Abu as-Su'udAn‑Nahl · 16:98–112

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:98–112

16:98Page 278

فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨

So when you recite the Qur’ān, [first] seek refuge in Allāh from Satan, the expelled [from His mercy].

﴿فَإذا قَرَأْتَ القرآن﴾ أيْ: إذا أرَدْتَ قِراءَتَهُ عَبَّرَ بِها عَنْ إرادَتِها عَلى طَرِيقَةِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ إيذانًا بِأنَّ المُرادَ: هي الإرادَةُ المُتَّصِلَةُ بِالقِراءَةِ.

﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فاسْألْهُ عَزَّ جارُهُ أنْ يُعِيذَكَ ﴿مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ مِن وساوِسِهِ، وخَطَراتِهِ، كَيْلا يُوَسْوِسُكَ عِنْدَ القِراءَةِ، فَإنَّ لَهُ هِمَّةً بِذَلِكَ. قالَ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ ... الآيَةَ. وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَخْصِيصُ قِراءَةِ القرآن مِن بَيْنِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ إرادَتِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها لِغَيْرِهِ ﷺ، وفي سائِرِ الأعْمالِ (p-140)الصّالِحَةِ أهَمُّ. فَإنَّهُ ﷺ حَيْثُ أُمِرَ بِها عِنْدَ قِراءَةِ القرآن الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، ولا مِن خَلْفِهِ، فَما ظَنَّكم بِمَن عَداهُ ﷺ؟!. فِيما عَدا القِراءَةِ مِنَ الأعْمال، والأمْرُ لِلنَّدْبِ، وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. وعِنْدَ عَطاءٍ لِلْوُجُوبِ. وقَدْ أخَذَ بِظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فاسْتَعاذَ عَقِيبَ القِراءَةِ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومالِكٌ، وابْنُ سِيرِينَ، وداوُدُ، وحَمْزَةُ، مِنَ القُرّاءِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " «قَرَأْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: أعُوذُ بِالسَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فَقالَ ﷺ: قُلْ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ" هَكَذا أقْرَأنِيهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ القَلَمِ عَنِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.»

16:99Page 278

إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩

Indeed, there is for him no authority over those who have believed and rely upon their Lord.

﴿إنَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، أوْ لِلشَّيْطانِ.

﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ﴾ تَسَلُّطٌ ووِلايَةٌ ﴿عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: إلَيْهِ يُفَوِّضُونَ أُمُورَهُمْ، وبِهِ يَعُوذُونَ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، فَإنَّ وسْوَسَتَهُ لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ، ودَعْوَتَهُ غَيْرُ مُسْتَجابَةٍ عِنْدَهم. وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي في الصِّلَةِ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ كَما أنَّ اخْتِيارَ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الثّانِيَةِ، لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِإعادَةِ المُتَوَكِّلِينَ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ، أوْ لِجَوابِهِ المَنوِيِّ، أيْ: يُعِذْكَ أوْ نَحْوَهُ.

16:100Page 278

إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ ١٠٠

His authority is only over those who take him as an ally and those who through him associate others with Allāh.

﴿إنَّما سُلْطانُهُ﴾ أيْ: تَسَلُّطُهُ، ووِلايَتُهُ بِدَعْوَتِهِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلِاسْتِجابَةِ، لا سُلْطانُهُ بِالقَسْرِ والإلْجاءِ. فَإنَّهُ مُنْتَفٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةً عَنْهُ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ وقَدْ أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ أيْ: يَتَّخِذُونَهُ ولِيًّا، ويَسْتَجِيبُونَ دَعْوَتَهُ، ويُطِيعُونَهُ فَإنَّهُ المَقْسُورُ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ ﴿والَّذِينَ هم بِهِ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿مُشْرِكُونَ﴾، أوْ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ مُشْرِكُونَ إذْ هو الَّذِي حَمَلَهم عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَصُرَ سُلْطانُهُ عَلَيْهِمْ غِبَّ نَفْيِهِ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُتَوَكِّلِينَ دَلِيلٌ عَلى أنْ لا واسِطَةَ في الخارِجِ بَيْنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وبَيْنَ تَوَلِّي الشَّيْطانِ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما واسِطَةٌ في المَفْهُومِ، وأنَّ مَن لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ تَعالى يَنْتَظِمُ في سِلْكِ مَن يَتَوَلّى الشَّيْطانَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ إذْ بِهِ يَتِمُّ التَّعْلِيلُ، فَفِيهِ مُبالَغَةٌ في الحَمْلِ عَلى التَّوَكُّلِ، والتَّحْذِيرِ عَنْ مُقابِلِهِ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ في الصِّلَةِ الأُولى لِما مَرَّ مِن إفادَةِ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، كَما أنَّ اخْتِيارَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في الثّانِيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ حالِيَّةً مُفِيدَةً لِعَدَمِ دُخُولِ غَيْرِ المُشْرِكِينَ مِن أوْلِياءِ الشَّيْطانِ تَحْتَ سُلْطانِهِ، وتَقْدِيمُ الأُولى عَلى الثّانِيَةِ الَّتِي هي بِمُقابَلَةِ الصِّلَةِ الأُولى فِيما سَلَفَ لِرِعايَةِ المُقارَنَةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما يُقابِلُها مِنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ السّابِقُ لانْفَصَلَ كُلٌّ مِنَ القَرِينَتَيْنِ عَمّا يُقابِلُها.

16:101Page 278

وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١

And when We substitute a verse in place of a verse - and Allāh is most knowing of what He sends down - they say, "You, [O Muḥammad], are but an inventor [of lies]." But most of them do not know.

﴿وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةً﴾ أيْ: إذا أنْزَلْنا آيَةً مِنَ القرآن مَكانَ آيَةٍ مِنهُ، وجَعَلْناها بَدَلًا مِنها، بِأنْ نَسَخْناها بِها.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ أوَّلًا وآخِرًا، وبِأنَّ كُلًّا مِن ذَلِكَ ما نَزَلَتْ حَيْثُما نَزَلَتْ إلّا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، فَإنَّ (p-141)كُلَّ وقْتٍ لَهُ مُقْتَضًى غَيْرُ مُقْتَضى الآخَرِ. فَكَمْ مِن مَصْلَحَةٍ في وقْتٍ تَنْقَلِبُ في وقْتٍ آخَرَ مَفْسَدَةً، وبِالعَكْسِ لِانْقِلابِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ، وما الشَّرائِعُ إلّا مَصالِحُ لِلْعِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ تَدُورُ حَسْبَما تَدُورُ المَصالِحُ. والجُمْلَةُ إمّا مُعْتَرِضَةٌ لِتَوْبِيخِ الكَفَرَةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى فَسادِ رَأْيِهِمْ. وفي الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ مَعَ إسْنادِ الخَبَرِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ المُسْتَجْمِعِ لِلصِّفاتِ ما لا يَخْفى مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَحْقِيقِ مَعْنى الِاعْتِراضِ، أوْ حالِيَّةٌ. وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْزالِ ﴿قالُوا﴾ أيِ: الكَفَرَةُ الجاهِلُونَ بِحِكْمَةِ النَّسْخِ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أيْ: مُتَقَوِّلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى تَأْمُرُ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَبْدُو لَكَ فَتَنْهى عَنْهُ. وحِكايَةُ هَذا القَوْلِ عَنْهم هَهُنا لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ كَفْرَةٌ ناشِئَةٌ مِن نَزَغاتِ الشَّياطِينِ، وأنَّهُ ولِيُّهم.

﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يَعْمَلُونَ شَيْئًا أصْلًا، أوْ لا يَعْلَمُونَ أنَّ في النَّسْخِ حِكَمًا بالِغَةً، وإسْنادُ هَذا الحُكْمِ إلى الأكْثَرِ لِما أنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ، وإنَّما يُنْكِرُهُ عِنادًا.

16:102Page 278

قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ١٠٢

Say, [O Muḥammad], "The Pure Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down from your Lord in truth to make firm those who believe and as guidance and good tidings to the Muslims."

﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾ أيِ: القرآن المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالآيَةِ.

﴿رُوحُ القُدُسِ﴾ يَعْنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيِ: الرُّوحُ المُطَهَّرُ مِنَ الأدْناسِ البَشَرِيَّةِ، وإضافَةُ الرُّوحِ إلى القُدُسِ، وهو الطُّهْرُ كَإضافَةِ حاتِمٍ إلى الجُودِ، حَيْثُ قِيلَ: حاتِمُ الجُودِ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ الوَصْفِ، كَأنَّهُ طَبْعٌ مِنهُ. وفي صِيغَةِ التَّفْعِيلِ في المَوْضِعَيْنِ إشْعارٌ بِأنَّ التَّدْرِيجَ في الإنْزالِ مِمّا تَقْتَضِيهِ الحِكَمُ البالِغَةُ، ﴿مِن رَبِّكَ﴾ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ إفاضَةِ آثارِ الربوبية عَلَيْهِ ﷺ ما لَيْسَ في إضافَتِهِ إلى ياءٍ المُتَكَلِّمِ المَبْنِيَّةِ عَلى التَّلْقِينِ المَحْضِ.

﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الثّابِتِ المُوافِقِ لِلْحِكْمَةِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ بِحَيْثُ لا يُفارِقُها إنْشاءً ونَسْخًا، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّسْخَ حَقٌّ.

﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى الإيمانِ، بِأنَّهُ كَلامُهُ تَعالى فَإنَّهم إذا سَمِعُوا النّاسِخَ، وتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِن رِعايَةِ المَصالِحِ اللّائِقَةِ بِالحالِ، رَسَخَتْ عَقائِدُهُمْ، واطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم. وقُرِئَ: (لِيُثْبِتَ) مِنَ الإفْعالِ.

﴿وَهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ المُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ تَعالى، وهُما مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّ لِيُثَبِّتَ، أيْ: تَثْبِيتًا وهِدايَةً وبِشارَةً، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُصُولِ أضْدادِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ لِمَن سِواهم مِنَ الكُفّارِ.

16:103Page 279

وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣

And We certainly know that they say, "It is only a human being who teaches him [i.e., the Prophet (ﷺ)]." The tongue of the one they refer to is foreign,1 and this [recitation, i.e., Qur’ān] is [in] a clear Arabic language.

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ﴾ غَيْرَ ما نُقِلَ عَنْهم مِنَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ.

﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ﴾ أيِ: القرآن ﴿بَشَرٌ﴾ عَلى طَرِيقِ البَتِّ مَعَ ظُهُورِ أنَّهُ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِفُنُونِ التَّأْكِيدِ لِتَحْقِيقِ ما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ الوَعِيدِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ العِلْمِ بِحَسَبِ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ في مُتَعَلَّقِهِ، فَإنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى تَفَوُّهِ تِلْكَ العَظِيمَةِ يَعْنُونَ بِذَلِكَ جَبْرًا الرُّومِيَّ غُلامَ عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ. وقِيلَ: جَبْرٌ ويُسَيْرٌ كانا يَصْنَعانِ السَّيْفَ بِمَكَّةَ، ويَقْرَآنِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ يَمُرُّ عَلَيْهِما، ويَسْمَعُ ما يَقْرَآنِهِ. قِيلَ: عابِسٌ غُلامَ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى قَدْ أسْلَمَ، وكانَ صاحِبَ كُتُبٍ. وقِيلَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ. وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِاسْمِ مَن زَعَمُوا أنَّهُ يُعَلِّمُهُ مَعَ كَوْنِهِ أدْخَلَ في ظُهُورِ كَذِبِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ خِطابِهِمْ لَيْسَ بِنِسْبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى التَّعَلُّمِ مِن شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ مِنَ البَشَرِ كائِنًا مَن كانَ مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ (p-142)السَّلامُ مَعْدِنًا لِعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ.

﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ الإلْحادُ الإمالَةُ مِن ألْحَدَ القَبْرَ إذا أمالَ حَفْرَهُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شَقِّ مِنهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ إمالَةٍ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، فَقالُوا: ألْحَدَ فُلانٌ في قَوْلِهِ، وألْحَدَ في دِينِهِ، أيْ: لُغَةُ الرَّجُلِ الَّذِي يُمِيلُونَ إلَيْهِ القَوْلَ عَنِ الِاسْتِقامَةِ أعْجَمِيَّةٌ غَيْرُ بَيِّنَةٍ. وقُرِئَ: بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، وبِتَعْرِيفِ اللِّسانِ ﴿وَهَذا﴾ أيِ: القرآن الكَرِيمُ ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ. والجُمْلَتانِ مُسْتَأْنِفَتانِ لِإبْطالِ طَعْنِهِمْ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ القرآن مُعْجِزٌ بِنَظْمِهِ كَما أنَّهُ مُعْجِزٌ بِمَعْناهُ، فَإنْ زَعَمْتُمْ أنَّ بَشَرًا يُعَلِّمُهُ مَعْناهُ، فَكَيْفَ يُعَلِّمُهُ هَذا النَّظْمَ الَّذِي أعْجَزَ جَمِيعَ أهْلِ الدُّنْيا، والتَّشَبُّثُ في أثْناءِ الطَّعْنِ بِأذْيالِ أمْثالِ هَذِهِ الخُرافاتِ الرَّكِيكَةِ دَلِيلُ كَمالِ عَجْزِهِمْ.

16:104Page 279

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤

Indeed, those who do not believe in the verses of Allāh - Allāh will not guide them, and for them is a painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُونَ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، بَلْ يَقُولُونَ فِيها ما يَقُولُونَ يُسَمُّونَها تارَةً افْتِراءً، وأُخْرى أساطِيرَ مُعَلَّمَةً مِنَ البَشَرِ.

﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ إلى الحَقِّ، أوْ إلى سَبِيلِ النَّجاةِ هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلى المَطْلُوبِ لِما عَلِمَ أنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ لِسُوءِ حالِهِمْ ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخَرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾، وهَذا تَهْدِيدٌ لَهُمْ، ووَعِيدٌ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، ونِسْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الِافْتِراءِ، والتَّعَلُّمِ مِنَ البَشَرِ بَعْدَ إماطَةِ شُبْهَتِهِمْ، ورَدِّ طَعْنِهِمْ.

16:105Page 279

إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥

They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allāh, and it is those who are the liars.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾

﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ، وقَلْبٌ لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ بِبَيانِ أنَّهم هُمُ المُفْتَرُونَ بَعْدَ رَدِّهِ بِتَحْقِيقِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِواسِطَةِ رُوحِ القُدُسِ، وإنَّما وُسِّطَ بَيْنَهُما قَوْلُهُ تَعالى: "وَلَقَدْ نَعْلَمُ"... الآيَةَ. لِما لا يَخْفى مِن شَدَّةِ اتِّصالِهِ بِالرَّدِّ الأوَّلِ، والمَعْنى: واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ المُفْتَرِي هو الَّذِي يُكَذِّبُ بِآياتِ اللَّهِ، ويَقُولُ: إنَّهُ افْتِراءٌ، ومُعَلَّمٌ مِنَ البَشَرِ، أيْ: تَكْذِيبُها عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ هو الِافْتِراءُ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ حَقِيقَتَهُ الكَذِبُ، والحُكْمُ بِأنَّ ما هو كَلامُهُ تَعالى لَيْسَ بِكَلامِهِ تَعالى في كَوْنِهِ كَذِبًا، وافْتِراءً. كالحُكْمِ بِأنَّ ما لَيْسَ بِكَلامِهِ تَعالى كَلامُهُ تَعالى، والتَّصْرِيحُ بِالكَذِبِ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ قُبْحِهِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ لِرِعايَةِ المُطابَقَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما هو عِبارَةٌ عَنْهُ، أعْنِي قَوْلَهُ: لا يُؤْمِنُونَ. وقِيلَ: المَعْنى إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ، ويَلِيقُ ذَلِكَ بِمَن لا يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَقَرَّبُ عِقابًا عَلَيْهِ لِيَرْتَدِعَ عَنْها. وأمّا مَن يُؤْمِنُ بِها، ويَخافُ ما نَطَقَتْ بِهِ مِنَ العِقابِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَصْدُرَ عَنْهُ افْتِراءٌ البَتَّةَ.

﴿وَأُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِن عَدَمِ الإيمانِ بِآياتِ اللَّهِ ﴿هُمُ الكاذِبُونَ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ، أوِ الكامِلُونَ في الكَذِبِ إذْ لا كَذِبَ أعْظَمُ مِن تَكْذِيبِ آياتِهِ تَعالى، والطَّعْنِ فِيها بِأمْثال هاتِيكَ الأباطِيلِ، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ الكَذِبَ السّاذَجَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإخْبارِ بِعَدَمِ وُقُوعِ ما هو واقِعٌ في نَفْسِ الأمْرِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِوُقُوعِ ما لَمْ يَقَعْ كَذَلِكَ مُدافَعَةٌ لِلَّهِ تَعالى في فِعْلِهِ فَقَطْ، والتَّكْذِيبُ مُدافَعَةٌ لَهُ سُبْحانَهُ في فِعْلِهِ وقَوْلِهِ المُنْبِئِ عَنْهُ مَعًا، أوِ الَّذِينَ عادَتُهُمُ الكَذِبُ لا يَزَعُهم عَنْهُ وازِعٌ مِن دِينٍ أوْ مُرُوءَةٍ. وقِيلَ: الكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ .

16:106Page 279

مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦

Whoever disbelieves in [i.e., denies] Allāh after his belief...1 except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allāh, and for them is a great punishment;

﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ ﴿مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ بِهِ تَعالى، وهو ابْتِداءُ كَلامٍ لِبَيانِ حالِ (p-143)مِن كَفَرَ بِآياتِ اللَّهِ بَعْدَ ما آمَنَ بِها بَعْدَ بَيانِ حالِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِها رَأْسًا، و "مَن" مَوْصُولَةٌ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ الخَبَرِ الآتِي عَلَيْهِ، أوْ هو خَبَرٌ لَهُما مَعًا، أوِ النَّصْبُ عَلى الذَّمِّ.

﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ عَلى ذَلِكَ بِأمْرٍ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ، أوْ عَلى عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ. وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن حُكْمِ الغَضَبِ والعَذابِ، أوِ الذَّمِّ؛ لِأنَّ الكُفْرَ لُغَةً يَتِمُّ بِالقَوْلِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَثْنى، والعامِلُ هو الكُفْرُ الواقِعُ بِالإكْراهِ لا نَفْسُ الإكْراهِ؛ لِأنَّ مُقارَنَةَ اطْمِئْنانِ القَلْبِ بِالإيمانِ لِلْإكْراهِ لا تُجْدِي نَفْعًا، وإنَّما المُجْدِي مُقارَنَتُهُ لِلْكُفْرِ الواقِعِ بِهِ، أيْ: إلّا مَن كَفَرَ بِإكْراهٍ مِنَ الأمْنِ أُكْرِهَ فَكَفَرَ. والحالُ أنَّ قَلْبَهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَقِيدَتُهُ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ إيماءً إلى أنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ حَقِيقَةً، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ.

﴿وَلَكِنْ مَن﴾ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ ﴿شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ أيِ: اعْتَقَدَهُ، وطابَ بِهِ نَفْسًا.

﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ عَظِيمٌ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَقْوِيَةِ تَعْظِيمِ العَذابِ، ﴿وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ إذْ لا جُرْمَ أعْظَمُ مِن جُرْمِهِمْ، والجَمْعُ في الضَّمِيرَيْنِ المَجْرُورَيْنِ لِمُراعاةِ جانِبِ المَعْنى، كَما أنَّ الإفْرادَ في المَسْتَكِنِّ في الصِّلَةِ لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ. رُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا أكْرَهُوا عَمّارًا وأبَوَيْهِ ياسِرًا وسُمَيَّةَ عَلى الِارْتِدادِ، فَأباهُ أبَواهُ فَرَبَطُوا سُمَيَّةَ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ، ووُجِئَتْ بِحَرْبَةٍ في قُبُلِها، وقالُوا: إنَّما أسْلَمَتْ مِن أجْلِ الرِّجالِ، فَقَتَلُوها وقَتَلُوا ياسِرًا وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ في الإسْلامِ، وأمّا عَمّارٌ فَأعْطاهم بِلِسانِهِ ما أكْرَهُوا عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَمّارًا كَفَرَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَلّا إنَّ عَمّارًا مَلِيءٌ إيمانًا مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ، فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يَبْكِي فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، وقالَ: ما لَكَ إنْ عادُوا لَكَ فَعُدْ لَهم بِما قُلْتَ.»

وَهُوَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ عِنْدَ الإكْراهِ المُلْجِئِ، وإنْ كانَ الأفْضَلُ أنْ يُتَجَنَّبَ عَنْهُ إعْزازًا لِلدِّينِ كَما فَعَلَهُ أبَواهُ. ورُوِيَ «أنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ أخَذَ رَجُلَيْنِ، فَقالَ لِأحَدِهِما: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: فَما تَقُولُ فِيَّ؟ قالَ: أنْتَ أيْضًا. فَخَلّاهُ. وقالَ لِلْآخَرِ: ما تَقُولُ في مُحَمَّدٍ ؟ قالَ: رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: فَما تَقُولُ فِيَّ: قالَ: أنا أصَمُّ، فَأعادَ ثَلاثًا، فَأعادَ جَوابَهُ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أمّا الأوَّلُ فَقَدْ أخَذَ بِرُخْصَةٍ، وأمّا الثّانِي فَقَدْ صَدَعَ بِالحَقِّ.»

16:107Page 279

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧

That is because they preferred the worldly life over the Hereafter and that Allāh does not guide the disbelieving people.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، أوْ إلى الوَعِيدِ المَذْكُورِ ﴿بِأنَّهُمُ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ آثَرُوها ﴿عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ إلى الإيمانِ، وإلى ما يُوجِبُ الثَّباتَ عَلَيْهِ هِدايَةَ قَسْرٍ وإلْجاءٍ ﴿القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ في عِلْمِهِ المُحِيطِ فَلا يَعْصِمُهم عَنِ الزَّيْغِ، وما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الغَضَبِ والعَذابِ العَظِيمِ، ولَوْلا أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا إيثارُ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وإمّا عَدَمُ هِدايَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْكافِرِينَ هِدايَةَ قَسْرٍ بِأنْ آثَرُوا الآخِرَةَ عَلى الدُّنْيا، أوْ بِأنْ هَداهُمُ اللَّهُ تَعالى هِدايَةَ قَسْرٍ لَما كانَ ذَلِكَ لَكِنَّ الثّانِيَ مُخالِفٌ لِلْحِكْمَةِ، والأوَّلُ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُقُوعِ، وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

16:108Page 279

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٠٨

Those are the ones over whose hearts and hearing and vision Allāh has sealed, and it is those who are the heedless.

﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فَأبَتْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ، والتَّأمُّلِ فِيهِ.

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ (p-144)الغافِلُونَ﴾ أيِ: الكامِلُونَ في الغَفْلَةِ، إذْ لا غَفْلَةَ أعْظَمُ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ تَدَبُّرِ العَواقِبِ.

16:109Page 279

لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٠٩

Assuredly, it is they, in the Hereafter, who will be the losers.

﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ إذْ ضَيَّعُوا أعْمارَهُمْ، وصَرَفُوها إلى ما لا يُفْضِي إلّا إلى العَذابِ المُخَلَّدِ.

16:110Page 279

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٠

Then, indeed your Lord, to those who emigrated after they had been compelled [to say words of disbelief] and thereafter fought [for the cause of Allāh] and were patient - indeed, your Lord, after that, is Forgiving and Merciful

﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ إلى دارِ الإسْلامِ، وهم عَمّارٌ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أيْ: لَهم بِالوِلايَةِ والنَّصْرِ لا عَلَيْهِمْ، كَما يُوجِبُهُ ظاهِرُ أعْمالِهِمُ السّابِقَةِ، فالجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ لِـ "إنَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُها مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ الخَبَرِ الآتِي عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا لَها، وتَكُونَ إنَّ الثّانِيَةُ تَأْكِيدًا لِلْأُولى، و "ثُمَّ" لِلدَّلالَةِ عَلى تَباعُدِ رُتْبَةِ حالِهِمْ هَذِهِ عَنْ رُتْبَةِ حالِهِمُ الَّتِي يُفِيدُها الِاسْتِثْناءُ مِن مُجَرَّدِ الخُرُوجِ عَنْ حُكْمِ الغَضَبِ، والعَذابِ بِطَرِيقِ الإشارَةِ لا عَنْ رُتْبَةِ حالِ الكَفَرَةِ.

﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ أيْ: عُذِّبُوا عَلى الِارْتِدادِ، وتَلَفَّظُوا بِما يُرْضِيهِمْ مَعَ اطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِالإيمانِ. وقُرِئَ: عَلى بِناءِ الفاعِلِ، أيْ: عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ كالحَضْرَمِيِّ أكْرَهُ مَوْلاهُ جَبْرًا حَتّى ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَما وهاجَرا ﴿ثُمَّ جاهَدُوا﴾ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿وَصَبَرُوا﴾ عَلى مَشاقِّ الجِهادِ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ مِن بَعْدِ المُهاجِرَةِ، والجِهادِ، والصَّبْرِ، فَهو تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ بِناءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مِن عِلِّيَّةِ الصِّلَةِ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ الفِتْنَةِ المَذْكُورَةِ، فَهو لِبَيانِ عَدَمِ إخْلالِ ذَلِكَ بِالحُكْمِ.

﴿لَغَفُورٌ﴾ لِما فَعَلُوا مِن قَبْلُ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ مُجازاةً عَلى ما صَنَعُوا مِن بَعْدُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية في المَوْضِعَيْنِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ، وفي إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ ظُهُورِ الأثَرِ في الطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ إظْهارٌ لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإشْعارٌ بِأنَّ إفاضَةَ آثارِ الربوبية عَلَيْهِمْ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ بِواسِطَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِكَوْنِهِمْ أتْباعًا لَهُ.

16:111Page 280

۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١

On the Day when every soul will come disputing [i.e., pleading] for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ مَنصُوبٌ بِرَحِيمٍ، وما رُتِّبَ عَلَيْهِ أوْ بِالذِّكْرِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .

﴿تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ عَنْ ذاتِها، تَسْعى في خَلاصِها بِالِاعْتِذارِ لا يُهِمُّها شَأْنُ غَيْرِها، فَتَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي.

﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: تُعْطى وافِيًا كامِلًا ﴿ما عَمِلَتْ﴾ أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ بِطَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ إشْعارًا بِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَ الأجْزِيَةِ، والأعْمالِ، وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ولِلْإيذانِ بِاخْتِلافِ وقْتَيِ المُجادِلَةِ، والتَّوْفِيَةِ وإنْ كانَتا في يَوْمٍ واحِدٍ.

﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُنْقَصُونَ أُجُورَهم أوْ لا يُعاقَبُونَ بِغَيْرِ مُوجِبٍ، ولا يُزادُ في عِقابِهِمْ عَلى ذُنُوبِهِمْ.

16:112Page 280

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢

And Allāh presents an example: a city [i.e., Makkah] which was safe and secure, its provision coming to it in abundance from every location, but it denied the favors of Allāh. So Allāh made it taste the envelopment of hunger and fear for what they had been doing.

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً﴾ قِيلَ: ضَرْبُ المَثَلِ صُنْعُهُ واعْتِمالُهُ. وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإنَّما عُدِّيَ إلى الِاثْنَيْنِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الجَعْلِ، وتَأْخِيرُ قَرْيَةً مَعَ كَوْنِها (p-145)مَفْعُولًا أوَّلَ لِئَلّا يَحُولَ المَفْعُولُ الثّانِي بَيْنَها وبَيْنَ صِفَتِها، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إذِ التَّأْخِيرُ عَنِ الكُلِّ مُخِلٌّ بِتَجاذُبِ أطْرافِ النَّظْمِ، وتَجاوُبِها. ولِأنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ مِمّا يُورِثُ النَّفْسَ تَرَقُّبًا لِوُرُودِهِ، وتَشَوُّقًا إلَيْهِ لا سِيَّما إذا كانَ في المُقَدَّمِ ما يَدْعُو إلَيْهِ، فَإنَّ المَثَلَ مِمّا يَدْعُو إلى المُحافَظَةِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِ ما هو مَثَلٌ فَيَتَمَكَّنُ المُؤَخَّرُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَدَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ. والقَرْيَةُ إمّا مُحَقَّقَةٌ في الغابِرِينَ، وإمّا مُقَدَّرَةٌ، أيْ: جَعَلَها مَثَلًا لِأهْلِ مَكَّةَ خاصَّةً، أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ، فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا، فَبَدَّلَ اللَّهُ تَعالى بِنِعْمَتِهِمْ نِقْمَةً، ودَخَلَ فِيهِمْ أهْلُ مَكَّةَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ ذاتَ أمْنٍ مِن كُلِّ مَخُوفِ ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾ لا يُزْعِجُ أهْلَها مُزْعِجٌ ﴿يَأْتِيها رِزْقُها﴾ أقْواتُ أهْلِها صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقَرْيَةٍ، وتَغْيِيرُ سَبْكِها عَنِ الصِّفَةِ الأُولى لِما أنَّ إتْيانَ رِزْقِها مُتَجَدِّدٌ، وكَوْنَها آمِنَةً مُطَمْئِنَةً ثابِتٌ مُسْتَمِرٌّ ﴿رَغَدًا﴾ واسِعًا ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ مِن نَواحِيها، ﴿فَكَفَرَتْ﴾ أيْ: كَفَرَ أهْلُها ﴿بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِنِعَمِهِ جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَدِرْعٍ وأدْرُعٍ، أوْ جَمْعُ نُعْمٍ كَبُؤْسٍ وأبْؤُسٍ، والمُرادُ بِها: نِعْمَةُ الرِّزْقِ، والأمْنِ المُسْتَمِرِّ. وإيثارُ جَمْعِ القِلَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُفْرانَ نِعْمَةٍ قَلِيلَةٍ حَيْثُ أوْجَبَ هَذا العَذابَ، فَما ظَنُّكَ بِكُفْرانِ نِعَمٍ كَثِيرَةٍ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾ أيْ: أذاقَ أهْلَها ﴿لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ شُبِّهَ أثَرُ الجُوعِ، والخَوْفِ، وضَرَرُهُما المُحِيطُ بِهِمْ بِاللِّباسِ الغاشِي لِلّابِسِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ، وأُوقِعَ عَلَيْهِ الإذاقَةُ المُسْتَعارَةُ لِمُطْلَقِ الإيصالِ المُنْبِئَةِ عَنْ شِدَّةِ الإصابَةِ بِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ إدْراكَيِ اللّامِسَةِ، والذّائِقَةِ عَلى نَهْجِ التَّجْرِيدِ. فَإنَّها لِشُيُوعِ اسْتِعْمالِها في ذَلِكَ، وكَثْرَةِ جَرَيانِها عَلى الألْسِنَةِ، جَرَتْ مَجْرى الحَقِيقَةِ. كَقَوْلِ كُثَيِّرٍ:

؎ غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقابُ المالِ

فَإنَّ الغَمْرَ مَعَ كَوْنِهِ في الحَقِيقَةِ مِن أحْوالِ الماءِ الكَثِيرِ لَمّا كانَ كَثِيرَ الِاسْتِعْمالِ في المَعْرُوفِ المُشَبَّهِ بِالماءِ الكَثِيرِ، جَرى مَجْرى الحَقِيقَةِ، فَصارَتْ إضافَتُهُ إلى الرِّداءِ المُسْتَعارِ لِلْمَعْرُوفِ تَجْرِيدًا، أوْ شَبَّهَ أثَرَهُما وضَرَرَهُما مِن حَيْثُ الإحاطَةُ بِهِمْ، والكَراهَةُ لَدَيْهِمْ تارَةً بِاللِّباسِ الغاشِي لِلّابِسِ المُناسِبِ لِلْخَوْفِ بِجامِعِ الإحاطَةِ واللُّزُومِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً، وأُخْرى بِطَعْمِ المُرِّ البَشِعِ المُلائِمِ لِلْجُوعِ النّاشِئِ مِن فَقْدِ الرِّزْقِ، بِجامِعِ الكَراهَةِ فَأُومِئَ إلَيْهِ، بِأنَّ أوْقَعَ عَلَيْهِ الإذاقَةَ المُسْتَعارَةَ لِإيصالِ المَضارِّ المُنْبِئَةِ عَنْ شِدَّةِ الإصابَةِ بِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ إدْراكَيِ اللّامِسَةِ والذّائِقَةِ. وتَقْدِيمُ الجُوعِ النّاشِئِ مِمّا ذُكِرَ مِن فُقْدانِ الرِّزْقِ عَلى الخَوْفِ المُتَرَتِّبِ عَلى زَوالِ الأمْنِ المُقَدَّمِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى إتْيانِ الرِّزْقِ، لِكَوْنِهِ أنْسَبَ بِالإذاقَةِ، أوْ لِمُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَها وبَيْنَ إتْيانِ الرِّزْقِ. وقَدْ قُرِئَ: بِتَقْدِيمِ الخَوْفِ، وبِنَصْبِهِ أيْضًا عَطْفًا عَلى المُضافِ، أوْ إقامَةً لَهُ مُقامَ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، وأصْلُهُ: ولِباسُ الخَوْفِ.

﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ فِيما قَبْلُ، أوْ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ. وهو الكُفْرانُ المَذْكُورُ أسْنَدَ ذَلِكَ إلى أهْلِ القَرْيَةِ تَحْقِيقًا لِلْأمْرِ بَعْدَ إسْنادِ الكُفْرانِ إلَيْها، وإيقاعِ الإذاقَةِ عَلَيْها إرادَةً لِلْمُبالَغَةِ. وفي صِيغَةِ الصَّنْعَةِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرانَ نِعْمَةٍ صارَ صَنْعَةً راسِخَةً لَهُمْ، وسُنَّةً مَسْلُوكَةً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском