Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:35–43
12:35Page 239
ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٖ ٣٥
Then it appeared to them after they had seen the signs1 that he [i.e., al-ʿAzeez] should surely imprison him for a time.2
﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ﴾ أيْ: ظَهَرَ لِلْعَزِيزِ وأصْحابِهِ المُتَصَدِّينَ لِلْحَلِّ والعَقْدِ رَيْثَما اكْتَفَوْا بِأمْرِ يُوسُفَ بِالكِتْمانِ والإعْراضِ عَنْ ذَلِكَ ﴿مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ الصّارِفَةَ لَهم عَنْ ذَلِكَ البَداءِ، وهي الشَّواهِدُ الدّالَّةُ عَلى بَراءَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفاعِلُ بَدا إمّا مَصْدَرُهُ، أوِ الرَّأْيُ المَفْهُومُ مِنَ السِّياقِ، أوِ المَصْدَرُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ والمَعْنى: بَدا لَهم بَداءٌ، أوْ رَأْيٌ، أوْ سَجْنُهُ المَحْتُومُ قائِلِينَ: واللَّهِ لَيَسْجُنَنَّهُ، فالقَسَمُ المَحْذُوفُ وجَوابُهُ مَعْمُولٌ لِلْقَوْلِ المُقَدَّرِ حالًا مِن ضَمِيرِهِمْ، وما كانَ ذَلِكَ البَداءُ إلّا بِاسْتِنْزالِ المَرْأةِ لِزَوْجِها، وقَتْلِها مِنهُ في الذِّرْوَةِ والغارِبِ، وكانَ مِطْواعَةً لَها تَقُودُهُ حَيْثُ شاءَتْ.
قالَ السُّدِّيُّ: إنَّها قالَتْ لِلْعَزِيزِ: إنَّ هَذا العَبْدَ العِبْرانِيَّ قَدْ فَضَحَنِي في النّاسِ يُخْبِرُهم بِأنِّي راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإمّا أنْ تَأْذَنَ لِي (p-275)فَأخْرُجَ فَأعْتَذِرَ إلى النّاسِ، وإمّا أنْ تَحْبِسَهُ، فَحَبَسَهُ، ولَقَدْ أرادَتْ بِذَلِكَ تَحْقِيقَ وعِيدِها؛ لِتُلَيِّنَ بِهِ عَرِيكَتَهُ، وتَنْقادَ لَها قَرُونَتُهُ لَمّا انْصَرَمَتْ حِبالُ رَجائِها عَنِ اسْتِتْباعِهِ بِعَرْضِ الجَمالِ والتَّرْغِيبِ بِنَفْسِها وبِأعْوانِها، وقُرِئَ (لَتَسْجُنَنَّهُ) عَلى صِيغَةِ الخِطابِ، بِأنْ خاطَبَ بَعْضُهُمُ العَزِيزَ ومَن يَلِيهِ، أوِ العَزِيزَ وحْدَهُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ، أوْ خاطَبَ بِهِ العَزِيزَ ومَن عِنْدَهُ مِن أصْحابِ الرَّأْيِ المُباشِرِينَ لِلسَّجْنِ والحَبْسِ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ إلى حِينِ انْقِطاعِ قالَةِ النّاسِ، وهَذا بادِئُ الرَّأْيِ عِنْدَ العَزِيزِ وذَوِيهِ، وأمّا عِنْدَها فَحَتّى يُذَلِّلَهُ السَّجْنُ ويُسَخِّرَهُ لَها، ويَحْسَبَ النّاسُ أنَّهُ المُجْرِمُ، وقُرِئَ (عَتّى حِينٍ) بِلُغَةِ هُذَيْلٍ.
12:36Page 239
وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجۡنَ فَتَيَانِۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَعۡصِرُ خَمۡرٗاۖ وَقَالَ ٱلۡأٓخَرُ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِي خُبۡزٗا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُۖ نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِۦٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٦
And there entered the prison with him two young men. One of them said, "Indeed, I have seen myself [in a dream] pressing [grapes for] wine." The other said, "Indeed, I have seen myself carrying upon my head [some] bread, from which the birds were eating. Inform us of its interpretation; indeed, we see you to be of those who do good."
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾ أيْ: في صُحْبَتِهِ ﴿السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ مِن فِتْيانِ المَلِكِ ومَمالِيكِهِ، أحَدُهُما شَرابِيهِ، والآخَرُ خَبّازُهُ.
رُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ مِصْرَ ضَمِنُوا لَهُما مالًا لِيَسُمّا المَلِكَ في طَعامِهِ وشَرابِهِ فَأجاباهم إلى ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ السّاقِيَ نَكَلَ عَنْ ذَلِكَ، ومَضى عَلَيْهِ الخَبّازُ فَسَمَّ الخُبْزَ، فَلَمّا حَضَرَ الطَّعامُ قالَ السّاقِي: لا تَأْكُلْ أيُّها المَلِكُ فَإنَّ الخُبْزَ مَسْمُومٌ، وقالَ الخَبّازُ: لا تَشْرَبْ أيُّها المَلِكُ فَإنَّ الشَّرابَ مَسْمُومٌ، فَقالَ المَلِكُ لِلسّاقِي: اشْرَبْهُ فَشَرِبَهُ فَلَمْ يَضُرَّهُ، وقالَ لِلْخَبّازِ: كُلْهُ، فَأبى، فَجَرَّبَ بِدابَّةٍ فَهَلَكَتْ، فَأمَرَ بِحَبْسِهِما، فاتَّفَقَ أنْ أدْخَلاهُ مَعَهُ، وتَأْخِيرُ الفاعِلِ عَنِ المَفْعُولِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ؛ لِيَتَمَكَّنَ عِنْدَ النَّفْسِ حِينَ وُرُودِهِ عَلَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ، ونَظِيرُهُ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ وتَأْخِيرُ السَّجْنِ عَنِ الظَّرْفِ لِإيهامِ العَكْسِ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرًا مُقَدَّمًا عَلى المُبْتَدَأِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِن فاعِلِ (دَخَلَ) فَتَأمَّلْ.
﴿قالَ أحَدُهُما﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ مَن يَقُولُ: ما صَنَعا بَعْدَما دَخَلا مَعَهُ السِّجْنَ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ أحَدَهُما وهو الشَّرابِيُّ: ﴿إنِّي أرانِي﴾ أيْ: رَأيْتُنِي، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ ﴿أعْصِرُ خَمْرًا﴾ أيْ: عِنَبًا، سَمّاهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ مِنَ العَصْرِ، وقِيلَ: الخَمْرُ بِلُغَةِ عَمّانَ اسْمٌ لِلْعِنَبِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – (أعْصِرُ عِنَبًا) ﴿وَقالَ الآخَرُ﴾ وهو الخَبّازُ ﴿إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ تَأْخِيرُ المَفْعُولِ عَنِ الظَّرْفِ لِما مَرَّ آنِفًا، وقَوْلُهُ: ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ - أيْ: تَنْهَسُ مِنهُ - صِفَةٌ لِلْخُبْزِ، أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ بِتَأْوِيلِ ما ذُكِرَ مِنَ الرُّؤْيَيْنِ، أوْ ما رُئِيَ بِإجْراءِ الضَّمِيرِ مَجْرى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ يُشارُ بِهِ إلى مُتَعَدِّدٍ كَما في قَوْلِهِ:
؎ فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعٌ البَهَقْ
أيْ: كَأنَّ ذَلِكَ، والسِّرُّ في المَصِيرِ إلى إجْراءِ الضَّمِيرِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ - مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ تَأْوِيلِ المَرْجِعِ بِما ذُكِرَ أوْ بِما رُئِيَ - أنَّ الضَّمِيرَ إنَّما يَتَعَرَّضُ لِنَفْسِ المَرْجِعِ مِن حَيْثُ هو مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِحالٍ مِن أحْوالِهِ، فَلا يَتَسَنّى تَأْوِيلُهُ بِأحَدِ الِاعْتِبارَيْنِ إلّا بِإجْرائِهِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى المُشارِ إلَيْهِ بِالِاعْتِبارِ الَّذِي جَرى عَلَيْهِ في الكَلامِ، فَتَأمَّلْ، هَذا إذا قالاهُ مَعًا، أوْ قالَهُ أحَدُهُما مِن جِهَتِهِما مَعًا، وأمّا ما إذا قالَهُ كُلٌّ مِنهُما إثْرَ ما قَصَّ ما رَآهُ فالخِطابُ المَذْكُورُ لَيْسَ عِبارَتَهُما ولا عِبارَةَ أحَدِهِما مِن جِهَتِهِما لِيَتَعَدَّدَ المَرْجِعُ، بَلْ عِبارَةَ كُلٍّ مِنهُما (نَبِّئْنِي بِتَأْوِيلِهِ) مُسْتَفْسِرًا لِما رَآهُ، وصِيغَةُ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ واقِعَةٌ في الحِكايَةِ دُونَ المَحْكِيِّ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فَإنَّهم (p-276)لَمْ يُخاطَبُوا بِذَلِكَ دُفْعَةً، بَلْ خُوطِبَ كُلٌّ مِنهم في زَمانِهِ بِصِيغَةٍ مُفْرَدَةٍ خاصَّةٍ بِهِ.
﴿إنّا نَراكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَرْضِ رُؤْياهُما عَلَيْهِ واسْتِفْسارِها مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ يُجِيدُونَ عِبارَةَ الرُّؤْيا لِما رَأياهُ يَقُصُّ عَلَيْهِ بَعْضُ أهْلِ السِّجْنِ رُؤْياهُ فَيُؤَوِّلُها لَهُ تَأْوِيلًا حَسَنًا، أوْ مِنَ العُلَماءِ لِما سَمِعاهُ يَذْكُرُ لِلنّاسِ ما يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ وفَضْلِهِ، أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِّجْنِ، أيْ: فَأحْسِنْ إلَيْنا بِكَشْفِ غُمَّتِنا إنْ كُنْتَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ.
رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ إذا مَرِضَ مِنهم رَجُلٌ قامَ عَلَيْهِ، وإذا ضاقَ مَكانُهُ أوْسَعَ لَهُ، وإذا احْتاجَ جَمَعَ لَهُ، وعَنْ قَتادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ في السِّجْنِ ناسٌ قَدِ انْقَطَعَ رَجاؤُهم وطالَ حُزْنُهُمْ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أبْشِرُوا واصْبِرُوا تُؤْجَرُوا، فَقالُوا: بارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ ما أحْسَنَ وجْهَكَ! وما أحْسَنَ خُلُقَكَ! لَقَدْ بُورِكَ لَنا في جِوارِكَ، فَمَن أنْتَ يا فَتى؟ فَقالَ: أنا يُوسُفُ بْنُ صَفِيِّ اللَّهِ يَعْقُوبَ بْنِ ذَبِيحِ اللَّهِ إسْحاقَ بْنِ خَلِيلِ اللَّهِ إبْراهِيمَ، فَقالَ لَهُ عامِلُ السِّجْنِ: لَوِ اسْتَطَعْتُ خَلَّيْتُ سَبِيلَكَ، ولَكِنِّي أُحْسِنُ جِوارَكَ فَكُنْ في أيِّ بُيُوتِ السِّجْنِ شِئْتَ.
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُما تَحالَما لَهُ لِيَمْتَحِناهُ، فَقالَ الشَّرابِيُّ: أرانِي في بُسْتانٍ فَإذا بِأصْلِ حَبْلَةٍ عَلَيْها ثَلاثَةُ عَناقِيدَ مِن عِنَبٍ، فَقَطَعْتُها وعَصَرْتُها في كَأْسِ المَلِكِ وسَقَيْتُهُ، وقالَ الخَبّازُ: إنِّي أرانِي وفَوْقَ رَأْسِي ثَلاثُ سِلالٍ فِيها أنْواعُ الأطْعِمَةِ إذا سِباعُ الطَّيْرِ تَنْهَسُ مِنها.
12:37Page 239
قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٧
He said, "You will not receive food that is provided to you except that I will inform you of its interpretation before it comes to you. That is from what my Lord has taught me. Indeed, I have left the religion of a people who do not believe in Allāh, and they, in the Hereafter, are disbelievers.
﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ في مَقامِكُما هَذا حَسَبَ عادَتِكُما المُطَّرِدَةِ ﴿إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ ما نَبَّأْتُكُما بِهِ بِأنْ بَيَّنْتُ لَكُما ماهِيَّتَهُ وكَيْفِيَّتَهُ وسائِرَ أحْوالِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ وإطْلاقُ التَّأْوِيلِ عَلَيْهِ إمّا بِطْرِيقِ الِاسْتِعارَةِ فَإنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى مُطْلَقِ الطَّعامِ المُبْهَمِ بِمَنزِلَةِ التَّأْوِيلِ بِالنَّظَرِ إلى ما رُئِيَ في المَنامِ وشَبِيهٌ لَهُ، وإمّا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ حَسْبَما وقَعَ في عِبارَتِهِما مِن قَوْلِهِما: "نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ" ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالتَّأْوِيلِ الشَّيْءُ الآئِلُ لا المَآلُ، فَإنَّهُ في الأصْلِ جَعْلُ شَيْءٍ آئِلًا إلى شَيْءٍ آخَرَ، فَكَما يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الثّانِي يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الأوَّلُ، فالمَعْنى: إلّا نَبَّأْتُكُما بِما يَؤُولُ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ والخَبَرِ المُطابِقِ لِلْواقِعِ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقُولُ لَهُما: اليَوْمَ يَأْتِيكُما طَعامٌ مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ فَيَجِدْنَهُ كَذَلِكَ، ومُرادُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ بَيانُ كُلِّ ما يُهِمُّهُما مِنَ الأُمُورِ المُتَرَقَّبَةِ قَبْلَ وُقُوعِها، وإنَّما تَخْصِيصُ الطَّعامِ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ عَرِيقًا في ذَلِكَ بِحَسَبِ الحالِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ حُسْنِ التَّخَلُّصِ إلَيْهِ مِمّا اسْتَعْبَراهُ مِنَ الرُّؤْيَيَيْنِ المُتَعَلِّقَتَيْنِ بِالشَّرابِ والطَّعامِ، وقَدْ جُعِلَ الضَّمِيرُ لِما قَصّا مِنَ الرُّؤْيَيَيْنِ عَلى مَعْنى: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ حَسَبَ عادَتِكُما إلّا أخْبَرْتُكُما بِتَأْوِيلِ ما قَصَصْتُما عَلَيَّ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكَ الطَّعامُ المُوَقَّتُ مُرادًا بِهِ الإخْبارُ بِالِاسْتِعْجالِ في التَّنْبِئَةِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ ظاهِرٌ في تَعَدُّدِ إتْيانِ الطَّعامِ والإخْبارِ بِالتَّأْوِيلِ وتَجَدُّدِهِما، وأنَّ المَقامَ مَقامُ إظْهارِ فَضْلِهِ في فُنُونِ العُلُومِ بِحَيْثُ يَدْخُلُ في ذَلِكَ تَأْوِيلُ رُؤْياهُما دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإنَّما لَمْ يَكْتَفِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمُجَرَّدِ تَأْوِيلِ رُؤْياهُما مَعَ أنَّ فِيهِ دِلالَةً عَلى فَضْلَةِ؛ لِأنَّهُما لَمّا نَعَتاهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالِانْتِظامِ في سِمْطِ المُحْسِنِينَ، وأنَّهُما قَدْ عَلِما ذَلِكَ حَيْثُ قالا: ﴿ (إنّا نَراكَ (p-277)مِنَ المُحْسِنِينَ)﴾ تَوَسَّمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيهِما خَيَرًا وتَوَجُّهًا إلى قَبُولِ الحَقِّ، فَأرادَ أنْ يَخْرُجَ آثِرَ ذِي أثِيرٍ عَمّا في عُهْدَتِهِ مِن دَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الحَقِّ فَمَهَّدَ قَبْلَ الخَوْضِ في ذَلِكَ مُقَدِّمَةً تَزِيدُهُما عِلْمًا بِعِظَمِ شَأْنِهِ، وثِقَةً بِأمْرِهِ، ووُقُوفًا عَلى عُلُوِّ طَبَقَتِهِ في بَدائِعِ العُلُومِ؛ تَوَسُّلًا بِذَلِكَ إلى تَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ، وقَدْ تُخُلِّصَ إلَيْها مِن كَلامِهِما، فَكَأنَّهُ قالَ: تَأْوِيلُ ما قَصَصْتُماهُ عَلَيَّ في طَرَفِ التَّمامِ حَيْثُ رَأيْتُما مِثالَهُ في المَنامِ، وإنِّي أُبَيِّنُ لَكُما كُلَّ جَلِيلٍ ودَقِيقٍ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مُقَدِّمَةَ المَنامِ، حَتّى إنَّ الطَّعامَ المُوَظَّفَ الَّذِي يَأْتِيكُما كُلَّ يَوْمٍ أُبَيِّنُهُ لَكُما قَبْلَ إتْيانِهِ، ثُمَّ أخْبَرَهُما بِأنَّ عِلْمَهُ ذَلِكَ لَيْسَ مِن قَبِيلِ عُلُومِ الكَهَنَةِ والعَرّافِينَ، بَلْ هو فْضَلٌ إلَهِيٌّ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَصْطَفِيهِ لِلنُّبُوَّةِ فَقالَ:
﴿ذَلِكُما﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّأْوِيلُ والإخْبارُ بِالمَغِيباتِ، ومَعْنى البُعْدِ في ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بِالوَحْيِ والإلْهامِ، أيْ: بَعْضٌ مِنهُ، أوْ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ الَّذِي لا يَحُومُ حَوْلَ إدْراكِهِ العُقُولُ، ولَقَدْ دَلَّهُما بِذَلِكَ عَلى أنَّ لَهُ عُلُومًا جَمَّةً ما سَمِعاهُ قِطْعَةٌ مِن جُمْلَتِها وشُعْبَةٌ مِن دَوْحَتِها، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ نَيْلَ تِلْكَ الكَرامَةِ بِسَبَبِ اتِّباعِهِ مِلَّةَ آبائِهِ الأنْبِياءِ العِظامِ وامْتِناعِهِ عَنِ الشِّرْكِ فَقالَ:
﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وهو اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن قَوْلِهِ: ﴿ (ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي)﴾ وتَعْلِيلًا لَهُ لا لِلتَّعْلِيمِ الواقِعِ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ لِتَأْدِيَتِهِ إلى مَعْنى أنَّهُ مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي لِهَذا السَّبَبِ دُونَ غَيْرِهِ، ولا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ بِصَدَدِ التَّعْلِيلِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِكَوْنِ التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ بَعْضًا مِمّا عَلَّمَهُ رَبُّهُ، أوْ لِكَوْنِهِ مِن جِنْسِهِ، بَلْ لِنَفْسِ تَعْلِيمِ ما عَلِمَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا عَلَّمَكَ رَبُّكَ تِلْكَ العُلُومَ البَدِيعَةَ؟ فَقِيلَ: لِأنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ الكَفَرَةِ، أيْ: دِينَهُمُ الَّذِي اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ، والمُرادُ بِتَرْكِها الِامْتِناعُ عَنْها رَأْسًا كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ لا تَرْكُها بَعْدَ مُلابَسَتِها، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ في اقْتِدائِهِما بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والتَّعْبِيرُ عَنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى بِسَلْبِ الإيمانِ بِهِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ عِبادَتَهم لَهُ تَعالى مَعَ عِبادَةِ الأوْثانِ لَيْسَتْ بِإيمانٍ بِهِ تَعالى - كَما هو زَعْمُهُمُ الباطِلُ - عَلى ما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾، ﴿وَهم بِالآخِرَةِ﴾ وما فِيها مِنَ الجَزاءِ ﴿هم كافِرُونَ﴾ عَلى الخُصُوصِ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ لِإفْراطِهِمْ في الكُفْرِ.
12:38Page 240
وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٣٨
And I have followed the religion of my fathers, Abraham, Isaac and Jacob. And it was not for us to associate anything with Allāh. That is from the favor of Allāh upon us and upon the people, but most of the people are not grateful.
﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ يَعْنِي: أنَّهُ إنَّما حازَ هَذِهِ الكِمالاتِ، وفازَ بِتِلْكَ الكَراماتِ؛ بِسَبَبِ أنَّهُ اتَّبَعَ مِلَّةَ آبائِهِ الكِرامِ، ولَمْ يَتَّبِعْ مِلَّةَ قَوْمٍ كَفَرُوا بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، وإنَّما قالَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَرْغِيبًا لِصاحِبَيْهِ في الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، وتَنْفِيرًا لَهُما عَمّا كانا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والضَّلالِ، وقُدِّمَ ذِكْرُ تَرْكِهِ لِمِلَّتِهِمْ عَلى ذِكْرِ اتِّباعِهِ لِمِلَّةِ آبائِهِ؛ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ.
﴿ما كانَ﴾ أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ - فَضْلًا عَنِ الوُقُوعِ - ﴿لَنا﴾ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ؛ لِقُوَّةِ نُفُوسِنا ووُفُورِ عُلُومِنا ﴿أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيَّ شَيْءٍ كانَ مِن مَلَكٍ، أوْ جِنِّيٍّ، أوْ إنْسِيٍّ فَضْلًا عَنِ الجَمادِ البَحْتِ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: التَّوْحِيدُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ) ﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا﴾ أيْ: ناشِئٌ مِن تَأْيِيدِهِ لَنا بِالنُّبُوَّةِ وتَرْشِيحِهِ إيّانا لِقِيادَةِ الأُمَّةِ (p-278)وَهِدايَتِهِمْ إلى الحَقِّ، وذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مِن مُوجِباتِ التَّوْحِيدِ ودَواعِيهِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ وفَضْلٌ عَظِيمٌ عَلَيْنا بِالذّاتِ ﴿وَعَلى النّاسِ﴾ كافَّةً بِواسِطَتِنا، وحَيْثُ عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِذَلِكَ العُنْوانِ عُبِّرَ عَنِ التَّوْحِيدِ الَّذِي يُوجِبُهُ بِالشُّكْرِ فَقِيلَ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: لا يُوَحِّدُونَ، فَإنَّ التَّوْحِيدَ - مَعَ كَوْنِهِ مِن آثارِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْيِيدِ - شُكْرٌ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى النِّعْمَةِ، وإنَّما وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى النّاسِ لِزِيادَةِ تَوْضِيحٍ وبَيانٍ، ولِقَطْعِ تَوَهُّمِ رُجُوعِهِ إلى المَجْمُوعِ المُوهِمِ لِعَدَمِ اخْتِصاصِ غَيْرِ الشّاكِرِ بِالنّاسِ، وقِيلَ: ذَلِكَ التَّوْحِيدُ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا حَيْثُ نَصَبَ لَنا أدِلَّةً نَنْظُرُ فِيها ونَسْتَدِلُّ بِها عَلى الحَقِّ، وقَدْ نَصَبَ مِثْلَ تِلْكَ الأدِلَّةِ لِسائِرِ النّاسِ أيْضًا، ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَنْظُرُونَ ولا يَسْتَدِلُّونَ بِها اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ، فَيَبْقَوْنَ كافِرِينَ غَيْرَ شاكِرِينَ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: ذَلِكَ التَّوْحِيدُ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا، حَيْثُ أعْطانا عُقُولًا ومَشاعِرَ نَسْتَعْمِلُها في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ الَّتِي مَهَّدَها في الأنْفُسِ والآفاقِ، وقَدْ أعْطى سائِرَ النّاسِ أيْضًا مِثْلَها، ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ، أيْ: لا يَصْرِفُونَ تِلْكَ القُوى والمَشاعِرَ إلى ما خُلِقَتْ هي لَهُ، ولا يَسْتَعْمِلُونَها فِيما ذُكِرَ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ.
12:39Page 240
يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٣٩
O [my] two companions of prison, are separate lords better or Allāh, the One,1 the Prevailing?2
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أيْ: يا صاحِبَيَّ في السِّجْنِ، كَما تَقُولُ: يا سارِقَ اللَّيْلَةَ، ناداهُما بِعُنْوانِ الصُّحْبَةِ في مَدارِ الأشْجانِ، ودارِ الأحْزانِ الَّتِي تَصْفُو فِيها المَوَدَّةُ وتَخْلُصُ النَّصِيحَةُ؛ لِيَقْبَلا عَلَيْهِ ويَقْبَلا مَقالَتَهُ، وقَدْ ضَرَبَ لَهُما مَثَلًا يَتَّضِحُ بِهِ الحَقُّ عِنْدَهُما حَقَّ اتِّضاحٍ فَقالَ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ لا ارْتِباطَ بَيْنَهم ولا اتِّفاقَ، يَسْتَعْبِدُكُما كُلٌّ مِنهم حَسْبَما أرادَ غَيْرَ مُراقِبٍ لِلْآخَرِينَ مَعَ عَدَمِ اسْتِقْلالِهِ ﴿خَيْرٌ﴾ لَكُما ﴿أمِ اللَّهُ﴾ المَعْبُودُ بِالحَقِّ ﴿الواحِدُ﴾ المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ ﴿القَهّارُ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يُغالِبُهُ أحَدٌ، وبَعْدَما نَبَّهَهُما عَلى فَسادِ تَعَدُّدِ الأرْبابِ بَيَّنَ لَهُما سُقُوطَ آلِهَتُهُما عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ رَأْسًا فَضْلًا عَنِ الأُلُوهِيَّةِ، فَقالَ مُعَمِّمًا لِلْخِطابِ لَهُما ولِمَن عَلى دِينِهِما:
12:40Page 240
مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠
You worship not besides Him except [mere] names you have named them,1 you and your fathers, for which Allāh has sent down no evidence. Legislation is not but for Allāh. He has commanded that you worship not except Him. That is the correct religion, but most of the people do not know.
﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ: مِن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا ﴿إلا أسْماءً﴾ فارِغَةً لا مُطابِقَ لَها في الخارِجِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ فِيهِ مِصْداقُ إطْلاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ لا وُجُودَ لَهُ أصْلًا، فَكانَتْ عِبادَتُهم لِتِلْكَ الأسْماءِ فَقَطْ ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ جَعَلْتُمُوها أسْماءً، وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ المُسَمَّياتِ تَرْبِيَةً لِما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن إسْقاطِها عَنْ مَرْتَبَةِ الوُجُودِ، وإيذانًا بِأنَّ تَسْمِيَتَهم في البُطْلانِ حَيْثُ كانَتْ بِلا مُسَمًّى كَعِبادَتِهِمْ حَيْثُ كانَ بِلا مَعْبُودٍ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ بِمَحْضِ جَهْلِكم وضَلالَتِكم ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها﴾ أيْ: بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْعِبادَةِ ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ مِن حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها ﴿إنِ الحُكْمُ﴾ في أمْرِ العِبادَةِ المُتَفَرِّعَةِ عَلى تِلْكَ التَّسْمِيَةِ ﴿إلّا للَّه﴾ عَزَّ سُلْطانُهُ؛ لِأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لَها بِالذّاتِ إذْ هو الواجِبُ بِالذّاتِ المُوجِدُ لِلْكُلِّ والمالِكُ لِأمْرِهِ ﴿أمَرَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ ناشِئٍ مِن قَوْلِهِ: (إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ) فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا حَكَمَ اللَّهُ في هَذا الشَّأْنِ؟ فَقِيلَ: أمَرَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا ﴿إلا إيّاهُ﴾ حَسْبَما (p-279)تَقْضِي بِهِ قَضِيَّةُ العَقْلِ أيْضًا ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: تَخْصِيصُهُ تَعالى بِالعِبادَةِ ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ الثّابِتُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي تَعاضَدَتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ عَقْلًا ونَقْلًا ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ هو الدِّينُ القَيِّمُ لِجَهْلِهِمْ بِتِلْكَ البَراهِينِ، أوْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا، فَيَعْبُدُونَ أسْماءً سَمَّوْها مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ والسُّلْطانِ النَقْلِيِّ، وبَعْدَ تَحْقِيقِ الحَقِّ، ودَعْوَتِهِما إلَيْهِ - وبَيانِهِ لَهُما مِقْدارَهُ الرَّفِيعَ ومَرْتَبَةَ عِلْمِهِ الواسِعِ - شَرَعَ في تَفْسِيرِ ما اسْتَفْسَراهُ، ولِكَوْنِهِ بَحْثًا مُغايِرًا لِما سَبَقَ فَصَلَهُ عَنْهُ بِتَكْرِيرِ الخِطابِ فَقالَ:
12:41Page 240
يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ ٤١
O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما﴾ وهو الشَّرابِيُّ، وإنَّما لَمْ يُعَيِّنْهُ ثِقَةً بِدَلالَةِ التَّعْبِيرِ وتَوَسُّلًا بِذَلِكَ إلى إبْهامِ أمْرِ صاحِبِهِ حِذارَ مُشافَهَتِهِ بِما يَسُوءُهُ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ أيْ: سَيِّدَهُ ﴿خَمْرًا﴾ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُ: ما رَأيْتَ مِنَ الكَرْمَةِ وحُسْنِها المَلِكُ وحُسْنُ حالِكَ عِنْدَهُ، وأمّا القُضْبانُ الثَّلاثَةُ فَثَلاثَةُ أيّامٍ تَمْضِي في السَّجْنِ، ثُمَّ تَخْرُجُ وتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: (فَيُسْقى رَبُّهُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: يُسْقى ما يُرْوى بِهِ.
﴿وَأمّا الآخَرُ﴾ وهو الخَبّازُ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُ: ما رَأيْتَ مِنَ السِّلالِ الثَّلاثِ ثَلاثَةُ أيّامٍ تَمُرُّ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُقْتَلُ ﴿قُضِيَ﴾ أيْ: أُتِمَّ وأُحْكِمَ ﴿الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ وهو ما رَأياهُ مِنَ الرُّؤْيَيَيْنِ قَطْعًا لا مَآلُهُ الَّذِي هو عِبارَةُ عَنْ نَجاةِ أحَدِهِما وهَلاكِ الآخَرِ، كَما يُوهِمُهُ إسْنادُ القَضاءِ إلَيْهِ؛ إذِ الِاسْتِفْتاءُ إنَّما يَكُونُ في الحادِثَةِ لا في حُكْمِها، يُقالُ: اسْتَفْتى الفَقِيهَ في الحادِثَةِ، أيْ: طَلَبَ مِنهُ بَيانَ حُكْمِها، ولا يُقالُ: اسْتَفْتاهُ في حُكْمِها، وكَذا الإفْتاءُ، فَإنَّهُ يُقالُ: أفْتى فُلانٌ في الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ بِكَذا، ولا يُقالُ: أفْتى في حُكْمِها أوْ جَوابِها بِكَذا، ومِمّا هو عَلَمٌ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ ومَعْنى اسْتِفْتائِهِما فِيهِ طَلَبُهُما لِتَأْوِيلِهِ بِقَوْلِهِما: ﴿ (نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ)﴾ وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالأمْرِ وعَنْ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ بِالِاسْتِفْتاءِ؛ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، إذِ الِاسْتِفْتاءُ إنَّما يَكُونُ في النَّوازِلِ المُشْكِلَةِ الحُكْمِ المُبْهَمَةِ الجَوابِ، وإيثارُهُ صِيغَةَ الِاسْتِقْبالِ - مَعَ سَبْقِ اسْتِفْتائِهِما في ذَلِكَ - لِما أنَّهُما بِصَدَدِهِ إلى أنْ يَقْضِيَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الجَوابِ وطَرَهُ، وإسْنادُ القَضاءِ إلَيْهِ - مَعَ أنَّهُ مِن أحْوالِ مَآلِهِ - لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ عَيْنُ ذَلِكَ المَآلِ، وقَدْ ظَهَرَ في عالَمِ المِثالِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ، وأمّا تَوْحِيدُهُ - مَعَ تَعَدُّدِ رُؤْياهُما - فَوارِدٌ عَلى حَسَبِ ما وحَّدَهُ في قَوْلِهِما: ﴿ (نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ)﴾ لا لِأنَّ الأمْرَ ما اتُّهِما بِهِ وسُجِنا لِأجَلِّهِ مِن سَمِّ المَلِكِ، فَإنَّهُما لَمْ يَسْتَفْتِيا فِيهِ ولا فِيما هو صُورَتُهُ، بَلْ فِيما هو صُورَةٌ لِمَآلِهِ وعاقِبَتِهِ، فَتَأمَّلْ.
وَإنَّما أخْبَرَهُما - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِتَعْبِيرِهِ وتَأْكِيدًا لَهُ، وقِيلَ: لَمّا عَبَّرَ رُؤْياهُما جَحَدا، وقالا: ما رَأيْنا شَيْئًا، فَأخْبَرَهُما أنَّ ذَلِكَ كائِنٌ صَدَّقْتُما أوْ كَذَّبْتُما، ولَعَلَّ الجُحُودَ مِنَ الخَبّازِ إذْ لا داعِيَ إلى جُحُودِ الشَّرابِيِّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمُراعاةِ جانِبِهِ.
12:42Page 240
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ ٤٢
And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and he [i.e., Joseph] remained in prison several years.
﴿وَقالَ﴾ (p-280)أيْ: يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ﴾ أُوثِرَ عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ مُبالَغَةً في الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ النَّجاةِ، حَسْبَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ وهو السِّرُّ في إيثارِ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: لِلَّذِي ظَنَّهُ ناجِيًا ﴿مِنهُما﴾ مِن صاحِبَيْهِ، وإنَّما ذُكِرَ بِوَصْفِ النَّجاةِ؛ تَمْهِيدًا لِمَناطِ التَّوْصِيَةِ بِالذِّكْرِ عِنْدَ المَلِكِ، وعُنْوانُ التَّقَرُّبِ المَفْهُومِ مِنَ التَّعْبِيرِ المَذْكُورِ - وإنْ كانَ أدْخَلَ في ذَلِكَ وأدْعى إلى تَحْقِيقِ ما وصّاهُ بِهِ - لَكِنَّهُ لَيْسَ بِوَصْفٍ فارِقٍ يَدُورُ عَلَيْهِ الِامْتِيازُ بَيْنَهُ وبَيْنَ صاحِبِهِ المَذْكُورِ بِوَصْفِ الهَلاكِ، والظّانُّ هو يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا صاحِبُهُ؛ لِأنَّ التَّوْصِيَةَ المَذْكُورَةَ لا تَدُورُ عَلى ظَنِّ النّاجِي، بَلْ عَلى ظَنِّ يُوسُفَ وهو بِمَعْنى اليَقِينِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ فالتَّعْبِيرُ بِالوَحْيِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ ... إلَخْ، وقِيلَ: هو بِمَعْناهُ، والتَّعْبِيرُ بِالِاجْتِهادِ والحُكْمِ بِقَضاءِ الأمْرِ أيْضًا اجْتِهادِيٌّ.
﴿اذْكُرْنِي﴾ بِما أنا عَلَيْهِ مِنَ الحالِ والصِّفَةِ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ سَيِّدِكَ، وصِفْنِي لَهُ بِصِفَتِي الَّتِي شاهَدْتَها ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: أنْسى الشَّرابِيَّ بِوَسْوَسَتِهِ وإلْقائِهِ في قَلْبِهِ أشْغالًا تَعُوقُهُ عَنِ الذِّكْرِ، وإلّا فالإنْساءُ في الحَقِيقَةِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَإنَّ تَوْصِيَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُتَضَمِّنَةَ لِلِاسْتِعانَةِ بِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ كانَتْ باعِثَةً لِما ذُكِرَ عَنِ الإنْساءِ ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أيْ: ذِكْرَ الشَّرابِيِّ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ المَلِكِ، والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، أوْ ذِكْرَ إخْبارِ رَبِّهِ ﴿فَلَبِثَ﴾ أيْ: يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسَبَبِ ذَلِكَ الإنْساءِ أوِ القَوْلِ ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ البِضْعُ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، مِنَ البَضْعِ وهو القَطْعُ، وأكْثَرُ الأقاوِيلِ أنَّهُ لَبِثَ فِيهِ سَبْعَ سِنِينَ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««رَحِمَ اللَّهُ أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) لَما لَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعًا بَعْدَ الخَمْسِ»» والِاسْتِعانَةُ بِالعِبادِ - وإنْ كانَتْ مُرَخَّصَةً - لَكِنَّ اللّائِقَ بِمَناصِبِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - الأخْذُ بِالعَزائِمِ.
12:43Page 240
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ ٤٣
And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."
﴿وَقالَ المَلِكُ﴾ أيِ: الرَّيّانُ ﴿إنِّي أرى﴾ أيْ: رَأيْتُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ جَمْعِ سَمِينٍ وسَمِينَةٍ كَكِرامٍ في جَمْعِ كَرِيمٍ وكَرِيمَةٍ، يُقالُ: رِجالٌ كِرامٌ ونِسْوَةٌ كِرامٌ ﴿يَأْكُلُهُنَّ﴾ أيْ: أكَلَهُنَّ، والعُدُولُ إلى المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ تَعْجِيبًا، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ البَقَراتِ أوْ صِفَةٌ لَها ﴿سَبْعٌ عِجافٌ﴾ أيْ: سَبْعُ بَقَراتٍ عِجافٍ، وهي جَمْعُ عَجْفاءَ والقِياسُ عُجْفٌ؛ لِأنَّ فَعَلاءَ وأفْعَلَ لا يُجْمَعُ عَلى فِعالٍ، ولَكِنْ عُدِلَ بِهِ عَنِ القِياسِ حَمْلًا لِأحَدِ النَّقِيضَيْنِ عَلى الآخَرِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (سَبْعُ عِجافٍ) بِالإضافَةِ؛ لِأنَّ التَّمْيِيزَ مَوْضُوعٌ لِبَيانِ الجِنْسِ، والصِّفَةَ لَيْسَتْ بِصالِحَةٍ لِذَلِكَ، فَلا يُقالُ: (ثَلاثَةُ ضِخامٍ وأرْبَعَةُ غِلاظٍ) وأمّا قَوْلُكَ: ثَلاثَةُ فُرْسانٍ وخَمْسَةُ رُكْبانٍ؛ فَلِجَرَيانِ الفارِسِ والرّاكِبِ مَجْرى الأسْماءِ.
رُوِيَ أنَّهُ رَأى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ، وخَرَجَ عَقِيبَهُنَّ سَبْعُ بَقَراتٍ عِجافٍ في غايَةِ الهُزالِ فابْتَلَعَتِ العِجافُ السِّمانَ.
﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ قَدِ انْعَقَدَ حُبُّها ﴿وَأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أيْ: وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ، قَدْ أدْرَكَتْ والتَوَتْ عَلى الخُضْرِ حَتّى غَلَبَتْها عَلى ما رُوِيَ، ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِهِ لِلِاكْتِفاءِ بِما ذُكِرَ مِن حالِ البَقَراتِ ﴿يا أيُّها المَلأُ﴾ خِطابٌ لِلْأشْرافِ مِنَ العُلَماءِ والحُكَماءِ ﴿أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ هَذِهِ، أيْ: عَبِّرُوها وبَيِّنُوا حُكْمَها وما تَؤُولُ إلَيْهِ مِنَ العاقِبَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالإفْتاءِ (p-281)لِتَشْرِيفِهِمْ وتَفْخِيمِ أمْرِ رُؤْياهُ.
﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ أيْ: تَعْلَمُونَ عِبارَةَ جِنْسِ الرُّؤْيا عِلْمًا مُسْتَمِرًّا، وهي الِانْتِقالُ مِنَ الصُّوَرِ الخَيالِيَّةِ المُشاهَدَةِ في المَنامِ إلى ما هي صُوَرٌ وأمْثِلَةٌ لَها مِنَ الأُمُورِ الآفاقِيَّةِ أوِ الأنْفُسِيَّةِ الواقِعَةِ في الخارِجِ، مِنَ العُبُورِ وهو المُجاوَزَةُ، تَقُولُ: عَبَرْتُ النَّهْرَ إذا قَطَعْتَهُ وجاوَزْتَهُ، ونَحْوُهُ أوَّلْتُها، أيْ: ذَكَرْتُ مَآلَها، وعَبَرْتُ الرُّؤْيا عِبارَةً أثْبَتُ مِن عَبَّرْتُها تَعْبِيرًا، والجَمْعُ بَيْنَ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، واللّامُ لِلْبَيانِ، أوْ لِتَقْوِيَةِ العامِلِ المُؤَخَّرِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، أوْ لِتَضْمِينِ (تَعْبُرُونَ) مَعْنى فِعْلٍ مُتَعَدٍّ بِاللّامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تَنْتَدِبُونَ لِعِبارَتِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لِلرُّؤْيا) خَبَرَ كانَ، كَما يُقالُ: فُلانٌ لِهَذا الأمْرِ إذا كانَ مُسْتَقِلًّا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، وتَعْبُرُونَ خَبَرٌ آخَرُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences