Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:117–129
9:117Page 205
لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١١٧
Allāh has already forgiven the Prophet and the Muhājireen and the Anṣār who followed him in the hour of difficulty after the hearts of a party of them had almost inclined [to doubt], and then He forgave them. Indeed, He was to them Kind and Merciful.
﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: هو العَفْوُ عَنْ إذْنِهِ لِلْمُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ عَنْهُ ﴿والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ قِيلَ: هو في حَقِّ زَلّاتٍ سَبَقَتْ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ، وقِيلَ: المُرادُ بَيانُ فَضْلِ التَّوْبَةِ، وأنَّهُ ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وهو مُحْتاجٌ إلَيْها حَتّى النَّبِيِّ ﷺ لِما صَدَرَ عَنْهُ في بَعْضِ الأحْوالِ مِن تَرْكِ الأوْلى ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ ولَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ ولَمْ يُخِلُّوا بِأمْرٍ مِن أوامِرِهِ ﴿فِي ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ أيْ: في وقْتَها، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالسّاعَةِ لِزِيادَةِ تَعْيِينِهِ، وهي حالُهم في غَزْوَةِ تَبُوكَ كانُوا في عُسْرَةٍ مِنَ الظَّهْرِ يَعْتَقِبُ عَشَرَةٌ عَلى بَعِيرٍ واحِدٍ، ومِنَ الزّادِ تَزَوَّدُوا (p-109)التَّمْرَ المُدَوِّدَ والشَّعِيرَ المُسَوِّسَ والإهالَةَ الزَّنِخَةَ، وبَلَغَتْ بِهِمُ الشِّدَّةُ إلى أنِ اقْتَسَمَ التَّمْرَةَ اثْنانِ، ورُبَّما مَصَّها الجَماعَةُ لِيَشْرَبُوا عَلَيْها الماءَ المُتَغَيِّرَ، وفي عُسْرَةٍ مِنَ الماءِ حَتّى نَحَرُوا الإبِلَ واعْتَصَرُوا فُرُوثَها، وفي شِدَّةِ زَمانٍ مِن حِمارَةِ القَيْظِ، ومِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ والضَّيِّقَةِ الشَّدِيدَةِ، ووَصْفُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ بِما ذُكِرَ مِنِ اتِّباعِهِمْ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في مِثْلِ هاتِيكَ المَراتِبِ مِنَ الشِّدَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ الحاجَةِ إلى التَّوْبَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يُغْنِهِمْ عَنْها فَلَأنْ لا يَسْتَغْنِيَ عَنْها غَيْرُهم أوْلى وأحْرى.
﴿مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ﴾ بَيانٌ لِتَناهِي الشِّدَّةِ وبُلُوغِها إلى ما لا غايَةَ وراءَها، وهو إشْرافُ بَعْضِهِمْ عَلى أنْ يَمِيلُوا إلى التَّخَلُّفِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وفي "كادَ" ضَمِيرُ الشَّأْنِ، أوْ ضَمِيرُ القَوْمِ الرّاجِعُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ في مِنهُمْ، وقُرِئَ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ، وقُرِئَ مِن بَعْدِ ما زاغَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ، يَعْنِي: المُتَخَلِّفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَأبِي لُبابَةَ وأضْرابِهِ.
﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يُتابُ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِ ما كابَدُوا مِنَ العُسْرَةِ، والمُرادُ: أنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ لِكَيْدُودَتِهِمْ ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ، فَإنَّ صِفَةَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ مِن دَواعِي التَّوْبَةِ والعَفْوِ، ويَجُوزُ كَوْنُ الأوَّلِ عِبارَةً عَنْ إزالَةِ الضَّرَرِ والثّانِي عَنْ إيصالِ المَنفَعَةِ، وأنْ يَكُونَ أحَدُهُما لِلسَّوابِقِ والآخَرُ لِلَّواحِقِ.
9:118Page 206
وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨
And [He also forgave] the three who were left alone [i.e., boycotted, regretting their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness1 and their souls confined [i.e., anguished] them and they were certain that there is no refuge from Allāh except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allāh is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.
﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أيْ: وتابَ اللَّهُ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ أُخِّرَ أمْرُهم عَنْ أمْرِ أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ، حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مَعْذِرَتَهم مِثْلَ أُولَئِكَ ولا رُدَّتْ، ولَمْ يُقْطَعْ في شَأْنِهِمْ بِشَيْءٍ إلى أنْ نَزَلَ فِيهِمُ الوَحْيُ، وهم كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وقُرِئَ (خَلَّفُوا) أيْ: خَلَّفُوا الغازِينَ بِالمَدِينَةِ، أوْ فَسَدُوا مِنَ الخالِفَةِ وخُلُوفِ الفَمِ، وقُرِئَ (عَلى المُخَلَّفِينَ) والأوَّلُ هو الأنْسَبُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ﴾ غايَةٌ لِلتَّخْلِيفِ، ولا يُناسِبُهُ إلّا المَعْنى الأوَّلُ، أيْ: خُلِّفُوا وأُخِّرَ أمْرُهم إلى أنْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: بِرُحْبِها وسَعَتِها لِإعْراضِ النّاسِ عَنْهم وانْقِطاعِهِمْ عَنْ مُفاوَضَتِهِمْ، وهو مَثَلٌ لِشِدَّةِ الحَيْرَةِ، كَأنَّهُ لا يَسْتَقِرُّ بِهِ قَرارٌ ولا تَطْمَئِنُّ لَهُ دارٌ ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: إذا رَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ لا يَطْمَئِنُّونَ بِشَيْءٍ لِعَدَمِ الأُنْسِ والسُّرُورِ واسْتِيلاءِ الوَحْشَةِ والحَيْرَةِ ﴿وَظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلا إلَيْهِ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّهُ لا مَلْجَأ مِن سَخَطِهِ تَعالى إلّا إلى اسْتِغْفارِهِ ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: وفَّقَهم لِلتَّوْبَةِ ﴿لِيَتُوبُوا﴾ أوْ أنْزَلَ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ لِيَصِيرُوا مِن جُمْلَةِ التَّوّابِينَ، ورَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالقَبُولِ والرَّحْمَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِيَسْتَقِيمُوا عَلى تَوْبَتِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ﴾ المُبالِغُ في قَبُولِ التَّوْبَةِ كَمًّا وكَيْفًا وإنْ كَثُرَتِ الجِناياتُ وعَظُمَتْ ﴿الرَّحِيمُ﴾ المُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِفُنُونِ الآلاءِ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِأفانِينَ العِقابِ.
رُوِيَ أنَّ ناسًا مِنَ المُؤْمِنِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنهم مَن بَدا لَهُ وكَرِهَ مَكانَهُ فَلَحِقَ بِهِ ﷺ.
عَنِ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ لِأحَدِهِمْ حائِطٌ كانَ خَيْرًا مِن مِائَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ، فَقالَ: يا حائِطاهُ، ما خالَفَنِي إلّا ظِلُّكَ وانْتِظارُ ثِمارِكَ اذْهَبْ فَأنْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَمْ يَكُنْ لِآخَرَ إلّا أهْلُهُ، فَقالَ: يا أهْلاهُ، ما بَطَّأنِي ولا خَلَّفَنِي إلّا الفَتْنُ بِكَ فَلا جَرَمَ - واللَّهِ - لَأُكابِدَنَّ الشَّدائِدَ حَتّى ألْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَأبَّطَ زادَهُ ولَحِقَ بِهِ ﷺ قالَ الحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَذَلِكَ - واللَّهِ - المُؤْمِنُ يَتُوبُ مِن ذُنُوبِهِ ولا يُصِرُّ عَلَيْها.
(p-110)وَعَنْ أبِي ذَرٍّ الغِفارِيِّ أنَّ بَعِيرَهُ أبْطَأ بِهِ فَحَمَلَ مَتاعَهُ عَلى ظَهْرِهِ واتَّبَعَ أثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ماشِيًا، فَقالَ ﷺ لَمّا رَأى سَوادَهُ: "كُنْ أبا ذَرٍّ" فَقالَ النّاسُ: هو ذاكَ، فَقالَ ﷺ: ﴿رَحِمَ اللَّهُ أبا ذَرٍّ يَمْشِي وحْدَهُ، ويَمُوتُ وحْدَهُ، ويُبْعَثُ وحْدَهُ﴾ .
«وَعَنْ أبِي خَيْثَمَةَ أنَّهُ بَلَغَ بُسْتانُهُ، وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ حَسْناءُ فَرَشَتْ لَهُ في الظِّلِّ، وبَسَطَتْ لَهُ الحَصِيرَ وقَرَّبَتْ إلَيْهِ الرُّطَبَ والماءَ البارِدَ، فَنَظَرَ فَقالَ: ظِلٌّ ظَلِيلٌ، ورُطَبٌ يانِعٌ، وماءٌ بارِدٌ، وامْرَأةٌ حَسْناءُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الضِّحِّ والرِّيحِ ما هَذا بِخَيْرٍ، فَقامَ ورَحَلَ ناقَتَهُ وأخَذَ سَيْفَهُ ورُمْحَهُ ومَرَّ كالرِّيحِ، فَمَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرْفَهُ إلى الطَّرِيقِ فَإذا بِراكِبٍ يَزْهاهُ السَّرابُ، فَقالَ: "كُنْ أبا خَيْثَمَةَ"» فَكانَهُ، فَفَرِحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واسْتَغْفَرَ لَهُ.
وَمِنهم مَن بَقِيَ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ ﷺ مِنهُمُ الثَّلاثَةُ، قالَ كَعْبٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ««لَمّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ كالمُغْضَبِ بَعْدَما ذَكَرَنِي، وقالَ: يا لَيْتَ شِعْرِي ما خَلَّفَ كَعْبًا، فَقِيلَ لَهُ: ما خَلَّفَهُ إلّا حُسْنُ بُرْدَيْهِ والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ، فَقالَ ﷺ: ما أعْلَمُ إلّا فَضْلًا وإسْلامًا" ونَهى عَنْ كَلامِنا أيُّها الثَّلاثَةِ فَتَنَكَّرَ لَنا النّاسُ، ولَمْ يُكَلِّمْنا أحَدٌ مِن قَرِيبٍ ولا بَعِيدٍ، فَلَمّا مَضَتْ أرْبَعُونَ لَيْلَةً أُمِرْنا أنْ نَعْتَزِلَ نِساءَنا ولا نَقْرَبَهُنَّ، فَلَمّا تَمَّتْ خَمْسُونَ لَيْلَةً إذا أنا بِنِداءٍ مِن ذُرْوَةِ سَلْعٍ أبْشِرْ ياكَعْبُ بْنَ مالِكٍ، فَخَرَرْتُ لِلَّهِ ساجِدًا، وكُنْتُ كَما وصَفَنِي رَبِّي: ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ وتَتابَعَتِ البِشارَةُ، فَلَبِسْتُ ثَوْبِي وانْطَلَقْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو جالِسٌ في المَسْجِدِ وحَوْلَهُ المُسْلِمُونَ، فَقامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ إلَيَّ حَتّى صافَحَنِي، وقالَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ فَلَنْ أنْساها لِطَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو يَسْتَنِيرُ اسْتِنارَةَ القَمَرِ: "أبْشِرْ يا كَعْبُ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ"،» ثُمَّ تَلا عَلَيْنا الآيَةَ.
وَعَنْ أبِي بَكْرٍ الوَرّاقِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ فَقالَ: أنْ تَضِيقَ عَلى التّائِبِ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وتَضِيقَ عَلَيْهِ نَفْسُهُ كَتَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وصاحِبَيْهِ.
9:119Page 206
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩
O you who have believed, fear Allāh and be with those who are true.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ التّائِبُونَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: لِمَن تَخَلَّفَ عَلَيْهِ مِنَ الطُّلَقاءِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ خاصَّةً ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ فَيَدْخُلُ فِيهِ المُعامَلَةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أمْرِ المَغازِي دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ في أيْمانِهِمْ وعُهُودِهِمْ، أوْ في دِينِ اللَّهِ نِيَّةً وقَوْلًا وعَمَلًا، أوْ في كُلِّ شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ فَيَدْخُلُ ما ذُكِرَ، أوْ في تَوْبَتِهِمْ وإنابَتِهِمْ، فَيَكُونُ المُرادُ بِهِمْ حِينَئِذٍ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ وأضْرابَهم.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ خِطابٌ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، أيْ: كُونُوا مَعَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وانْتَظِمُوا في سِلْكِهِمْ في الصِّدْقِ وسائِرِ المَحاسِنِ، وقُرِئَ (مِنَ الصّادِقِينَ).
9:120Page 206
مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢٠
It was not [proper] for the people of Madīnah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allāh or that they prefer themselves over his self.1 That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allāh, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that it is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of the doers of good.
﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَة﴾0 ما صَحَّ وما (p-111)اسْتَقامَ لَهم ﴿وَمَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ﴾ كَمُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأشْجَعَ وغِفارٍ وأضْرابِهِمْ ﴿أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ ﷺ إلى الغَزْوِ ﴿وَلا يَرْغَبُوا﴾ نُصِبَ وقَدْ جُوِّزَ الجَزْمُ ﴿بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ: لا يَصْرِفُوها عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ، ولا يَصُونُوها عَمّا لَمْ يَصُنْ عَنْهُ نَفْسَهُ، بَلْ يُكابِدُوا مَعَهُ ما يُكابِدُهُ مِنَ الأهْوالِ والخُطُوبِ، والكَلامُ في مَعْنى النَّهْيِ، وإنْ كانَ عَلى صُورَةِ الخَبَرِ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن وُجُوبِ المُشايَعَةِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ أيْ: عَطَشٌ يَسِيرٌ ﴿وَلا نَصَبٌ﴾ ولا تَعَبٌ ما ﴿وَلا مَخْمَصَةٌ﴾ أيْ: مَجاعَةٌ ما لا يُسْتَباحُ عِنْدَهُ المُحَرَّماتُ مِن مَراتِبِها، فَإنَّ الظَّمَأ والنَّصْبَ اليَسِيرَيْنِ حِينَ لَمْ يَخْلُوا مِنَ الثَّوابِ فَلِأنْ لا يَخْلُوَ ذَلِكَ مِنهُ أوْلى، فَلا حاجَةَ إلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ بِتَكْرِيرِ كَلِمَةِ لا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها تِلْكَ المَرْتَبَةُ، ويَكُونُ التَّرْتِيبُ بِناءً عَلى كَثْرَةِ الوُقُوعِ وقِلَّتِهِ، فَإنَّ الظَّمَأ أكْثَرُ وُقُوعًا مِنَ النَّصْبِ الَّذِي هو أكْثَرُ وُقُوعًا مِنَ المَخْمَصَةِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، فَتَوْسِيطُ كَلِمَةِ لا حِينَئِذٍ لَيْسَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، بَلْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِالفَضِيلَةِ والِاعْتِدادِ بِهِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ أيْ: لا يَدُوسُونَ بِأرْجُلِهِمْ وحَوافِرِ خُيُولِهِمْ وأخْفافِ رَواحِلِهِمْ دَوْسًا أوْ مَكانًا يُداسُ ﴿وَلا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا﴾ مَصْدَرٌ كالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ، أوْ مَفْعُولٌ، أيْ: شَيْئًا يُنالُ مِن قِبَلِهِمْ ﴿إلا كُتِبَ لَهم بِهِ﴾ أيْ: بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ ﴿عَمَلٌ صالِحٌ﴾ وحَسَنَةٌ مَقْبُولَةٌ مُسْتَوْجَبَةٌ بِحُكْمِ الوَعْدِ الكَرِيمِ لِلثَّوابِ الجَمِيلِ ونَيْلِ الزُّلْفى، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، وكَوْنُ المَكْتُوبِ عَيْنَ ما فَعَلُوهُ مِنَ الأُمُورِ لا يَمْنَعُ دُخُولَ الباءِ، فَإنَّ اخْتِلافَ العُنْوانِ كافٍ في ذَلِكَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى إحْسانِهِمْ، تَعْلِيلٌ لِما سَلَفَ مِنَ الكَتْبِ، والمُرادُ بِـ"المُحْسِنِينَ" إمّا المَبْحُوثُ عَنْهم - ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِمَدْحِهِمْ والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالِانْتِظامِ في سِلْكِ المُحْسِنِينَ وأنَّ أعْمالَهم مِن قَبِيلِ الإحْسانِ ولِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ المَأْخَذِ لِلْحُكْمِ - وإمّا جِنْسُ المُحْسِنِينَ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
9:121Page 206
وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢١
Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allāh may reward them for the best of what they were doing.
﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ ولَوْ تَمْرَةً أوْ عَلاقَةَ سَوْطٍ ﴿وَلا كَبِيرَةً﴾ كَما أنْفَقَ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -والتَّرْتِيبُ بِاعْتِبارِ ما ذُكِرَ مِن كَثْرَةِ الوُقُوعِ وقِلَّتِهِ، وتَوْسِيطُ لا لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِبْدادِ كُلِّ مِنهُما بِالكَتْبِ والجَزاءِ لا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا يَقْطَعُونَ﴾ أيْ: لا يَجْتازُونَ في مَسِيرِهِمْ ﴿وادِيًا﴾ وهو في الأصْلِ كُلُّ مُنْفَرَجٍ مِنَ الجِبالِ والآكامِ يَكُونُ مَنفَذًا لِلسَّيْلِ، اسْمُ فاعِلٍ مِن ودى إذا سالَ، ثُمَّ شاعَ في الأرْضِ عَلى الإطْلاقِ.
﴿إلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ أيْ: أُثْبِتَ لَهم ذَلِكَ الَّذِي فَعَلُوهُ مِنَ الإنْفاقِ والقَطْعِ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بِذَلِكَ ﴿أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ أوْ جَزاءَ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ.
9:122Page 206
۞ وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ ١٢٢
And it is not for the believers to go forth [to battle] all at once. For there should separate from every division of them a group [remaining] to obtain understanding in the religion and warn [i.e., advise] their people when they return to them that they might be cautious.
﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ (p-112)لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا لِنَحْوِ غَزْوٍ، أوْ طَلَبِ عِلْمٍ كَما لا يَسْتَقِيمُ لَهم أنْ يَتَثَبَّطُوا جَمِيعًا، فَإنَّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِأمْرِ المَعاشِ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ فَهَلّا نَفَرَ ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ أيْ: طائِفَةٍ كَثِيرَةٍ ﴿مِنهُمْ﴾ كَأهْلِ بَلْدَةٍ، أوْ قَبِيلَةٍ عَظِيمَةٍ ﴿طائِفَةٌ﴾ أيْ: جَماعَةٌ قَلِيلَةٌ ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ أيْ: يَتَكَلَّفُوا الفَقاهَةَ فِيهِ ويَتَجَشَّمُوا مَشاقَّ تَحْصِيلِها ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ أيْ: ولِيَجْعَلُوا غايَةَ سَعْيِهِمْ ومَرْمى غَرَضِهِمْ مِن ذَلِكَ إرْشادَ القَوْمِ وإنْذارَهم ﴿إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّفَقُّهَ في الدِّينِ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ، وأنْ يَكُونَ غَرَضُ المُتَعَلِّمِ الِاسْتِقامَةَ والإقامَةَ لا التَّرَفُّعَ عَلى العِبادِ والتَّبَسُّطَ في البِلادِ، كَما هو دَيْدَنُ أبْناءِ الزَّمانِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ إرادَةَ أنْ يَحْذَرُوا عَمّا يُنْذِرُونَ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ أخْبارَ الآحادِ حُجَّةٌ؛ لِأنَّ عُمُومَ كُلِّ فِرْقَةٍ يَقْتَضِي أنْ يَنْفِرَ مِن كُلِّ ثَلاثَةٍ تَفَرَّدُوا بِقَرْيَةٍ طائِفَةٌ إلى التَّفَقُّهِ لِتُنْذِرَ فِرْقَتَها كَيْ يَتَذَكَّرُوا ويَحْذَرُوا، فَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرِ الإخْبارُ ما لَمْ يَتَواتَرْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ.
وَقَدْ قِيلَ: لِلْآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا سَمِعُوا ما نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ سارَعُوا إلى النَّفِيرِ رَغْبَةً ورَهْبَةً، وانْقَطَعُوا عَنِ التَّفَقُّهِ فَأُمِرُوا أنْ يَنْفِرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ طائِفَةٌ إلى الجِهادِ، ويَبْقى أعْقابُهم يَتَفَقَّهُونَ حَتّى لا يَنْقَطِعَ الفِقْهُ الَّذِي هو الجِهادُ الأكْبَرُ؛ لِأنَّ الجِدالَ بِالحُجَّةِ هو الأصْلُ، والمَقْصُودُ مِنَ البِعْثَةِ، فالضَّمِيرُ في "لِيَتَفَقَّهُوا" و"لِيُنْذِرُوا" لِبَواقِي الفِرَقِ بَعْدَ الطَّوائِفِ النّافِرَةِ لِلْغَزْوِ، وفي رَجَعُوا لِلطَّوائِفِ، أيْ: ولِيُنْذِرَ البَواقِي قَوْمَهُمُ النّافِرِينَ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ بِما حَصَّلُوا في أيّامِ غَيْبَتِهِمْ مِنَ العُلُومِ.
9:123Page 207
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٢٣
O you who have believed, fight against those adjacent to you of the disbelievers and let them find in you harshness. And know that Allāh is with the righteous.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ أُمِرُوا بِقِتالِ الأقْرَبِ مِنهم فالأقْرَبِ، كَما أُمِرَ ﷺ أوَّلًا بِإنْذارِ عَشِيرَتِهِ، فَإنَّ الأقْرَبَ أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ والِاسْتِصْلاحِ، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ حَوالَيِ المَدِينَةِ كَبَنِي قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، وخَيْبَرَ، وقِيلَ: الرُّومُ فَإنَّهم كانُوا يَسْكُنُونَ الشّامَ وهو قَرِيبٌ مِنَ المَدِينَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى العِراقِ وغَيْرِهِ.
﴿وَلْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ أيْ: شِدَّةً وصَبْرًا عَلى القِتالِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الغَيْنِ كَسَخْطَةٍ وبِضَمِّها وهُما لُغَتانِ فِيها ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ بِالعِصْمَةِ والنُّصْرَةِ، والمُرادُ بِهِمْ إمّا المُخاطَبُونَ - ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ الإيمانَ والقِتالَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن بابِ التَّقْوى والشَّهادَةِ بِكَوْنِهِمْ مِن زُمْرَةِ المُتَّقِينَ - وإمّا الجِنْسُ، وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ بِالمَعِيَّةِ الوِلايَةُ الدّائِمَةُ، وقَدْ ذُكِرَ وجْهُ دُخُولِ مَعَ عَلى المَتْبُوعِ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّ اللَّهَ مَعَنا" .
9:124Page 207
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ١٢٤
And whenever a sūrah is revealed, there are among them [i.e., the hypocrites] those who say, "Which of you has this increased in faith?" As for those who believed, it has increased them in faith, while they are rejoicing.
﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ مِن سُوَرِ القرآن ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ ﴿مَن يَقُولُ﴾ لِإخْوانِهِمْ لِيُثَبِّتَهم عَلى النِّفاقِ، أوْ لِعَوامِّ المُؤْمِنِينَ وضَعَفَتِهِمْ لِيَصُدَّهم عَنِ الإيمانِ ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ﴾ السُّورَةُ ﴿إيمانًا﴾ وقُرِئَ بِنَصْبِ "أيُّكُمْ" عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ (p-113)أيْ: زادَتْ أيَّكم زادَتْهُ هَذِهِ ... إلَخْ.
وَإيرادُ الزِّيادَةِ مَعَ أنَّهُ لا إيمانَ فِيهِمْ أصْلًا بِاعْتِبارِ اعْتِقادِ المُؤْمِنِينَ، حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا جَوابٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَعْيِينٌ لِحالِهِمْ عاجِلًا وآجِلًا، أيْ: فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ تَعالى وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ بِزِيادَةِ العِلْمِ اليَقِينِيِّ الحاصِلِ مِنَ التَّدَبُّرِ فِيها والوُقُوفِ عَلى ما فِيها مِنَ الحَقائِقِ، وانْضِمامِ إيمانِهِمْ بِما فِيها بِإيمانِهِمُ السّابِقِ ﴿وَهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بِنُزُولِها وبِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
9:125Page 207
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ١٢٥
But as for those in whose hearts is disease, it has [only] increased them in evil [in addition] to their evil.1 And they will have died while they are disbelievers.
﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: كُفْرٌ وسُوءُ عَقِيدَةٍ ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ أيْ: كُفْرًا بِها مَضْمُومًا إلى الكُفْرِ بِغَيْرِها، وعَقائِدَ باطِلَةً وأخْلاقًا ذَمِيمَةً كَذَلِكَ ﴿وَماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ واسْتَحْكَمَ ذَلِكَ إلى أنْ يَمُوتُوا عَلَيْهِ.
9:126Page 207
أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦
Do they not see that they are tried every year once or twice but then they do not repent nor do they remember?
﴿أوَلا يَرَوْنَ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألا يَنْظُرُونَ ولا يَرَوْنَ ﴿أنَّهُمْ﴾ أيِ: المُنافِقِينَ ﴿يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ﴾ مِنَ الأعْوامِ ﴿مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ والمُرادُ مُجَرَّدُ التَّكْثِيرِ لا بَيانُ الوُقُوعِ حَسَبَ العَدَدِ المَزْبُورِ، أيْ: يُبْتَلَوْنَ بِأفانِينِ البَلِيّاتِ مِنَ المَرَضِ والشَّدَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُذَكِّرُ الذُّنُوبَ والوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ العِزَّةِ، فَيُؤَدِّي إلى الإيمانِ بِهِ تَعالى، أوِ الجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُعانُونَ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ لا سِيَّما القَوارِعُ الزّائِدَةُ لِلْإيمانِ النّاعِيَةُ عَلَيْهِ ما فِيهِمْ مِنَ القَبائِحِ المُخْزِيَةِ لَهم ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى لا يَرَوْنَ داخِلٌ تَحْتَ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أوَلا يَرَوْنَ افْتِتانَهُمُ المُوجِبَ لِإيمانِهِمْ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ ولا هم يَتَذَكَّرُونَ بِتِلْكَ الفِتَنِ المُوجِبَةِ لِلتَّذَكُّرِ والتَّوْبَةِ، وقُرِئَ بِالتّاءِ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ والهَمْزَةُ لِلتَّعْجِيبِ، أيْ: ألا تَنْظُرُونَ ولا تَرَوْنَ أحْوالَهُمُ العَجِيبَةَ الَّتِي هي افْتِتانُهم عَلى وجْهِ التَّتابُعِ وعَدَمِ التَّنَبُّهِ لِذَلِكَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ لا يَتُوبُونَ" وما عُطِفَ عَلَيْهِ مَعْطُوفٌ عَلى (يُفْتَنُونَ).
9:127Page 207
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ نَّظَرَ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ هَلۡ يَرَىٰكُم مِّنۡ أَحَدٖ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٢٧
And whenever a sūrah is revealed, they look at each other, [as if saying], "Does anyone see you?" and then they dismiss themselves. Allāh has dismissed their hearts because they are a people who do not understand.
﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ بَيانٌ لِأحْوالِهِمْ عِنْدَ نُزُولِها وهم في مَحْفِلِ تَبْلِيغِ الوَحْيِ، كَما أنَّ الأوَّلَ بَيانٌ لِمَقالاتِهِمْ وهم غائِبُونَ عَنْهُ ﴿نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ تَغامَزُوا بِالعُيُونِ إنْكارًا لَها، أوْ سُخْرِيَةً بِها، أوْ غَيْظًا لِما فِيها مِن مُخازَيْهِمْ ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ أيْ: قائِلِينَ: هَلْ يَراكم أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ؟ لِنَنْصَرِفْ، مُظْهِرِينَ أنَّهم لا يَصْطَبِرُونَ عَلى اسْتِماعِها، ويَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الضَّحِكُ فَيَفْتَضِحُونَ، أوْ تَرامَقُوا يَتَشاوَرُونَ في تَدْبِيرِ الخُرُوجِ والِانْسِلالِ لِواذًا يَقُولُونَ: هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ إنْ قُمْتُمْ مِنَ المَجْلِسِ؟ وإيرادُ ضَمِيرِ الخِطابِ لِبَعْثِ المُخاطَبِينَ عَلى الجِدِّ في انْتِهازِ الفُرْصَةِ، فَإنَّ المَرْءَ بِشَأْنِهِ أكْثَرُ اهْتِمامًا مِنهُ بِشَأْنِ أصْحابِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ وقِيلَ: المَعْنى: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ في عُيُوبِ (p-114)المُنافِقِينَ.
﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ عَطْفٌ عَلى (نَظَرَ بَعْضُهُمْ) والتَّراخِي بِاعْتِبارِ وُجْدانِ الفُرْصَةِ والوُقُوفِ عَلى عَدَمِ رُؤْيَةِ أحَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيِ: انْصَرَفُوا جَمِيعًا عَنْ مَحْفِلِ الوَحْيِ؛ خَوْفًا مِنَ الِافْتِضاحِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ: عَنِ الإيمانِ حَسَبَ انْصِرافِهِمْ عَنِ المَجْلِسِ، والجُمْلَةُ إخْبارِيَّةٌ أوْ دِعائِيَّةٌ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ﴿قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ لِسُوءِ الفَهْمِ، أوْ لِعَدَمِ التَّدَبُّرِ.
9:128Page 207
لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٢٨
There has certainly come to you a Messenger from among yourselves. Grievous to him is what you suffer; [he is] concerned over you [i.e., your guidance] and to the believers is kind and merciful.
﴿لَقَدْ جاءَكُمْ﴾ الخِطابُ لِلْعَرَبِ ﴿رَسُولٌ﴾ أيُّ رَسُولٍ، رَسُولٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن جِنْسِكم عَرَبِيٌّ قُرَشِيٌّ مِثْلُكُمْ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الفاءِ، أيْ: أشْرَفِكم وأفْضَلِكم ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ أيْ: شاقٌّ شَدِيدٌ عَلَيْهِ عَنَتُكم ولِقاؤُكُمُ المَكْرُوهَ، فَهو يَخافُ عَلَيْكم سُوءَ العاقِبَةِ والوُقُوعَ في العَذابِ، وهَذا مِن نَتائِجِ ما سَلَفَ مِنَ المُجانَسَةِ ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ في إيمانِكم وصَلاحِ حالِكم ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنكم ومِن غَيْرِكم ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قُدِّمَ الأبْلَغُ مِنهُما، وهي الرَّأْفَةُ - الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الرَّحْمَةِ - مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ.
9:129Page 207
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ١٢٩
But if they turn away, [O Muḥammad], say, "Sufficient for me is Allāh; there is no deity except Him. On Him I have relied, and He is the Lord of the Great Throne."
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ، أيْ: إنْ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ بِكَ ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ فَإنَّهُ يَكْفِيكَ ويُعِينُكَ عَلَيْهِمْ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فَلا أرْجُو ولا أخافُ إلّا مِنهُ ﴿وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ أيِ: المُلْكِ العَظِيمِ، أوِ الجِسْمِ الأعْظَمِ المُحِيطِ الَّذِي تَنْزِلُ مِنهُ الأحْكامُ والمَقادِيرُ، وقُرِئَ العَظِيمُ بِالرَّفْعِ.
وَعَنْ أُبَيٍّ أنَّ آخِرَ ما نَزَلَ هاتانِ الآيَتانِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ما نَزَلَ القرآن عَلَيَّ إلّا آيَةً آيَةً وحَرْفًا حَرْفًا ما خَلا سُورَةَ (بَراءَةٌ) وسُورَةَ (قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ) فَإنَّهُما أُنْزِلَتا عَلَيَّ ومَعَهُما سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences