Abu as-Su'udAn‑Nahl · 16:113–125

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:113–125

16:113Page 280

وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١١٣

And there had certainly come to them a Messenger from among themselves, but they denied him; so punishment overtook them while they were wrongdoers.

﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ﴾ مِن تَتِمَّةِ المَثَلِ جِيءَ بِها لِبَيانِ أنَّ ما فَعَلُوهُ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ لَمْ يَكُنْ مُزاحَمَةً مِنهم لِقَضِيَّةِ العَقْلِ فَقَطْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ مُعارَضَةً لِحُجَّةِ اللَّهِ عَلى (p-146)الخَلْقِ أيْضًا، أيْ: ولَقَدْ جاءَ أهْلَ تِلْكَ القَرْيَةِ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِهِمْ يَعْرِفُونَهُ بِأصْلِهِ، ونَسَبِهِ فَأخْبَرَهم بِوُجُوبِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ، وأنْذَرَهم سُوءَ عاقِبَةِ ما يَأْتُونَ، وما يَذَرُونَ.

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ في رِسالَتِهِ، أوْ فِيما أخْبَرَهم بِهِ مِمّا ذُكِرَ فَـ "الفاءُ" فَصِيحَةٌ، وعَدَمُ ذِكْرِهِ لِلْإيذانِ بِمُفاجَأتِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ.

﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ المُسْتَأْصِلُ لِشَأْفَتِهِمْ غِبَّ ما ذاقُوا نُبْذَةً مِن ذَلِكَ.

﴿وَهم ظالِمُونَ﴾ أيْ: حالَ التِباسِهِمْ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ الَّذِي هو كُفْرانُ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وتَكْذِيبُ رَسُولِهِ غَيْرَ مُقْلِعِينَ عَنْهُ بِما ذاقُوا مِن مُقَدِّماتِهِ الزّاجِرَةِ عَنْهُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، والعِنادِ، وتَجاوُزِهِمْ في ذَلِكَ كُلَّ حَدٍّ مُعْتادٍ. وتَرْتِيبُ العَذابِ عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ جَرى عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ وبِهِ يَتِمُّ التَّمْثِيلُ، فَإنَّ حالَ أهْلِ مَكَّةَ سَواءٌ ضُرِبَ المَثَلُ لَهم خاصَّةً، أوْ لِمَن سارَ سِيرَتَهم كافَّةً، مُحاذِيَةٌ لِحالِ أهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما، ولَوْ في خَصْلَةٍ فَذَّةٍ، كَيْفَ لا؟ وقَدْ كانُوا في حَرَمٍ آمِنٍ، ﴿وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ وما يَمُرُّ بِبالِهِمْ طَيْفٌ مِنَ الخَوْفِ، وكانَتْ تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهُمْ، وأيُّ رَسُولٍ يَحارُ في إدْراكِ سُمُوِّ رُتْبَتِهِ العُقُولُ ﷺ. ما اخْتَلَفَ الدَّبُورُ والقَبُولُ، فَكَفَرُوا بِأنْعُمِ اللَّهِ، وكَذَّبُوا رَسُولَهُ ﷺ، فَأذاقَهُمُ اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ. حَيْثُ أصابَهم بِدُعائِهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: " «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ» ". ما أصابَهم مِن جَدْبٍ شَدِيدٍ، وأزْمَةٍ حَصَتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى اضْطَرَّتْهم إلى أكْلِ الجِيَفِ، والكِلابِ المَيِّتَةِ، والعِظامِ المُحَرَّقَةِ، والعِلْهِزِ: وهو الوَبَرُ المُعالَجُ بِالدَّمِ، وقَدْ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَيْثُ كانُوا يُغِيرُونَ عَلى مَواشِيهِمْ وعِيرِهِمْ، وقَوافِلِهِمْ، ثُمَّ أخَذَهم يَوْمَ بَدْرٍ ما أخَذَهم مِنَ العَذابِ. هَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ويَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ النِّظامِ، وأمّا ما أجْمَعَ عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ مِن أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَقَدْ جاءَهُمْ" لِأهْلِ مَكَّةَ. قَدْ ذَكَرَ حالَهم صَرِيحًا بَعْدَ ما ذَكَرَ مَثَلَهُمْ، وأنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وبِالعَذابِ: ما أصابَهم مِنَ الجَدْبِ، ووَقْعَةِ بَدْرٍ. فَبِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْقِيقِ كَيْفَ لا وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ:

16:114Page 280

فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤

Then eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And be grateful for the favor of Allāh, if it is [indeed] Him that you worship.

﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ؟ مُفَرَّعٌ عَلى نَتِيجَةِ التَّمْثِيلِ، وصَدٌّ لَهم عَمّا يُؤَدِّي إلى مِثْلِ عاقِبَتِهِ، والمَعْنى: وإذْ قَدِ اسْتَبانَ لَكم حالُ مَن كَفَرَ بِأنْعُمِ اللَّهِ، وكَذَّبَ رَسُولَهُ، وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ اللُّتَيّا والَّتِي أوَّلًا وآخِرًا فانْتَهُوا عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ كَيْلا يَحِلَّ بِكم مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ، واعْرِفُوا حَقَّ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وأطِيعُوا رَسُولَهُ ﷺ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وكُلُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ حالَ كَوْنِهِ، ﴿حَلالا طَيِّبًا﴾، وذَرُوا ما تَفْتَرُونَ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ، ونَحْوِها: ﴿واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾، واعْرِفُوا حَقَّها، ولا تُقابِلُوها بِالكُفْرانِ و "الفاءُ" في المَعْنى داخِلَةٌ عَلى الأمْرِ بِالشُّكْرِ، وإنَّما أُدْخِلَتْ عَلى الأمْرِ بِالأكْلِ لِكَوْنِ الأكْلِ ذَرِيعَةً إلى الشُّكْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ غِبَّ أكْلِها حَلالًا طَيِّبًا، وقَدْ أُدْمِجَ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ زَعْمِ الحُرْمَةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا إنَّما يُتَصَوَّرُ حِينَ كانَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ مُتَوَقَّعًا بَعْدُ، وقَدْ تَمَهَّدَتْ مَبادِئُهُ، وبَعْدَما وقَعَ ما وقَعَ فَمَن ذا الَّذِي يَحْظُرُ، ومَن ذا الَّذِي يُؤْمَرُ بِالأكْلِ والشُّكْرِ، وحَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ عَلى الإخْبارِ بِذَلِكَ قَبْلَ الوُقُوعِ يَأْباهُ التَّصَدِّي لِاسْتِصْلاحِهِمْ بِالأمْرِ، والنَّهْيِ، وتَوْجِيهُ خِطابِ الأمْرِ بِالأكْلِ إلى المُؤْمِنِينَ (p-147)مَعَ أنَّ ما يَتْلُوهُ مِن خِطابِ النَّهْيِ مُتَوَجِّهٌ إلى الكُفّارِ كَما فَعَلَهُ الواحِدِيُّ، حَيْثُ قالَ: فَكُلُوا أنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الغَنائِمِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: تُطِيعُونَ، أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم أنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ عِبادَتَهُ تَعالى:

16:115Page 280

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِحِلِّ ما أمَرَهم بِأكْلِهِ مِمّا رَزَقَهُمْ، أيْ: إنَّما حَرَّمَ هَذِهِ الأشْياءَ دُونَ ما تَزْعُمُونَ حُرْمَتَهُ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ، ونَحْوِها.

﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ بِما اعْتَراهُ مِنَ الضَّرُورَةِ فَتَناوَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿غَيْرَ باغٍ﴾، أيْ: عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ.

﴿وَلا عادٍ﴾ أيْ: مُتَجاوِزٍ قَدْرَ الضَّرُورَةِ، ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لا يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ، فَأُقِيمَ سَبَبُهُ مَقامَهُ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية إيماءٌ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ، وفي الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ إظْهارٌ لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهِ ﷺ. وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِإنَّما لِحَصْرِ المُحَرَّماتِ في الأجْناسِ الأرْبَعَةِ إلّا ما ضُمَّ إلَيْهِ كالسِّباعِ والحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ، والتَّحْلِيلِ بِأهْوائِهِمْ فَقالَ:

16:116Page 280

وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦

And do not say about what your tongues assert of untruth, "This is lawful and this is unlawful," to invent falsehood about Allāh. Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed.

﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ﴾ "اللّامُ" صِلَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾، أيْ: لا تَقُولُوا في شَأْنِ ما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم مِنَ البَهائِمِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ في قَوْلِكُمْ: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ مِن غَيْرِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ الوَصْفِ عَلى مُلاحَظَةٍ وفِكْرٍ فَضْلًا عَنِ اسْتِنادِهِ إلى وحْيٍ، أوْ قِياسٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ ﴿الكَذِبَ﴾ مُنْتَصِبٌ بِلا تَقُولُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِتَصِفُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُ هَذا حَلالٌ، وهَذا حَرامٌ. وأنْ يَكُونَ القَوْلُ المُقَدَّرُ حالًا مِن ألْسِنَتِهِمْ، أيْ: قائِلَةً هَذا حَلالٌ ... إلَخْ، ويَجُوزُ أنَّ يَنْتَصِبَ الكَذِبُ بِتَصِفُ، ويَتَعَلَّقَ هَذا حَلالٌ ... إلَخْ بِلا تَقُولُوا، و "اللّامُ" لِلتَّعْلِيلِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ، وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ، أيْ: لا تُحِلُّوا، ولا تُحَرِّمُوا لِمُجَرَّدِ وصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ، وتَصْوِيرِها لَهُ بِصُورَةٍ مُسْتَحْسَنَةٍ، وتَزْيِينِها لَهُ في المَسامِعِ، كَأنَّ ألْسِنَتَهم لِكَوْنِها مَنشَأً لِلْكَذِبِ، ومَنبَعًا لِلزُّورِ شَخْصٌ عالِمٌ بِكُنْهِهِ، ومُحِيطٌ بِحَقِيقَتِهِ يَصِفُهُ لِلنّاسِ، ويُعَرِّفُهُ أوْضَحَ وصْفٍ، وأبَيْنَ تَعْرِيفٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، كَما يُقالُ: وجْهُهُ يَصِفُ الجَمالَ، وعَيْنُهُ تَصِفُ السحر. وقُرِئَ: بِالجَرِّ صِفَةً لِما مَعَ مَدْخُولِها، كَأنَّهُ قِيلَ: لِوَصْفِها الكَذِبَ بِمَعْنى الكاذِبِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، والمُرادُ بِالوَصْفِ: وصْفُها البَهائِمَ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ. وقُرِئَ: الكُذُبُ جَمْعُ كَذُوبٍ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِلْألْسِنَةِ، وبِالنَّصْبِ عَلى الشَّتْمِ، أوْ بِمَعْنى الكَلِمِ الكَواذِبِ، أوْ هو جَمْعُ الكَذّابِ مِن قَوْلِهِمْ: كَذَبَ كَذِبًا ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّي.

﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ (p-148)فَإنَّ مَدارَ الحِلِّ والحُرْمَةِ لَيْسَ إلّا أمْرُ اللَّهِ تَعالى، فالحُكْمُ بِالحَلِّ والحُرْمَةِ إسْنادٌ لِلتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ، و "اللّامُ" لامُ العاقِبَةِ.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ لا يَفُوزُونَ بِمَطالِبِهِمُ الَّتِي ارْتَكَبُوا الِافْتِراءَ لِلْفَوْزِ بِها.

16:117Page 280

مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١٧

[It is but] a brief enjoyment, and they will have a painful punishment.

﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مَنفَعَتُهم فِيما هم عَلَيْهِ مِن أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ مَنفَعَةٌ قَلِيلَةٌ.

﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخَرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ.

16:118Page 280

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٨

And to those who are Jews We have prohibited that which We related to you before.1 And We did not wrong them [thereby], but they were wronging themselves.

﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴿حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ أيْ: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ ... الآيَةَ.

﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَصَصْنا أوْ بِحَرَّمْنا، وهو تَحْقِيقٌ لِما سَلَفَ مِن حَصْرِ المُحَرَّماتِ فِيما فُصِّلَ بِإبْطالِ ما يُخالِفُهُ مِن فِرْيَةِ اليَهُودِ، وتَكْذِيبِهِمْ في ذَلِكَ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَسْنا أوَّلَ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ، وإبْراهِيمَ، ومَن بَعْدَهُما، حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا.

﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ فَعَلُوا ما عُوقِبُوا بِهِ عَلَيْهِ، حَسْبَما نَعى عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ... الآيَةَ. ولَقَدْ ألْقَمَهُمُ الحَجَرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ بُهِتُوا، ولَمْ يَجْسُرُوا أنْ يُخْرِجُوا التَّوْراةَ، كَيْفَ وقَدْ بُيِّنَ فِيها أنَّ تَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لِظُلْمِهِمْ، وبَغْيِهِمْ عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا أوْضَحَ بَيانٍ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ في التَّحْرِيمِ؟!

16:119Page 281

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ ١١٩

Then, indeed your Lord, to those who have done wrong out of ignorance and then repent after that and correct themselves - indeed, your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ أيْ: بِسَبَبِ جَهالَةٍ، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِها لِيَعُمَّ الجَهْلُ بِاللَّهِ، وبِعِقابِهِ، وعَدَمِ التَّدَبُّرِ في العَواقِبِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ والسُّوءِ يَعُمُّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ تَعالى وغَيْرَهُ.

﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، أيْ: مِن بَعْدِ ما عَمِلُوا ما عَمِلُوا، والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ دَلالَةِ "ثُمَّ" عَلَيْهِ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ.

﴿وَأصْلَحُوا﴾، أيْ: أصْلَحُوا أعْمالَهُمْ، أوْ دَخَلُوا في الصَّلاحِ.

﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ مِن بَعْدِ التَّوْبَةِ ﴿لَغَفُورٌ﴾ لِذَلِكَ السُّوءِ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُثِيبُ عَلى طاعَتِهِ تَرْكًا، وفِعْلًا، وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّ رَبَّكَ" لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ، وإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِإنْجازِهِ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مَعَ ظُهُورِ الأثَرِ في التّائِبِينَ لِلْإيماءِ إلى أنَّ إفاضَةَ آثارِ الربوبية مِنَ المَغْفِرَةِ، والرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ بِتَوَسُّطِهِ ﷺ، وكَوْنِهِمْ مِن أتْباعِهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما مَرَّ.

16:120Page 281

إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠

Indeed, Abraham was a [comprehensive] leader,1 devoutly obedient to Allāh, inclining toward truth, and he was not of those who associate others with Allāh.

﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ عَلى حِيالِهِ لِحِيازَتِهِ مِنَ الفَضائِلِ البَشَرِيَّةِ ما لا تَكادُ تُوجَدُ إلّا مُتَفَرِّقَةً في (p-149)أُمَّةٍ جَمَّةً حَسْبَما قِيلَ:

؎ لَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ

وَهُوَ رَئِيسُ أهْلِ التَّوْحِيدِ، وقُدْوَةُ أصْحابِ التَّحْقِيقِ، جادَلَ أهْلَ الشِّرْكِ وألْقَمَهُمُ الحَجَرَ بِبَيِّناتٍ باهِرَةٍ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ، وأبْطَلَ مَذاهِبَهُمُ الزّائِغَةَ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ والحُجَجِ الدّامِغَةِ، أوْ لِأنَّهُ ﷺ كانَ مُؤْمِنًا وحْدَهُ، والنّاسُ كُلُّهم كُفّارٌ. وقِيلَ: هي فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالرُّحْلَةِ والنُّخْبَةِ مِن أمَّهُ إذا قَصَدَهُ، أوِ اقْتَدى بِهِ فَإنَّ النّاسَ كانُوا يَقْصِدُونَهُ، ويَقْتَدُونَ بِسِيرَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ وإيرادُ ذِكْرِهِ ﷺ عَقِيبَ تَزْيِيفِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ مِنَ الشِّرْكِ، والطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ، وتَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقِّيَّةَ دِينِ الإسْلامِ، وبُطْلانَ الشِّرْكِ وفُرُوعِهِ أمْرٌ ثابِتٌ لا رَيْبَ فِيهِ.

﴿قانِتًا لِلَّهِ﴾ مُطِيعًا لَهُ، قائِمًا بِأمْرِهِ، ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ باطِلٍ إلى الدِّينِ الحَقِّ غَيْرَ زائِلٍ عَنْهُ بِحالٍ.

﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ أصْلًا وفَرْعًا، صَرَّحَ بِذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ، لا رَدًّا عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ فَقَطْ في قَوْلِهِمْ نَحْنُ عَلى مِلَّةِ أبِينا إبْراهِيمَ، بَلْ عَلَيْهِمْ وعَلى اليَهُودِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ في افْتِرائِهِمْ، وادِّعائِهِمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ إذْ بِهِ يَنْتَظِمُ أمْرُ إيرادِ التَّحْرِيمِ، والسَّبْتِ سابِقًا ولاحِقًا.

16:121Page 281

شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٢١

[He was] grateful for His favors. He [i.e., Allāh] chose him and guided him to a straight path.

﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ صِفَةٌ ثالِثَةٌ لِأُمَّةٍ، وإنَّما أُوثِرَ صِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يُخِلُّ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ القَلِيلَةِ، فَكَيْفَ بِالكَثِيرَةِ؟! ولِلتَّصْرِيحِ بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى خِلافِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرانِ بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما بُيِّنَ ذَلِكَ بِضَرْبِ المَثَلِ.

﴿اجْتَباهُ﴾ لِلنُّبُوَّةِ ﴿وَهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُوصِلٍ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وهو مِلَّةُ الإسْلامِ. ولَيْسَتْ نَتِيجَةُ هَذِهِ الهِدايَةِ مُجَرَّدَ اهْتِدائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ مَعَ إرْشادِ الخَلْقِ أيْضًا بِمَعُونَةِ قَرِينَةِ الِاجْتِباءِ.

16:122Page 281

وَءَاتَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٢٢

And We gave him good in this world, and indeed, in the Hereafter he will be among the righteous.

﴿وَآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ حالَةً حَسَنَةً مِنَ الذِّكْرِ الجَمِيلِ والثَّناءِ فِيما بَيْنَ النّاسِ قاطِبَةً، حَتّى إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ دِينٍ إلّا وهم يَتَوَلَّوْنَهُ. وقِيلَ: هي الخُلَّةُ والنُّبُوَّةُ. وقِيلَ: قَوْلُ المُصَلِّي مِنّا كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ. والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، وتَفْخِيمِ مَكانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أصْحابِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ في الجَنَّةِ، حَسْبَما سَألَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ .

16:123Page 281

ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٣

Then We revealed to you, [O Muḥammad], to follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of those who associate with Allāh.

﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مَعَ عُلُوِّ طَبَقَتِكَ، وسُمُوِّ رُتْبَتِكَ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ . المِلَّةُ: اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن أمْلَلْتُ الكِتابَ إذا أمْلَيْتَهُ، وهو الدِّينُ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ بِاعْتِبارِ الطّاعَةِ لَهُ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الوَضْعَ الإلَهِيَّ مَهْما نُسِبَ إلى مَن يُؤَدِّيهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى يُسَمّى مِلَّةً، ومَهْما نُسِبَ إلى مَن يُقِيمُهُ ويَعْمَلُ بِهِ يُسَمّى دِينًا. قالَ الرّاغِبُ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المِلَّةَ لا تُضافُ إلّا إلى النَّبِيِّ ﷺ، ولا تَكادُ تُوجَدُ مُضافَةً إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولا إلى آحادِ الأُمَّةِ، ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في جُمْلَةِ الشَّرائِعِ دُونَ آحادِها. والمُرادُ بِمِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: الإسْلامُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ آنِفًا بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ﴿حَنِيفًا﴾ (p-150)حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ لِما أنَّ المُضافَ لِشِدَّةِ اتِّصالِهِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ جَرى مِنهُ مَجْرى البَعْضِ، فَعُدَّ بِذَلِكَ مِن قَبِيلِ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً، والمَأْمُورُ بِهِ الِاتِّباعُ في الأُصُولِ دُونَ الشَّرائِعِ المُتَبَدِّلَةِ بِتَبَدُّلِ الأعْصارِ، وما في "ثُمَّ" مِنَ التَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ مِن أجَلِّ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِزِيادَةِ تَأْكِيدٍ، وتَقْرِيرٍ لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا هم عَلَيْهِ مِن عَقْدٍ وعَمَلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى:

16:124Page 281

إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبۡتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٢٤

The sabbath was only appointed for those who differed over it. And indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ﴾ أيْ: فُرِضَ تَعْظِيمُهُ، والتَّخَلِّي فِيهِ لِلْعِبادَةِ، وتَرْكُ الصَّيْدِ، فِيهِ تَحْقِيقٌ لِذَلِكَ النَّفْيِ الكُلِّيِّ، وتَوْضِيحٌ لَهُ بِإبْطالِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ قادِحًا في كُلِّيَّتِهِ حَسْبَما سَلَفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ ... إلَخْ. فَإنَّ اليَهُودَ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّ السَّبْتَ مِن شَعائِرِ الإسْلامِ، وأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُحافِظًا عَلَيْهِ، أيْ: لَيْسَ السَّبْتُ مِن شَرائِعِ إبْراهِيمَ، وشَعائِرِ مِلَّتِهِ الَّتِي أُمِرْتَ بِاتِّباعِها حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ عَلاقَةٌ في الجُمْلَةِ، وإنَّما شُرِعَ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. وإيرادُ الفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ جَرْيٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، وإيذانٌ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالفاعِلِ لِاسْتِحالَةِ الإسْنادِ إلى الغَيْرِ. وقَدْ قُرِئَ: عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالجَعْلِ مَوْصُولًا بِكَلِمَةِ عَلى وعَنْهم بِالِاسْمِ المَوْصُولِ بِاخْتِلافِهِمْ، فَقِيلَ: إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ﴿عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ لِلْإيذانِ بِتَضَمُّنِهِ لِلتَّشْدِيدِ، والِابْتِلاءِ المُؤَدِّي إلى العَذابِ، وبِكَوْنِهِ مُعَلَّلًا بِاخْتِلافِهِمْ في شَأْنِهِ قَبْلَ الوُقُوعِ إيثارًا لَهُ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، واخْتِيارًا لِلْعَكْسِ. لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ شُمُولِ العِلِّيَّةِ لِطَرَفَيِ الِاخْتِلافِ، وعُمُومِ الغائِلَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ بَلْ بِاعْتِبارِ حالِ مَنشَأِ الِاخْتِلافِ مِنَ الطَّرَفِ المُخالِفِ لِلْحَقِّ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَ اليَهُودَ أنْ يَجْعَلُوا في الأُسْبُوعِ يَوْمًا واحِدًا لِلْعِبادَةِ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ. فَأبَوْا عَلَيْهِ، وقالُوا: نُرِيدُ اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِن خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وهو السَّبْتُ. إلّا شِرْذِمَةً مِنهم قَدْ رَضُوا بِالجُمُعَةِ، فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهم في السَّبْتِ، وابْتَلاهم بِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ فِيهِ فَأطاعَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى الرّاضُونَ بِالجُمُعَةِ، فَكانُوا لا يَصِيدُونَ، وأعْقابُهم لَمْ يَصْبِرُوا عَنِ الصَّيْدِ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ قِرَدَةً دُونَ أُولَئِكَ المُطِيعِينَ.

﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ فِيهِ.

﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: يَفْصِلُ ما بَيْنَهُما مِنَ الخُصُومَةِ، والِاخْتِلافِ فَيُجازِي كُلَّ فَرِيقٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ ما وقَعَ في الدُّنْيا مِن مَسْخِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، وإنْجاءِ الآخَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما سَيَقَعُ في الآخِرَةِ شَيْءٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ هَذا هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ الإعْجازُ التَّنْزِيلِيُّ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّما جُعِلَ وبالُ السَّبْتِ، وهو المَسْخُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، أيْ: أحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تارَةً، وحَرَّمُوهُ أُخْرى. وكانَ حَتْمًا عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّفِقُوا عَلى تَحْرِيمِهِ حَسْبَما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ،، وفَسَّرَ الحُكْمَ بَيْنَهم بِالمُجازاةِ بِاخْتِلافِ أفْعالِهِمْ بِالإحْلالِ تارَةً، والتَّحْرِيمِ أُخْرى. ووَجْهُ إيرادِهِ هَهُنا بِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ إنْذارُ المُشْرِكِينَ مِن سَخَطَ اللَّهِ تَعالى عَلى العُصاةِ، والمُخالِفِينَ لِأوامِرِهِ كَضَرْبِ المَثَلِ بِالقَرْيَةِ الَّتِي كَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ تَعالى، ولا رَيْبَ في أنَّ كَلِمَةَ "بَيْنَهُمْ" "تَحْكُمُ" بِأنَّ المُرادَ بِالحُكْمِ: هو فَصْلُ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الِاخْتِلافِ، وأنَّ تَوْسِيطَ حَدِيثِ المَسْخِ لِلْإنْذارِ المَذْكُورِ بَيْنَ (p-151)حِكايَةِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَيْنَ أمْرِهِ ﷺ بِالدَّعْوَةِ إلَيْها مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ فَتَأمَّلْ:

16:125Page 281

ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٢٥

Invite to the way of your Lord with wisdom and good instruction, and argue with them in a way that is best. Indeed, your Lord is most knowing of who has strayed from His way, and He is most knowing of who is [rightly] guided.

﴿ادْعُ﴾ أيْ: مَن بُعِثْتَ إلَيْهِمْ مِنَ الأُمَّةِ قاطِبَةً. فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِلتَّعْمِيمِ. أوِ افْعَلِ الدَّعْوَةَ كَما في قَوْلِهِمْ يُعْطِي ويَمْنَعُ، أيْ: يَفْعَلُ الإعْطاءَ، والمَنعَ، فَحَذْفُهُ لِلْقَصْدِ إلى إيجادِ نَفْسِ الفِعْلِ إشْعارًا بِأنَّ عُمُومَ الدَّعْوَةِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وإنَّما المَقْصُودُ الأمْرُ بِإيجادِها عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ.

﴿إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ إلى الإسْلامِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ تارَةً بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وأُخْرى بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ، وتَبْلِيغِ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ اللّائِقِ شَيْئًا فَشَيْئًا مَعَ إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ ﷺ في مَقامِ الأمْرَ بِدَعْوَةِ الأُمَّةِ عَلى الوَجْهِ الحَكِيمِ، وتَكْمِيلِهِمْ بِأحْكامِ الشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الحُكْمِ ما لا يَخْفى.

﴿بِالحِكْمَةِ﴾ أيْ: بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ. وهو الدَّلِيلُ المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ المُزِيحُ لِلشُّبْهَةِ.

﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ أيِ: الخِطابِيّاتِ المُقْنِعَةِ، والعِبَرِ النّافِعَةِ عَلى وجْهٍ لا يَخْفى عَلَيْهِمْ أنَّكَ تُناصِحُهُمْ، وتَقْصِدُ ما يَنْفَعُهم. فالأُولى: لِدَعْوَةِ خَواصِّ الأُمَّةِ الطّالِبِينَ لِلْحَقائِقِ. والثّانِيَةُ: لِدَعْوَةِ عَوامِّهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِما: القرآن المَجِيدَ، فَإنَّهُ جامِعٌ لِكِلا الوَصْفَيْنِ.

﴿وَجادِلْهُمْ﴾ أيْ: ناظِرْ مُعانَدِيهِمْ.

﴿بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُناظَرَةِ والمُجادَلَةِ مِنَ الرِّفْقِ واللِّينِ، واخْتِيارِ الوَجْهِ الأيْسَرِ، واسْتِعْمالِ المُقَدِّماتِ المَشْهُورَةِ تَسْكِينًا لِشَغَبِهِمْ، وإطْفاءً لِلَهَبِهِمْ، كَما فَعَلَهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الَّذِي أمَرَكَ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلَيْهِ، وأعْرَضَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ بَعْدَما عايَنَ ما عايَنَ مِنَ الحِكَمِ، والمَواعِظِ، والعِبَرِ.

﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلَيْهِ بِذَلِكَ. وهو تَعْلِيلٌ لِما ذُكِرَ مِنَ الأمْرَيْنِ، والمَعْنى: واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ اسْلُكْ في الدَّعْوَةِ، والمُناظَرَةِ الطَّرِيقَةَ المَذْكُورَةَ، فَإنَّهُ تَعالى هو أعْلَمُ بِحالِ مَن لا يَرْعَوِي عَنِ الضَّلالِ بِمُوجِبِ اسْتِعْدادِهِ المُكْتَسَبِ، وبِحالِ مَن يَصِيرُ أمْرُهُ إلى الِاهْتِداءِ لِما فِيهِ مَن خَيْرٍ جِبِلِّيٍّ فَما شَرَعَهُ لَكَ في الدَّعْوَةِ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، فَإنَّهُ كافٍ في هِدايَةِ المُهْتَدِينَ، وإزالَةِ عُذْرِ الضّالِّينَ. أوْ ما عَلَيْكَ إلّا ما ذُكِرَ مِنَ الدَّعْوَةِ والمُجادَلَةِ بِالأحْسَنِ، وأمّا حُصُولُ الهِدايَةِ أوِ الضَّلالِ والمُجازاةِ عَلَيْهِما فَإلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، إذْ هو أعْلَمُ بِمَن يَبْقى عَلى الضَّلالِ، وبِمَن يَهْتَدِي إلَيْهِ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِما يَسْتَحِقُّهُ. وتَقْدِيمُ الضّالِّينَ لِما أنَّ مَساقَ الكَلامِ لَهم. وإيرادُ الضَّلالِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى الحُدُوثِ لِما أنَّهُ تَغْيِيرٌ لِفِطْرَةِ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، وإعْراضٌ عَنِ الدَّعْوَةِ، وذَلِكَ أمْرٌ عارِضٌ بِخِلافِ الِاهْتِداءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الثَّباتِ عَلى الفِطْرَةِ، والجَرَيانِ عَلى مُوجَبِ الدَّعْوَةِ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِهِ عَلى صِيغَةِ الِاسْمِ المُنْبِئِ عَنِ الثَّباتِ. وتَكْرِيرُ "هُوَ أعْلَمُ" لِلتَّأْكِيدِ، والإشْعارِ بِتَبايُنِ حالِ المَعْلُومَيْنِ ومَآلِهِما مِنَ العِقابِ والثَّوابِ. وبَعْدَ ما أمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِن شَأْنِ الدَّعْوَةِ بِما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الوَجْهِ اللّائِقِ، عَقَّبَهُ بِخِطابٍ شامِلٍ لَهُ، ولِمَن شايَعَهُ فِيما يَعُمُّ الكُلَّ فَقالَ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском