Abu as-Su'udAl‑Kahf · 18:29–46

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:29–46

18:29Page 297

وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩

And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.

﴿وَقُلِ﴾ لِأُولَئِكَ الغافِلِينَ المُتَّبِعِينَ هَواهم ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: ما أُوحِيَ إلَيَّ الحَقُّ لا غَيْرُ كائِنًا مِن رَبِّكُمْ، أوِ الحَقُّ المَعْهُودُ مِن جِهَةِ رَبِّكم لا مِن جِهَتِي حَتّى يُتَصَوَّرَ فِيهِ التَّبْدِيلُ، أوْ يُمْكِنَ التَّرَدُّدُ في اتِّباعِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ إمّا مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها بِطَرِيقِ التَّهْدِيدِ لا لِتَفْرِيعِهِ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِينَ﴾ أيْ: عَقِيبَ تَحَقُّقِ أنَّ ما أُوحِيَ إلَيَّ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ، وأنَّ ذَلِكَ الحَقَّ مِن جِهَةِ رَبِّكُمْ، فَمَن شاءَ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ فَلْيُؤْمِن كَسائِرِ المُؤْمِنِينَ، ولا يَتَعَلَّلُ بِما لا يَكادُ يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ. ومَن شاءَ أنْ يَكْفُرَ بِهِ، فَلْيَفْعَلْ. وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ، وإظْهارِ الِاسْتِغْناءِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ، وبِإيمانِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا ما لا يَخْفى. وإمّا تَهْدِيدٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها مِنَ التَّهْدِيدِ عَلى الأمْرِ لا عَلى مَضْمُونِ (p-220)المَأْمُورِ بِهِ، والمَعْنى: قُلْ لَهم ذَلِكَ وبَعْدَ ذَلِكَ مَن شاءَ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، أوْ أنْ يُصَدِّقَكَ فِيهِ فَلْيُؤْمِن، ومَن شاءَ أنْ يَكْفُرَ بِهِ أوْ يُكَذِّبَكَ فِيهِ فَلْيَفْعَلْ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وتَأْكِيدٌ لِلتَّهْدِيدِ، وتَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ، أوْ لِما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ التَّخْيِيرِ مِن عَدَمِ المُبالاةِ بِكُفْرِهِمْ، وقِلَّةِ الِاهْتِمامِ بِزَجْرِهِمْ عَنْهُ، فَإنَّ إعْدادَ جَزائِهِ مِن دَواعِي الإمْلاءِ والإمْهالِ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: هو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّخْيِيرِ التَّهْدِيدِيِّ، أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ إنّا أعْتَدْنا ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: هَيَّأْنا لِلْكافِرِينَ بِالحَقِّ بَعْدَ ما جاءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِـ "الظّالِمِينَ" لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَشِيئَةَ الكُفْرِ، واخْتِيارَهُ تَجاوُزٌ عَنِ الحَدِّ، ووَضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

﴿نارًا﴾ عَظِيمَةً عَجِيبَةً.

﴿أحاطَ بِهِمْ﴾ أيْ: يُحِيطُ بِهِمْ. وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ.

﴿سُرادِقُها﴾ أيْ: فُسْطاطُها شُبِّهَ بِهِ ما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ، وقِيلَ: السُّرادِقُ الحُجْرَةُ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الفُسْطاطِ، وقِيلَ: سُرادِقُها دُخانُها، وقِيلَ: حائِطٌ مِن نارٍ.

﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ مِنَ العَطَشِ.

﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ كالحَدِيدِ المُذابِ. وقِيلَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، وهو عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: فَأعْتَبُوا بِالصَّيْلَمِ.

﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ إذا قُدِّمَ لِيُشْرَبَ انْشَوى الوَجْهُ لِحَرارَتِهِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: هو كَعَكَرِ الزَّيْتِ فَإذا قُرِّبَ إلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ.

﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ ذَلِكَ.

﴿وَساءَتْ﴾ النّارُ، ﴿مُرْتَفَقًا﴾ مُتَّكَأً، وأصْلُ الِاتِّفاقِ نَصْبُ المِرْفَقِ تَحْتَ الخَدِّ، وأنّى ذَلِكَ في النّارِ، وإنَّما هو بِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ .

18:30Page 297

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - indeed, We will not allow to be lost the reward of any who did well in deeds.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في مَحَلِّ التَّعْلِيلِ لِلْحَثِّ عَلى الإيمانِ المُنْفَهِمِ مِنَ التَّخْيِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ آمَنُوا. ولَعَلَّ تَغْيِيرَ سَبْكِهِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَنافِي مَآلَيِ الفَرِيقَيْنِ، أيْ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِالحَقِّ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ.

﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ حَسْبَما بُيِّنَ في تَضاعِيفِهِ.

﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ خَبَرُ "إنَّ" الأُولى هي الثّانِيَةُ مَعَ ما في حَيِّزِها، والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مَن أحْسَنَ مِنهم عَمَلًا، أوْ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، كَما في قَوْلِكَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدًا. أوْ واقِعٌ مَوْقِعَهُ الظّاهِرَ فَإنَّ مَن أحْسَنَ عَمَلًا في الحَقِيقَةِ هو الَّذِي آمَنَ، وعَمِلَ الصّالِحاتِ.

18:31Page 297

أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١

Those will have gardens of perpetual residence; beneath them rivers will flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and will wear green garments of fine silk and brocade, reclining therein on adorned couches. Excellent is the reward, and good is the resting place.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ الأجْرِ، أوْ هو الخَبَرُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ هو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.

﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ "مِنِ" الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ، والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ صِفَةٌ لِـ "أساوِرَ"، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وهو جَمْعُ أسْوِرَةٍ أوْ أسْوَرٍ جَمْعُ سِوارٍ.

﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا﴾ خُصَّتِ الخُضْرَةُ بِثِيابِهِمْ؛ لِأنَّها أحْسَنُ الألْوانِ وأكْثَرُها طَراوَةً.

﴿مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ أيْ: نَمارِقَ مِنَ الدِّيباجِ وما غَلَظَ جَمَعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ فِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ.

﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ عَلى السُّرُرِ عَلى ما هو شَأْنُ المُتَنَعِّمِينَ.

﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ ذَلِكَ.

﴿وَحَسُنَتْ﴾ أيِ: الأرائِكُ ﴿مُرْتَفَقًا﴾ (p-221)أيْ: مُتَّكَأً.

18:32Page 297

۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢

And present to them an example of two men: We granted to one of them two gardens of grapevines, and We bordered them with palm trees and placed between them [fields of] crops.

﴿واضْرِبْ لَهُمْ﴾ أيْ: لِلْفَرِيقَيْنِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، ﴿مَثَلا رَجُلَيْنِ﴾ مَفْعُولانِ لِـ "اضْرِبْ" أوَّلُهُما ثانِيهِما، لِأنَّهُ المُحْتاجُ إلى التَّفْصِيلِ، والبَيانِ، أيِ: اضْرِبْ لِلْكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ لا مِن حَيْثُ أحْوالُهُما المُسْتَفادَةُ مِمّا ذُكِرَ آنِفًا مِن أنَّ لِلْأوَّلِينَ في الآخِرَةِ كَذا، ولِلْآخِرِينَ كَذا بَلْ مِن حَيْثُ عِصْيانُ الأوَّلِينَ مَعَ تَقَلُّبِهِمْ في نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وطاعَةُ الآخِرِينَ مَعَ مُكابَدَتِهِمْ مَشاقَّ الفَقْرِ مِثْلا حالِ رَجُلَيْنِ مُقَدَّرَيْنِ، أوْ مُحَقَّقَيْنِ هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ شَرِيكانِ. كافِرٌ اسْمُهُ قَطْرُوسُ، ومُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، اقْتَسَما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ، فاشْتَرى الكافِرُ بِنَصِيبِهِ ضِياعًا وعَقارًا، وصَرَفَ المُؤْمِنُ نُصِيبُهُ إلى وُجُوهِ المَبارِّ، فَآلَ أمْرُهُما إلى ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ، كافِرٌ هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ، ومُسْلِمٌ هو أبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أوَّلًا.

﴿جَعَلْنا لأحَدِهِما﴾ وهو الكافِرُ.

﴿جَنَّتَيْنِ﴾ بُسْتانَيْنِ ﴿مِن أعْنابٍ﴾ مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ، والجُمْلَةُ بِتَمامِها بَيانٌ لِلتَّمْثِيلِ، أوْ صِفَةٌ لِرَجُلَيْنِ.

﴿وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ: جَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطَةً بِهِما مُؤَزَّرًا بِها كُرُومُهُما. يُقالُ: حَفَّهُ القَوْمُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَفْتَهُ بِهِمْ جَعَلْتَهم حافِّينَ حَوْلَهُ، فَيَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا آخَرَ كَقَوْلِكَ: غَشَّيْتُهُ بِهِ.

﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُما﴾ وسَطَهُما.

﴿زَرْعًا﴾ لِيَكُونَ كُلٌّ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ مُتَواصِلَ العِمارَةِ عَلى الهَيْئَةِ الرّائِقَةِ، والوَضْعِ الأنِيقِ.

18:33Page 297

كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣

Each of the two gardens produced its fruit and did not fall short thereof in anything. And We caused to gush forth within them a river.

﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ ثَمَرَها، وبَلَغَتْ مَبْلَغًا صالِحًا لِلْأكْلِ، وقُرِئَ: بِسُكُونِ الكافِ. وقُرِئَ: كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ.

﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ﴾ لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها.

﴿شَيْئًا﴾ كَما يُعْهَدُ ذَلِكَ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّ الثِّمارَ غالِبًا تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في آخَرَ، وكَذا بَعْضُ الأشْجارِ يَأْتِي بِالثَّمَرِ في بَعْضِ الأعْوامِ دُونَ بَعْضٍ.

﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما﴾ فِيما بَيْنَ كُلٍّ مِنَ الجَنَّتَيْنِ ﴿نَهَرًا﴾ عَلى حِدَةٍ لِيَدُومَ شُرْبُهُما ويَزِيدَ بَهاؤُهُما، وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ. ولَعَلَّ تَأْخِيرَ ذِكْرِ تَفْجِيرِ النَّهَرِ عَنْ ذِكْرِ إيتاءِ الأُكُلِ مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ الخارِجِيَّ عَلى العَكْسِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِن إيتاءِ الأكْلِ، وتَفْجِيرِ النَّهَرِ في تَكْمِيلِ مَحاسِنِ الجَنَّتَيْنِ، كَما في قِصَّةِ البَقَرَةِ، ونَحْوِها. ولَوْ عَكَسَ لانْفَهَمَ أنَّ المَجْمُوعَ خَصْلَةٌ واحِدَةٌ بَعْضُها مُتَرَتِّبٌ عَلى بَعْضٍ، فَإنَّ إيتاءَ الأُكُلِ مُتَفَرِّعٌ عَلى السَّقْيِ عادَةً، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إيتاءَ الأُكُلِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى السَّقْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ.

18:34Page 297

وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤

And he had fruit, so he said to his companion while he was conversing with him, "I am greater than you in wealth and mightier in [numbers of] men."

﴿وَكانَ لَهُ﴾ لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ﴿ثَمَرٌ﴾ أنْواعٌ مِنَ المالِ غَيْرُ الجَنَّتَيْنِ مِن ثَمَّرَ مالَهُ إذا كَثَّرَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هو جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والحَيَوانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو الذَّهَبُ، والفِضَّةُ خاصَّةً.

﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ المُؤْمِنِ ﴿وَهُوَ﴾ أيِ: القائِلُ.

﴿يُحاوِرُهُ﴾ أيْ: صاحِبَهُ المُؤْمِنَ، وإنَّ جازَ العَكْسُ، أيْ: يُراجِعُهُ في الكَلامِ مِن حارَ إذا رَجَعَ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ حَشَمًا، وأعْوانًا. أوْ أوْلادًا ذُكُورًا؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ مَعَهُ.

18:35Page 298

وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥

And he entered his garden while he was unjust to himself.1 He said, "I do not think that this will perish - ever.

(p-222)﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ الَّتِي شُرِحَتْ أحْوالُها، وعَدَدُها، وصِفاتُها، وهَيْآتُها،، وتَوْحِيدُها إمّا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِتَعْدادِها، وإمّا لِاتِّصالِ إحْداهُما بِالأُخْرى، وإمّا لِأنَّ الدُّخُولَ يَكُونُ في واحِدَةٍ فَواحِدَةٍ.

﴿وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ضارٌّ لَها بِعُجْبِهِ وكُفْرِهِ.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن ذِكْرِ دُخُولِ جَنَّتِهِ حالَ ظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ إذْ ذاكَ؟ فَقِيلَ: قالَ ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ﴾ الجَنَّةُ، أيْ: تَفْنى ﴿أبَدًا﴾ لِطُولِ أمَلِهِ، وتَمادِي غَفْلَتِهِ، واغْتِرارِهِ بِمُهْلَتِهِ، ولَعَلَّهُ إنَّما قالَهُ بِمُقابَلَةِ مَوْعِظَةِ صاحِبِهِ، وتَذْكِيرِهِ بِفَناءِ جَنَّتَيْهِ، ونَهْيِهِ عَنِ الِاغْتِرارِ بِهِما، وأمْرِهِ بِتَحْصِيلِ الباقِياتِ الصّالِحاتِ.

18:36Page 298

وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦

And I do not think the Hour will occur. And even if I should be brought back to my Lord, I will surely find better than this as a return."

﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ كائِنَةً فِيما سَيَأْتِي.

﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ﴾ بِالبَعْثِ عِنْدَ قِيامِها كَما تَقُولُ: ﴿إلى رَبِّي لأجِدَنَّ﴾ يَوْمَئِذٍ ﴿خَيْرًا مِنها﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. وقُرِئَ: (مِنهُما)، أيْ: مِنَ الجَنَّتَيْنِ.

﴿مُنْقَلَبًا﴾ مَرْجِعًا، وعاقِبَةً، ومَدارُ هَذا الطَّمَعِ، واليَمِينِ الفاجِرَةِ اعْتِقادُ أنَّهُ تَعالى إنَّما أوْلاهُ ما أوْلاهُ في الدُّنْيا، لِاسْتِحْقاقِهِ الذّاتِيِّ، وكَرامَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، ولَمْ يَدْرِ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ.

18:37Page 298

قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧

His companion said to him while he was conversing with him, "Have you disbelieved in He who created you from dust and then from a sperm-drop and then proportioned you [as] a man?

﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ كَما مَرَّ فائِدَتُها التَّنْبِيهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ ما يَتْلُوهُ كَلامٌ مُعْتَنًى بِشَأْنِهِ مَسُوقٌ لِلْمُحاوَرَةِ.

﴿أكَفَرْتَ﴾ حَيْثُ قُلْتَ ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً.

﴿بِالَّذِي خَلَقَكَ﴾ أيْ: في ضِمْنِ خَلْقِ أصْلِكَ.

﴿مِن تُرابٍ﴾ فَإنَّ خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ مُتَضَمِّنٌ لِخَلْقِهِ مِنهُ، لِما أنَّ خَلْقَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لَمْ تَكُنْ فِطْرَتُهُ الشَّرِيفَةُ مَقْصُورَةً عَلى نَفْسِهِ، بَلْ كانَتْ أُنْمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرَةِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ انْطِواءً إجْمالِيًّا مُسْتَنْبِعًا لِجَرَيانِ آثارِها عَلى الكُلِّ، فَكانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التُّرابِ، خَلْقًا لِلْكُلِّ مِنهُ، وقِيلَ: خَلَقَكَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ أصْلُ مادَّتِكَ، إذْ بِهِ يَحْصُلُ الغِذاءُ الَّذِي مِنهُ تَحْصُلُ النُّطْفَةُ فَتَدَبَّرْ.

﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ هي مادَّتُكَ القَرِيبَةُ فالمَخْلُوقُ واحِدٌ، والمَبْدَأُ مُتَعَدِّدٌ.

﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ أيْ: عَدَلَكَ، وكَمَّلَكَ إنْسانًا ذَكَرًا، أوْ صَيَّرَكَ رَجُلًا. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ تَعالى بِالمَوْصُولِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةٍ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِإنْكارِ الكُفْرِ، والتَّلْوِيحِ بِدَلِيلِ البَعْثِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِنَ تُرابٍ﴾ ... إلَخْ.

18:38Page 298

لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨

But as for me, He is Allāh, my Lord, and I do not associate with my Lord anyone.

﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ أصْلُهُ لَكِنْ إنّا، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ فَتَلاقَتِ النُّونانِ فَكانَ الإدْغامُ، وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ. و "هُوَ" مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ "اللَّهُ رَبِّي" وتِلْكَ الجُمْلَةُ خَبَرُ "إنّا" والعائِدُ مِنها إلَيْهِ الضَّمِيرُ. وقُرِئَ: بِإثْباتِ ألِفِ "إنّا" في الوَصْلِ، وفي الوَقْفِ جَمِيعًا، وفي الوَقْفِ خاصَّةً، وقُرِئَ: (لَكِنَّهُ) بِالهاءِ، ولَكِنْ بِطَرْحِ إنّا، ولَكِنْ إنّا لا إلَهَ إلّا هو رَبِّي، ومَدارُ الِاسْتِدْراكِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكَفَرْتَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: أنْتَ كافِرٌ لَكِنِّي مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ.

﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فِيهِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرَهُ كانَ (p-223)بِطَرِيقِ الإشْراكِ.

18:39Page 298

وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩

And why did you, when you entered your garden, not say, 'What Allāh willed [has occurred]; there is no power except in Allāh'? Although you see me less than you in wealth and children,

﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ عِنْدَما دَخَلْتَها. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المُحَضَّضِ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِتَحَتُّمِ القَوْلِ في آنِ الدُّخُولِ مِن غَيْرِ رَيْثٍ لا لِلْقَصْرِ.

﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ: الأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ، أوْ ما شاءَ اللَّهُ كانَ عَلى أنَّ "ما" مَوْصُولَةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ، أوْ أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ. والمُرادُ تَحْضِيضُهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ أبْقاها، وإنْ شاءَ أفْناها.

﴿لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ ذَلِكَ اعْتِرافًا بِعَجْزِكَ، وبِأنَّ ما تَيَسَّرَ لَكَ مِن عِمارَتِها، وتَدْبِيرِ أمْرِها إنَّما هو بِمَعُونَتِهِ تَعالى، وإقْدارِهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن رَأى شَيْئًا فَأعْجَبَهُ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ.» ﴿إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ مالا ووَلَدًا﴾ "أنا" إمّا مُؤَكِّدٌ لِياءِ المُتَكَلِّمِ، أوْ ضَمِيرُ فَصْلٍ بَيْنَ مَفْعُولَيِ الرُّؤْيَةِ. إنْ جُعِلَتْ عِلْمِيَّةً و "أقَلَّ" ثانِيهِما، وحالٌ إنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً فَيَكُونُ "أنا" حِينَئِذٍ تَأْكِيدًا لا غَيْرُ؛ لِأنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ ضَمِيرَ فَصْلٍ تَوَسُّطُهُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، أوْ ما أصْلُهُ المُبْتَدَأُ والخَبَرُ، وقُرِئَ: (أقَلُّ) بِالرَّفْعِ خَبَرًا لِـ "أنا"، والجُمْلَةُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلرُّؤْيَةِ، أوْ حالٌ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: "وَوَلَدًا" نُصْرَةٌ لِمَن فَسَّرَ النَّفَرَ بِالوَلَدِ.

18:40Page 298

فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا ٤٠

It may be that my Lord will give me [something] better than your garden and will send upon it a [disastrous] penalty from the sky, and it will become a smooth, dusty ground,

﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هو جَوابُ الشَّرْطِ، والمَعْنى: إنْ تَرَنِ أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أتَوَقَّعُ مِن صُنْعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَقْلِبَ ما بِي، وما بِكَ مِنَ الفَقْرِ والغِنى، فَيَرْزُقَنِي لِإيمانِي جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ، ويَسْلُبَكَ لِكُفْرِكَ نِعْمَتَهُ، ويُخْرِبَ جَنَّتَكَ.

﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى: الحِسابِ كالبُطْلانِ والغُفْرانِ، أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وحَسَبَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. وقِيلَ: عَذابُ حُسْبانٍ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداهُ، وقِيلَ: مَرامِي جَمْعُ حُسْبانَةٍ، وهي الصَّواعِقُ، ومُساعَدَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ فِيما سَيَأْتِي لِلْأوَّلِينَ أكْثَرُ.

﴿مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ مُبالَغَةً، أيْ: أرْضٌ مَلْساءُ يُزْلَقُ عَلَيْها لِاسْتِئْصالِ ما عَلَيْها مِنَ البِناءِ، والشَّجَرِ، والنَّباتِ.

18:41Page 298

أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا ٤١

Or its water will become sunken [into the earth], so you would never be able to seek it."

﴿أوْ يُصْبِحَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "فَتُصْبِحَ" وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ عَلى يُرْسِلَ ﴿ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: غائِرًا في الأرْضِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ﴾ أبَدًا ﴿لَهُ﴾ أيْ: لِلْماءِ الغائِرِ.

﴿طَلَبًا﴾ فَضْلًا عَنْ وِجْدانِهِ ورَدِّهِ.

18:42Page 298

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٤٢

And his fruits were encompassed [by ruin], so he began to turn his hands about [in dismay] over what he had spent on it, while it had collapsed upon its trellises, and said, "Oh, I wish I had not associated with my Lord anyone."1

﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أُهْلِكَ أمْوالُهُ المَعْهُودَةُ مِن جَنَّتَيْهِ، وما فِيهِما، وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ. وهو عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقَعَ بَعْضُ ما تَوَقَّعَ مِنَ المَحْذُورِ، وأُهْلِكَ أمْوالُهُ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ السِّباقِ والسِّياقِ عَلَيْهِ كَما في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِـ "الفاءِ" الفَصِيحَةِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ.

﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها مِنَ المالِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ النَّدَمِ بِهِ دُونَ ما هَلَكَ الآنَ مِنَ الجَنَّةِ لِما أنَّهُ إنَّما يَكُونُ عَلى الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، ولِأنَّ ما أنْفَقَ في عِمارَتِها كانَ (p-224)مِمّا يُمْكِنُ صِيانَتُهُ عَنْ طَوارِقِ الحَدَثانِ، وقَدْ صَرَفَهُ إلى مَصالِحِها رَجاءً، أيْ: يَتَمَتَّعُ بِها أكْثَرَ مِمّا يَتَمَتَّعُ بِهِ، وكانَ يَرى أنَّهُ لا تَنالُها أيْدِي الرَّدى، ولِذَلِكَ قالَ: ما أظُنُّ أنَّ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا، فَلَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّها مِمّا يَعْتَرِيهِ الهَلاكُ نَدِمَ عَلى ما صَنَعَ بِناءً عَلى الزَّعْمِ الفاسِدِ مِن إنْفاقِ ما يُمْكِنُ ادِّخارُهُ في مِثْلِ هَذا الشَّيْءِ السَّرِيعِ الزَّوالِ.

﴿وَهِيَ﴾ أيِ: الجَنَّةُ مِنَ الأعْنابِ المَحْفُوفَةِ بِنَخْلٍ.

﴿خاوِيَةٌ﴾ ساقِطَةٌ ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ: دَعائِمِها المَصْنُوعَةِ لِلْكُرُومِ لِسُقُوطِها قَبْلَ سُقُوطِها، وتَخْصِيصُ حالِها بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ، والزَّرْعِ، إمّا لِأنَّها العُمْدَةُ وهُما مِن مُتَمِّماتِها، وإمّا لِأنَّ ذِكْرَ هَلاكِها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ هَلاكِ الباقِي، لِأنَّها حَيْثُ هَلَكَتْ، وهي مُشَيَّدَةٌ بِعُرُوشِها فَهَلاكُ ما عَداها بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وإمّا لِأنَّ الإنْفاقَ في عِمارَتِها أكْثَرُ، وقِيلَ: أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى نارًا فَأحْرَقَتْها، وغارَ ماؤُها ﴿وَيَقُولُ﴾ عَطْفٌ عَلى يُقَلِّبُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، أيْ: وهو يَقُولُ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَأنَّهُ تَذَكَّرَ مَوْعِظَةَ أخِيهِ، وعَلِمَ أنَّهُ إنَّما أُتِيَ مِن قِبَلِ شِرْكِهِ فَتَمَنّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا فَلَمْ يُصِبْهُ ما أصابَهُ قَبْلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَوْبَةً مِنَ الشِّرْكِ، ونَدَمًا عَلى ما فَرَطَ مِنهُ.

18:43Page 298

وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ٤٣

And there was for him no company to aid him other than Allāh, nor could he defend himself.

﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ﴾ وقُرِئَ بِالتّاءِ التَّحْتانِيَّةِ.

﴿فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ﴾ يَقْدِرُونَ عَلى نَصْرِهِ بِدَفْعِ الإهْلاكِ، وعَلى رَدِّ المُهْلَكِ، والإتْيانِ بِمِثْلِهِ. وجُمِعَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ﴾ .

﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إنَّهُ القادِرُ عَلى ذَلِكَ وحْدَهُ ﴿وَما كانَ﴾ في نَفْسِهِ ﴿مُنْتَصِرًا﴾ مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنِ انْتِقامِهِ سُبْحانَهُ.

18:44Page 298

هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا ٤٤

There1 the authority is [completely] for Allāh, the Truth. He is best in reward and best in outcome.

﴿هُنالِكَ﴾ في ذَلِكَ المَقامِ، وفي تِلْكَ الحالِ.

﴿الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ أيِ: النَّصْرُ لَهُ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها أحَدٌ فَهو تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ، أوْ يَنْصُرُ فِيها أوْلِياءَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَفَرَةِ، كَما نَصَرَ بِما فَعَلَ بِالكافِرِ أخاهُ المُؤْمِنَ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: لِأوْلِيائِهِ. وقُرِئَ: (الوِلايَةُ) بِكَسْرِ الواوِ، ومَعْناهُ: المُلْكُ والسُّلْطانُ، أيْ: هُنالِكَ السُّلْطانُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُغْلَبُ، ولا يُمْتَنَعُ مِنهُ، أوْ لا يُعْبَدُ غَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فَيَكُونُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ﴾ ... إلَخْ. كانَ عَنِ اضْطِرارٍ، وجَزَعٍ عَمّا دَهاهُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ . وقِيلَ: هُناكَ إشارَةٌ إلى الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ . وقُرِئَ: بِرَفْعِ الحَقِّ عَلى أنَّهُ صِفَةُ الوِلايَةِ، وبِنَصْبِهِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، وقُرِئَ: (عُقْبًا) بِضَمِّ القافِ، وعُقْبى كَرُجْعى، والكُلُّ بِمَعْنى: العاقِبَةِ.

18:45Page 298

وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥

And present to them the example of the life of this world, [its being] like rain which We send down from the sky, and the vegetation of the earth mingles with it1 and [then] it becomes dry remnants, scattered by the winds. And Allāh is ever, over all things, Perfect in Ability.

﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: واذْكُرْ لَهم ما يُشْبِهُها في زَهْرَتِها، ونَضارَتِها، وسُرْعَةِ زَوالِها لِئَلّا يَطْمَئِنُّوا بِها، ولِيَعْكُفُوا عَلَيْها، ولا يَضْرِبُوا عَنِ الآخِرَةِ صَفْحًا بِالمَرَّةِ. أوْ بَيِّنْ لَهم صِفَتَها العَجِيبَةَ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ.

﴿كَماءٍ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المَثَلِ، أيْ: هي كَماءٍ.

﴿أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ "اضْرِبْ" عَلى أنَّهُ بِمَعْنى صُيِّرَ.

﴿فاخْتَلَطَ بِهِ﴾ اشْتَبَكَ بِسَبَبِهِ ﴿نَباتُ (p-225)الأرْضِ﴾ فالتَفَّ، وخالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا مِن كَثْرَتِهِ وتَكاثُفِهِ، أوْ نَجَعَ الماءُ في النَّباتِ حَتّى رَوى ورَفَّ، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ حِينَئِذٍ فاخْتَلَطَ بِنَباتِ الأرْضِ، وإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ بِالكَثْرَةِ فَإنَّ كِلا المُخْتَلِطَيْنِ مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ صاحِبِهِ ﴿فَأصْبَحَ﴾ ذَلِكَ النَّباتُ المُلْتَفُّ إثْرَ بَهْجَتِها ورَفِيفِها ﴿هَشِيمًا﴾ مَهْشُومًا مَكْسُورًا.

﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ تُفَرِّقُهُ، وقُرِئَ: (تُذْرِيهِ) مَن أذْراهُ. وتَذْرُوهُ الرِّيحُ ولَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ نَفْسَ الماءِ بَلْ هو الهَيْئَةُ المُنْتَزَعَةُ مِنَ الجُمْلَةِ، وهي حالُ النَّباتِ المُنْبَتِ بِالماءِ يَكُونُ أخْضَرَ وارِفًا، ثُمَّ هَشِيمًا تُطَيِّرُهُ الرِّياحُ كَأنَّ لَمْ يَغْنَ بِالأمْسِ.

﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْشاءُ والإفْناءُ ﴿مُقْتَدِرًا﴾ قادِرًا عَلى الكَمالِ.

18:46Page 299

ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ٤٦

Wealth and children are [but] adornment of the worldly life. But the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for [one's] hope.

﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بَيانٌ لِشَأْنٍ ما كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِهِ مِن مُحَسِّناتِ الحَياةِ الدُّنْيا كَما قالَ الأخُ الكافِرُ: "أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا، وأعَزُّ نَفَرًا" إثْرَ بَيانِ شَأْنِ نَفْسِها بِما مَرَّ مِنَ المَثَلِ. وتَقْدِيمُ المالِ عَلى البَنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ أعَزَّ مِنهُ كَما في الآيَةِ المَحْكِيَّةِ آنِفًا، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ لِعَراقَتِهِ فِيما نِيطَ بِهِ مِنَ الزِّينَةِ، والإمْدادِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وعُمُومِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأفْرادِ والأوْقاتِ فَإنَّهُ زِينَةٌ، ومُمِدٌّ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الآباءِ والبَنِينَ في كُلِّ وقْتٍ وحِينٍ، وأمّا البَنُونَ فَزِينَتُهُمْ، وإمْدادُهم إنَّما يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن بَلَغَ مَبْلَغَ الأُبُوَّةِ، ولِأنَّ المالَ مُناطٌ لِبَقاءِ النَّفْسِ والبَنِينَ لِبَقاءِ النَّوْعِ، ولِأنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ أمَسُّ مِنَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ، ولِأنَّهُ أقْدَمُ مِنهم في الوُجُودِ، ولِأنَّهُ زِينَةٌ بِدُونِهِمْ مِن غَيْرِ عَكْسٍ؛ فَإنَّ مِن لَهُ بَنُونَ بِلا مالٍ فَهو في ضِيقِ حالٍ ونَكالٍ. وإفْرادُ الزِّينَةِ مَعَ أنَّها مُسْنَدَةٌ إلى الِاثْنَيْنِ لِما أنَّها مَصْدَرٌ في الأصْلِ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ مُبالَغَةً كَأنَّهُما نَفْسُ الزِّينَةِ، والمَعْنى: أنَّ ما يَفْتَخِرُونَ بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ شَيْءٌ يُتَزَيَّنُ بِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وقَدْ عُلِمَ شَأْنُها في سُرْعَةِ الزَّوالِ وقُرْبِ الِاضْمِحْلالِ، فَكَيْفَ بِما هو مِن أوْصافِها الَّتِي شَأْنُها أنْ تَزُولَ قَبْلَ زَوالِها؟ ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ هي أعْمالُ الخَيْرِ، وقِيلَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وقِيلَ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، وقِيلَ: كُلُّ ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ تَعالى وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَدْخُلُ فِيها أعْمالُ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أمّا صَلاحُها فَظاهِرٌ، وأمّا بَقاؤُها فَبَقاءُ عَوائِدِها عِنْدَ فَناءِ كُلِّ ما تَطْمَحُ إلَيْهِ النَّفْسُ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: مِمّا نُعِتَ شَأْنُهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ، وإخْراجُ بَقاءِ تِلْكَ الأعْمالِ وصَلاحِها مُخْرَجَ الصِّفاتِ المَفْرُوغِ عَنْها مَعَ أنَّ حَقَّهُما أنْ يَكُونا مَقْصُودَيِ الإفادَةِ لا سِيَّما في مُقابَلَةِ إثْباتِ الفَناءِ لِما يُقابِلُها مِنَ المالِ والبَنِينَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ بَقاءَها أمْرٌ مُحَقَّقٌ لا حاجَةَ إلى بَيانِهِ بَلْ لَفْظُ الباقِياتِ اسْمٌ لَهُ وصْفٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرِ المَوْصُوفُ، وإنَّما الَّذِي يَحْتاجُ إلى التَّعَرُّضِ لَهُ خَيْرِيَّتُها.

﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ. وهو بَيانٌ لِما يَظْهَرُ فِيهِ آثارٌ خَيْرِيَّتِها بِمَنزِلَةِ إضافَةِ الزِّينَةِ إلى الحَياةِ الدُّنْيا لا لِأفْضَلِيَّتِها فِيها مِنَ المالِ والبَنِينَ مَعَ مُشارَكَةِ الكُلِّ في الأصْلِ إذْ لا مُشارَكَةَ لَهُما في الخَيْرِيَّةِ في الآخِرَةِ.

﴿ثَوابًا﴾ عائِدَةً تَعُودُ إلى صاحِبِها.

﴿وَخَيْرٌ أمَلا﴾ حَيْثُ يَنالُ بِها صاحِبُها في الآخِرَةِ كُلَّ ما كانَ يُؤَمِّلُهُ في الدُّنْيا. (p-226)وَأمّا ما مَرَّ مِنَ المالِ والبَنِينَ فَلَيْسَ لِصاحِبِهِ أمَلٌ يَنالُهُ، وتَكْرِيرُ "خَيْرٌ" لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ حَيْثِيَّةِ الخَيْرِيَّةِ، والمُبالَغَةِ فِيها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском