Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:83–98
9:83Page 200
فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ ٨٣
If Allāh should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."
﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ الآتِي عَلى ما بُيِّنَ مِن أمْرِهِمْ، والفِعْلُ مِنَ الرَّجْعِ المُتَعَدِّي دُونَ الرُّجُوعِ اللّازِمِ، أيْ: فَإنْ رَدَّكَ اللَّهُ تَعالى ﴿إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: إلى المُنافِقِينَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ في المَدِينَةِ، فَإنَّ تَخَلُّفَ بَعْضِهِمْ إنَّما كانَ لِعُذْرٍ عائِقٍ مَعَ الإسْلامِ، أوْ إلى مَن بَقِيَ مِنَ المُنافِقِينَ المُتَخَلِّفِينَ بِأنْ ذَهَبَ بَعْضُهم بِالمَوْتِ، أوْ بِالغَيْبَةِ عَنِ البَلَدِ، أوْ بِأنْ لَمْ يَسْتَأْذِنِ البَعْضُ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، قِيلَ فِيهِمْ ما قِيلَ.
﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ مَعَكَ إلى غَزْوَةٍ أُخْرى بَعْدَ غَزْوَتِكَ هَذِهِ ﴿فَقُلْ﴾ إخْراجًا لَهم عَنْ دِيوانِ الغُزاةِ، وإبْعادًا لِمَحَلِّهِمْ عَنْ مَحْفِلِ صُحْبَتِكَ ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ مِنَ الأعْداءِ، وهو إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ، وقَدْ وقَعَ كَذَلِكَ ﴿إنَّكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَلَفَ، أيْ: لِأنَّكم ﴿رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ﴾ أيْ: عَنِ الغَزْوِ وفَرِحْتُمْ بِذَلِكَ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ ﴿فاقْعُدُوا﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالقُعُودِ بِطَرِيقِ العُقُوبَةِ عَلى ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الرِّضا بِالقُعُودِ، أيْ: إذْ رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مِن بَعْدُ ﴿مَعَ الخالِفِينَ﴾ أيِ: المُتَخَلِّفِينَ، الَّذِينَ دَيْدَنُهُمُ القُعُودُ والتَّخَلُّفُ دائِمًا، وقُرِئَ (الخَلِفِينَ) عَلى القَصْرِ، فَكانَ مَحْوُ أسامِيهِمْ مِن دَفْتَرِ المُجاهِدِينَ ولَزُّهم في قَرْنِ الخالِفِينَ عُقُوبَةً لَهم أيَّ عُقُوبَةٍ، وتَذْكِيرُ اسْمِ التَّفْضِيلِ المُضافِ إلى المُؤَنَّثِ هو الأكْثَرُ الدّائِرُ عَلى الألْسِنَةِ، فَإنَّكَ لا تَكادُ تَسْمَعُ قائِلًا يَقُولُ: هي كُبْرى امْرَأةٍ، أوْ أُولى مَرَّةٍ.
9:84Page 200
وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨٤
And do not pray [the funeral prayer, O Muḥammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allāh and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.
﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ﴾ صِفَةٌ لِـ"أحَدٍ"، وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ ﴿أبَدًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، أيْ: لا تَدْعُ ولا تَسْتَغْفِرْ لَهم أبَدًا ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ أيْ: لا تَقِفْ عَلَيْهِ لِلدَّفْنِ، أوْ لِلزِّيارَةِ والدُّعاءِ، رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ كانَ يَقُومُ عَلى قُبُورِ المُنافِقِينَ، ويَدْعُو لَهُمْ، فَلَمّا مَرِضَ رَأْسُ النِّفاقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ بَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَأْتِيَهُ فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ، فَقالَ ﷺ: "أهْلَكَكَ حُبُّ اليَهُودِ"» فَقالَ: (p-90)يا رَسُولَ اللَّهِ، بَعَثْتُ إلَيْكَ لِتَسْتَغْفِرَ لِي لا لِتُؤَنِّبَنِي، وسَألَهُ أنْ يُكَفِّنَهُ في شِعارِهِ الَّذِي يَلِي جِلْدَهُ، ويُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمّا ماتَ دَعاهُ ابْنُهُ، وكانَ مُؤْمِنًا صالِحًا، فَأجابَهُ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ ومُراعاةً لِجانِبِهِ، وأرْسَلَ إلَيْهِ قَمِيصَهُ فَكُفِّنَ فِيهِ، فَلَمّا هَمَّ بِالصَّلاةِ أوْ صَلّى نَزَلَتْ.
وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -أنَّهُ قالَ: لَمّا هَلَكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ووَضَعْناهُ لِيُصَلّى عَلَيْهِ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: أتُصَلِّي عَلى عَدُوِّ اللَّهِ، القائِلِ يَوْمَ كَذا: كَذا وكَذا، والقائِلِ يَوْمَ كَذا: كَذا وكَذا، وعَدَدْتُ أيّامَهُ الخَبِيثَةَ، فَتَبَسَّمَ ﷺ وصَلّى عَلَيْهِ، ثُمَّ مَشى مَعَهُ وقامَ عَلى حُفْرَتِهِ حَتّى دُفِنَ، فَواللَّهِ ما لَبِثَ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَ (وَلا تُصَلِّ ...) إلَخْ، فَما صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مُنافِقٍ ولا قامَ عَلى قَبْرِهِ، وإنَّما لَمْ يُنْهَ عَنِ التَّكْفِينِ بِقَمِيصِهِ ﷺ؛ لِأنَّ الضِّنَّةَ بِالقَمِيصِ كانَتْ مَظِنَّةَ الإخْلالِ بِالكَرَمِ، عَلى أنَّهُ كانَ مُكافَأةً لِقَمِيصِهِ الَّذِي كانَ ألْبَسَهُ العَبّاسَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - حِينَ أُسِرَ بِبَدْرٍ، والخَبَرُ مَشْهُورٌ.
﴿إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى مَعْنى أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْمَيِّتِ والوُقُوفَ عَلى قَبْرِهِ إنَّما يَكُونُ لِاسْتِصْلاحِهِ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّهِمْ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مُدَّةَ حَياتِهِمْ ﴿وَماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ خارِجُونَ عَنْ حُدُودِهِ، كَما بُيِّنَ مِن مَعْنى الفِسْقِ.
9:85Page 200
وَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَأَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٨٥
And let not their wealth and their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.
﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهُمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ، وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهِ بِالإخْبارِ بِوُقُوعِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا في حَقِّ فَرِيقٍ غَيْرِ الفَرِيقِ الأوَّلِ، وتَقْدِيمُ الأمْوالِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ عَلى الأوْلادِ - مَعَ كَوْنِهِمْ أعَزَّ مِنها - إمّا لِعُمُومِ مِساسِ الحاجَةِ إلَيْها بِحَسَبِ الذّاتِ وبِحَسِبِ الأفْرادِ والأوْقاتِ، فَإنَّها مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الآباءِ والأُمَّهاتِ والأوْلادِ في كُلِّ وقْتٍ وحِينٍ، حَتّى إنَّ مَن لَهُ أوْلادٌ ولا مالَ لَهُ فَهو وأوْلادُهُ في ضِيقٍ ونَكالٍ، وأمّا الأوْلادُ فَإنَّما يَرْغَبُ فِيهِمْ مَن بَلَغَ مَبْلَغَ الأُبُوَّةِ، وإمّا لِأنَّ المالَ مَناطٌ لِبَقاءِ النَّفْسِ والأوْلادَ لِبَقاءِ النَّوْعِ، وإمّا لِأنَّها أقْدَمُ في الوُجُودِ مِنَ الأوْلادِ؛ لِأنَّ الأجْزاءَ المَنَوِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ الأغْذِيَةِ كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ الكَهْفِ.
﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ﴾ بِما مَتَّعَهم بِهِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ ﴿أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا﴾ بِسَبَبِ مُعاناتِهِمُ المَشاقَّ ومُكابَدَتِهِمُ الشَّدائِدَ في شَأْنِها ﴿وَتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ أيْ: فَيَمُوتُوا كافِرِينَ بِاشْتِغالِهِمْ بِالتَّمَتُّعِ بِها والِالتِهاءِ عَنِ النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ في العَواقِبِ.
9:86Page 200
وَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٌ أَنۡ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسۡتَـٔۡذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوۡلِ مِنۡهُمۡ وَقَالُواْ ذَرۡنَا نَكُن مَّعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٨٦
And when a sūrah was revealed [enjoining them] to believe in Allāh and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."
﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ مِنَ القرآن، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها بَعْضُها ﴿أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ لِما في الإنْزالِ مِن مَعْنى القَوْلِ والوَحْيِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ، أيْ: بِأنْ آمِنُوا ﴿وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾ لِإعْزازِ دِينِهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ أيْ: ذَوُو الفَضْلِ والسَّعَةِ والقُدْرَةِ عَلى الجِهادِ بَدَنًا ومالًا ﴿وَقالُوا﴾ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ لِـ(اسْتَأْذَنَكَ) مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ ما اسْتَأْذَنُوا فِيهِ يَعْنِي القُعُودَ ﴿ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ (p-91)أيِ: الَّذِينَ قَعَدُوا عَنِ الغَزْوِ لِما بِهِمْ مِن عُذْرٍ.
9:87Page 201
رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٨٧
They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.
﴿رَضُوا﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وعَدَمِ امْتِثالِهِمْ لِكِلا الأمْرَيْنِ، وإنْ لَمْ يَرُدُّوا الأوَّلَ صَرِيحًا ﴿بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ مَعَ النِّساءِ اللّاتِي شَأْنُهُنَّ القُعُودُ ولُزُومُ البُيُوتِ، جَمْعُ خالِفَةٍ، وقِيلَ: الخالِفَةُ مَن لا خَيْرَ فِيهِ ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ ما في الإيمان باللَّهِ وطاعَتِهِ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ واتِّباعِ رَسُولِهِ ﷺ والجِهادِ مِنَ السَّعادَةِ، وما في أضْدادِ ذَلِكَ مِنَ الشَّقاوَةِ.
9:88Page 201
لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨٨
But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good and it is those who are the successful.
﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ بِاللَّهِ وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ تَعالى، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم لَيْسُوا مِنَ الإيمان باللَّهِ في شَيْءٍ، وإنْ لَمْ يُعْرِضُوا عَنْهُ صَرِيحًا إعْراضَهم عَنِ الجِهادِ بِاسْتِئْذانِهِمْ في القُعُودِ ﴿جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: إنْ تَخَلَّفَ هَؤُلاءِ عَنِ الغَزْوِ فَقَدْ نَهَدَ إلَيْهِ ونَهَضَ لَهُ مَن هو خَيْرٌ مِنهم وأخْلَصُ نِيَّةً ومُعْتَقَدًا، وأقامُوا أمْرَ الجِهادِ بِكِلا نَوْعَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾
﴿وَأُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿لَهُمُ﴾ بِواسِطَةِ نُعُوتِهِمُ المَزْبُورَةِ ﴿الخَيْراتُ﴾ أيْ: مَنافِعُ الدّارَيْنِ النَّصْرُ والغَنِيمَةُ في الدُّنْيا، والجَنَّةُ والكَرامَةُ في العُقْبى، وقِيلَ: الحُورُ كَقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ وهي جَمْعُ خَيْرَةٍ تَخْفِيفِ خَيِّرَةٍ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيِ: الفائِزُونَ بِالمَطْلُوبِ لا مَن حازَ بَعْضًا مِنَ الحُظُوظِ الفانِيَةِ عَمّا قَلِيلٍ، وتَكْرِيرُ اسْمِ الإشارَةِ تَنْوِيهٌ لِشَأْنِهِمْ ورَبْءٌ لِمَكانِهِمْ.
9:89Page 201
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٨٩
Allāh has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.
﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَوْنِهِمْ مُفْلِحِينَ، أيْ: هَيَّأ لَهم في الآخِرَةِ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ والعامِلِ أعَدَّ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما فُهِمَ مِن إعْدادِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُمُ الجَنّاتِ المَذْكُورَةَ مِن نَيْلِ الكَرامَةِ العُظْمى ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ.
9:90Page 201
وَجَآءَ ٱلۡمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ لِيُؤۡذَنَ لَهُمۡ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٠
And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied1 to Allāh and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.
﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ مُنافِقِي الأعْرابِ إثْرَ بَيانِ مُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ، والمُعَذِّرُونَ مِن عَذَّرَ في الأمْرِ إذا قَصَّرَ فِيهِ وتَوانى ولَمْ يَجِدَّ، وحَقِيقَتُهُ أنْ يُوهِمَ أنَّ لَهُ عُذْرًا فِيما يَفْعَلُ ولا عُذْرَ لَهُ، أوِ المُعْتَذِرُونَ بِإدْغامِ التّاءِ في الذّالِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى العَيْنِ، وهُمُ المُعْتَذِرُونَ بِالباطِلِ، وقُرِئَ (المُعْذِرُونَ) مِنَ الإعْذارِ وهو الِاجْتِهادُ في العُذْرِ والِاحْتِشادُ فِيهِ، قِيلَ: هم أسَدٌ وغَطَفانُ، قالُوا: إنَّ لَنا عِيالًا وإنَّ بِنا لَجُهْدًا فَأْذَنْ لَنا في التَّخَلُّفِ، وقِيلَ: هم رَهْطُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، قالُوا: إنْ غَزَوْنا مَعَكَ أغارَتْ أعْرابُ طَيِّءٍ عَلى أهالِينا ومَواشِينا، فَقالَ ﷺ: (p-92)« "سَيُغْنِينِي اللَّهُ تَعالى عَنْكُمْ".»
وَعَنْ مُجاهِدٍ: نَفَرٌ مِن غِفارٍ اعْتَذَرُوا فَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعَنْ قَتادَةَ: اعْتَذَرُوا بِالكَذِبِ، وقُرِئَ (المُعَّذِّرُونَ) بِتَشْدِيدِ العَيْنِ والذّالِ مِن تَعَّذَّرَ بِمَعْنى: اعْتَذَرَ وهو لَحْنٌ إذِ التّاءُ لا تُدْغَمُ في العَيْنِ إدْغامَها في الطّاءِ والزّاءِ والصّادِ في المُطَّوِّعِينَ، وازَّكّى، واصَّدَّقَ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمُ المُعْتَذِرُونَ بِالصِّحَّةِ، وبِهِ فُسِّرَ المُعَذِّرُونَ والمُعْذِرُونَ، أيِ: الَّذِينَ لَمْ يُفَرِّطُوا في العُذْرِ.
﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وهم مُنافِقُو الأعْرابِ الَّذِينَ لَمْ يَجِيئُوا ولَمْ يَعْتَذِرُوا، فَظَهَرَ أنَّهم كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ في ادِّعاءِ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الأعْرابِ، أوْ مِنَ المُعَذِّرِينَ فَإنَّ مِنهم مَنِ اعْتَذَرَ لِكَسَلِهِ لا لِكُفْرِهِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا، والنّارِ في الآخِرَةِ.
9:91Page 201
لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١
There is not upon the weak or upon the ill or upon those who do not find anything to spend any discomfort [i.e., guilt] when they are sincere to Allāh and His Messenger. There is not upon the doers of good any cause [for blame]. And Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ كالهَرْمى والزَّمْنى ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ لِفَقْرِهِمْ كَمُزَيْنَةَ، وجُهَيْنَةَ، وبَنِي عُذْرَةَ ﴿حَرَجٌ﴾ إثْمٌ في التَّخَلُّفِ ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ بِهِما، والطّاعَةُ لَهُما في السِّرِّ والعَلَنِ، وتَوَلِّيهِما في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، والحُبُّ فِيهِما والبُغْضُ فِيهِما كَما يَفْعَلُ المَوْلى النّاصِحُ بِصاحِبِهِ.
﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ، أيْ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جَناحٌ ولا إلى مُعاتَبَتِهِمْ سَبِيلٌ، ومِن مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، ووَضْعُ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى انْتِظامِهِمْ بِنُصْحِهِمْ لِلَّهِ ورَسُولِهِ في سِلْكِ المُحْسِنِينَ، أوْ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ الحَرَجِ عَنْهُمْ، أيْ: ما عَلى جِنْسِ المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وهم مِن جُمْلَتِهِمْ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُؤَيِّدٌ لِمَضْمُونِ ما ذُكِرَ مُشِيرٌ إلى أنَّ بِهِمْ حاجَةً إلى المَغْفِرَةِ وإنْ كانَ تَخَلُّفُهم بِعُذْرٍ.
9:92Page 201
وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ٩٢
Nor [is there blame] upon those who, when they came to you for you to take them along, you said, "I can find nothing upon which to carry you."1 They turned back while their eyes overflowed with tears out of grief that they could not find something to spend [for the cause of Allāh].
﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى المُحْسِنِينَ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - فِيما سَيَأْتِي ﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ ... الآيَةَ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى الضُّعَفاءِ، وهُمُ البَكّاءُونَ، سَبْعَةٌ مِنَ الأنْصارِ: مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ، وصَخْرُ بْنُ خَنْساءَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ، وسالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ، وعُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ، «أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: نَذَرْنا الخُرُوجَ فاحْمِلْنا عَلى الخِفافِ المَرْقُوعَةِ والنِّعالِ المَخْصُوفَةِ نَغْزُ مَعَكَ، فَقالَ: ﷺ "لا أجِدُ" فَتَوَلَّوْا وهم يَبْكُونَ،» وقِيلَ: هم بَنُو مُقَرِّنٍ مَعْقِلٌ، وسُوَيْدٌ، ونُعْمانُ، وقِيلَ: أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
﴿قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ حالٌ مِنَ الكافِ في (أتَوْكَ) بِإضْمارِ قَدْ و"ما" عامَّةٌ لِما سَألُوهُ ﷺ وغَيْرَهُ مِمّا يُحْمَلُ عَلَيْهِ عادَةً، وفي إيثارِ (لا أجِدُ) عَلى (لَيْسَ عِنْدِي) مِن تَلْطِيفِ الكَلامِ وتَطْيِيبِ قُلُوبِ السّائِلِينَ ما لا يَخْفى، كَأنَّهُ ﷺ يَطْلُبُ ما يَسْألُونَهُ عَلى الِاسْتِمْرارِ فَلا يَجِدُهُ.
﴿تَوَلَّوْا﴾ جَوابُ إذا ﴿وَأعْيُنُهم تَفِيضُ﴾ أيْ: تَسِيلُ بِشِدَّةٍ ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ أيْ: دَمْعًا، فَإنَّ مِنَ البَيانِيَّةِ مَعَ مَجْرُورِها في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ، وهو أبْلَغُ مِن يَفِيضُ دَمْعُها لِإفادَتِها أنَّ العَيْنَ بِعَيْنِها صارَتْ دَمْعًا فَيّاضًا، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿حَزَنًا﴾ نَصْبٌ عَلى العِلِّيَّةِ، أوِ الحالِيَّةِ، أوِ المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: تَفِيضُ لِلْحَزَنِ، فَإنَّ الحَزَنَ يُسْنَدُ إلى العَيْنِ مَجازًا، (p-93)كالفَيْضِ، أوْ تَوَلَّوْا لَهُ، أوْ حَزِنِينَ، أوْ يَحْزَنُونَ حَزَنًا، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في تَفِيضُ.
﴿ألا يَجِدُوا﴾ عَلى حَذْفِ لامٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِحَزَنًا، أوْ تَفِيضُ، أيْ: لِئَلّا يَجِدُوا ﴿ما يُنْفِقُونَ﴾ في شِراءِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ إذْ لَمْ يَجِدُوهُ عِنْدَكَ.
9:93Page 201
۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٩٣
The cause [for blame] is only upon those who ask permission of you while they are rich. They are satisfied to be with those who stay behind, and Allāh has sealed over their hearts, so they do not know.
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ بِالمُعاتِبَةِ ﴿عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ في التَّخَلُّفِ ﴿وَهم أغْنِياءُ﴾ واجِدُونَ لِأُهْبَةِ الغَزْوِ مَعَ سَلامَتِهِمْ ﴿رَضُوا﴾ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِما سَبَقَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُمُ اسْتَأْذَنُوا وهم أغْنِياءُ، فَقِيلَ: رَضُوا ﴿بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ الضَّعَةُ والدَّناءَةُ ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: خَذَلَهم فَغَفَلُوا عَنْ وخامَةِ العاقِبَةِ ﴿فَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أبَدًا غائِلَةَ ما رَضُوا بِهِ وما يَسْتَتْبِعُهُ آجِلًا كَما لَمْ يَعْلَمُوا بِخَساسَةِ شَأْنِهِ عاجِلًا.
9:94Page 202
يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٤
They will make excuses to you when you have returned to them. Say, "Make no excuse - never will we believe you. Allāh has already informed us of your news [i.e., affair]. And Allāh will observe your deeds, and [so will] His Messenger; then you will be taken back to the Knower of the unseen and the witnessed,1 and He will inform you of what you used to do."
﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يَتَصَدَّرُونَ لَهُ عِنْدَ القُفُولِ إلَيْهِمْ.
رُوِيَ أنَّهم كانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، فَلَمّا رَجَعَ ﷺ إلَيْهِمْ جاءُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ بِالباطِلِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ، فَإنَّهم كانُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ أيْضًا لا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَطْ، أيْ: يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم في التَّخَلُّفِ ﴿إذا رَجَعْتُمْ﴾ مِنَ الغَزْوِ مُنْتَهِينَ ﴿إلَيْهِمْ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُلْ إلى المَدِينَةِ؛ إيذانًا بِأنَّ مَدارَ الِاعْتِذارِ هو الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ لا الرُّجُوعُ إلى المَدِينَةِ، فَلَعَلَّ مِنهم مَن بادَرَ إلى الِاعْتِذارِ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلَيْها ﴿قُلْ﴾ تَخْصِيصُ هَذا الخِطابِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ تَعْمِيمِهِ فِيما سَبَقَ لِأصْحابِهِ أيْضًا؛ لِما أنَّ الجَوابَ وظِيفَتُهُ ﷺ وأمّا اعْتِذارُهم فَكانَ شامِلًا لِلْمُسْلِمِينَ شُمُولَ الرُّجُوعِ لَهم ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ: لا تَفْعَلُوا الِاعْتِذارَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ أوْ لا تَعْتَذِرُوا بِما عِنْدَكم مِنَ المَعاذِيرِ، وأمّا التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ كَذِبِها فَلا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أيْ: لَنْ نُصَدِّقَكم في ذَلِكَ أبَدًا، فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِلنَّهْيِ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن قِبَلِهِمْ، مُتَفَرِّعٌ عَلى ادِّعاءِ الصِّدْقِ في الِاعْتِذارِ، كَأنَّهم قالُوا: لِمَ لا نَعْتَذِرُ؟ فَقِيلَ: لِأنّا لا نُصَدِّقُكم أبَدًا، فَيَكُونُ عَبَثًا إذْ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ غَرَضُ المُعْتَذِرِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ التَّصْدِيقِ، أيْ: أُعْلِمْنا بِالوَحْيِ بَعْضَ أخْبارِكُمُ المُنافِيَةِ لِلتَّصْدِيقِ مِمّا باشَرْتُمُوهُ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ، وأضْمَرْتُمُوهُ في ضَمائِرِكُمْ، وهَيَّأْتُمُوهُ لِلْإبْرازِ في مَعْرِضِ الِاعْتِذارِ مِنَ الأكاذِيبِ، وجَمْعُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في المَوْضِعَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ في حَسْمِ أطْماعِهِمْ مِنَ التَّصْدِيقِ رَأْسًا بِبَيانِ عَدَمِ رَواجِ اعْتِذارِهِمْ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ أصْلًا، فَإنَّ تَصْدِيقَ البَعْضِ لَهم رُبَّما يُطْمِعُهم في تَصْدِيقِ الرَّسُولِ أيْضًا ﷺ بِواسِطَةِ المُصَدِّقِينَ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ افْتِضاحَهم بَيْنَ المُؤْمِنِينَ كافَّةً.
﴿وَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ فِيما سَيَأْتِي، أتُنِيبُونَ إلَيْهِ تَعالى مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ النِّفاقِ أمْ تَثْبُتُونَ، وكَأنَّهُ اسْتِتابَةٌ وإمْهالٌ لِلتَّوْبَةِ، وتَقْدِيمُ مَفْعُولُ الرُّؤْيَةِ عَلى ما عُطِفَ عَلى فاعِلِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَسُولُهُ﴾ لِلْإيذانِ بِاخْتِلافِ حالِ الرُّؤْيَتَيْنِ وتَفاوُتِهِما، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ الوَعِيدِ هو عِلْمُهُ - عَزَّ وجَلَّ – بِأعْمالِهِمْ ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ (p-94)لِلْجَزاءِ بِما ظَهَرَ مِنكم مِنَ الأعْمالِ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِتَشْدِيدِ الوَعِيدِ، فَإنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِجَمِيعِ أعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ وإحاطَتَهُ بِأحْوالِهِمُ البارِزَةِ والكامِنَةِ مِمّا يُوجِبُ الزَّجْرَ العَظِيمَ.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ عِنْدَ رَدِّكم إلَيْهِ ووُقُوفِكم بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، عَلى أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ والعائِدُ إلَيْها مَحْذُوفٌ، أوْ بِعَمَلِكُمُ المُسْتَمِرِّ، عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِالتَّنْبِئَةِ بِذَلِكَ: المُجازاةُ بِهِ، وإيثارُها عَلَيْها لِمُراعاةِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ﴾ ... إلَخْ، فَإنَّ المُنَبَّأ بِهِ الأخْبارُ المُتَعَلِّقَةُ بِأعْمالِهِمْ، ولِلْإيذانِ بِأنَّهم ما كانُوا عالِمِينَ في الدُّنْيا بِحَقِيقَةِ أعْمالِهِمْ، وإنَّما يَعْلَمُونَها يَوْمَئِذٍ.
9:95Page 202
سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٥
They will swear by Allāh to you when you return to them that you would leave them alone. So leave them alone; indeed they are evil; and their refuge is Hell as recompense for what they had been earning.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِمَعاذِيرِهِمُ الكاذِبَةِ، وتَقْرِيرًا لَها، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ، والمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وهو ما اعْتَذَرُوا بِهِ مِنَ الأكاذِيبِ، والجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن (يَعْتَذِرُونَ) أوْ بَيانٌ لَهُ ﴿إذا انْقَلَبْتُمْ﴾ أيِ: انْصَرَفْتُمْ مِنَ الغَزْوِ ﴿إلَيْهِمْ﴾ ومَعْنى الِانْقِلابِ هو الرُّجُوعُ والِانْصِرافُ مَعَ زِيادَةِ مَعْنى الوُصُولِ والِاسْتِيلاءِ، وفائِدَةُ تَقْيِيدِ حَلِفِهِمْ بِهِ الإيذانُ بِأنَّهُ لَيْسَ لِدَفْعِ ما خاطَبَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لا ﴿تَعْتَذِرُوا"﴾ ... إلَخْ، بَلْ هو أمْرٌ مُبْتَدَأٌ.
﴿لِتُعْرِضُوا﴾ وتَصْفَحُوا ﴿عَنْهُمْ﴾ صَفْحَ رِضًا فَلا تُوَبِّخُوهم ولا تُعاتِبُوهُمْ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾، ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ لَكِنْ لا إعْراضَ رِضًا كَما هو طِلْبَتُهُمْ، بَلْ إعْراضَ اجْتِنابٍ ومَقْتٍ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بِـ"الإعْراضِ عَنْهُمْ" إمّا الِاجْتِنابُ عَنْهم لِما فِيهِمْ مِنَ الرِّجْسِ الرُّوحانِيِّ، وإمّا تَرْكُ اسْتِصْلاحِهِمْ بِتَرْكِ المُعاتَبَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِها التَّطْهِيرُ بِالحَمْلِ عَلى الإنابَةِ، وهَؤُلاءِ أرْجاسٌ لا تَقْبَلُ التَّطْهِيرَ فَلا يُتَعَرَّضُ لَهم بِها.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ إمّا مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ فَإنَّ كَوْنَهم مِن أهْلِ النّارِ مِن دَواعِي الِاجْتِنابِ عَنْهم ومُوجِباتِ تَرْكِ اسْتِصْلاحِهِمْ بِاللَّوْمِ والعِتابِ، وإمّا تَعْلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ، أيْ: وكَفَتْهُمُ النّارُ عِتابًا وتَوْبِيخًا فَلا تَتَكَلَّفُوا أنْتُمْ في ذَلِكَ ﴿جَزاءً﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِهِ وقَعَ حالًا، أيْ: يُجْزَوْنَ جَزاءً، أوْ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ فَإنَّها مُفِيدَةٌ لِمَعْنى المُجازاةِ قَطَعًا، كَأنَّهُ قِيلَ: مَجْزِيُّونَ جَزاءً ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ في الدُّنْيا مِن فُنُونِ السَّيِّئاتِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.
9:96Page 202
يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٩٦
They swear to you so that you might be satisfied with them. But if you should be satisfied with them - indeed, Allāh is not satisfied with a defiantly disobedient people.
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ بَدَلٌ مِمّا سَبَقَ، وعَدَمُ ذِكْرِ المَحْلُوفِ بِهِ لِظُهُورِهِ، أيْ: يَحْلِفُونَ بِهِ تَعالى ﴿لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ بِحَلِفِهِمْ، وتَسْتَدِيمُوا عَلَيْهِمْ ما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ بِهِمْ ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ حَسْبَما رامُوا وساعَدْتُمُوهم في ذَلِكَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: فَإنَّ رِضاكم عَنْهم لا يُجْدِيهِمْ نَفْعًا؛ لِأنَّ اللَّهَ ساخِطٌ عَلَيْهِمْ ولا أثَرَ لِرِضاكم عِنْدَ سَخَطِهِ سُبْحانَهُ، ووَضْعُ الفاسِقِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ "هُمْ" لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ المُسْتَوْجِبِ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ السَّخَطِ، ولِلْإيذانِ بِشُمُولِ الحُكْمِ لِمَن شارَكَهم في ذَلِكَ، والمُرادُ بِهِ نَهْيُ المُخاطَبِينَ عَنِ الرِّضا عَنْهم والِاغْتِرارِ بِمَعاذِيرِهِمُ الكاذِبَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، فَإنَّ الرِّضا عَمَّنْ لا يَرْضى (p-95)عَنْهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنِ المُؤْمِنِ، وقِيلَ: إنَّما قِيلَ ذَلِكَ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ رِضا المُؤْمِنِينَ مِن دَواعِي رِضا اللَّهِ تَعالى، قِيلَ: هم جَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وأصْحابُهُما، وكانُوا ثَمانِينَ مُنافِقًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ: « "لا تُجالِسُوهم ولا تُكَلِّمُوهُمْ"،» وقِيلَ: جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَحْلِفُ أنْ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ أبَدًا.
9:97Page 202
ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٩٧
The bedouins are stronger in disbelief and hypocrisy and more likely not to know the limits of what [laws] Allāh has revealed to His Messenger. And Allāh is Knowing and Wise.
﴿الأعْرابُ﴾ هي صِيغَةُ جَمْعٍ ولَيْسَتْ بِجَمْعٍ لِلْعَرَبِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ؛ لِئَلّا يَلْزَمَ كَوْنُ الجَمْعِ أخَصَّ مِنَ الواحِدِ، فَإنَّ العَرَبَ هو هَذا الجِيلُ الخاصُّ سَواءٌ سَكَنَ البَوادِيَ أمِ القُرى، وأمّا الأعْرابُ فَلا يُطْلَقُ إلّا عَلى مَن يَسْكُنُ البَوادِيَ، ولِهَذا نُسِبَ إلى الأعْرابِ عَلى لَفْظِهِ فَقِيلَ: أعْرابِيٌّ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ عَرَبِيٌّ وجَمْعُهُ العَرَبُ، كَما يُقالُ مَجُوسِيٌّ، ويَهُودِيٌّ، ثُمَّ يُحْذَفُ ياءُ النَّسَبِ في الجَمْعِ فَيُقالُ: المَجُوسُ، واليَهُودُ، ورَجُلٌ أعْرابِيٌّ ويُجْمَعُ عَلى الأعْرابِ والأعارِيبِ، أيْ: أصْحابِ البَدْوِ ﴿أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ مِن أهْلِ الحَضَرِ؛ لِجَفائِهِمْ وقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وتَوَحُّشِهِمْ ونَشْئِهِمْ في مَعْزِلٍ مِن مُشاهَدَةِ العُلَماءِ ومُفاوَضَتِهِمْ، وهَذا مِن بابِ وصْفِ الجِنْسِ بِوَصْفِ بَعْضِ أفْرادِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ إذْ لَيْسَ كُلُّهم كَما ذُكِرَ عَلى ما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا ﴿وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا﴾ أيْ: أحَقُّ وأخْلُقُ بِأنْ لا يَعْلَمُوا ﴿حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَجْلِسِهِ ﷺ وحِرْمانِهِمْ مِن مُشاهَدَةِ مُعْجِزاتِهِ ومُعايَنَةِ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرائِعِ في تَضاعِيفِ الكِتابِ والسُّنَّةِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِ كُلٍّ مِن أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيما يُصِيبُ بِهِ مُسِيئَهم ومُحْسِنَهم مِنَ العِقابِ والثَّوابِ.
9:98Page 202
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٩٨
And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss1 and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allāh is Hearing and Knowing.
﴿وَمِنَ الأعْرابِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ تَشَعُّبِ جِنْسِ الأعْرابِ إلى فَرِيقَيْنِ وعَدَمِ انْحِصارِهِمْ في الفَرِيقِ المَذْكُورِ، كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وشَرْحٌ لِبَعْضِ مَثالِبِ هَؤُلاءِ المُتَفَرِّعَةِ عَلى الكُفْرِ والنِّفاقِ بَعْدَ بَيانِ تَمادِيهِمْ فِيهِما، وحَمْلُ الأعْرابِ عَلى الفَرِيقِ المَذْكُورِ خاصَّةً وإنْ ساعَدَهُ كَوْنُ مَن يَحْكِي حالَهُ بَعْضًا مِنهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ بِصَدَدِ الإنْفاقِ مِن أهْلِ النِّفاقِ دُونَ فُقَرائِهِمْ، أوْ أعْرابُ أسَدٍ وغَطَفانَ وتَمِيمٍ كَما قِيلَ - لَكِنْ لا يُساعِدُهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ﴾ ... إلَخْ، فَإنَّ أُولَئِكَ لَيْسُوا مِن هَؤُلاءِ قَطْعًا، وإنَّما هم مِنَ الجِنْسِ، أيْ: ومِن جِنْسِ الأعْرابِ الَّذِي نُعِتَ بِنَعْتِ بَعْضِ أفْرادِهِ ﴿مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ﴾ مِنَ المالِ، أيْ: يَعُدُّ ما يَصْرِفُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ ويَتَصَدَّقُ بِهِ صُورَةً ﴿مَغْرَمًا﴾ أيْ: غَرامَةً وخُسْرانًا لازِمًا؛ إذْ لا يُنْفِقُهُ احْتِسابًا ورَجاءً لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى لِيَكُونَ لَهُ مَغْنَمًا، وإنَّما يُنْفِقُهُ رِياءً وتَقِيَّةً، فَهي غَرامَةٌ مَحْضَةٌ، وما في صِيغَةِ الِاتِّخاذِ مِن مَعْنى الِاخْتِيارِ والِانْتِفاعِ بِما يُتَّخَذُ إنَّما هو بِاعْتِبارِ غَرَضِ المُنْفِقِ مِنَ الرِّياءِ والتَّقِيَّةِ لا بِاعْتِبارِ ذاتِ النَّفَقَةِ أعْنِي كَوْنَها غَرامَةً.
﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ أصْلُ الدّائِرَةِ ما يُحِيطُ بِالشَّيْءِ، والمُرادُ بِها ما لا (p-96)مَحِيصَ عَنْهُ مِن مَصائِبِ الدَّهْرِ، أيْ: يَنْتَظِرُ بِكم دَوائِرَ الدَّهْرِ ونُوَبَهُ ودُوَلَهُ لِيَذْهَبَ غَلَبَتُكم عَلَيْهِ فَلْيَتَخَلَّصْ مِمّا ابْتُلِيَ بِهِ ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دَعا عَلَيْهِمْ بِنَحْوِ ما أرادُوا بِالمُؤْمِنِينَ عَلى نَهْجِ الِاعْتِراضِ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ بَعْدَ قَوْلِ اليَهُودِ ما قالُوا، والسُّوءُ مَصْدَرٌ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ ضَرٍّ وشَرٍّ، وأُضِيفَتْ إلَيْهِ الدّائِرَةُ ذَمًّا، كَما يُقالُ: رَجُلُ سُوءٍ؛ لِأنَّ مَن دارَتْ عَلَيْهِ يَذُمُّها، وهي مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ، فَوُصِفَتْ في الأصْلِ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، ثُمَّ أُضِيفَتْ إلى صِفَتِها، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ﴾ وقِيلَ: مَعْنى الدّائِرَةِ يَقْتَضِي مَعْنى السَّوْءِ، فَإنَّما هي إضافَةُ بَيانٍ وتَأْكِيدٍ، كَما قالُوا شَمْسُ النَّهارِ، ولِحْيا رَأْسِهِ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ، وهو العَذابُ، كَما قِيلَ لَهُ: سَيِّئَةٌ.
﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِما يَقُولُونَهُ عِنْدَ الإنْفاقِ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يُضْمِرُونَهُ مِنَ الأُمُورِ الفاسِدَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنْ يَتَرَبَّصُوا بِكُمُ الدَّوائِرَ، وفِيهِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences