ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، ولا يُبالى بِتَقْدِيمِ مَعْمُولِ الخَبَرِ عَلى الِاسْمِ؛ لِكَوْنِهِ حَرْفَ جَرٍّ، و(كَيْفَ) عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ نَصْبٌ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوِ الحالِ؟ كَما في صُورَةِ الكَوْنِ التّامِّ وهو الأوْلى؛ لِأنَّ في إنْكارِ ثُبُوتِ العَهْدِ في نَفْسِهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في إنْكارِ ثُبُوتِهِ لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ ثُبُوتَهُ الرّابِطِيَّ فَرْعُ ثُبُوتِهِ العَيْنِيِّ، فانْتِفاءُ الأصْلِ يُوجِبُ انْتِفاءَ الفَرْعِ رَأْسًا، وفي تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِ العَهْدِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِهِ إلى ثُبُوتِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ قَطْعًا، فَإذا انْتَفى جَمِيعُ أحْوالِ وُجُودِهِ فَقَدِ انْتَفى وجُودُهُ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، أيْ: عَلى أيِّ - أوْ في أيِّ - حالٍ يُوجَدُ لَهم عَهْدٌ مُعْتَدٌّ بِهِ.

﴿عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ يَسْتَحِقُّ أنْ يُراعى حُقُوقُهُ ويُحافَظَ عَلَيْهِ إلى إتْمامِ المُدَّةِ، ولا يُتَعَرَّضَ لَهم بِحَسَبِهِ قَتْلًا ولا أخْذًا، وأمّا أنْ يَأْمَنُوا بِهِ مِن عَذابِ الآخِرَةِ - كَما قِيلَ - فَلا سَبِيلَ إلى اعْتِبارِهِ أصْلًا إذْ لا دَخْلَ لِعَهْدِهِمْ في ذَلِكَ الأمْنِ قَطْعًا، وإنْ كانَ مَرْعِيًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ رَسُولِهِ كَعَهْدِ غَيْرِ النّاكِثِينَ، وتَكْرِيرُ كَلِمَةِ (عِنْدَ) لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِ عِنْدَ كُلٍّ مِنهُما عَلى حِدَةٍ.

﴿إلا الَّذِينَ﴾ اسْتِدْراكٌ مِنَ النَّفْيِ المَفْهُومِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ المُتَبادَرِ شُمُولُهُ لِجَمِيعِ المُعاهَدِينَ، أيْ: لَكِنَّ الَّذِينَ ﴿عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وهُمُ المُسْتَثْنَوْنَ فِيما سَلَفَ، والتَّعَرُّضُ لِكَوْنِ المُعاهَدَةِ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ لِزِيادَةِ بَيانِ أصْحابِها، والإشْعارِ بِسَبَبِ وكادَتِها، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ، و"ما" إمّا مَصْدَرِيَّةٌ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: فاسْتَقِيمُوا لَهم مُدَّةَ اسْتِقامَتِهِمْ لَكُمْ، وإمّا شَرْطِيَّةٌ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ عَلى الظَّرْفِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ، أيْ: أيَّ زَمانٍ اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ، أوْ مَرْفُوعَةٌ عَلى الِابْتِداءِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أيُّ زَمانٍ اسْتَقامُوا لَكم فِيهِ فاسْتَقِيمُوا لَهم فِيهِ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الأصْلِ، أوِ الجَرُّ عَلى البَدَلِ مِنَ المُشْرِكِينَ، والمُرادُ بِهِمُ الجِنْسُ لا المَعْهُودُ، وأيًّا ما كانَ فَحُكْمُ الأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ يَنْتَهِي بِانْتِهاءِ مُدَّةِ العَهْدِ؛ لِأنَّ اسْتِقامَتَهُمُ الَّتِي وُقِّتَ بِوَقْتِها الِاسْتِقامَةُ المَأْمُورُ بِها عِبارَةٌ عَنْ مُراعاةِ حُقُوقِ العَهْدِ، وبَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّتِهِ لا عَهْدَ ولا اسْتِقامَةَ، فَصارَ عَيْنَ الأمْرِ الوارِدِ فِيما سَلَفَ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿ (فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ)﴾ خَلا أنَّهُ قَدْ صَرَّحَ هَهُنا بِما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هُناكَ - مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا قَطْعًا - وهو تَقْيِيدُ الإتْمامِ المَأْمُورِ بِهِ بِبَقائِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الوَفاءِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ، وإشْعارٌ بِأنَّ القِيامَ بِمُوجِبِ العَهْدِ مِن أحْكامِ التَّقْوى كَما مَرَّ.

9:8Page 188

كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨

How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.

﴿كَيْفَ﴾ تَكْرِيرٌ لِاسْتِنْكارِ ما مَرَّ مِن أنْ (p-46)يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ حَقِيقٌ بِالمُراعاةِ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وعِنْدَ رَسُولِهِ ﷺ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ لِاسْتِبْعادِ ثَباتِهِمْ عَلى العَهْدِ فَكَما تَرى؛ لِأنَّ ما يُذْكَرُ بِصَدَدِ التَّعْلِيلِ لِلِاسْتِبْعادِ عَيْنُ عَدَمِ ثَباتِهِمْ عَلى العَهْدِ لا أنَّهُ شَيْءٌ يَسْتَدْعِيهِ، وإنَّما أُعِيدَ الِاسْتِنْكارُ والِاسْتِبْعادُ تَأْكِيدًا لَهُما وتَمْهِيدًا لِتَعْدادِ العِلَلِ المُوجِبَةِ لَهُما لِإخْلالٍ تَخَلَّلَ ما في البَيْنِ مِنَ الِارْتِباطِ والتَّقْرِيبِ، وحَذْفُ الفِعْلِ المُسْتَنْكَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ النَّفْسَ مُسْتَحْضِرَةٌ لَهُ مُتَرَقِّبَةٌ لِوُرُودِ ما يُوجِبُ اسْتِنْكارَهُ، لا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَعْلُومًا كَما في قَوْلِهِ:

؎ وخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ بِالقُرى فَكَيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وقَلِيبُ

فَإنَّهُ عِلَّةٌ مُصَحِّحَةٌ لا مُرَجِّحَةٌ، أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ مُعْتَدٌّ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ رَسُولِهِ ﷺ؟! ﴿وَإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: وحالُهم أنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ، أيْ: يَظْفَرُوا بِكم ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ أيْ: لا يُراعُوا في شَأْنِكُمْ، وأصْلُ الرَّقُوبِ النَّظَرُ بِطَرِيقِ الحِفْظِ والرِّعايَةِ، ومِنهُ الرَّقِيبُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُطْلَقِ الرِّعايَةِ، والمُراقَبَةُ أبْلَغُ مِنهُ كالمُراعاةِ، وفي نَفْيِ الرَّقُوبِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في نَفْيِها.

﴿إلا ولا ذِمَّةً﴾ أيْ: حِلْفًا، وقِيلَ: قَرابَةً ولا عَهْدًا، أوْ حَقًّا يُعابُ عَلى إغْفالِهِ مَعَ ما سَبَقَ لَهم مِن تَأْكِيدِ الأيْمانِ والمَواثِيقِ، يَعْنِي: أنَّ وُجُوبَ مُراعاةِ حُقُوقِ العَهْدِ عَلى كُلٍّ مِنَ المُتَعاهِدَيْنِ مَشْرُوطٌ بِمُراعاةِ الآخَرِ لَها فَإذا لَمْ يُراعِها المُشْرِكُونَ فَكَيْفَ تُراعُونَها؟! عَلى مِنوالِ قَوْلِ مَن قالَ:

؎ عَلامَ تَقْبَلُ مِنهم فَدِيَةً وهم ∗∗∗ لا فِضَّةً قَبِلُوا مِنّا ولا ذَهَبا؟

وَقِيلَ: الإلُّ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أيْ: لا يُراعُوا حَقَّ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: الجِوارُ ومَآلُهُ الحِلْفُ؛ لِأنَّهم إذا تَماسَحُوا وتَحالَفُوا رَفَعُوا بِهِ أصْواتَهم لِتَشْهِيرِهِ، ولَمّا كانَ تَعْلِيقُ عَدَمِ رِعايَةِ العَهْدِ بِالظَّفَرِ مُوهِمًا لِلرِّعايَةِ عِنْدَ عَدَمِهِ كَشَفَ عَنْ حَقِيقَةِ شُئُونِهِمُ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، وبَيَّنَ أنَّهم في حالَةِ العَجْزِ أيْضًا لَيْسُوا مِنَ الوَفاءِ في شَيْءٍ، وأنَّ ما يُظْهِرُونَهُ مُداهَنَةٌ لا مُهادَنَةٌ، فَقِيلَ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾ حَيْثُ يُظْهِرُونَ الوَفاءَ والمُصافاةَ، ويُعِدُونَ لَكم بِالإيمانِ والطّاعَةِ، ويُؤَكِّدُونَ ذَلِكَ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ، ويَتَعَلَّلُونَ عِنْدَ ظُهُورِ خِلافِهِ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ، ونِسْبَةُ الإرْضاءِ إلى الأفْواهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كَلامَهم مُجَرَّدُ ألْفاظٍ يَتَفَوَّهُونَ بِها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها مِصْداقٌ في قُلُوبِهِمْ ﴿وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ ما يُفِيدُهُ كَلامُهم ﴿وَأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنِ الطّاعَةِ، فَإنَّ مُراعاةَ حُقُوقِ العَهْدِ مِن بابِ الطّاعَةِ، مُتَمَرِّدُونَ لَيْسَتْ لَهم مُرُوءَةٌ رادِعَةٌ، ولا عَقِيدَةٌ وازِعَةٌ، ولا يَتَسَتَّرُونَ كَما يَتَعاطاهُ بَعْضُهم مِمَّنْ يَتَفادى عَنِ الغَدْرِ ويَتَعَفَّفُ عَمّا يَجُرُّ أُحْدُوثَةَ السُّوءِ.

9:9Page 188

ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩

They have exchanged the signs of Allāh for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ﴾ بِآياتِهِ الآمِرَةِ بِالإيفاءِ بِالعُهُودِ والِاسْتِقامَةِ في كُلِّ أمْرٍ، أوْ بِجَمِيعِ آياتِهِ، فَيَدْخُلُ فِيها ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أيْ: تَرَكُوها وأخَذُوا بَدَلَها ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: شَيْئًا حَقِيرًا مِن حُطامِ الدُّنْيا، وهو أهْواؤُهم وشَهَواتُهُمُ الَّتِي اتَّبَعُوها، أوْ ما أنْفَقَهُ أبُو سُفْيانَ مِنَ الطَّعامِ وصَرَفَهُ إلى الأعْرابِ ﴿فَصَدُّوا﴾ أيْ: عَدَلُوا ونَكَبُوا، مِن صَدَّ صُدُودًا، أوْ صَرَفُوا غَيْرَهُمْ، مِن صَدَّ صَدًّا، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ الِاشْتِراءِ لِذَلِكَ ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيِ: الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ، أوْ سَبِيلِ بَيْتِهِ الحَرامِ، حَيْثُ كانُوا يَصُدُّونَ الحُجّاجَ والعُمّارَ عَنْهُ.

﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ أوْ عَمَلُهُمُ المُسْتَمِرُّ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ (ساءَ) عَلى أصْلِها مِنَ التَّصَرُّفِ لازِمَةً بِمَعْنى قَبُحَ، أوْ مُتَعَدِّيَةً والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ساءَهُمُ الَّذِي (p-47)يَعْمَلُونَهُ، أوْ عَمَلُهم وقَوْلُهُ عِزَّ وعَلا:

9:10Page 188

لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ ١٠

They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.

﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً﴾ ناعٍ عَلَيْهِمْ عَدَمَ مُراعاةِ حُقُوقِ عَهْدِ المُؤْمِنِينَ عَلى الإطْلاقِ فَلا تَكْرارَ، وقِيلَ: هَذا في اليَهُودِ أوْ في الأعْرابِ المَذْكُورِينَ، ومَن يَحْذُو حَذْوَهُمْ، وأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "يَعْمَلُونَ" أوْ دَلِيلٌ عَلى ما هو مَخْصُوصٌ بِالذَّمِّ فَمُشْعِرٌ بِاخْتِصاصِ الذَّمِّ والسُّوءِ بِعَمَلِهِمْ هَذا دُونَ غَيْرِهِ ﴿وَأُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما عُدِّدَ مِنَ الصِّفاتِ السَّيِّئَةِ ﴿هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ المُجاوِزُونَ الغايَةَ القُصْوى مِنَ الظُّلْمِ والشَّرارَةِ.

9:11Page 188

فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١١

But if they repent, establish prayer, and give zakāh, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

﴿فَإنْ تابُوا﴾ أيْ: عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وسائِرِ العَظائِمِ، والفاءُ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَقْرِيعَهم بِما نُعِيَ عَلَيْهِمْ مِن مَساوِئِ أعْمالِهِمْ مَزْجَرَةٌ عَنْها ومَظِنَّةٌ لِلتَّوْبَةِ ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ أيِ: التَزَمُوهُما وعَزَمُوا عَلى إقامَتِهِما ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الدِّينِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِإخْوانِكُمْ، لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ أيْ: لَهم ما لَكم وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكُمْ، فَعامِلُوهم مُعامَلَةَ الإخْوانِ، وفِيهِ مِنِ اسْتِمالَتِهِمْ واسْتِجْلابِ قُلُوبِهِمْ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، والِاخْتِلافُ بَيْنَ جَوابِ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ وجَوابِ الَّتِي مَرَّتْ مِن قَبْلُ مَعَ اتِّحادِ الشَّرْطِ فِيهِما لِما أنَّ الأوْلى سِيقَتْ إثْرَ الأمْرِ بِالقَتْلِ ونَظائِرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ جَوابُها أمْرًا بِخِلافِ ذَلِكَ، وهَذِهِ سِيقَتْ بَعْدَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالِاعْتِداءِ وأشْباهِهِ فَلا بُدَّ مِن كَوْنِ جَوابِها حُكْمًا بِخِلافِهِ البَتَّةَ.

﴿وَنُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ: نُبَيِّنُها، والمُرادُ بِها: إمّا ما مَرَّ مِنَ الآياتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ المُشْرِكِينَ مِنَ النّاكِثِينَ وغَيْرِهِمْ وأحْكامِهِمْ حالَتَيِ الكُفْرِ والإيمانِ، وإمّا جَمِيعُ الآياتِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها تِلْكَ الآياتُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: ما فِيها مِنَ الأحْكامِ أوْ لِقَوْمٍ عالِمِينَ، وهو اعْتِراضٌ لِلْحَثِّ عَلى التَّأمُّلِ في الأحْكامِ المُنْدَرِجَةِ في تَضاعِيفِها والمُحافَظَةِ عَلَيْها.

9:12Page 188

وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ ١٢

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then combat the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

﴿وَإنْ نَكَثُوا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "فَإنَّ تابُوا" أيْ: وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بَلْ نَقَضُوا ﴿أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ المُوَثَّقِ بِها، وأظْهَرُوا ما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ الشَّرِّ، وأخْرَجُوهُ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: (وَإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا" ... الآيَةَ، أوْ ثَبَتُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ النَّكْثِ، لا أنَّهُمُ ارْتَدَوْا بَعْدَ الإيمانِ- كَما قِيلَ - ﴿وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ﴾ قَدَحُوا فِيهِ بِصَرِيحِ التَّكْذِيبِ وتَقْبِيحِ الأحْكامِ ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ: فَقاتِلُوهُمْ، وإنَّما أُوثِرَ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِلْإيذانِ بِأنَّهم صارُوا بِذَلِكَ ذَوِي رِياسَةٍ وتَقَدُّمٍ في الكُفْرِ، أحِقّاءَ بِالقَتْلِ والقِتالِ، وقِيلَ المُرادُ بِأئِمَّتِهِمْ رُؤَساؤُهم وصَنادِيدُهُمْ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ إمّا لِأهَمِّيَةِ قَتْلِهِمْ، أوْ لِلْمَنعِ مِن مُراقَبَتِهِمْ لِكَوْنِهِمْ مَظِنَّةً لَها، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ، فَإنَّ قَتْلَهم غالِبًا يَكُونُ بَعْدَ قَتْلِ مَن دُونَهُمْ، وقُرِئَ (أئِمَّةَ) بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ عَلى الأصْلِ، والأفْصَحُ إخْراجُ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، (p-48)وَأمّا التَّصْرِيحُ بِالياءِ فَلَحْنٌ ظاهِرٌ عِنْدَ الفَرّاءِ ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ حَيْثُ لا يُراعُونَها ولا يَعُدُّونَ نَقْضَها مَحْذُورًا، وإنْ أجْرَوْها عَلى ألْسِنَتِهِمْ، وإنَّما عُلِّقَ النَّفْيُ بِها - كالنَّكْثِ فِيما سَلَفَ لا بِالعَهْدِ المُؤَكَّدِ بِها - لِأنَّها العُمْدَةُ في المَواثِيقِ، وجَعْلُ الجُمْلَةِ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالقِتالِ لا يُساعِدُهُ تَعْلِيقُهُ بِالنَّكْثِ والطَّعْنِ؛ لِأنَّ حالَهم في أنْ لا أيْمانَ لَهم حَقِيقَةً بَعْدَ النَّكْثِ والطَّعْنِ كَحالِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، وحَمْلُهُ عَلى مَعْنى عَدَمِ بَقاءِ أيْمانِهِمْ بَعْدَ النَّكْثِ والطَّعْنِ - مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى بَيانِهِ - خِلافُ الظّاهِرِ، ولَعَلَّ الأوْلى جَعْلُها تَعْلِيلًا لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ نَكَثُوا وطَعَنُوا، كَما هو المُتَوَقَّعُ مِنهُمْ، إذْ لا أيْمانَ لَهم حَقِيقَةً حَتّى لا يَنْكُثُوها، أوْ لِاسْتِمْرارِ القِتالِ المَأْمُورِ بِهِ المُسْتَفادِ مِن سِياقِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَقاتِلُوهم إلى أنْ يُؤْمِنُوا إنَّهم لا أيْمانَ لَهم حَتّى يُعْقَدَ مَعَهم عَهْدٌ آخَرُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى إعْطاءِ الأمانِ، أيْ: لا سَبِيلَ إلى أنْ تُعْطُوهم أمانًا بَعْدَ ذَلِكَ أبَدًا، وأمّا العَكْسُ - كَما قِيلَ - فَلا وجْهَ لَهُ لِإشْعارِهِ بِأنَّ مُعاهَدَتَهم مَعَنا عَلى طَرِيقَةِ أنْ يَكُونَ إعْطاءُ الأمانِ مِن قِبَلِهِمْ، وذَلِكَ بَيِّنُ البُطْلانِ، أوْ بِمَعْنى الإسْلامِ، فَفي كَوْنِهِ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالقِتالِ إشْكالٌ بَلِ اسْتِحالَةٌ؛ لِأنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلى انْتِفاءِ الإسْلامِ مُطْلَقًا فَهو بِمَعْزِلٍ عَنِ العِلِّيَّةِ لِلْقِتالِ، أوْ لِلْأمْرِ بِهِ كَما قَبْلَ النَّكْثِ والطَّعْنِ، وإنْ حُمِلَ عَلى انْتِفائِهِ فِيما سَيَأْتِي فَلا يُلائِمُ جَعْلَ الِانْتِهاءِ غايَةً لِلْقِتالِ فِيما سَيَجِيءُ، فالوَجْهُ أنْ يُجْعَلَ تَعْلِيلًا لِما ذُكِرَ مِن مَضْمُونِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ نَكَثُوا وطَعَنُوا، وهو الظّاهِرُ مِن حالِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا إسْلامَ لَهم حَتّى يَرْتَدِعُوا عَنْ نَقْضِ جِنْسِ أيْمانِهِمْ، وعَنِ الطَّعْنِ في دِينِكم.

﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَقاتِلُوا" أيْ: قاتِلُوهم إرادَةَ أنْ يَنْتَهُوا، أيْ: لِيَكُنْ غَرَضُكم مِنَ القِتالِ انْتِهاءَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وسائِرِ العَظائِمِ الَّتِي يَرْتَكِبُونَها، لا إيصالَ الأذِيَّةِ بِهِمْ كَما هو دَيْدَنُ المُؤْذِينَ.

9:13Page 188

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣

Would you not fight against a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allāh has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

﴿ألا تُقاتِلُونَ﴾ الهَمْزَةُ الدّاخِلَةُ عَلى انْتِفاءِ مُقاتَلَتِهِمْ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ تَدُلُّ عَلى تَحْضِيضِهِمْ عَلى المُقاتَلَةِ بِطَرِيقِ حَمْلِهِمْ عَلى الإقْرارِ بِانْتِفائِها، كَأنَّهُ أمْرٌ لا يُمْكِنُ أنْ يُعْتَرَفَ بِهِ طائِعًا لِكَمال شَناعَتِهِ، فَيَلْجَئُونَ إلى ذَلِكَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى الإقْرارِ بِهِ فَيَخْتارُونَ المُقاتَلَةَ ﴿قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ الَّتِي حَلَفُوها عِنْدَ المُعاهَدَةِ عَلى أنْ لا يُعاوِنُوا عَلَيْهِمْ فَعاوَنُوا بَنِي بَكْرٍ عَلى خُزاعَةَ ﴿وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ مِن مَكَّةَ حِينَ تَشاوَرُوا في أمْرِهِ بِدارِ النَّدْوَةِ، حَسْبَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: (وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فَيَكُونُ نَعْيًا عَلَيْهِمْ جِنايَتَهُمُ القَدِيمَةَ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ نَكَثُوا عَهْدَ الرَّسُولِ ﷺ وهَمُّوا بِإخْراجِهِ مِنَ المَدِينَةِ ﴿وَهم بَدَءُوكُمْ﴾ بِالمُعاداةِ والمُقاتَلَةِ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَهم أوَّلًا بِالكِتابِ المُبِينِ وتَحَدّاهم بِهِ، فَعَدَلُوا عَنِ المُحاجَّةِ لِعَجْزِهِمْ عَنْها إلى المُقاتَلَةِ، أوْ بَدَءُوا بِقِتالِ خُزاعَةَ حُلَفاءِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ إعانَةَ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ قِتالٌ مَعَهم.

﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أيْ: أتَخْشَوْنَ أنْ يَنالَكم مِنهم مَكْرُوهٌ حَتّى تَتْرُكُوا قِتالَهُمْ، وبَّخَهم أوَّلًا بِتَرْكِ مُقاتَلَتِهِمْ وحَضَّهم عَلَيْها، ثُمَّ وصَفَهم بِما يُوجِبُ الرَّغْبَةَ فِيها، ويُحَقِّقُ أنَّ مَن كانَ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ السَّيِّئَةِ حَقِيقٌ بِأنْ لا تُتْرَكَ مُصادَمَتُهُ، ويُوَبَّخَ مَن فَرَّطَ فِيها ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ (p-49)بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ وتَرْكِ قِتالِ أعْدائِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ تَخْصِيصُ الخَشْيَةِ بِهِ تَعالى، وعَدَمُ المُبالاةِ بِمَن سِواهُ، وفِيهِ مِنَ التَّشْدِيدِ ما لا يَخْفى.

9:14Page 189

قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤

Fight them; Allāh will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts [i.e., desires] of a believing people

﴿قاتِلُوهُمْ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ بَعْدَ التَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِ، ووَعْدٌ بِنَصْرِهِمْ، وبِتَعْذِيبِ أعْدائِهِمْ وإخْزائِهِمْ، وتَشْجِيعٌ لَهم ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ﴾ قَتْلًا وأسْرًا ﴿وَيَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: يَجْعَلُكم جَمِيعًا غالِبِينَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، ولِذَلِكَ أُخِّرَ عَنِ التَّعْذِيبِ والإجْزاءِ ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدِ القِتالَ، وهم خُزاعَةُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «هم بُطُونٌ مِنَ اليَمَنِ وسَبَأٍ قَدِمُوا مَكَّةَ فَأسْلَمُوا، فَلَقَوْا مِن أهْلِها أذًى كَثِيرًا، فَبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَشْكُونَ إلَيْهِ، فَقالَ ﷺ: «أبْشِرُوا فَإنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ».»

9:15Page 189

وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٥

And remove the fury in their [i.e., the believers'] hearts. And Allāh turns in forgiveness to whom He wills; and Allāh is Knowing and Wise.

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ بِما كابَدُوا مِنَ المَكارِهِ والمَكايِدِ، ولَقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ سُبْحانَهُ جَمِيعَ ما وعَدَهم بِهِ عَلى أجْمَلِ ما يَكُونُ، فَكانَ إخْبارُهُ ﷺ بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ مُعْجِزَةً عَظِيمَةً ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يُنْبِئُ عَمّا سَيَكُونُ مِن بَعْضِ أهْلِ مَكَّةَ مِنَ التَّوْبَةِ المَقْبُولَةِ، بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ تَعالى المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، فَكانَ كَذَلِكَ حَيْثُ أسْلَمَ ناسٌ مِنهم وحَسُنَ إسْلامُهُمْ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ (أنْ) ودُخُولُ التَّوْبَةِ في جُمْلَةِ ما أُجِيبَ بِهِ الأمْرُ بِحَسَبِ المَعْنى، فَإنَّ القِتالَ - كَما هو سَبَبٌ لِفَلِّ شَوْكَتِهِمْ وإلانَةِ شَكِيمَتِهِمْ - فَهو سَبَبٌ لِلتَّدَبُّرِ في أمْرِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ولِلِاخْتِلافِ في وجْهِ السَّبَبِيَّةِ غُيِّرَ السَّبْكُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿واللَّهُ﴾ إيثارُ إظْهارِ الجَلالَةِ عَلى الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ﴿عَلِيمٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَفْعَلُ ولا يَأْمُرُ إلّا بِما فِيهِ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ.

9:16Page 189

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٦

Do you think that you will be left [as you are] while Allāh has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allāh, His Messenger and the believers as intimates? And Allāh is [fully] Aware of what you do.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ جِيءَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ السّابِقِ إلى آخَرَ، وما فِيها مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ تَوْبِيخٌ لَهم عَلى الحُسْبانِ المَذْكُورِ، أيْ: بَلْ أحَسِبْتُمْ ﴿أنْ تُتْرَكُوا﴾ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ولا تُؤْمَرُوا بِالجِهادِ، ولا تُبْتَلُوا بِما يُمَحِّصُكُمْ، والخِطابُ إمّا لِمَن شَقَّ عَلَيْهِمُ القِتالُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ لِلْمُنافِقِينَ ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ الواوُ حالِيَّةٌ، ولَمّا لِلنَّفْيِ مَعَ التَّوَقُّعِ، والمُرادُ مِن نَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، إذْ لَوْ شُمَّ رائِحَةُ الوُجُودِ لَعُلِمَ قَطْعًا، فَلَمّا لَمْ يُعْلَمْ لَزِمَ عَدَمُهُ قَطْعًا، أيْ: أمْ حَسَبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا والحالُ أنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنِ الخُلَّصُ مِنَ المُجاهِدِينَ مِنكم مِن غَيْرِهِمْ، وما في (لَمّا) مِنَ التَّوَقُّعِ مُنَبِّهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ، وفائِدَةُ التَّعْبِيرِ عَمّا ذُكِرَ مِن عَدَمِ التَّبَيُّنِ بِعَدَمِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّ المَقْصُودَ هو التَّبَيُّنُ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا لِلْعِلْمِ ومَدارًا لِلثَّوابِ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِحالِ المُقَصِّرِينَ - لِما أنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِانْدِراجِ تَحْتَ إرادَةِ أكْرَمِ الأكْرَمِينَ.

﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عَطْفٌ عَلى (جاهَدُوا) داخِلٌ في حَيِّزِ (p-50)الصِّلَةِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: جاهَدُوا حالَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُتَّخِذِينَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ أيْ: بِطانَةً وصاحِبَ سِرٍّ، وهو الَّذِي تُطْلِعُهُ عَلى ما في ضَمِيرِكَ مِنَ الأسْرارِ الخَفِيَّةِ، مِنَ الوُلُوجِ وهو الدُّخُولُ، و(مِن دُونِ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّخاذِ إنْ أُبْقِيَ عَلى حالِهِ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ إنْ جُعِلَ بِمَعْنى التَّسْيِيرِ.

﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِجَمِيعِ أعْمالِكُمْ، وقُرِئَ عَلى الغَيْبَةِ، وهو تَذْيِيلٌ يُزِيحُ ما يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: (وَلَمّا يَعْلَمِ) ... إلَخْ، أوْ حالٌ مُتَداخِلَةٌ مِن فاعِلِهِ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، والمَعْنى: ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ، والحالُ أنَّهُ يَعْلَمُ جَمِيعَ أعْمالِكم لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.

9:17Page 189

مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧

It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allāh [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَهم عَلى مَعْنى نَفْيِ الوُجُودِ والتَّحَقُّقِ لا نَفْيِ الجَوازِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: "أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ" أيْ: ما وقَعَ وما تَحَقَّقَ لَهم ﴿أنْ يَعْمُرُوا﴾ عِمارَةً مُعْتَدًّا بِها ﴿مَساجِدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَسْجِدَ الحَرامَ، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ وإمامُها، فَعامِرُهُ كَعامِرِها، أوْ لِأنَّ كُلَّ ناحِيَةٍ مِن نَواحِيهِ المُخْتَلِفَةِ الجِهاتِ مَسْجِدٌ عَلى حِيالِهِ بِخِلافِ سائِرِ المَساجِدِ، إذْ لَيْسَ في نَواحِيها اخْتِلافُ الجِهَةِ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالتَّوْحِيدِ، وقِيلَ: ما كانَ لَهم أنْ يَعْمُرُوا شَيْئًا مِنَ المَساجِدِ فَضْلًا عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي هو صَدْرُ الجِنْسِ، ويَأْباهُ أنَّهم لا يَتَصَدَّوْنَ لِتَعْمِيرِ سائِرِ المَساجِدِ، ولا يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ، عَلى أنَّهُ مُبْنِئٌ عَلى كَوْنِ النَّفْيِ بِمَعْنى نَفْيِ الجَوازِ واللِّياقَةِ دُونَ نَفْيِ الوُجُودِ.

﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ أيْ: بِإظْهارِ آثارِ الشِّرْكِ مِن نَصْبِ الأوْثانِ حَوْلَ البَيْتِ والعِبادَةِ لَها، فَإنَّ ذَلِكَ شَهادَةٌ صَرِيحَةٌ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ وإنْ أبَوْا أنْ يَقُولُوا نَحْنُ كُفّارٌ - كَما نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (يَعْمُرُوا) أيْ: مُحالٌ أنْ يَكُونَ ما سَمَّوْهُ عِمارَةً عِمارَةَ بَيْتِ اللَّهِ مَعَ مُلابَسَتِهِمْ لِما يُنافِيها ويُحْبِطُها مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى، فَإنَّها لَيْسَتْ مِنَ العِمارَةِ في شَيْءٍ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ عِمارَةِ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى وعِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى فَلَيْسَ بِمُعْرِبٍ عَنْ كُنْهِ المَرامِ، فَإنَّ عَدَمَ اسْتِقامَةِ الجَمْعِ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ إنَّما يَسْتَدْعِي انْتِفاءَ أحَدِهِما لا بِعَيْنِهِ لا انْتِفاءَ العِمارَةِ الَّذِي هو المَقْصُودُ.

رُوِيَ أنَّ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ أقْبَلُوا عَلى أُسارى بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، وطَفِقَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يُوَبِّخُ العَبّاسَ بِقِتالِ النَّبِيِّ ﷺ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وأغْلَظَ لَهُ في القَوْلِ، فَقالَ العَبّاسُ: تَذْكُرُونَ مُساوِيَنا وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا، فَقالَ: ولَكم مَحاسِنُ، قالُوا: نَعَمْ؛ إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبَ الكَعْبَةَ، ونَسْقِيَ الحَجِيجَ، ونَفُكَّ العانِيَ، فَنَزَلَتْ.

﴿أُولَئِكَ﴾ الَّذِينَ يَدَّعُونَ عِمارَةَ المَسْجِدِ وما يُضاهِيها مِن أعْمالِ البِرِّ مَعَ ما بِهِمْ مِنَ الكُفْرِ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها بِما قارَنَها مِنَ الكُفْرِ فَصارَتْ هَباءً مَنثُورًا ﴿وَفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ لِكَفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، وإيرادُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْمُبالِغَةِ في الدَّلالَةِ عَلى الخُلُودِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ومُراعاةِ الفاصِلَةِ، وكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ النَّفْيِ السّابِقِ، الأُولى مِن جِهَةِ نَفْيِ اسْتِتْباعِ الثَّوابِ، والثّانِيَةُ مِن جِهَةِ نَفْيِ اسْتِدْفاعِ العَذابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском