Abu as-Su'udYusuf · 12:79–96

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:79–96

12:79Page 245

قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّظَٰلِمُونَ ٧٩

He said, "[I seek] the refuge of Allāh [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."

﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ﴾ أيْ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا مِن ﴿أنْ نَأْخُذَ﴾ فَحُذِفَ الفِعْلُ وأُقِيمَ مَقامَهُ المَصْدَرُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ بِهِ بَعْدَ حَذْفِ الجارِّ ﴿إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ لِأنَّ أخْذَنا لَهُ إنَّما هو بِقَضِيَّةِ فَتْواكُمْ، فَلَيْسَ لَنا الإخْلالُ بِمُوجِبِها، وإيثارُ صِيغَةِ التَّكَلُّمِ مَعَ الغَيْرِ - مَعَ كَوْنِ الخِطابِ مِن جانِبِ إخْوَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ - مِن بابِ السُّلُوكِ إلى سُنَنِ المُلُوكِ، أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الأخْذَ والإعْطاءَ لَيْسَ مِمّا يُسْتَبَدُّ بِهِ، بَلْ هو مَنُوطٌ بِآراءِ أُولِي الحَلِّ والعَقْدِ، وإيثار (مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ) دُونَ (سَرَقَ مَتاعَنا) لِتَحْقِيقِ الحَقِّ والِاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ في الكَلامِ مَعَ تَمامِ المَرامِ، فَإنَّهم لا يَحْمِلُونَ وُجْدانَ الصُّواعِ في الرَّحْلِ عَلى مَحْمَلٍ غَيْرِ السَّرِقَةِ ﴿إنّا إذًا﴾ أيْ: إذا أخَذْنا غَيْرَ مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ولَوْ بِرِضاهُ ﴿لَظالِمُونَ﴾ في مَذْهَبِكم وما لَنا ذَلِكَ، وهَذا المَعْنى هو الَّذِي أُرِيدَ بِالكَلامِ في أثْناءِ الحِوارِ، ولَهُ مَعْنًى باطِنٌ هو أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - إنَّما أمَرَنِي بِالوَحْيِ أنْ آخُذَ بِنْيامِينَ لِمَصالِحَ عَلِمَها اللَّهُ في ذَلِكَ، فَلَوْ أخَذْتُ غَيْرَهُ كُنْتُ ظالِمًا وعامِلًا بِخِلافِ الوَحْيِ.

12:80Page 245

فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٠

So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allāh and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allāh decides for me,1 and He is the best of judges.

﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ أيْ: يَئِسُوا مِن يُوسُفَ وإجابَتِهِ لَهم أشَدَّ يَأْسٍ بِدَلالَةِ صِيغَةِ الِاسْتِفْعال، وإنَّما حَصَلَتْ لَهم هَذِهِ المَرْتَبَةُ مِنَ اليَأْسِ لِما شاهَدُوهُ مِن عَوْذِهِ بِاللَّهِ مِمّا طَلَبُوهُ الدّالِّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ عِنْدَهُ في أقْصى مَراتِبِ الكَراهَةِ، وأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ ويُعاذَ مِنهُ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ومِن تَسْمِيَتِهِ ظُلْمًا بِقَوْلِهِ: (إنّا إذًا لَظالِمُونَ) ﴿خَلَصُوا﴾ اعْتَزَلُوا وانْفَرَدُوا عَنِ النّاسِ ﴿نَجِيًّا﴾ أيْ: ذَوِي نَجْوى، عَلى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّجْوى والتَّناجِي، أوْ فَوْجًا نَجِيًّا عَلى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُناجِي كالشَّعِيرِ والسَّمِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ والمُسامِرِ، (p-300)وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: هم نَجِيٌّ كَما يُقالُ: هم صَدِيقٌ؛ لِأنَّهُ بِزِنَةِ المَصادِرِ مِنَ الزَّفِيرِ والزَّئِيرِ.

﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ، أوْ في العَقْلِ وهو يَهُوذا، أوْ رَئِيسُهم شَمْعُونُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾ كَأنَّهم أجْمَعُوا عِنْدَ التَّناجِي عَلى الِانْقِلابِ جُمْلَةً ولَمْ يَرْضَ بِهِ، فَقالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ألَمْ تَعْلَمُوا ﴿أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ عَهْدًا يُوثَقُ بِهِ، وهو حَلِفُهم بِاللَّهِ تَعالى، وكَوْنُهُ مِنَ اللَّهِ لِإذْنِهِ فِيهِ وكَوْنِ الحَلِفِ بِاسْمِهِ الكَرِيمِ ﴿وَمِن قَبْلُ﴾ أيْ: ومِن قَبْلُ هَذا ﴿ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ، ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكُمْ، وقَدْ قُلْتُمْ: ﴿ (وَإنّا لَهُ لَناصِحُونَ)﴾ ﴿ (وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ)﴾ و"ما" مَزِيدَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، ومَحَلُّ المَصْدَرِ النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ (تَعْلَمُوا) أيْ: ألَمْ تَعْلَمُوا أخْذَ أبِيكم عَلَيْكم مَوْثِقًا وتَفْرِيطَكُمُ السّابِقَ في شَأْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا ضَيْرَ في الفَصْلِ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ، وقَدْ جُوِّزَ النَّصْبُ عَطْفًا عَلى اسْمِ (أنَّ) والخَبَرِ في يُوسُفَ، أوْ (مِن قَبْلُ) عَلى مَعْنى: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ تَفْرِيطَكُمُ السّابِقَ وقَعَ في شَأْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ أنَّ تَفْرِيطَكُمُ الكائِنَ أوْ كائِنًا في شَأْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَعَ مِن قَبْلُ، وفِيهِ أنَّ مُقْتَضى المَقامِ إنَّما هو الإخْبارُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ التَّفْرِيطِ لا بِكَوْنِ تَفْرِيطِهِمُ السّابِقِ واقِعًا في شَأْنِ يُوسُفَ، كَما هو مُفادُ الأوَّلِ، ولا بِكَوْنِ تَفْرِيطِهِمُ الكائِنِ في شَأْنِهِ واقِعًا مِن قَبْلُ كَما هو مُفادُ الثّانِي، عَلى أنَّ الظَّرْفَ المَقْطُوعَ عَنِ الإضافَةِ لا يَقَعُ خَبَرًا، ولا صِفَةً، ولا صِلَةً، ولا حالًا عِنْدَ البَعْضِ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ.

وَقِيلَ: مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ (مِن قَبْلُ) وفِيهِ ما فِيهِ، وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، ومَحَلُّها النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ (تَعْلَمُوا) أيْ: ما فَرَّطْتُمُوهُ بِمَعْنى قَدَّمْتُمُوهُ في حَقِّهِ مِنَ الخِيانَةِ، وأمّا النَّصْبُ عَطْفًا عَلى اسْمِ (إنَّ) والرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ فَقَدْ عَرَفْتَ حالَهُ.

﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما ذَكَرَهُ وذَكَّرَهُ إيّاهم مِن مِيثاقِ أبِيهِ، وقَوْلِهِ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ أيْ: فَلَنْ أُفارِقَ أرْضَ مِصْرَ جارِيًا عَلى قَضِيَّةِ المِيثاقِ ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ في البَراحِ بِالِانْصِرافِ إلَيْهِ، وكَأنَّ أيْمانَهم كانَتْ مَعْقُودَةً عَلى عَدَمِ الرُّجُوعِ بِغَيْرِ إذَنْ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بِالخُرُوجِ مِنها عَلى وجْهٍ لا يُؤَدِّي إلى نَقْضِ المِيثاقِ، أوْ بِخَلاصِ أخِي بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ.

رُوِيَ أنَّهم كَلَّمُوا العَزِيزَ في إطْلاقِهِ فَقالَ رُوبِيلُ: أيُّها المَلِكُ لَتَرُدَّنَ إلَيْنا أخانا، أوْ لَأصِيحَنَّ صَيْحَةً لا تَبْقى بِمِصْرَ حامِلٌ إلّا ألْقَتْ ولَدَها، ووَقَفَتْ كُلُّ شَعَرَةٍ في جَسَدِهِ فَخَرَجَتْ مِن ثِيابِهِ، وكانَ بَنُو يَعْقُوبَ إذا غَضِبُوا لا يُطاقُونَ خَلا أنَّهُ إذا مَسَّ مَن غَضِبَ واحِدٌ مِنهم سَكَنَ غَضَبُهُ، فَقالَ يُوسُفُ لِابْنِهِ: قُمْ إلى جَنْبِهِ فَمُسَّهُ فَمَسَّهُ، فَقالَ رُوبِيلُ: مَن هَذا؟ إنَّ في هَذا البَلَدِ بَذْرًا مِن بَذْرِ يَعْقُوبَ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ إذًا لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ والعَدْلِ.

12:81Page 245

ٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُمۡ فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبۡنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَيۡبِ حَٰفِظِينَ ٨١

Return to your father and say, 'O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen.1

﴿ارْجِعُوا﴾ أنْتُمْ ﴿إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ عَلى ظاهِرِ الحالِ، وقُرِئَ سُرِقَ أيْ: نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ ﴿وَما شَهِدْنا﴾ عَلَيْهِ ﴿إلا بِما عَلِمْنا﴾ وشاهَدْنا أنَّ الصُّواعَ اسْتُخْرِجَتْ مِن وِعائِهِ ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ﴾ أيْ: باطِنِ الحالِ ﴿حافِظِينَ﴾ فَما نَدْرِي أنَّ حَقِيقَةَ الأمْرِ كَما شاهَدْنا أمْ بِخِلافِهِ، أوْ وما كُنّا عالِمِينَ حِينَ أعْطَيْناكَ المَوْثِقَ أنَّهُ سَيَسْرِقُ، أوْ أنّا (p-301)نُلاقِي هَذا الأمْرَ، أوْ أنَّكَ تُصابُ بِهِ كَما أُصِبْتَ بِيُوسُفَ.

12:82Page 245

وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلۡعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقۡبَلۡنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٨٢

And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful.'"

﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ أيْ: مِصْرَ، أوْ قَرْيَةً بِقُرْبِها لَحِقَهُمُ المُنادِي عِنْدَها، أيْ: أرْسِلْ إلى أهْلِها واسْألْهم عَنِ القِصَّةِ ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ أيْ: أصْحابَها فَإنَّ القِصَّةَ مَعْرُوفَةٌ فِيما بَيْنَهُمْ، وكانُوا قَوْمًا مِن كَنْعانَ مِن جِيرانِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: مِن صَنْعاءَ ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾ تَأْكِيدٌ في مَحَلِّ القَسَمِ.

12:83Page 245

قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٨٣

[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allāh will bring them to me all together. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise."

﴿قالَ﴾ أيْ: يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا سَبَقَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ عِنْدَ قَوْلِ المُتَوَقِّفِ لِإخْوَتِهِ ما قالَ؟ فَقِيلَ: قالَ يَعْقُوبُ عِنْدَما رَجَعُوا إلَيْهِ فَقالُوا لَهُ ما قالُوا، وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُسارَعَتَهم إلى قَبُولِهِ ورُجُوعَهم بِهِ إلى أبِيهِمْ أمْرٌ مُسَلَّمٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلَيْهِ جَوابُ أبِيهِمْ.

﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ أيْ: زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ، وهو إضْرابٌ لا عَنْ صَرِيحِ كَلامِهِمْ - فَإنَّهم صادِقُونَ في ذَلِكَ - بَلْ عَمّا يَقْتَضِيهِ مِنِ ادِّعاءِ البَراءَةِ عَنِ التَّسَبُّبِ فِيما نَزَلَ بِهِ، وأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ زَيَّنَتْ ﴿لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ فَأتَيْتُمُوهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ فُتْياهم بِأخْذِ السّارِقِ بِسَرِقَتِهِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بِيُوسُفَ وأخِيهِ والمُتَوَقِّفِ بِمِصْرَ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي وحالِهِمْ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لَمْ يَبْتَلِنِي إلّا لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ.

12:84Page 245

وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ ٨٤

And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white1 from grief, for he was [of that] a suppressor.2

﴿وَتَوَلّى﴾ أيْ: أعْرَضَ ﴿عَنْهُمْ﴾ كَراهَةً لِما سَمِعَ مِنهم ﴿وَقالَ يا أسَفي عَلى يُوسُفَ﴾ الأسَفُ أشَدُّ الحُزْنِ والحَسْرَةِ، أضافَهُ إلى نَفْسِهِ، والألِفُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ فَناداهُ، أيْ: يا أسَفِي تَعالى فَهَذا أوانُكَ، وإنَّما أسِفَ عَلى يُوسُفَ - مَعَ أنَّ الحادِثَ مُصِيبَةٌ أخَوَيْهِ - لِأنَّ رُزْأهُ كانَ قاعِدَةَ الأرْزاءِ غَضًّا عِنْدَهُ - وإنْ تَقادَمَ عَهْدُهُ - آخِذًا بِمَجامِعِ قَلْبِهِ لا يَنْساهُ؛ ولِأنَّهُ كانَ واثِقًا بِحَياتِهِما، عالِمًا بِمَكانِهِما، طامِعًا في إيابِهِما.

وَأمّا يُوسُفُ فَلَمْ يَكُنْ في شَأْنِهِ ما يُحَرِّكُ سِلْسِلَةَ رَجائِهِ سِوى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ، وفي الخَبَرِ: ««لَمْ تُعْطَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ (إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ) إلّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ألا يُرى إلى يَعْقُوبَ حِينَ أصابَهُ ما أصابَهُ لَمْ يَسْتَرْجِعْ، بَلْ قالَ ما قالَ»» والتَّجانُسُ بَيْنَ لَفْظَيِ الأسَفِ ويُوسُفَ مِمّا يَزِيدُ النَّظْمَ الكَرِيمَ بَهْجَةً، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾، ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ونَظائِرِها.

﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ المُوجِبِ لِلْبُكاءِ، فَإنَّ العَبْرَةَ إذا كَثُرَتْ مَحَقَتْ سَوادَ العَيْنِ وقَلَبَتْهُ إلى بَياضٍ كَدِرٍ، قِيلَ: قَدْ عَمِيَ بَصَرُهُ، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.

رُوِيَ أنَّهُ ما جَفَّتْ عَيْنا يَعْقُوبَ مِن يَوْمِ فِراقِ يُوسُفَ إلى حِينِ لِقائِهِ ثَمانِينَ عامًا، وما عَلى وجْهِ الأرْضِ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ سَألَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: "ما بَلَغَ مِن وجْدِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - (p-302)عَلى يُوسُفَ ؟" قالَ: وجْدَ سَبْعِينَ ثَكْلى، قالَ: "فَما كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ؟" قالَ: أجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ، وما ساءَ ظَنُّهُ بِاللَّهِ ساعَةً قَطُّ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّأسُّفِ والبُكاءِ عِنْدَ النَّوائِبِ، فَإنَّ الكَفَّ عَنْ ذَلِكَ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، فَإنَّهُ قَلَّ مَن يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ، ولَقَدْ بَكى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى ولَدِهِ إبْراهِيمَ، وقالَ: ««القَلْبُ يَحْزَنُ والعَيْنُ تَدْمَعُ ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ»» وإنَّما الَّذِي لا يَجُوزُ ما يَفْعَلُهُ الجَهَلَةُ مِنَ الصِّياحِ والنِّياحَةِ، ولَطْمِ الخُدُودِ والصُّدُورِ، وشَقِّ الجُيُوبِ وتَمْزِيقِ الثِّيابِ.

«وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ بَكى عَلى ولَدِ بَعْضِ بَناتِهِ، وهو يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، تَبْكِي وقَدْ نَهَيْتَنا عَنِ البُكاءِ؟ فَقالَ: «ما نَهَيْتُكم عَنِ البُكاءِ وإنَّما نَهَيْتُكم عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ صَوْتٍ عِنْدَ الفَرَحِ وصَوْتٍ عِنْدَ التَّرَحِ».»

﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ، مُمْسِكٌ لَهُ في قَلْبِهِ، لا يُظْهِرُهُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مِن كَظَمَ السِّقاءَ إذا شَدَّهُ عَلى مَلَئِهِ، أوْ بِمَعْنى فاعِلٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ مِن كَظَمَ الغَيْظَ إذا اجْتَرَعَهُ، وأصْلُهُ كَظَمَ البَعِيرُ جِرَّتَهُ إذا رَدَّها في جَوْفِهِ.

12:85Page 245

قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ ٨٥

They said, "By Allāh, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."

﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ أيْ: لا تَفْتَأُ ولا تَزالُ ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ تَفَجُّعًا عَلَيْهِ، فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ كَما في قَوْلِهِ:

؎ فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا

لِعَدَمِ الِالتِباسِ بِالإثْباتِ، فَإنَّ القَسَمَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَلامَةُ الإثْباتِ يَكُونُ عَلى النَّفْيِ البَتَّةَ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ مَرِيضًا مُشْفِيًا عَلى الهَلاكِ، وقِيلَ: الحَرَضُ مَن أذابَهُ هَمٌّ أوْ مَرَضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ لا يُؤَنَّثُ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، والنَّعْتُ مِنهُ بِالكَسْرِ كَدَنِفٍ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ وبِضَمَّتَيْنِ كَجُنُبٍ وغُرُبٍ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ أيِ: المَيِّتِينَ.

12:86Page 245

قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٦

He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allāh, and I know from Allāh that which you do not know.

﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي﴾ البَثُّ أصْعَبُ الهَمِّ الَّذِي لا يَصْبِرُ عَلَيْهِ صاحِبُهُ فَيَبُثُّهُ إلى النّاسِ، أيْ: يَنْشُرُهُ فَكَأنَّهم قالُوا لَهُ ما قالُوا بِطَرِيقِ التَّسْلِيَةِ والإشْكاءِ، فَقالَ لَهُمْ: إنِّي لا أشْكُو ما بِي إلَيْكُمْ، أوْ إلى غَيْرِكم حَتّى تَتَصَدَّوْا لِتَسْلِيَتِي وإنَّما أشْكُو هَمِّي ﴿وَحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ تَعالى مُلْتَجِئًا إلى جَنابِهِ مُتَضَرِّعًا لَدى بابِهِ في دَفْعِهِ، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ وضَمَّتَيْنِ ﴿وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِن لُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ، فَأرْجُو أنْ يَرْحَمَنِي ويَلْطُفَ بِي ولا يُخَيِّبَ رَجائِي، أوْ أعْلَمُ وحْيًا أوْ إلْهامًا مِن جِهَتِهِ ما لا تَعْلَمُونَ مِن حَياةِ يُوسُفَ، قِيلَ: رَأى مَلَكَ المَوْتِ في المَنامِ فَسَألَهُ عَنْهُ، فَقالَ: هو حَيٌّ، وقِيلَ: عَلِمَ مِن رُؤْيا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ سَيَخِرُّ لَهُ أبَواهُ وإخْوَتُهُ سُجَّدًا.

12:87Page 246

يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٧

O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allāh. Indeed, no one despairs of relief from Allāh except the disbelieving people."

﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾ أيْ: تَعَرَّفُوا وهو تَفَعُّلٌ مِنَ الحَسِّ، وقُرِئَ بِالجِيمِ مِنَ الجَسِّ وهو الطَّلَبُ أيْ: تَطَلَّبُوا ﴿مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أيْ: مِن خَبَرِهِما، ولَمْ يَذْكُرِ الثّالِثَ؛ لِأنَّ غَيْبَتَهُ اخْتِيارِيَّةٌ لا يَعْسُرُ إزالَتُها ﴿وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ لا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ وتَنْفِيسِهِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ أيْ: مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي يُحْيِي بِها العِبادَ، وهَذا إرْشادٌ لَهم إلى بَعْضِ ما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا (p-303)تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ حَذَّرَهم عَنْ تَرْكِ العَمَلِ بِمُوجِبِ نَهْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، فَإنَّ العارِفَ لا يَقْنَطُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ.

12:88Page 246

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ ٨٨

So when they entered upon him [i.e., Joseph], they said, "O ʿAzeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allāh rewards the charitable."

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى يُوسُفَ بَعْدَما رَجَعُوا إلى مِصْرَ بِمُوجِبِ أمْرِ أبِيهِمْ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ إيذانًا بِمُسارَعَتِهِمْ إلى ما أُمِرُوا بِهِ، وإشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ لا يَفْتَقِرُ إلى الذِّكْرِ والبَيانِ ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ﴾ أيِ: المَلِكُ القادِرُ المُتَمَنِّعُ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ الهُزالُ مِن شِدَّةِ الجُوعِ ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ مَدْفُوعَةٍ يَدْفَعُها كُلُّ تاجِرٍ رَغْبَةً عَنْها واحْتِقارًا لَها، مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتَهُ وطَرَدْتَهُ، والرِّيحُ تَزْجِي السَّحابَ، قِيلَ: كانَتْ بِضاعَتُهم مِن مَتاعِ الأعْرابِ صُوفًا وسَمْنًا، وقِيلَ: الصَّنَوْبَرَ وحَبَّةَ الخَضْراءِ، وقِيلَ: سَوِيقَ المُقْلِ والأقِطَ، وقِيلَ: دَراهِمَ زُيُوفًا لا تُؤْخَذُ إلّا بِوَضِيعَةٍ، وإنَّما قَدَّمُوا ذَلِكَ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى إسْعافِ مَرامِهِمْ بِبَعْثِ الشَّفَقَةِ وهَزِّ العَطْفِ والرَّأْفَةِ وتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ المَرْحَمَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتْمِمْهُ لَنا ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ بِرَدِّ أخِينا إلَيْنا - قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ - وهو الأنْسَبُ بِحالِهِمْ؛ نَظَرًا إلى أمْرِ أبِيهِمْ، أوْ بِالإيفاءِ، أوْ بِالمُسامَحَةِ وقَبُولِ المُزْجاةِ، أوْ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يُساوِيها تَفَضُّلًا، وإنَّما سَمَّوْهُ تَصَدُّقًا تَواضُعًا، أوْ أرادُوا التَّصَدُّقَ فَوْقَ ما يُعْطِيهِمْ بِالثَّمَنِ بِناءً عَلى اخْتِصاصِ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ بِنَبِيِّنا ﷺ وإنَّما لَمْ يَبْدَءُوا بِما أُمِرُوا بِهِ اسْتِجْلابًا لِلرَّأْفَةِ والشَّفَقَةِ لِيَبْعَثُوا بِما قَدَّمُوا مِن رِقَّةِ الحالِ رِقَّةَ القَلْبِ والحُنُوَّ، عَلى أنَّ ما ساقُوهُ كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ فَإنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الحَمْلَ عَلى المَحْمَلَيْنِ، فَلَعَلَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَمَلَهُ عَلى المَحْمَلِ الأوَّلِ ولِذَلِكَ.

12:89Page 246

قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ ٨٩

He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"

﴿قالَ﴾ مُجِيبًا عَمّا عَرَضُوا بِهِ وضَمَّنُوهُ كَلامَهم مِن طَلَبِ رَدِّ أخِيهِمْ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ وكانَ الظّاهِرُ أنْ يَتَعَرَّضَ لِما فَعَلُوا بِأخِيهِ فَقَطْ، وإنَّما تَعَرَّضَ لِما فَعَلُوا بِيُوسُفَ لِاشْتِراكِهِما في وُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِما، فَإنَّ المُرادَ بِذَلِكَ إفْرادُهم لَهُ عَنْ يُوسُفَ، وإذْلالُهُ بِذَلِكَ حَتّى كانَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهم إلّا بِعَجْزٍ وذِلَّةٍ، أيْ: هَلْ تُبْتُمْ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ عِلْمِكم بِقُبْحِهِ، فَهو سُؤالٌ عَنِ المَلْزُومِ والمُرادُ لازِمُهُ ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ بِقُبْحِهِ فَلِذَلِكَ أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ، أوْ جاهِلُونَ عاقِبَتَهُ، وإنَّما قالَهُ نُصْحًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى التَّوْبَةِ، وشَفَقَةً عَلَيْهِمْ لَمّا رَأى عَجْزَهم وتَمَسْكُنَهم لا مُعاتَبَةً وتَثْرِيبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُنْقَطِعًا عَنْ كَلامِهِمْ، وتَنْبِيهًا لَهم عَلى ما هو حَقُّهم ووَظِيفَتُهم مِنَ الإعْراضِ عَنْ جَمِيعِ المَطالِبِ والتَّمَحُّضِ في طَلَبِ بِنْيامِينَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَقِفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِطَرِيقِ الوَحْيِ أوِ الإلْهامِ عَلى وصِيَّةِ أبِيهِ وإرْسالِهِ إيّاهم لِلتَّحَسُّسِ مِنهُ ومِن أخِيهِ، فَلَمّا رَآهم قَدِ اشْتَغَلُوا عَنْ ذَلِكَ قالَ ما قالَ.

وَقِيلَ: أعْطَوْهُ كِتابَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ كَتَبَ فِيهِ: كِتابٌ مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إلى عَزِيزِ مِصْرَ، أمّا بَعْدٌ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُوكَلٌ بِنا البَلاءُ، أمّا جَدِّي فَشُدَّتْ يَدُهُ ورِجْلاهُ فَرُمِيَ بِهِ في النّارِ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى، وجُعِلَتْ لَهُ بَرْدًا وسَلامًا، وأمّا أبِي فَوُضِعَ السِّكِّينُ (p-304)عَلى قَفاهُ لِيُقْتَلَ فَفَداهُ اللَّهُ تَعالى، وأمّا أنا فَكانَ لِي ابْنٌ وكانَ أحَبَّ أوْلادِي إلَيَّ فَذَهَبَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى البَرِّيَّةِ، ثُمَّ أتَوْنِي بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَقالُوا: قَدْ أكَلَهُ الذِّئْبُ فَذَهَبَتْ عَيْنايَ مِن بُكائِي عَلَيْهِ، ثُمَّ كانَ لِي ابْنٌ - وكانَ أخاهُ مِن أُمِّهِ - وكُنْتُ أتَسَلّى بِهِ فَذَهَبُوا بِهِ، ثُمَّ رَجَعُوا وقالُوا: إنَّهُ سَرَقَ، وأنَّكَ حَبَسْتَهُ، وإنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَسْرِقُ ولا نَلِدُ سارِقًا، فَإنْ رَدَدْتَهُ عَلَيَّ وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، والسَّلامُ، فَلَمّا قَرَأهُ لَمْ يَتَمالَكْ وعِيلَ صَبْرُهُ، فَقالَ لَهم ما قالَ، وقِيلَ: لَمّا قَرَأهُ بَكى وكَتَبَ الجَوابَ: اصْبِرْ كَما صَبَرُوا تَظْفَرْ كَما ظَفِرُوا.

12:90Page 246

قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٠

They said, "Are you indeed Joseph?" He said, "I am Joseph, and this is my brother. Allāh has certainly favored us. Indeed, he who fears Allāh and is patient, then indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good."

﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ولِذَلِكَ أكَّدُوهُ بِأنَّ واللّامِ قالُوهُ اسْتِغْرابًا وتَعَجُّبًا، وقُرِئَ (إنَّكَ) بِالإيجابِ، قِيلَ: عَرَفُوهُ بِرِوائِهِ وشَمائِلِهِ حِينَ كَلَّمَهم بِهِ، وقِيلَ: تَبَسَّمَ فَعَرَفُوهُ بِثَناياهُ، وقِيلَ: رَفَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَرَأوْا عَلامَةً بِقَرْنِهِ تُشْبِهُ الشّامَةَ البَيْضاءَ، وكانَ لِسارَّةَ ويَعْقُوبَ مِثْلُها، وقُرِئَ (أئِنَّكَ) أوْ أنْتَ يُوسُفَ عَلى مَعْنى أئِنَّكَ يُوسُفُ، أوْ أنْتَ يُوسُفُ فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، وفِيهِ زِيادَةُ اسْتِغْرابٍ.

﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ جَوابًا عَنْ مَسْألَتِهِمْ، وقَدْ زادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وَهَذا أخِي﴾ أيْ: مِن أبَوَيَّ مُبالَغَةً في تَعْرِيفِ نَفْسِهِ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِ أخِيهِ، وتَكْمِلَةً لِما أفادَهُ قَوْلُهُ: " ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ " حَسْبَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِنا مِنَ التَّفْرِيقِ والإذْلالِ، فَأنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِالخَلاصِ عَمّا ابْتُلِينا بِهِ، والِاجْتِماعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ، والعِزَّةِ بَعْدَ الذِّلَّةِ، والأُنْسِ بَعْدَ الوَحْشَةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إشارَةٌ إلى الجَوابِ عَنْ طَلَبِهِمْ لَرَدِّ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخِي لا أخُوكم فَلا وجْهَ لِطَلَبِكُمْ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ التَّعْلِيلِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ أيْ: يَفْعَلُ التَّقْوى في جَمِيعِ أحْوالِهِ أوْ يَقِ نَفْسَهُ عَمّا يُوجِبُ سُخْطَ اللَّهِ تَعالى وعَذابَهُ ﴿وَيَصْبِرْ﴾ عَلى المِحَنِ، أوْ عَلى مَشَقَّةِ الطّاعاتِ، أوْ عَنِ المَعاصِي الَّتِي تَسْتَلِذُّها النَّفْسُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: أجْرَهُمْ، وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَنعُوتِينَ بِالتَّقْوى والصَّبْرِ مَوْصُوفُونَ بِالإحْسانِ.

12:91Page 246

قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ٩١

They said, "By Allāh, certainly has Allāh preferred you over us, and indeed, we have been sinners."

﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِما ذَكَرْتَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿وَإنْ كُنّا﴾ وإنَّ الشَّأْنَ كُنّا ﴿لَخاطِئِينَ﴾ لَمُتَعَمِّدِينَ لِلذَّنْبِ إذْ فَعَلْنا بِكَ ما فَعَلْنا، ولِذَلِكَ أعَزَّكَ وأذَلَّنا، وفِيهِ إشْعارٌ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ ولِذَلِكَ.

12:92Page 246

قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٩٢

He said, "No blame will there be upon you today. May Allāh forgive you; and He is the most merciful of the merciful.

﴿قالَ لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ: لا عَتْبَ ولا تَأْنِيبَ ﴿عَلَيْكُمُ﴾ وهو تَفْعِيلٌ مِنَ الثَّرْبِ، وهو الشَّحْمُ الغاشِي لِلْكَرِشِ، ومَعْناهُ إزالَتُهُ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ إزالَةُ الجَلْدِ، والتَّقْرِيعَ إزالَةُ القَرْعِ؛ لِأنَّهُ إذا ذَهَبَ كانَ ذَلِكَ غايَةَ الهُزالِ، فَضُرِبَ مَثَلًا لِلتَّقْرِيعِ الَّذِي يَذْهَبُ بِماءِ الوُجُوهِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿اليَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ بِالتَّثْرِيبِ، أوْ بِالمُقَدَّرِ خَبَرًا لِـ(لا) أيْ: لا أثَرَ بِكُمْ، أوْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ الَّذِي هو مَظِنَّةٌ لَهُ فَما ظَنُّكم بِسائِرِ الأيّامِ، (p-305)أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ صَفَحَ عَنْ جَرِيمَتِهِمْ وعَفا عَنْ جَرِيرَتِهِمْ بِما فَعَلُوا مِنَ التَّوْبَةِ ﴿وَهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ يَغْفِرُ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ، ويَتَفَضَّلُ عَلى التّائِبِ بِالقَبُولِ، ومِن كَرَمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّ إخْوَتَهُ أرْسَلُوا إلَيْهِ: إنَّكَ تَدْعُونا إلى طَعامِكَ بُكْرَةً وعَشِيًّا، ونَحْنُ نَسْتَحْيِي مِنكَ بِما فَرَطَ مِنّا فِيكَ، فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: إنَّ أهْلَ مِصْرَ - وإنْ مَلَكْتُ فِيهِمْ - كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيَّ بِالعَيْنِ الأُولى، ويَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَّغَ عَبْدًا بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَّغَ، ولَقَدْ شَرُفَتْ بِكُمُ الآنَ، وعَظُمْتُ في العُيُونِ حَيْثُ عَلِمَ النّاسُ أنَّكم إخْوَتِي وأنِّي مِن حَفَدَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

12:93Page 246

ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٣

Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."

﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ قِيلَ: هو الَّذِي كانَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: هو القَمِيصُ المُتَوارَثُ الَّذِي كانَ في التَّعْوِيذِ، أمَرَهُ جِبْرِيلُ بِإرْسالِهِ إلَيْهِ، وأوْحى إلَيْهِ أنَّ فَيْحَ رِيحِ الجَنَّةِ لا يَقَعُ عَلى مُبْتَلًى إلّا عُوفِيَ ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يَكُنْ بَصِيرًا، أوْ يَأْتِ إلَيَّ بَصِيرًا ويَنْصُرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: بِأبِي وغَيْرِهِ مِمَّنْ يَنْتَظِمُهُ لَفْظُ الأهْلِ جَمِيعًا مِنَ النِّساءِ والذَّرارِيِّ.

قِيلَ: إنَّما حَمَلَ القَمِيصَ يَهُوذا، وقالَ: أنا أحْزَنْتُهُ بِحَمْلِ القَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ إلَيْهِ فَأُفْرِحُهُ كَما أحْزَنْتُهُ، وقِيلَ: حَمَلَهُ وهو حافٍ حاسِرٌ مِن مِصْرَ إلى كَنْعانَ وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ ثَمانِينَ فَرْسَخًا.

12:94Page 246

وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ٩٤

And when the caravan departed [from Egypt], their father said,1 "Indeed, I find the smell of Joseph [and would say that he was alive] if you did not think me weakened in mind."

﴿وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ خَرَجَتْ مِن عَرِيشِ مِصْرَ، يُقالُ: فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا إذا انْفَصَلَ مِنهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: (انْفَصَلَ العِيرُ) ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِمَن عِنْدَهُ: ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوْجَدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما عَبِقَ بِالقَمِيصِ مِن رِيحِ يُوسُفَ مِن ثَمانِينَ فَرْسَخًا حِينَ أقْبَلَ بِهِ يَهُوذا ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أيْ: تَنْسُبُونِي إلى الفَنَدِ، وهو الخَرَفُ وإنْكارُ العَقْلِ وفَسادُ الرَّأْيِ مِن هَرَمٍ، يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنِّدٌ ولا يُقالُ عَجُوزٌ مُفَنِّدَةٌ؛ إذْ لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتَ رَأْيٍ فَتُفَنِّدُ في كِبَرِها، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ، أيْ: لَصَدَّقْتُمُونِي.

12:95Page 246

قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ ٩٥

They said, "By Allāh, indeed you are in your [same] old error."

﴿قالُوا﴾ أيِ: الحاضِرُونَ عِنْدَهُ: ﴿تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ قِدَمًا في إفْراطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ ولَهَجِكَ بِذِكْرِهِ ورَجائِكَ لِلِقائِهِ، وكانَ عِنْدَهم أنَّهُ قَدْ ماتَ.

12:96Page 247

فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٩٦

And when the bearer of good tidings1 arrived, he cast it over his face, and he returned [once again] seeing. He said, "Did I not tell you that I know from Allāh that which you do not know?"

﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ وهو يَهُوذا ﴿ألْقاهُ﴾ أيْ: ألْقى البَشِيرُ القَمِيصَ ﴿عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ: وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ﴾ عادَ ﴿بَصِيرًا﴾ لِما انْتَعَشَ فِيهِ مِنَ القُوَّةِ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ فالخِطابُ لِمَن كانَ عِنْدَهُ بِكَنْعانَ، أوْ قَوْلَهُ: "وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ" فالخِطابُ لِبَنِيهِ وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (p-306)فَإنَّ مَدارَ النَّهْيِ المَذْكُورِ إنَّما هو العِلْمُ الَّذِي أُوتِيَ يَعْقُوبُ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مَقُولَ القَوْلِ، أيْ: ألَمْ أقُلْ لَكم حِينَ أرْسَلْتُكم إلى مِصْرَ وأمَرْتُكم بِالتَّحَسُّسِ ونَهَيْتُكم عَنِ اليَأْسِ مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ (وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)﴾ مِن حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

رُوِيَ أنَّهُ سَألَ البَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ؟ فَقالَ: هو مَلِكُ مِصْرَ، قالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ؟ عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ؟ قالَ: عَلى دِينِ الإسْلامِ، قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском