Abu as-Su'udAt‑Tawbah · 9:28–35

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:28–35

9:28Page 191

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨

O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وُصِفُوا بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، كَأنَّهم عَيْنُ النَّجاسَةِ، أوْ هم ذُو نَجَسٍ لِخُبْثِ باطِنِهِمْ، أوْ لِأنَّ مَعَهُمُ الشِّرْكَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ النَّجَسِ، أوْ لِأنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ، ولا يَغْتَسِلُونَ، ولا يَجْتَنِبُونَ النَّجاساتِ، فَهي مُلابِسَةٌ لَهم.

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ أعْيانَهم نَجِسَةٌ كالكِلابِ والخَنازِيرِ، وعَنِ الحَسَنِ: مَن صافَحَ مُشْرِكًا تَوَضَّأ، وأهْلُ المَذاهِبِ عَلى خِلافِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، وقُرِئَ (نِجْسٌ) بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الجِيمِ، وهو تَخْفِيفُ نَجِسٍ كَكِبْدٍ في كَبِدٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما المُشْرِكُونَ جِنْسٌ نَجِسٌ، أوْ ضَرْبٌ نَجِسٌ، وأكْثَرُ ما جاءَ تابِعًا لِرِجْسٍ.

﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى نَجاسَتِهِمْ، وإنَّما نُهِيَ عَنِ القُرْبِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِلْمَنعِ عَنْ دُخُولِ الحَرَمِ، وهو مَذْهَبُ عَطاءٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المُرادُ المَنعُ عَنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى- ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ فَإنَّ تَقْيِيدَ النَّهْيِ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِوَقْتٍ مِن أوْقاتِ العامِ، أيْ: لا يَحُجُّوا ولا يَعْتَمِرُوا بَعْدَ حَجِّ عامِهِمْ هَذا، وهو عامُ تِسْعَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ حِينَ أُمِّرَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -عَلى المَوْسِمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -حِينَ نادى بِبَراءَةَ ألا لا يَحُجُّ بَعْدَ عامِنا هَذا مُشْرِكٌ، ولا يُمْنَعُونَ مِن دُخُولِ الحَرَمِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وسائِرِ المَساجِدِ عِنْدَهُ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يُمْنَعُونَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ خاصَّةً، وعِنْدَ مالِكٍ يُمْنَعُونَ مِن جَمِيعِ المَساجِدِ، ونَهْيُ المُشْرِكِينَ أنْ يَقْرَبُوهُ راجِعٌ إلى نَهْيِ المُسْلِمِينَ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ أنْ يُمْنَعُوا مِن تَوَلِّي المَسْجِدِ الحَرامِ والقِيامِ بِمَصالِحِهِ، ويُعْزَلُوا عَنْ ذَلِكَ.

﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أيْ: فَقْرًا بِسَبَبِ مَنعِهِمْ مِنَ الحَجِّ، وانْقِطاعِ ما كانُوا يَجْلِبُونَهُ إلَيْكم مِنَ الإرْفاقِ والمَكاسِبِ، وقُرِئَ (عائِلَةً) عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ، أوْ حالًا عائِلَةً ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ مِن عَطائِهِ، أوْ مِن تَفَضُّلِهِ بِوَجْهٍ آخَرَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا أغْزَرَ بِها خَيْرَهُمْ، وأكْثَرَ مِيرَهُمْ، وأسْلَمَ أهْلُ تَبالَةَ وجُرَشَ، فَحَمَلُوا إلى مَكَّةَ الطَّعامَ وما يُعاشُ بِهِ، فَكانَ ذَلِكَ أعْوَدَ عَلَيْهِمْ مِمّا خافُوا العَيْلَةَ لِفَواتِهِ، ثُمَّ فَتَحَ عَلَيْهِمُ البِلادَ والغَنائِمَ، وتَوَجَّهُ إلَيْهِمُ النّاسُ مِن أقْطارِ الأرْضِ.

﴿إنْ شاءَ﴾ أنْ يُغْنِيَكُمْ، مَشِيئَتُهُ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْها، وإنَّما قَيَّدَ ذَلِكَ بِها لِتَنْقَطِعَ الآمالُ إلى اللَّهِ تَعالى؛ ولِأنَّ الإغْناءَ لَيْسَ مُطَّرِدًا بِحَسَبِ الأفْرادِ والأحْوالِ والأوْقاتِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِمَصالِحِكم ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يُعْطِي ويَمْنَعُ.

9:29Page 191

قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٢٩

Fight against those who do not believe in Allāh or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allāh and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth [i.e., Islām] from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah1 willingly while they are humbled.

(p-58)﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ أمَرَهم بِقِتالِ أهْلِ الكِتابَيْنِ إثْرَ أمْرِهِمْ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ، وبِمَنعِهِمْ مِن أنْ يَحُومُوا حَوْلَ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ غَيْرَ خائِفِينَ مِنَ الفاقَةِ المُتَوَهَّمَةِ مِنِ انْقِطاعِهِمْ، ونَبَّهَهم في تَضاعِيفِ ذَلِكَ عَلى بَعْضِ طُرُقِ الإغْناءِ المَوْعُودِ عَلى الوَجْهِ الكُلِّيِّ، وأرْشَدَهم إلى سُلُوكِهِ ابْتِغاءً لِفَضْلِهِ واسْتِنْجازًا لِوَعْدِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةٍ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ، وبِانْتِظامِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ في سِلْكِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ اليَهُودَ مُثَنِّيَةٌ، والنَّصارى مُثَلِّثَةٌ، فَهم بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ، فَإنَّ عِلْمَهم بِأحْوالِ الآخِرَةِ كَلا عِلْمَ، فَإيمانُهُمُ المَبْنِيُّ عَلَيْهِ لَيْسَ بِإيمانٍ بِهِ.

﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: ما ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِالوَحْيِ مَتْلُوًّا أوْ غَيْرَ مَتْلُوٍّ، وقِيلَ: المُرادُ بِرَسُولِهِ الرَّسُولُ الَّذِي يَزْعُمُونَ اتِّباعَهُ، أيْ: يُخالِفُونَ أصْلَ دِينِهِمُ المَنسُوخِ اعْتِقادًا وعَمَلًا ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ الثّابِتَ الَّذِي هو ناسِخٌ لِسائِرِ الأدْيانِ، وهو دِينُ الإسْلامِ، وقِيلَ: دِينَ اللَّهِ ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَمِن بَيانِيَّةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم عَلى خِلافِ ما نُعِتَ ﴿حَتّى يُعْطُوا﴾ أيْ: يَقْبَلُوا أنْ يُعْطُوا ﴿الجِزْيَةَ﴾ أيْ: ما تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ يُعْطُوهُ، مُشْتَقٌّ مِن جَزى دَيْنَهُ أيْ: قَضاهُ، أوْ لِأنَّهم يَجْزُونَ بِها مَن مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإعْفاءِ عَنِ القَتْلِ ﴿عَنْ يَدٍ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يُعْطُوا، أيْ: عَنْ يَدٍ مُؤاتِيَةٍ مُطِيعَةٍ، بِمَعْنى: مُنْقادِينَ، أوْ مِن يَدِهِمْ، بِمَعْنى: مُسَلِّمِينَ بِأيْدِيهِمْ غَيْرَ باعِثِينَ بِأيْدِي غَيْرِهِمْ، ولِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ التَّوْكِيلِ فِيهِ، أوْ عَنْ غِنًى، ولِذَلِكَ لَمْ تَجِبِ الجِزْيَةُ عَلى الفَقِيرِ العاجِزِ، أوْ عَنْ يَدٍ قاهِرَةٍ عَلَيْهِمْ، أيْ: بِسَبَبِ يَدٍ، بِمَعْنى: عاجِزِينَ أذِلّاءَ، أوْ عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ إبْقاءَ مُهْجَتِهِمْ بِما بَذَلُوا مِنَ الجِزْيَةِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ - أوْ مِنَ الجِزْيَةِ، أيْ: نَقْدًا مُسَلَّمَةً عَنْ يَدٍ إلى يَدٍ، وغايَةُ القِتالِ لَيْسَتْ نَفْسَ هَذا الإعْطاءِ بَلْ قَبُولَهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.

﴿وَهم صاغِرُونَ﴾ أيْ: أذِلّاءُ، وذَلِكَ بِأنْ يَأْتِيَ بِها بِنَفْسِهِ ماشِيًا غَيْرَ راكِبٍ، ويُسَلِّمَها وهو قائِمٌ، والمُتَسَلِّمُ جالِسٌ، ويُؤْخَذَ بِتَلْبِيبِهِ، ويُقالَ لَهُ: أدِّ الجِزْيَةَ، وإنْ كانَ يُؤَدِّيها.

وَهِيَ تُؤْخَذُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن أهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا، ومِن مُشْرِكِي العَجَمِ لا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، وعِنْدَ أبِي يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لا تُؤْخَذُ مِنَ العَرَبِيِّ كِتابِيًّا كانَ أوْ مُشْرِكًا، وتُؤْخَذُ مِنَ الأعْجَمِيِّ كِتابِيًّا كانَ أوْ مُشْرِكًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تُؤْخَذُ مِن أهْلِ الكِتابِ عَرَبِيًّا، أوْ عَجَمِيًّا، ولا تُؤْخَذُ مِن أهْلِ الأوْثانِ مُطْلَقًا، وذَهَبَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ إلى أنَّها تُؤْخَذُ مِن جَمِيعِ الكُفّارِ.

وَأمّا المَجُوسُ، فَقَدِ اتَّفَقَتِ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - عَلى أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ:««سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ».»

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ لَهم كِتابٌ يَدْرُسُونَهُ فَأصْبَحُوا، وقَدْ أُسْرِيَ عَلى كِتابِهِمْ فَرُفِعَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، واتَّفَقُوا عَلى تَحْرِيمِ ذَبِيحَتِهِمْ ومُناكَحَتِهِمْ، لِقَوْلِهِ ﷺ في آخِرِ ما نُقِلَ مِنَ الحَدِيثِ: ««غَيْرَ ناكِحِي نِسائِهِمْ وآكِلِي ذَبِيحَتِهِمْ».»

وَوَقْتُ الأخْذِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أوَّلُ السَّنَةِ، وتَسْقُطُ بِالمَوْتِ والإسْلامِ، ومِقْدارُها عَلى الفَقِيرِ المُعْتَمِلِ اثْنا عَشَرَ دِرْهَمًا، وعَلى المُتَوَسِّطِ الحالِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وعَلى الغَنِيِّ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ دِرْهَمًا، ولا جِزْيَةَ عَلى فَقِيرٍ (p-59)عاجِزٍ عَنِ الكَسْبِ، ولا عَلى شَيْخٍ فانٍ، أوْ زَمِنٍ، أوْ صَبِيٍّ، أوِ امْرَأةٍ.

وَعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تُؤْخَذُ في آخِرِ السَّنَةِ، مِن كُلٍّ واحِدٍ دِينارٌ غَنِيًّا كانَ أوْ فَقِيرًا، كانَ لَهُ كَسْبٌ أوْ لَمْ يَكُنْ.

9:30Page 191

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠

The Jews say, "Ezra is the son of Allāh"; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allāh." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved before [them]. May Allāh destroy them; how are they deluded?

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ، سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ ما مَرَّ مِن عَدَمِ إيمانِ أهْلِ الكِتابَيْنِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وانْتِظامِهِمْ بِذَلِكَ في سِلْكِ المُشْرِكِينَ ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقُرِئَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلى أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ كَعازِرَ وعِزارَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعُجْمَةِ والتَّعْرِيفِ، وأمّا تَعْلِيلُهُ بِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أوْ بِجَعْلِ الِابْنِ وصْفًا عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ - فَتَعَسُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.

قِيلَ: هو قَوْلُ قُدَمائِهِمْ، ثُمَّ انْقَطَعَ فَحَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْهُمْ، ولا عِبْرَةَ بِإنْكارِ اليَهُودِ، وقِيلَ: قَوْلُ بَعْضٍ مِمَّنْ كانَ بِالمَدِينَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ جاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ناسٌ مِنهُمْ، وهم سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ونُعْمانُ بْنُ أوْفى، وشاسُ بْنُ قَيْسٍ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، فَقالُوا ذَلِكَ.

وَقِيلَ: قالَهُ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ، وهو الَّذِي قالَ: (إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ)، وسَبَبُ هَذا القَوْلِ أنَّ اليَهُودَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَرَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ التَّوْراةَ ومَحاها مِن قُلُوبِهِمْ، فَخَرَجَ عُزَيْرٌ وهو غُلامٌ يَسِيحُ في الأرْضِ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَذْهَبُ؟ قالَ: أطْلُبُ العِلْمَ، فَحَفَّظَهُ التَّوْراةَ، فَأمْلاها عَلَيْهِمْ عَنْ ظَهْرِ لِسانِهِ لا يَخْرِمُ حَرْفًا، فَقالُوا: ما جَمَعَ اللَّهُ التَّوْراةَ في صَدْرِهِ وهو غُلامٌ إلّا أنَّهُ ابْنُهُ.

قالَ الإمامُ الكَلْبِيُّ: لَمّا قَتَلَ بُخْتُنَصَّرُ عُلَماءَهم جَمِيعًا وكانَ عُزَيْرٌ إذْ ذاكَ صَغِيرًا، فاسْتَصْغَرَهُ ولَمْ يَقْتُلْهُ، فَلَمّا رَجَعَ بَنُو إسْرائِيلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ - ولَيْسَ فِيهِمْ مَن يَقْرَأُ التَّوْراةَ - بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عُزَيْرًا لِيُجَدِّدَ لَهُمُ التَّوْراةَ، ويَكُونَ آيَةً بَعْدَما أماتَهُ مِائَةَ عامٍ.

يُقالُ: إنَّهُ أتاهُ مَلَكٌ بِإناءٍ فِيهِ ماءٌ فَسَقاهُ، فَمَثُلَتْ في صَدْرِهِ، فَلَمّا أتاهم فَقالَ لَهُمْ: إنِّي عُزَيْرٌ، كَذَّبُوهُ، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ كَما تَزْعُمُ فَأمْلِ عَلَيْنا التَّوْراةَ فَفَعَلَ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقْذِفِ التَّوْراةَ في قَلْبِ رَجُلٍ إلّا لِأنَّهُ ابْنُهُ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ اليَهُودَ أضاعُوا التَّوْراةَ وعَمِلُوا بِغَيْرٍ الحَقِّ، فَأنْساهُمُ اللَّهُ تَعالى التَّوْراةَ، ونَسَخَها مِن صُدُورِهِمْ، ورَفَعَ التّابُوتَ فَتَضَرَّعَ عُزَيْرٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وابْتَهَلَ إلَيْهِ فَعادَ حِفْظُ التَّوْراةِ إلى قَلْبِهِ، فَأنْذَرَ قَوْمَهُ بِهِ، ثُمَّ إنَّ التّابُوتَ نَزَلَ فَعَرَضُوا ما تَلاهُ عُزَيْرٌ عَلى ما فِيهِ فَوَجَدُوهُ مِثْلَهُ، فَقالُوا ما قالُوا.

﴿وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ هو أيْضًا قَوْلُ بَعْضِهِمْ، وإنَّما قالُوهُ اسْتِحالَةً لِأنْ يَكُونَ ولَدٌ بِغَيْرِ أبٍ، أوْ لِأنْ يَفْعَلَ ما فَعَلَهُ مِن إبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى مَن لَمْ يَكُنْ إلَهًا ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ العَظِيمَتَيْنِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الشَّناعَةِ والفَظاعَةِ ﴿قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ إمّا تَأْكِيدٌ لِنِسْبَةِ القَوْلِ المَذْكُورِ إلَيْهِمْ ونَفْيِ التَّجَوُّزِ عَنْها، أوْ إشْعارٌ بِأنَّهُ قَوْلٌ مُجَرَّدٌ عَنِ البُرْهانِ، وتَحْقِيقٌ مُماثِلٌ لِلْمُهْمَلِ المَوْجُودِ في الأفْواهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مِصْداقٌ في الخارِجِ.

﴿يُضاهِئُونَ﴾ أيْ: في الكُفْرِ والشَّناعَةِ، وقُرِئَ بِغَيْرِ هَمْزٍ ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: يُشابِهُ قَوْلُهم - عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ عِنْدَ انْقِلابِهِ مَرْفُوعًا - قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِهِمْ، وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ - أوِ اللّاتُ والعُزّى - (p-60)بَناتُ اللَّهِ، لا قُدَماؤُهم كَما قِيلَ، إذْ لا تَعَدُّدَ في القَوْلِ حَتّى يَتَأتّى التَّشْبِيهُ، وجَعْلُهُ بَيْنَ قَوْلَيِ الفَرِيقَيْنِ مَعَ اتِّحادِ المَقُولِ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ.

وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنَّصارى، أيْ: يُضاهِي قَوْلُهُمُ (المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) قَوْلَ اليَهُودِ: عُزَيْرٌ... إلَخْ، لِأنَّهم أقْدَمُ مِنهُمْ، وهو أيْضًا كَما تَرى، فَإنَّهُ يَسْتَدْعِي اخْتِصاصَ الرَّدِّ والإبْطالَ بِقَوْلِهِ تَعالى: (ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ) بِقَوْلِ النَّصارى.

﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا بِالإهْلاكِ، فَإنَّ مَن قاتَلَهُ اللَّهُ هَلَكَ، أوْ تَعَجُّبٌ مِن شَناعَةِ قَوْلِهِمْ ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ كَيْفَ يُصْرَفُونَ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ، والحالُ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا؟!

9:31Page 191

ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١

They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

﴿اتَّخَذُوا﴾ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِما سَلَفَ مِن كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى ﴿أحْبارَهُمْ﴾ وهم عُلَماءُ اليَهُودِ، واخْتُلِفَ في واحِدِهِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: لا أدْرِي، أهُوَ حَبْرٌ أمْ حِبْرٌ؟ وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: بِالفَتْحِ لا غَيْرُ، وكانَ اللَّيْثُ وابْنُ السِّكِّيتِ يَقُولانِ: حِبْرٌ وحَبْرٌ لِلْعالِمِ ذِمِّيًّا كانَ أوْ مُسْلِمًا بَعْدَ أنْ كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴿وَرُهْبانَهُمْ﴾ وهم عُلَماءُ النَّصارى مِن أصْحابِ الصَّوامِعِ، أيِ: اتَّخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عُلَماءَهُمْ، لا الكُلُّ الكُلَّ.

﴿أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِأنْ أطاعُوهم في تَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَهُ، أوْ بِالسُّجُودِ لَهُمْ، ونَحْوُهُ تَسْمِيَةُ اتِّباعِ الشَّيْطانِ عِبادَةً لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ .

«قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ: أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وفي عُنُقِي صَلِيبٌ مِن ذَهَبٍ، وكانَ إذْ ذاكَ عَلى دِينٍ يُسَمّى الرَّكُوسِيَّةُ فَرِيقٌ مِنَ النَّصارى، وهو يَقْرَأُ سُورَةَ بَراءَةَ، فَقالَ: «يا عَدِيُّ، اطْرَحْ هَذا الوَثَنَ» فَطَرَحْتُهُ فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: (اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ) قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، فَقالَ ﷺ: «ألَيْسَ يُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ ويُحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟ فَقُلْتُ بَلى، قالَ: ذَلِكَ عِبادَتُهُمْ».»

قالَ الرَّبِيعُ: قُلْتُ لِأبِي العالِيَةِ كَيْفَ كانَتْ تِلْكَ الربوبية في بَنِي إسْرائِيلَ؟ قالَ: إنَّهم رُبَّما وجَدُوا في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما يُخالِفُ أقْوالَ الأحْبارِ، فَكانُوا يَأْخُذُونَ بِأقْوالِهِمْ ويَتْرُكُونَ حُكْمَ كِتابِ اللَّهِ ﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى رُهْبانِهِمْ، أيِ: اتَّخَذَهُ النَّصارى رَبًّا مَعْبُودًا بَعْدَما قالُوا إنَّهُ ابْنُهُ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وتَخْصِيصُ الِاتِّخاذِ بِهِ يُشِيرُ إلى أنَّ اليَهُودَ ما فَعَلُوا ذَلِكَ بِعُزَيْرٍ، وتَأْخِيرُهُ في الذِّكْرِ مَعَ أنَّ اتِّخاذَهم لَهُ ﷺ رَبًّا مَعْبُودًا أقْوى مِن مُجَرَّدِ الإطاعَةِ في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ - كَما هو المُرادُ بِاتِّخاذِهِمُ الأحْبارَ والرُّهْبانَ أرْبابًا - لِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنَّصارى، ونِسْبَتُهُ ﷺ إلى أُمِّهِ مِن حَيْثُ دَلالَتُها عَلى مَرْبُوبِيَّتِهِ المُنافِيةِ لِلرُّبُوبِيَّةِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ رَكاكَةِ رَأْيِهِمْ، والقَضاءِ عَلَيْهِمْ بِنِهايَةِ الجَهْلِ والحَماقَةِ.

﴿وَما أُمِرُوا﴾ أيْ: والحالُ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ ما أُمِرُوا في كِتابَيْهِمْ ﴿إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ عَظِيمَ الشَّأْنِ، هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ويُطِيعُوا أمْرَهُ ولا يُطِيعُوا أمْرَ غَيْرِهِ بِخِلافِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِعِبادَتِهِ تَعالى، فَإنَّ جَمِيعَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ مُتَّفِقَةٌ عَلى ذَلِكَ قاطِبَةً، وقَدْ قالَ المَسِيحُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ (إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ)﴾ وأمّا إطاعَةُ الرَّسُولِ ﷺ وسائِرِ مَن أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِطاعَتِهِ فَهي في الحَقِيقَةِ إطاعَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

أوْ: وما أُمِرَ الَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ الكَفَرَةُ أرْبابًا مِنَ المَسِيحِ والأحْبارِ والرُّهْبانِ إلّا لِيُوَحِّدُوا اللَّهَ (p-61)تَعالى، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونُوا أرْبابًا وهم مَأْمُورُونَ مُسْتَعْبَدُونَ مِثْلُهُمْ؟! ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ كَوْنُ رُبُوبِيَّةِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ بِطَرِيقِ الإطاعَةِ، فَإنَّ تَخْصِيصَ العِبادَةِ بِهِ تَعالى لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِتَخْصِيصِ الطّاعَةِ أيْضًا بِهِ تَعالى، وحَيْثُ لَمْ يَخُصُّوها بِهِ تَعالى لَمْ يَخُصُّوا العِبادَةَ بِهِ سُبْحانَهُ.

﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ(إلَهًا)، أوِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّوْحِيدِ ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ عَنِ الإشْراكِ بِهِ في العِبادَةِ والطّاعَةِ.

9:32Page 192

يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢

They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ إطْفاءُ النّارِ عِبارَةٌ عَنْ إزالَةِ لَهَبِها المُوجِبَةِ لِزَوالِ نُورِها لا عَنْ إزالَةِ نُورِها - كَما قِيلَ - لَكِنْ لَمّا كانَ الغَرَضُ مِن إطْفاءِ نارٍ - لا يُرادُ بِها إلّا النُّورُ كالمِصْباحِ - إزالَةَ نُورِها جُعِلَ إطْفاؤُها عِبارَةً عَنْها، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ حَتّى كانَ عِبارَةً عَنْ مُطْلَقِ إزالَةِ النُّورِ، وإنْ كانَ لِغَيْرِ النّارِ، والسِّرُّ في ذَلِكَ انْحِصارُ إمْكانِ الإزالَةِ في نُورِها، والمُرادُ بِنُورِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إمّا حُجَّتُهُ النَّيِّرَةُ الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وتَنَزُّهِهِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأوْلادِ، أوالقرآن العَظِيمُ النّاطِقُ بِذَلِكَ، أيْ: يُرِيدُ أهْلُ الكِتابَيْنِ أنْ يَرُدُّوا القرآن، ويُكَذِّبُوهُ فِيما نَطَقَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّنَزُّهِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأوْلادِ والشَّرائِعِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما خالَفُوهُ مِن أمْرِ الحِلِّ والحُرْمَةِ.

﴿بِأفْواهِهِمْ﴾ بِأقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الخارِجَةِ مِنها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها مِصْداقٌ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ، أوْ أصْلٌ تَسْتَنِدُ إلَيْهِ، حَسْبَما حُكِيَ عَنْهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ نُبُوَّةُ النَّبِيِّ ﷺ هَذا، وقَدْ قِيلَ: مُثِّلَتْ حالُهم فِيما ذُكِرَ بِحالِ مَن يُرِيدُ طَمَسْنَ نُورٍ عَظِيمٍ مُنْبَثٍّ في الآفاقِ بِنَفْخَةٍ ﴿وَيَأْبى اللَّهُ﴾ أيْ: لا يُرِيدُ ﴿إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بِإعْلاءِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وإعْزازِ دِينِ الإسْلامِ، وإنَّما صَحَّ الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ مِنَ المُوجَبِ؛ لِكَوْنِهِ بِمَعْنى النَّفْيِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "يُرِيدُونَ" وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِامْتِناعِ ما لَيْسَ في نَفْيِ الإرادَةِ، أيْ: لا يُرِيدُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا إتْمامَ نُورِهِ فَيَنْدَرِجُ في المُسْتَثْنى مِنهُ بَقاؤُهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنِ الإطْفاءِ، وفي إظْهارِ النُّورِ في مَقامِ الإضْمارِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - زِيادَةُ اعْتِناءٍ بِشَأْنِهِ، وتَشْرِيفٌ لَهُ عَلى تَشْرِيفٍ، وإشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.

﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ جَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ قَبْلَها مُقَدَّرَةٍ، وكِلْتاهُما في مَوْقِعِ الحالِ، أيْ: لا يُرِيدُ اللَّهُ إلّا إتْمامَ نُورِهِ ولَوْ لَمْ يَكْرَهِ الكافِرُونَ ذَلِكَ ولَوْ كَرِهُوهُ أيْ: عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ، وقَدْ حُذِفَتِ الأُولى في البابِ حَذْفًا مُطَّرَدًا لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً؛ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا تَحَقَّقَ عِنْدَ المانِعِ فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَ عَدَمِهِ أوْلى، وعَلى هَذا السِّرِّ يَدُورُ ما في إنْ ولَوِ الوَصْلِيَّتَيْنِ مِنَ التَّأْكِيدِ، وقَدْ مَرَّ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِهَذا مِرارًا.

9:33Page 192

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.

﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِالهُدى﴾ أيِ: القرآن الَّذِي هو هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴿وَدِينِ الحَقِّ﴾ الثّابِتِ، وهو دِينُ الإسْلامِ ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أيْ: رَسُولَهُ ﴿عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أيْ: عَلى أهْلِ الأدْيانِ كُلِّهِمْ، أوْ لِيُظْهِرَ الدِّينَ الحَقِّ عَلى سائِرِ الأدْيانِ بِنَسْخِهِ إيّاها، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، والجُمْلَةُ بَيانٌ وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، والكَلامُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ كَما فِيما سَبَقَ خَلا أنَّ وصْفَهم بِالشِّرْكِ بَعْدَ وصْفِهِمْ (p-62)بِالكَفْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ضَمُّوا الكُفْرَ بِالرَّسُولِ إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ.

9:34Page 192

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ في إغْوائِهِمْ لِأراذِلِهِمْ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ الأتْباعِ في اتِّخاذِهِمْ لَهم أرْبابًا يُطِيعُونَهم في الأوامِرِ والنَّواهِي واتِّباعِهِمْ لَهم فِيما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ.

﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ يَأْخُذُونَها بِطَرِيقِ الرِّشْوَةِ؛ لِتَغْيِيرِ الأحْكامِ والشَّرائِعِ والتَّخْفِيفِ والمُسامَحَةِ فِيها، وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالأكْلِ بِناءً عَلى أنَّهُ مُعْظَمُ الغَرَضِ مِنهُ، وتَقْبِيحًا لِحالِهِمْ، وتَنْفِيرًا لِلسّامِعِينَ عَنْهم ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ النّاسَ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَنْ دِينِ الإسْلامِ، أوْ عَنِ المَسْلَكِ المُقَرَّرِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلى ما افْتَرَوْهُ وحَرَّفُوهُ بِأخْذِ الرِّشا، أوْ يَصُدُّونَ عَنْهُ بِأنْفُسِهِمْ بِأكْلِهِمُ الأمْوالَ بِالباطِلِ.

﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ أيْ: يَجْمَعُونَهُما ويَحْفَظُونَهُما سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِالدَّفْنِ أوْ بِوَجْهٍ آخَرَ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ إمّا عَنِ الكَثِيرِ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ فَيَكُونُ مُبالَغَةً في الوَصْفِ بِالحِرْصِ والضَّنِّ بِهِما - بَعْدَ وصْفِهِمْ بِما سَبَقَ مِن أخْذِ الرِّشا والبَراطِيلِ في الأباطِيلِ - وإمّا عَنِ المُسْلِمِينَ الكانِزِينَ غَيْرِ المُنْفِقِينَ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَيَكُونُ نَظْمُهم في قَرْنِ المُرْتَشِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ تَغْلِيظًا ودِلالَةً عَلى كَوْنِهِمْ أُسْوَةً لَهم في اسْتِحْقاقِ البِشارَةِ بِالعَذابِ الألِيمِ، فالمُرادُ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ الزَّكاةُ؛ لِما رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَفْرِضِ الزَّكاةَ إلّا لِيُطَيِّبَ بِها ما بَقِيَ مِن أمْوالِكُمْ»» ولِقَوْلِهِ ﷺ: ««ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»» أيْ: بِكَنْزٍ أُوعِدَ عَلَيْهِ، فَإنَّ الوَعِيدَ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الإنْفاقِ فِيما أمَرَ اللَّهُ بِالإنْفاقِ فِيهِ.

وَأمّا قَوْلُهُ ﷺ: ««مَن تَرَكَ صَفْراءَ أوْ بَيْضاءَ كُوِيَ بِها»» ونَحْوُهُ، فالمُرادُ بِها: ما لَمْ يُؤَدِّ حَقَّها؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: ««ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنها حَقَّها إلّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفائِحُ مِن نارٍ فَيُكْوى بِها جَنْبُهُ وجَبِينُهُ وظَهْرُهُ».»

﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ، والفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ (فَبَشِّرْهُمْ).

9:35Page 192

يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥

The Day when it1 will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

﴿يَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ (بِعَذابٍ ألِيمٍ) أوْ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، أيْ: يُعَذَّبُونَ أوْ بِـ(اذْكُرْ) ﴿يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: يَوْمَ تُوقَدُ النّارُ ذاتُ حَمْيٍ شَدِيدٍ عَلَيْها، وأصْلُهُ: تُحْمى النّارُ، فَجُعِلَ الإحْماءُ لِلنّارِ مُبالَغَةً، ثُمَّ حُذِفَتِ النّارُ وأُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ تَنْبِيهًا عَلى المَقْصُودِ، فانْتَقَلَ مِن صِيغَةِ التَّأْنِيثِ إلى التَّذْكِيرِ، كَما تَقُولُ: رُفِعَتِ القِصَّةُ إلى الأمِيرِ، فَإنْ طَرَحْتَ القِصَّةَ قُلْتَ: رُفِعَ إلى الأمِيرِ، وإنَّما قِيلَ: عَلَيْها والمَذْكُورُ شَيْئانِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِما دَنانِيرُ ودَراهِمُ كَثِيرَةٌ، كَما قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أرْبَعَةُ آلافٍ (p-63)وَما دُونَها نَفَقَةٌ وما فَوْقَها كَنْزٌ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا يُنْفِقُونَها" وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأمْوالِ والكُنُوزِ، فَإنَّ الحُكْمَ عامٌّ وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُما قانُونُ التَّمَوُّلِ، أوْ لِلْفِضَّةِ، وتَخْصِيصُها لِقُرْبِها ودَلالَةِ حُكْمِها عَلى أنَّ الذَّهَبَ كَذَلِكَ، بَلْ أوْلى.

﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ﴾ لِأنَّ جَمْعَهم لَها وإمْساكَهم كانَ لِطَلَبِ الوَجاهَةِ بِالغِنى والتَّنَعُّمِ بِالمَطاعِمِ الشَّهِيَّةِ والمَلابِسِ البَهِيَّةِ، أوْ لِأنَّهُمُ ازْوَرُّوا عَنِ السّائِلِ وأعْرَضُوا عَنْهُ ووَلَّوْهُ ظُهُورَهُمْ، أوْ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ، فَإنَّها المُشْتَمِلَةُ عَلى الأعْضاءِ الرَّئِيسَةِ الَّتِي هي الدِّماغُ والقَلْبُ والكَبِدُ، أوْ لِأنَّها أُصُولُ الجِهاتِ الأرْبَعَةِ الَّتِي هي مَقادِيمُ البَدَنِ ومَآخِرُهُ وجَنْباهُ.

﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ ﴿لأنْفُسِكُمْ﴾ لِمَنفَعَتِها، فَكانَ عَيْنَ مَضَرَّتِها وسَبَبَ تَعْذِيبِها ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أيْ: وبالَ كَنْزِكُمْ، أوْ ما تَكْنِزُونَهُ، وقُرِئَ بِضَمِّ النُّونِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском