Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:94–108
18:94Page 303
قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا ٩٤
They said, "O Dhul-Qarnayn, indeed Gog and Magog1 are [great] corrupters in the land. So may we assign for you an expenditure that you might make between us and them a barrier?"
﴿قالُوا﴾ أيْ: بِواسِطَةِ مُتَرْجِمِهِمْ، أوْ بِالذّاتِ عَلى أنْ يَكُونَ فَهْمُ (p-245)ذِي القَرْنَيْنِ كَلامَهُمْ، وإفْهامُ كَلامِهِ إيّاهم مِن جُمْلَةِ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأسْبابِ.
﴿يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُما مِن أوْلادِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: يَأْجُوجُ مِنَ التُّرْكِ ومَأْجُوجُ مِنَ الجِيلِ. واخْتُلِفَ في صِفاتِهِمْ. فَقِيلَ: في غايَةِ صِغَرِ الجُثَّةِ، وقِصَرِ القامَةِ لا يَزِيدُ قَدُّهم عَلى شِبْرٍ واحِدٍ. وقِيلَ: في نِهايَةِ عِظَمِ الجِسْمِ، وطُولِ القامَةِ تَبْلُغُ قُدُودُهم نَحْوَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ ذِراعًا، وفِيهِمْ مِن عَرْضُهُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: لَهم مَخالِبُ، وأضْراسٌ كالسِّباعِ، وهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ بِدَلِيلِ مَنعِ الصَّرْفِ. وقِيلَ: عَرَبِيّانِ مِن أجَّ الظَّلِيمُ إذا أسْرَعَ، وأصْلُهُما الهَمْزَةُ كَما قَرَأ عاصِمٌ. وقَدْ قُرِئَ: بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، ومُنِعَ صَرْفُهُما لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ.
﴿مُفْسِدُونَ في الأرْض﴾ أيْ: في أرْضِنا بِالقَتْلِ، والتَّخْرِيبِ، وإتْلافِ الزُّرُوعِ. قِيلَ: كانُوا يَخْرُجُونَ أيّامَ الرَّبِيعِ فَلا يَتْرُكُونَ أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ، ولا يابِسًا إلّا احْتَمَلُوهُ، وقِيلَ: كانُوا يَأْكُلُونَ النّاسَ أيْضًا.
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ أيْ: جُعْلًا مِن أمْوالِنا. و "الفاءُ" لِتَفْرِيعِ العَرْضِ عَلى إفْسادِهِمْ في الأرْضِ. وقُرِئَ: (خَراجًا) وكِلاهُما واحِدٌ كالنَّوْلِ والنَّوالِ. وقِيلَ: الخَراجُ ما عَلى الأرْضِ، والذِّمَّةِ، والخَرْجُ المَصْدَرُ. وقِيلَ: الخَرْجُ ما كانَ عَلى كُلِّ رَأْسٍ، والخَراجُ ما كانَ عَلى البَلَدِ. وقِيلَ: الخَرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ ما لَزِمَكَ أداؤُهُ.
﴿عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ وقُرِئَ: بِالضَّمِّ.
18:95Page 303
قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا ٩٥
He said, "That in which my Lord has established me is better [than what you offer], but assist me with strength [i.e., manpower]; I will make between you and them a dam.
﴿قالَ ما مَكَّنِّي﴾ بِالإدْغامِ، وقُرِئَ: بِالفَكِّ، أيْ: ما مَكَّنَنِي.
﴿فِيهِ رَبِّي﴾ وجَعَلَنِي فِيهِ مَكِينًا قادِرًا مِنَ المُلْكِ، والمالِ، وسائِرِ الأسْبابِ.
﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: مِمّا تُرِيدُونَ أنْ تَبْذُلُوهُ إلَيَّ مِنَ الخَرْجِ فَلا حاجَةَ بِي إلَيْهِ.
﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أيْ: بِفَعَلَةٍ، وصُنّاعٍ يُحْسِنُونَ البِناءَ والعَمَلَ، وبِآلاتٍ لا بُدَّ مِنها في البِناءِ. و "الفاءُ" لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالإعانَةِ عَلى خَيْرِيَّةِ ما مَكَّنَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِن مالِهِمْ، أوْ عَلى عَدَمِ قَبُولِ خَرْجِهِمْ.
﴿أجْعَلْ﴾ جَوابُ لِلْأمْرِ ﴿بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ﴾ تَقْدِيمُ إضافَةِ الظَّرْفِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ عَلى إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ؛ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَصالِحِهِمْ، كَما راعَوْهُ في قَوْلِهِمْ بَيْنَنا وبَيْنَهم.
﴿رَدْمًا﴾ أيْ: حاجِزًا حَصِينًا، وبَرْزَخًا مَتِينًا. وهو أكْبَرُ مِنَ السَّدِّ، وأوْثَقُ. يُقالُ: ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ، أيْ: فِيهِ رِقاعٌ فَوْقَ رِقاعٍ، وهَذا إسْعافٌ بِمَرامِهِمْ فَوْقَ ما يَرْجُونَهُ.
18:96Page 303
ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا ٩٦
Bring me bars of iron" - until, when he had leveled [them] between the two mountain walls, he said, "Blow [with bellows]," until when he had made it [like] fire, he said, "Bring me, that I may pour over it molten copper."
﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ جَمْعُ زُبْرَةٍ، كَغُرَفٍ في غُرْفَةٍ. وهي القِطْعَةُ الكَبِيرَةُ، وهَذا لا يُنافِي رَدَّ خَراجِهِمْ؛ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ الإيتاءُ بِالثَّمَنِ، أوِ المُناوَلَةُ. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ القِراءَةُ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ، أيْ: جِيئُونِي بِزُبَرِ الحَدِيدِ عَلى حَذْفِ الباءِ، كَما في أمَرْتُكَ الخَيْرَ، ولِأنَّ إيتاءَ الآلَةِ مِن قَبِيلِ الإعانَةِ بِالقُوَّةِ دُونَ الخَراجِ عَلى العَمَلِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ الأمْرِ بِالإيتاءِ بِها دُونَ سائِرِ الآلاتِ مِنَ الصُّخُورِ، والحَطَبِ، ونَحْوِهِما. لِما أنَّ الحاجَةَ إلَيْها أمَسُّ، إذْ هي الرُّكْنُ في السَّدِّ، ووُجُودُها أعَزُّ. قِيلَ: حَفَرَ لِلْأساسِ حَتّى بَلَغَ الماءَ، وجَعَلَ الأساسَ مِنَ الصَّخْرِ والنُّحاسِ المُذابِ، والبُنْيانَ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ بَيْنَها الحَطَبُ والفَحْمُ، حَتّى سَدَّ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ إلى أعْلاهُما، وكانَ مِائَةَ فَرْسَخٍ، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ قائِلًا: ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أيْ: آتَوْهُ إيّاها فَأخَذَ يَبْنِي شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى إذا جَعَلَ ما بَيْنَ ناحِيَتَيِ الجَبَلَيْنِ مِنَ البُنْيانِ مُساوِيًا لَهُما (p-246)فِي السَّمْكِ عَلى النَّهْجِ المَحْكِيِّ. قِيلَ: كانَ ارْتِفاعُهُ مِائَتَيْ ذِراعِ، وعَرْضُهُ خَمْسِينَ ذِراعًا، وقُرِئَ: (سَوّى) مِنَ التَّسْوِيَةِ و (سُووِيَ) عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ ﴿قالَ﴾ لِلْعَمَلَةِ ﴿انْفُخُوا﴾ أيْ: بِالكِيرانِ في الحَدِيدِ المَبْنِيِّ فَفَعَلُوا ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ أيِ: المَنفُوخَ فِيهِ.
﴿نارًا﴾ أيْ: كالنّارِ في الحَرارَةِ، والهَيْئَةِ. وإسْنادُ الجَعْلِ المَذْكُورِ إلى ذِي القَرْنَيْنِ مَعَ أنَّهُ فِعْلُ الفَعَلَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ العُمْدَةُ في ذَلِكَ، وهم بِمَنزِلَةِ الآلَةِ ﴿قالَ﴾ لِلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أمْرَ النُّحاسِ مِنَ الإذابَةِ، ونَحْوِها.
﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أيْ: آتَوْنِي قِطْرًا، أيْ: نُحاسًا مُذابًا. أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، وقُرِئَ: بِالوَصْلِ. أيْ: جِيئُونِي كَأنَّهُ يَسْتَدْعِيهِمْ لِلْإعانَةِ بِاليَدِ عِنْدَ الإفْراغِ، وإسْنادُ الإفْراغِ إلى نَفْسِهِ لِلسِّرِّ الَّذِي وقَفْتَ عَلَيْهِ آنِفًا، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "ساوى" وقَوْلِهِ تَعالى: "أجْعَلْ".
18:97Page 303
فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا ٩٧
So they [i.e., Gog and Magog] were unable to pass over it, nor were they able [to effect] in it any penetration.
﴿فَما اسْطاعُوا﴾ بِحَذْفِ تاءِ الِافْتِعالِ تَخْفِيفًا، وحَذَرًا عَنْ تَلاقِي المُتَقارِبَيْنِ، وقُرِئَ: بِالإدْغامِ. وفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حِدَةٍ، وقُرِئَ: بِقَلْبِ السِّينِ صادًا. و "الفاءُ" فَصِيحَةٌ، أيْ: فَعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِن إيتاءِ القِطْرِ، أوِ الإتْيانِ فَأفْرَغَهُ عَلَيْهِ فاخْتَلَطَ، والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَصارَ جَبَلًا صَلْدًا، فَجاءَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، فَقَصَدُوا أنْ يَعْلُوهُ، ويَنْقُبُوهُ فَما اسْتَطاعُوا ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾، أيْ: يَعْلُوهُ ويَرْقَوْا فِيهِ لِارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ.
﴿وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ لِصَلابَتِهِ وثَخانَتِهِ، وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الزُّبَرَ الكَثِيرَةَ إذا أثَّرَتْ فِيها حَرارَةُ النّارِ لا يَقْدِرُ الحَيَوانُ عَلى أنْ يَحُومُ حَوْلَها فَضْلًا عَنِ النَّفْخِ فِيها إلى أنْ تَكُونَ كالنّارِ، أوْ عَنْ إفْراغِ القِطْرِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى صَرَفَ تَأْثِيرَ تِلْكَ الحَرارَةِ العَظِيمَةِ عَنْ أبْدانِ أُولَئِكَ المُباشِرِينَ لِلْأعْمالِ فَكانَ ما كانَ، واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وقِيلَ بَناهُ مِنَ الصُّخُورِ مُرْتَبِطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ بِكَلالِيبَ مِن حَدِيدٍ ونُحاسٍ، مُذابٍ في تَجاوِيفِها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ هُناكَ فُرْجَةٌ أصْلًا.
18:98Page 304
قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا ٩٨
[Dhul-Qarnayn] said, "This is a mercy from my Lord; but when the promise of my Lord1 comes [i.e., approaches], He will make it level, and ever is the promise of my Lord true."
﴿قالَ﴾ أيْ: ذُو القَرْنَيْنِ لِمَن عِنْدَهُ مِن أهْلِ تِلْكَ الدِّيارِ، وغَيْرِهِمْ ﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى السَّدِّ، وقِيلَ: إلى تَمْكِينِهِ مِن بِنائِهِ، والفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ، أيْ: هَذا الَّذِي ظَهَرَ عَلى يَدَيَّ، وحَصَلَ بِمُباشَرَتِي مِنَ السَّدِّ الَّذِي شَأْنُهُ ما ذُكِرَ مِنَ المَتانَةِ، وصُعُوبَةِ المَنالِ.
﴿رَحْمَةٌ﴾ أيْ: أثَرُ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ عَبَّرَ عَنْهُ بِها مُبالَغَةً ﴿مِن رَبِّي﴾ عَلى كافَّةِ العِبادِ لا سِيَّما عَلى مُجاوَرِيهِ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الآثارِ الحاصِلَةِ بِمُباشَرَةِ الخَلْقِ عادَةً، بَلْ هو إحْسانٌ إلَهِيٌّ مَحْضٌ، وإنْ ظَهَرَ بِمُباشَرَتِي، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية لِتَرْبِيَةِ مَعْنى الرَّحْمَةِ.
﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، لا خُرُوجُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ كَما قِيلَ. إذْ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، والمُرادُ بِمَجِيئِهِ: ما يَنْتَظِمُ مَجِيئَهُ، ومَجِيءَ مَبادِئِهِ مِن خُرُوجِهِمْ، وخُرُوجِ الدَّجّالِ، ونُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَحْوِ ذَلِكَ. لا دُنُوُّ وُقُوعِهِ فَقَطْ، كَما قِيلَ. فَإنَّ بَعْضَ الأُمُورِ الَّتِي سَتُحْكى تَقَعُ بَعْدَ مَجِيئِهِ حَتْمًا.
﴿جَعَلَهُ﴾ أيِ: السَّدَّ المُشارَ إلَيْهِ مَعَ مَتانَتِهِ ورَصانَتِهِ، وفِيهِ مِنَ الجَزالَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِ الإشارَةِ السّابِقَةِ إلى التَّمْكِينِ المَذْكُورِ ﴿دَكّاءَ﴾ أيْ: أرْضًا مُسْتَوِيَةً، وقُرِئَ: (دَكًّا) أيْ: مَدْكُوكًا مُسَوًّى بِالأرْضِ، وكُلُّ ما انْبَسَطَ بَعْدَ ارْتِفاعٍ فَقَدِ انْدَكَّ، ومِنهُ الجَمَلُ الأدَكُّ، أيِ: المُنْبَسِطُ السَّنامِ، وهَذا الجَعْلُ وقْتَ مَجِيءِ الوَعْدِ بِمَجِيءِ بَعْضِ مَبادِئِهِ، وفِيهِ بَيانٌ لِعِظَمِ قدرته عَزَّ (p-247)وَجَلَّ بَعْدَ بَيانِ سِعَةِ رَحْمَتِهِ.
﴿وَكانَ وعْدُ رَبِّي﴾ أيْ: وعْدُهُ المَعْهُودُ، أوْ كُلُّ ما وعَدَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿حَقًّا﴾ ثابِتًا لا مَحالَةَ واقِعًا البَتَّةَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مِن ذِي القَرْنَيْنِ لِما ذَكَرَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، ومُقَرِّرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِها، وهو آخَرُ ما حُكِيَ مِن قِصَّتِهِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
18:99Page 304
۞ وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ يَمُوجُ فِي بَعۡضٖۖ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعۡنَٰهُمۡ جَمۡعٗا ٩٩
And We will leave them that day1 surging over each other, and [then] the Horn will be blown, and We will assemble them in [one] assembly.
﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جَنابِهِ تَعالى مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "جَعَلَهُ دَكّاءَ" ومُحَقِّقٌ لِمَضْمُونِهِ، أيْ: جَعَلْنا بَعْضَ الخَلائِقِ.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ جاءَ الوَعْدُ بِمَجِيءِ بَعْضِ مَبادِئِهِ ﴿يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ آخَرَ مِنهم يَضْطَرِبُونَ اضْطِرابَ أمْواجِ البَحْرِ، ويَخْتَلِطُ إنْسُهم وجِنُّهم. حَيارى مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى، أوْ تَرَكْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنهم حِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ السَّدِّ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ.
رُوِيَ أنَّهم يَأْتُونَ البَحْرَ فَيَشْرَبُونَ ماءَهُ، ويَأْكُلُونَ دَوابَّهُ، ثُمَّ يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ، ومَن ظَفِرُوا بِهِ مِمَّنْ لَمْ يَتَحَصَّنُ مِنهم مِنَ النّاسِ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَأْتُوا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ نَغَفًا في أقْفائِهِمْ، فَيَدْخُلُ آذانَهم فَيَمُوتُونَ مَوْتَ نَفْسٍ واحِدَةٍ. فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ طَيْرًا، فَتُلْقِيهِمْ في البَحْرِ، ثُمَّ يُرْسِلُ مَطَرًا يَغْسِلُ الأرْضَ، ويُطَهِّرُها مِن نَتَنِهِمْ حَتّى يَتْرُكَها كالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُوضَعُ فِيها البَرَكَةُ. وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَتْلِ الدَّجّالِ.
﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ بِقَضِيَّةِ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَمَعْناهُمْ﴾ ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ النَّفْخَةِ الأُولى؛ لِأنَّها داهِيَةٌ عامَّةٌ لَيْسَ فِيها حالَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ، ولِئَلّا يَقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ ما يَقَعُ في النَّشْأةِ الأُولى مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ، وبَيْنَ ما يَقَعُ مِنها في النَّشْأةِ الآخِرَةِ. أيْ: جَمَعْنا الخَلائِقَ بَعْدَما تَفَرَّقَتْ أوْصالُهُمْ، وتَمَزَّقَتْ أجْسادُهم في صَعِيدٍ واحِدٍ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
﴿جَمْعًا﴾ أيْ: جَمْعًا عَجِيبًا لا يُكْتَنُهُ كُنْهُهُ.
18:100Page 304
وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا ١٠٠
And We will present Hell that Day to the disbelievers, on display -
﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾ أيْ: أظْهَرْناها وأبْرَزْناها ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ جَمَعْنا الخَلائِقَ كافَّةً.
﴿لِلْكافِرِينَ﴾ مِنهم حَيْثُ جَعَلْناها بِحَيْثُ يَرَوْنَها، ويَسْمَعُونَ لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا.
﴿عَرْضًا﴾ أيْ: عَرْضًا فَظِيعًا هائِلًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وتَخْصِيصُ العَرْضِ بِهِمْ مَعَ أنَّها بِمَرْأى مِن أهْلِ الجَمْعِ قاطِبَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ لِأجْلِهِمْ خاصَّةً.
18:101Page 304
ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكۡرِي وَكَانُواْ لَا يَسۡتَطِيعُونَ سَمۡعًا ١٠١
Those whose eyes had been within a cover [removed] from My remembrance,1 and they were not able to hear.2
﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهُمْ﴾ وهم في الدُّنْيا ﴿فِي غِطاءٍ﴾ كَثِيفٍ، وغِشاوَةٍ غَلِيظَةٍ مُحاطَةٍ بِذاكَ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ.
﴿عَنْ ذِكْرِي﴾ عَنِ الآياتِ المُؤَدِّيَةِ لِأُولِي الأبْصارِ المُتَدَبِّرِينَ فِيها إلى ذِكْرِي بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ، أوْ كانَتْ أعْيُنُ بَصائِرِهِمْ في غِطاءٍ عَنْ ذَكَرِي عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِشَأْنِي، أوْ عَنِ القرآن الكَرِيمِ ﴿وَكانُوا﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ الحَقِّ، وكَمالِ عَداوَتِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ.
﴿سَمْعًا﴾ اسْتِماعًا لِذِكْرِي، وكَلامِي الحَقِّ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، ولا مِن خَلْفِهِ. وهَذا تَمْثِيلٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، كَما أنَّ الأوَّلَ تَصْوِيرٌ لِتَعامِيهِمْ عَنِ الآياتِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ، والمَوْصُولُ نَعْتٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ بَيانٌ. جِيءَ بِهِ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِإصابَةِ ما أصابَهم مِن عَرْضِ جَهَنَّمَ لَهُمْ، (p-248)فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِعَدَمِ اسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ فِيما عَرَضَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ الآياتِ، وإعْراضِهِمْ عَنْها مَعَ كَوْنِها أسْبابًا مُنَجِّيَةً عَمّا ابْتُلُوا بِهِ في الآخِرَةِ.
18:102Page 304
أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيٓ أَوۡلِيَآءَۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا ١٠٢
Then do those who disbelieve think that they can take My servants instead of Me as allies? Indeed, We have prepared Hell for the disbelievers as a lodging.
﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: كَفَرُوا بِي، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: "عِبادِي". والحُسْبانُ بِمَعْنى: الظَّنِّ. وقَدْ قُرِئَ: (أفَظَنَّ) والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، عَلى مَعْنى إنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، كَما في قَوْلِكَ: أضْرَبْتَ أباكَ لا إنْكارَ الوُقُوعِ، كَما في قَوْلِهِ: أأضْرِبُ أبِي. و "الفاءُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يُفْصِحُ عَنْهُ الصِّلَةُ عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ إلى المَعْطُوفَيْنِ جَمِيعًا، كَما إذا قُدِّرَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أفَلا تَعْقِلُونَ" مَنفِيًّا، أيْ: ألا تَسْمَعُونَ فَلا تَعْقِلُونَ. لا إلى المَعْطُوفِ فَقَطْ، كَما إذا قُدِّرَ مُثْبَتًا، أيْ: أتَسْمَعُونَ فَلا تَعْقِلُونَ، والمَعْنى: أكَفَرُوا بِي مَعَ جَلالَةِ شَأْنِي فَحَسِبُوا ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي﴾ مِنَ المَلائِكَةِ، وعِيسى، وعُزَيْرٍ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وهم تَحْتَ سُلْطانِي ومَلَكُوتِي.
﴿أوْلِياءَ﴾ مَعْبُودِينَ يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِي، وما قِيلَ إنَّها لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كانَتْ ... إلَخْ. "وَكانُوا ... إلَخْ. دَلالَةً عَلى أنَّ الحُسْبانَ ناشِئٌ مِنَ التَّعامِي والتَّصامِّ، وأُدْخِلَ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ ذَمًّا عَلى ذَمٍّ، وقَطْعًا لَهُ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِما لَفْظًا لا مَعْنًى لِلْإيذانِ بِالِاسْتِقْلالِ المُؤَكَّدِ لِلذَّمِّ يَأْباهُ تَرْكُ الإضْمارِ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفٍ آخَرَ غَيْرِ التَّعامِي والتَّصامِّ، عَلى أنَّهُما أُخْرِجا مَخْرَجَ الأحْوالِ الجِبِلِّيَّةِ لَهُمْ، ولَمْ يَذْكُرُوا مِن حَيْثُ إنَّهُما مِن أفْعالِهِمُ الِاخْتِيارِيَّةِ الحادِثَةِ كَحُسْبانِهِمْ لِيَحْسُنَ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِما وأيْضًا، فَإنَّهُ دِينٌ قَدِيمٌ لَهم لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ ناشِئًا عَنْ تَصامِّهِمْ عَنْ كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَخْصِيصُ الإنْكارِ بِحُسْبانِهِمُ المُتَأخِّرِ عَنْ ذَلِكَ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى، وما في حَيِّزِ صِلَةِ أنْ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "حَسِبَ"، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: أفَحَسِبُوا أنَّهم يَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الِاتِّخاذِ في شَيْءٍ لِما أنَّهُ إنَّما يَكُونُ مِنَ الجانِبَيْنِ، وهم عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنَزَّهُونَ عَنْ وِلايَتِهِمْ بِالمَرَّةِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ وقِيلَ: مَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: أفَحَسِبُوا اتِّخاذَهم نافِعًا لَهُمْ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ في هَذا تَسْلِيمًا لِنَفْسِ الِاتِّخاذِ، واعْتِدادًا بِهِ في الجُمْلَةِ. وقُرِئَ: (أفَحَسْبُ) الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: أفَحَسْبُهم وكافِيهِمْ أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، أوِ الفِعْلِ والفاعِلِ، فَإنَّ النَّعْتَ إذا اعْتَمَدَ الهَمْزَةَ ساوى الفِعْلَ في العَمَلِ فالهَمْزَةُ حِينَئِذٍ بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ.
﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ﴾ أيْ: هَيَّأْناها ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ المَعْهُودِينَ عَدَلَ عَنِ الإضْمارِ ذَمًّا لَهُمْ، وإشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ الِاعْتادَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ المُتَضَمِّنِ لِحُسْبانِهِمُ الباطِلِ.
﴿نُزُلا﴾ أيْ: شَيْئًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ، وهو ما يُقامُ لِلنَّزِيلِ، أيِ: الضَّيْفِ مِمّا حَضَرَ مِنَ الطَّعامِ، وفِيهِ تَخْطِئَةٌ لَهم في حُسْبانِهِمْ، وتَهَكُّمٌ بِهِمْ، حَيْثُ كانَ اتِّخاذُهم إيّاهم أوْلِياءَ مِن قَبِيلِ إعْتادِ العَتادِ، وإعْدادِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أعْتَدْنا لَهم مَكانَ ما أعَدُّوا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ العُدَّةِ والذُّخْرِ جَهَنَّمَ عُدَّةً، وفي إيرادِ النُّزُلِ إيماءً إلى أنَّ لَهم وراءَ جَهَنَّمَ مِنَ العَذابِ ما هو أُنْمُوذَجٌ لَهُ، وقِيلَ: النُّزُلُ مَوْضِعُ النُّزُولِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بِالمَثْوى.
18:103Page 304
قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣
Say, [O Muḥammad], "Shall we [believers] inform you of the greatest losers as to [their] deeds?
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ الخِطابُ الثّانِي لِلْكَفَرَةِ عَلى وجْهِ (p-249)التَّوْبِيخِ، والجَمْعُ في صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ لِتَعْيِينِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، ولِلْإيذانِ بِمَعْلُومِيَّةِ النَّبَأِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا ﴿بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، والجَمْعُ لِلْإيذانِ بِتَنَوُّعِها، وهَذا بَيانٌ لِحالِ الكَفَرَةِ بِاعْتِبارِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ في أنْفُسِها، وفي حُسْبانِهِمْ أيْضًا، حَيْثُ كانُوا مُعْجَبِينَ بِها واثِقِينَ بِنَيْلِ ثَوابِها، ومُشاهَدَةِ آثارِها غِبَّ بَيانِ حالِهِمْ بِاعْتِبارِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ في أنْفُسِها مَعَ كَوْنِها حَسَنَةً في حُسْبانِهِمْ.
18:104Page 304
ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤
[They are] those whose effort is lost in worldly life, while they think that they are doing well in work."
﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ في إقامَةِ تِلْكَ الأعْمالِ، أيْ: ضاعَ وبَطَلَ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّعْيِ لا بِالضَّلالِ؛ لِأنَّ بُطْلانَ سَعْيِهِمْ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالدُّنْيا. قِيلَ: المُرادُ بِهِمْ: أهْلُ الكِتابَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، ومُجاهِدٌ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. ويَدْخُلُ في الأعْمالِ حِينَئِذٍ ما عَمِلُوهُ مِنَ الأحْكامِ المَنسُوخَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالعِباداتِ، وقِيلَ: الرَّهابِنَةُ الَّذِينَ يَحْبِسُونَ أنْفُسَهم في الصَّوامِعِ، ويَحْمِلُونَها عَلى الرِّياضاتِ الشّاقَّةِ، ولَعَلَّهُ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِنَ الكَفَرَةِ. ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ جَوابٌ لِلسُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم فَقِيلَ الَّذِينَ ... إلَخْ. وجَعْلُهُ مَجْرُورًا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْأخْسَرِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ عَلى أنَّ الجَوابَ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ ... الآيَةَ. يَأْباهُ أنَّ صَدْرَهُ لَيْسَ مُنْبِئًا عَنْ خُسْرانِ الأعْمالِ، وضَلالِ السَّعْيِ كَما يَسْتَدْعِيهِ مَقامُ الجَوابِ، والتَّفْرِيعُ الأوَّلُ، وإنْ دَلَّ عَلى حُبُوطِها لَكِنَّهُ ساكِتٌ عَنْ إنْباءِ ما هو العُمْدَةُ في تَحْقِيقِ مَعْنى الخُسْرانِ مِنَ الوُثُوقِ بِتَرَتُّبِ الرِّبْحِ، واعْتِقادِ النَّفْعِ فِيما صَنَعُوا عَلى أنَّ التَّفْرِيعَ الثّانِيَ مِمّا يَقْطَعُ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ رَأْسًا إذْ لا مَجالَ لِإدْراجِهِ تَحْتَ الأمْرِ بِقَضِيَّةِ نُونِ العَظَمَةِ.
﴿وَهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ الإحْسانُ الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وهو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، أيْ: يَحْسَبُونَ أنَّهم يَعْمَلُونَ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وذَلِكَ لِإعْجابِهِمْ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي سَعَوْا في إقامَتِها، وكابَدُوا في تَحْصِيلِها. والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ضَلَّ، أيْ: بَطَلَ سَعْيُهُمُ المَذْكُورُ، والحالُ أنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ في ذَلِكَ ويَنْتَفِعُونَ بِآثارِهِ، أوْ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ أيْ: بَطَلَ سَعْيُهم. والحالُ "أنَّهُمْ" ... إلَخْ. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المُقارَنَ لِحال حُسْبانِهِمُ المَذْكُورِ في الأوَّلِ: ضَلالُ سَعْيِهِمْ، وفي الثّانِي: نَفْسُ سَعْيِهِمْ، والأوَّلُ أدْخَلُ في بَيانِ خَطَئِهِمْ.
18:105Page 304
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا ١٠٥
Those are the ones who disbelieve in the verses of their Lord and in [their] meeting Him, so their deeds have become worthless; and We will not assign to them on the Day of Resurrection any weight [i.e., importance].
﴿أُولَئِكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مِن جَنابِهِ تَعالى مَسُوقٌ لِتَكْمِيلِ تَعْرِيفِ الأخْسَرِينَ، وتَبْيِينِ سَبَبِ خُسْرانِهِمْ، وضَلالِ سَعْيِهِمْ، وتَعْيِينِهِمْ بِحَيْثُ يَنْطَبِقُ التَّعْرِيفُ عَلى المُخاطَبِينَ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتِ الأمْرِ، أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِن ضَلالِ السَّعْيِ مَعَ الحُسْبانِ المَزْبُورِ.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ بِدَلائِلِهِ الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ عَقْلًا ونَقْلًا، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ في الكُفْرِ المَذْكُورِ.
﴿وَلِقائِهِ﴾ بِالبَعْثِ، وما يَتْبَعُهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
﴿فَحَبِطَتْ﴾ لِذَلِكَ ﴿أعْمالُهُمْ﴾ المَعْهُودَةُ حُبُوطًا كُلِّيًّا، ﴿فَلا (p-250)نُقِيمُ لَهُمْ﴾ أيْ: لِأُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِما مَرَّ مِن حُبُوطِ الأعْمالِ، وقُرِئَ: بِالياءِ.
﴿يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ أيْ: فَنَزْدَرِيهِمْ، ولا نَجْعَلُ لَهم مِقْدارًا واعْتِبارًا لِأنَّ مَدارَهُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ، وقَدْ حَبِطَتْ بِالمَرَّةِ، وحَيْثُ كانَ هَذا الِازْدِراءُ مِن عَواقِبِ حُبُوطِ الأعْمالِ عُطِفَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ، وأمّا ما هو مِن أجِزْيَةِ الكُفْرِ فَسَيَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ. أوْ لا نَضَعُ لِأجْلِ وزْنِ أعْمالِهِمْ مِيزانًا؛ لِأنَّهُ إنَّما يُوضَعُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، لِيَتَمَيَّزَ بِهِ مَقادِيرُ الطّاعاتِ، والمَعاصِي لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ، أوْ عَدَمُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في المُوَحِّدِينَ بِطَرِيقِ الكَمِّيَّةِ، وأمّا الكُفْرُ فَإحْباطُهُ لِلْحَسَناتِ بِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ دُونَ الكَمِّيَّةِ فَلا يُوضَعُ لَهُمُ المِيزانُ قَطْعًا.
18:106Page 304
ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦
That is their recompense - Hell - for what they denied and [because] they took My signs and My messengers in ridicule.
﴿ذَلِكَ﴾ بَيانٌ لِمَآلِ كُفْرِهِمْ، وسائِرِ مَعاصِيهِمْ إثْرَ بَيانِ مَآلِ أعْمالِهِمُ المُحْبَطَةِ بِذَلِكَ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لَهُ، أوْ "ذَلِكَ" مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: جَزاؤُهم بِهِ، أوْ جَزاؤُهم بَدَلَهُ. وجَهَنَّمُ خَبَرُهُ، أوْ جَزاؤُهم خَبَرُهُ وجَهَنَّمُ عَطْفُ بَيانٍ لِلْخَبَرِ.
﴿بِما كَفَرُوا﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ ما ذُكِرَ جَزاءٌ لِكُفْرِهِمُ المُتَضَمِّنِ لِسائِرِ القَبائِحِ الَّتِي أنْبَأ عَنْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ أيْ: مَهْزُوًّا بِهِما، فَإنَّهم لَمْ يَقْتَنِعُوا بِمُجَرَّدِ الكُفْرِ بِالآياتِ والرُّسُلِ بَلِ ارْتَكَبُوا مِثْلَ تِلْكَ العَظِيمَةِ أيْضًا.
18:107Page 304
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا ١٠٧
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - they will have the Gardens of Paradise1 as a lodging,
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَيانٌ بِطَرِيقِ الوَعْدِ لِمَآلِ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِأضْدادِ ما اتَّصَفَ بِهِ الكَفَرَةُ إثْرَ بَيانِ مَآلِهِمْ بِطَرِيقِ الوَعِيدِ، أيْ: آمَنُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ.
﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مِنَ الأعْمالِ ﴿كانَتْ لَهُمْ﴾ فِيما سَبَقَ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى، ووَعْدِهِ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ أثَرَ الرَّحْمَةِ يَصِلُ إلَيْهِمْ بِمُقْتَضى الرَّأْفَةِ الأزَلِيَّةِ بِخِلافِ ما مَرَّ مِن جَعْلِ جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا فَإنَّهُ بِمُوجِبِ ما حَدَثَ مِن سُوءِ اخْتِيارِهِمْ.
﴿جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ﴾ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الفِرْدَوْسَ هو البُسْتانُ بِالرُّومِيَّةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الجَنَّةُ بِالحَبَشِيَّةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو الجَنَّةُ المُلْتَفَّةُ الأشْجارِ. وقِيلَ: هي الجَنَّةُ الَّتِي تُنْبِتُ ضُرُوبًا مِنَ النَّباتِ. وقِيلَ: هي الجَنَّةُ مِنَ الكَرْمِ خاصَّةً. وقِيلَ: ما كانَ غالِبُهُ كَرْمًا. وقالَ المُبَرِّدُ: هو فِيما سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ، والأغْلَبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مِنَ العِنَبِ. وعَنْ كَعْبٍ أنَّهُ لَيْسَ في الجِنانِ أعْلى مِن جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ، وفِيها الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ. وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «فِي الجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَةٍ مَسِيرَةُ مِائَةِ عامٍ، والفِردَوْسُ أعْلاها، وفِيها الأنْهارُ الأرْبَعَةُ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ تَعالى؛ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّ فَوْقَهُ عَرْشَ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ.» ﴿نُزُلا﴾ خَبَرُ كانَتْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن نُزُلًا، أوْ عَلى أنَّهُ بَيانٌ، أوْ حالٌ مِن جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ. والخَبَرُ هو الجارُّ والمَجْرُورُ، فَإنَّ جَعْلَ النُّزُولِ بِمَعْنى ما يُهَيَّأُ لِلنّازِلِ، فالمَعْنى: كانَتْ لَهم ثِمارُ جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا، أوْ جُعِلَتْ نَفْسُ الجَنّاتِ نُزُلًا مُبالَغَةً في الإكْرامِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّها عِنْدَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَلى ما جَرى عَلى لِسانِ النُّبُوَّةِ مِن قَوْلِهِ: " «أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» ". بِمَنزِلَةِ النُّزُلِ بِالنِّسْبَةِ إلى الضِّيافَةِ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى المَنزِلِ فالمَعْنى ظاهِرٌ.
18:108Page 304
خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا ١٠٨
Wherein they abide eternally. They will not desire from it any transfer.
(p-251)﴿خالِدِينَ فِيها﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ.
﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ مَصْدَرٌ كالعِوَجِ والصِّغَرِ، أيْ: لا يَطْلُبُونَ تَحَوُّلًا عَنْها إذْ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ أعَزَّ عِنْدَهُمْ، وأرْفَعَ مِنها حَتّى تُنازِعَهم إلَيْهِ أنْفُسُهُمْ، وتَطْمَحَ نَحْوَهُ أبْصارُهم. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نَفْيُ التَّحَوُّلِ، وتَأْكِيدُ الخُلُودِ. والجُمْلَةُ حالٌ مِن صاحِبِ خالِدِينَ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ فِيهِ فَيَكُونُ حالًا مُتَداخِلَةً.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences