Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:189–200
2:189Page 29
۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩
They ask you, [O Muḥammad], about the crescent moons. Say, "They are measurements of time for the people and for ḥajj [pilgrimage]." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allāh. And enter houses from their doors. And fear Allāh that you may succeed.
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾: سَألَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ؛ وثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمٍ؛ فَقالا: ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو رَقِيقًا كالخَيْطِ؛ ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَسْتَوِيَ؛ ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ حَتّى يَعُودَ كَما بَدَأ؟ ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾؛ كانُوا قَدْ سَألُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ الحِكْمَةِ في اخْتِلافِ حالِ القَمَرِ؛ وتَبَدُّلِ أمْرِهِ؛ فَأمَرَهُ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ أنْ يُجِيبَهم بِأنَّ الحِكْمَةَ الظّاهِرَةَ في ذَلِكَ أنْ تَكُونَ مَعالِمَ لِلنّاسِ في عِباداتِهِمْ؛ لا سِيَّما الحَجُّ؛ فَإنَّ الوَقْتَ مُراعًى فِيهِ؛ أداءً؛ وقَضاءً؛ وكَذا في مُعامَلاتِهِمْ؛ عَلى حَسَبِ ما يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ؛ و"المَواقِيتُ": جَمْعُ "مِيقاتٌ"؛ مِن "الوَقْتُ"؛ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُدَّةِ؛ والزَّمانِ؛ أنَّ المُدَّةَ المُطْلَقَةَ امْتِدادُ حَرَكَةِ الفَلَكِ؛ مِن مَبْدَئِها إلى مُنْتَهاها؛ والزَّمانُ: مُدَّةٌ مَقْسُومَةٌ إلى الماضِي؛ والحالِ؛ والمُسْتَقْبَلِ؛ والوَقْتُ: الزَّمانُ المَفْرُوضُ لِأمْرٍ؛ ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾: كانَتِ الأنْصارُ إذا أحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا دارًا ولا فُسْطاطًا مِن بابِهِ؛ وإنَّما يَدْخُلُونَ ويَخْرُجُونَ مِن نَقْبٍ؛ أوْ فُرْجَةٍ وراءَها؛ ويُعِدُّونَ ذَلِكَ بِرًّا؛ فَبُيِّنَ لَهم أنَّهُ لَيْسَ بِبِرٍّ؛ فَقِيلَ: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾؛ أيْ: بِرُّ مَنِ اتَّقى المَحارِمَ؛ والشَّهَواتِ؛ ووَجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّهم سَألُوا عَنِ الأمْرَيْنِ؛ أوْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّها مَواقِيتُ لِلْحَجِّ ذَكَرَ عُقَيْبَهُ ما هُو مِن أفْعالِهِمْ في الحَجِّ؛ اسْتِطْرادًا؛ أوْ أنَّهم لَمّا سَألُوا عَمّا لا يَعْنِيهِمْ؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ النُّبُوَّةِ؛ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَبْعُوثٌ لِبَيانِ الشَّرائِعِ؛ لا لِبَيانِ حَقائِقِ الأشْياءِ؛ وتَرَكُوا السُّؤالَ عَمّا يَعْنِيهِمْ؛ ويَخْتَصُّ بِعِلْمِ الرِّسالَةِ؛ عَقَّبَ بِذِكْرِهِ جَوابَ ما سَألُوا عَنْهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَسْألُوا عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ؛ ويَهْتَمُّوا بِالعِلْمِ بِها؛ أوْ أُرِيدَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى تَعْكِيسِهِمْ في السُّؤالِ؛ وكَوْنِهِ مِن قَبِيلِ دُخُولِ البَيْتِ مِن ورائِهِ؛ والمَعْنى: ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَعْكِسُوا في مَسائِلِكُمْ؛ ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى ذَلِكَ؛ ولَمْ يَجْتَرِئْ عَلى مِثْلِهِ؛ ﴿وَأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾؛ إذْ لَيْسَ في العُدُولِ بِرٌّ؛ أوْ: باشِرُوا الأُمُورَ مِن وُجُوهِها؛ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ في تَغْيِيرِ أحْكامِهِ؛ أوْ في جَمِيعِ أُمُورِكُمْ؛ أمَرَ بِذَلِكَ صَرِيحًا بَعْدَ بَيانِ أنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقى؛ إظْهارًا لِزِيادَةِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ التَّقْوى؛ وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: لِكَيْ تَظْفَرُوا بِالبِرِّ؛ والهُدى.
2:190Page 29
وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ١٩٠
Fight in the way of Allāh those who fight against you but do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.
﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أيْ: جاهِدُوا لِإعْزازِ دِينِهِ؛ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ؛ ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾؛ قِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَما أُمِرُوا بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً؛ المُقاتِلِينَ مِنهُمْ؛ والمُحاجِزِينَ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: الَّذِينَ يُناصِبُونَكُمُ القِتالَ؛ ويُتَوَقَّعُ مِنهم ذَلِكَ؛ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ مِنَ المَشايِخِ؛ والصِّبْيانِ؛ والرَّهابِنَةِ والنِّساءِ؛ أوِ الكَفَرَةُ جَمِيعًا؛ فَإنَّ الكُلَّ بِصَدَدِ قِتالِ المُسْلِمِينَ؛ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رُوِيَ «أنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ وصالَحُوهُ عَلى أنْ يَرْجِعَ مِن قابِلٍ؛ فَيُخَلُّوا لَهُ مَكَّةَ؛ شَرَّفَها اللَّهُ (تَعالى)؛ ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ فَرَجَعَ لِعُمْرَةِ القَضاءِ؛ فَخافَ المُسْلِمُونَ ألّا يَفُوا لَهم ويُقاتِلُوهم في الحَرَمِ؛ والشَّهْرِ الحَرامِ؛ وكَرِهُوا ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ.» ويَعْضُدُهُ إيرادُهُ في أثْناءِ بَيانِ أحْكامِ الحَجِّ؛ ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾؛ بِابْتِداءِ (p-204)القِتالِ؛ أوْ بِقِتالِ المُعاهَدِ؛ والمُفاجَأةِ بِهِ؛ مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ؛ أوْ بِالمُثْلَةِ؛ وقَتْلِ مَن نُهِيتُمْ عَنْ قَتْلِهِ؛ مِنَ النِّساءِ؛ والصِّبْيانِ؛ ومَن يُجْرى مُجْراهُمْ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾؛ أيْ: لا يُرِيدُ بِهِمُ الخَيْرَ؛ وهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ.
2:191Page 30
وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩١
And kill them [in battle] wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah1 is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al-Ḥarām until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.
﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ أيْ: حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ؛ مِن حِلٍّ؛ أوْ حَرَمٍ؛ وأصْلُ "الثَّقْفُ": "الحَذْقُ"؛ في إدْراكِ الشَّيْءِ؛ عِلْمًا؛ أوْ عَمَلًا؛ وفِيهِ مَعْنى الغَلَبَةِ؛ ولِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِيها؛ قالَ:
؎ فَإمّا تَثْقَفُونِي فاقْتُلُونِي ∗∗∗ فَمَن أثْقَفْ فَلَيْسَ إلى خُلُودِ
﴿وَأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾؛ أيْ: مِن مَكَّةَ؛ وقَدْ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ؛ يَوْمَ الفَتْحِ؛ بِمَن لَمْ يُسَلِّمْ مِن كُفّارِها؛ ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾؛ أيْ: المِحْنَةُ الَّتِي يُفْتَتَنُ بِها الإنْسانُ؛ كالإخْراجِ مِنَ الوَطَنِ؛ أصْعَبُ مِنَ القَتْلِ؛ لِدَوامِ تَعَبِها؛ وبَقاءِ تَألُّمِ النَّفْسِ بِها؛ وقِيلَ: شِرْكُهم في الحَرَمِ؛ وصَدُّهم لَكم عَنْهُ؛ أشَدُّ مِن قَتْلِكم إيّاهم فِيهِ؛ ﴿وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾؛ أيْ: لا تُفاتِحُوهم بِالقَتْلِ هُناكَ؛ ولا تَهْتِكُوا حُرْمَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ؛ ﴿حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكُمْ﴾؛ ثَمَّةَ؛ ﴿فاقْتُلُوهُمْ﴾؛ فِيهِ؛ ولا تُبالُوا بِقِتالِهِمْ ثَمَّةَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ هَتَكُوا حُرْمَتَهُ؛ فاسْتَحَقُّوا أشَدَّ العَذابِ؛ وفي العُدُولِ عَنْ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ الَّتِي بِها ورَدَ النَّهْيُ؛ والشَّرْطُ؛ عِدَةٌ بِالنَّصْرِ؛ والغَلَبَةِ؛ وقُرِئَ: "وَلا تَقْتُلُوهم حَتّى يَقْتُلُوكم فَإنْ قَتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ"؛ والمَعْنى: حَتّى يَقْتُلُوا بَعْضَكُمْ؛ كَقَوْلِهِمْ: قَتَلَتْنا بَنُو أسَدٍ؛ ﴿كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾؛ يُفْعَلُ بِهِمْ مِثْلُ ما فَعَلُوا بِغَيْرِهِمْ.
2:192Page 30
فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٢
And if they cease, then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾؛ عَنِ القِتالِ؛ والكُفْرِ؛ بَعْدَما رَأوْا قِتالَكُمْ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ يَغْفِرُ لَهم ما قَدْ سَلَفَ.
2:193Page 30
وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩٣
Fight them until there is no [more] fitnah and [until] religion [i.e., worship] is [acknowledged to be] for Allāh. But if they cease, then there is to be no aggression [i.e., assault] except against the oppressors.
﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: أيْ: شِرْكٌ؛ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؛ خالِصًا؛ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ نَصِيبٌ؛ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾؛ بَعْدَ مُقاتَلَتِكم عَنِ الشِّرْكِ؛ ﴿فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: فَلا تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ؛ إذْ لا يَحْسُنُ الظُّلْمُ إلّا لِمَن ظُلِمَ؛ فَوَضْعُ العِلَّةِ مَوْضِعَ الحُكْمِ؛ وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ بِالعُدْوانِ؛ لِلْمُشاكَلَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾؛ أوْ: إنَّكم إنْ تَعَرَّضْتُمْ لِلْمُنْتَهِينَ صِرْتُمْ ظالِمِينَ؛ وتَنْعَكِسُ الحالُ عَلَيْكُمْ؛ والفاءُ الأُولى لِلتَّعْقِيبِ؛ والثّانِيَةُ لِلْجَزاءِ.
2:194Page 30
ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩٤
[Battle in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month,1 and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allāh and know that Allāh is with those who fear Him.
﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامُ﴾: قاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ في ذِي القِعْدَةِ؛ فَقِيلَ لَهم - عِنْدَ خُرُوجِهِمْ لِعُمْرَةِ القَضاءِ في ذِي القِعْدَةِ أيْضًا؛ وكَراهَتِهِمُ القِتالَ فِيهِ -: هَذا الشَّهْرُ الحَرامُ بِذَلِكَ الشَّهْرِ الحَرامِ؛ وهَتْكُهُ بِهَتْكِهِ؛ فَلا تُبالُوا بِهِ؛ ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾؛ أيْ: كُلُّ حُرْمَةٍ - وهي ما يَجِبُ المُحافَظَةُ عَلَيْهِ - يَجْرِي فِيها القِصاصُ؛ فَلِما هَتَكُوا حُرْمَةَ شَهْرِكم بِالصَّدِّ فافْعَلُوا بِهِمْ مِثْلَهُ؛ وادْخُلُوا عَلَيْهِمْ عُنْوَةً؛ فاقْتُلُوهم إنْ قاتَلُوكُمْ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾؛ (p-205)؛ وهو فَذْلَكَةٌ؛ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ في شَأْنِ الِانْتِصارِ؛ واحْذَرُوا أنْ تَعْتَدُوا إلى ما لَمْ يُرَخَّصْ لَكُمْ؛ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾؛ فَيَحْرُسُهُمْ؛ ويُصْلِحُ شُئُونَهم بِالنَّصْرِ؛ والتَّمْكِينِ.
2:195Page 30
وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٩٥
And spend in the way of Allāh and do not throw [yourselves] with your [own] hands into destruction [by refraining]. And do good; indeed, Allāh loves the doers of good.
﴿وَأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أمْرٌ بِالجِهادِ بِالمالِ؛ بَعْدَ الأمْرِ بِهِ بِالأنْفُسِ؛ أيْ: ولا تُمْسِكُوا كُلَّ الإمْساكِ؛ ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾؛ بِالإسْرافِ؛ وتَضْيِيعِ وجْهِ المَعاشِ؛ أوْ بِالكَفِّ عَنِ الغَزْوِ؛ والإنْفاقِ فِيهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُقَوِّي العَدُوَّ؛ ويُسَلِّطُهم عَلَيْكُمْ؛ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي أيُّوبٍ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: "لَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ؛ وكَثُرَ أهْلُهُ؛ رَجَعْنا إلى أهالِينا؛ وأمْوالِنا؛ نُقِيمُ فِيها؛ ونُصْلِحُها؛ فَنَزَلَتْ"؛ أوْ بِالإمْساكِ؛ وحُبِّ المالِ؛ فَإنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ المُؤَبَّدِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ البُخْلُ هَلاكًا؛ وهو في الأصْلِ انْتِهاءُ الشَّيْءِ في الفَسادِ؛ والإلْقاءُ: طَرْحُ الشَّيْءِ؛ وتَعْدِيَتُهُ بِـ "إلى" لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِانْتِهاءِ؛ والباءُ مَزِيدَةٌ؛ والمُرادُ بِالأيْدِي: الأنْفُسُ؛ و"التَّهْلُكَةُ": مَصْدَرٌ كَـ "التَّنْصُرَةُ"؛ و"التَّسْتُرَةُ"؛ وهي والهَلْكُ؛ والهَلاكُ؛ واحِدٌ؛ أيْ: لا تُوقِعُوا أنْفُسَكم في الهَلاكِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَجْعَلُوها آخِذَةً بِأيْدِيكُمْ؛ أوْ: لا تُلْقُوا بِأيْدِيكم أنْفُسَكم إلَيْها؛ فَحُذِفَ المَفْعُولُ؛ ﴿وَأحْسِنُوا﴾؛ أيْ: أعْمالَكُمْ؛ وأخْلاقَكُمْ؛ أوْ: تَفَضَّلُوا عَلى الفُقَراءِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ: يُرِيدُ بِهِمُ الخَيْرَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى):
2:196Page 30
وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦
And complete the ḥajj and ʿumrah for Allāh. But if you are prevented, then [offer] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And do not shave your heads until the sacrificial animal has reached its place of slaughter. And whoever among you is ill or has an ailment of the head [making shaving necessary must offer] a ransom of fasting [three days] or charity1 or sacrifice.2 And when you are secure,3 then whoever performs ʿumrah [during the ḥajj months]4 followed by ḥajj [offers] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And whoever cannot find [or afford such an animal] - then a fast of three days during ḥajj and of seven when you have returned [home]. Those are ten complete [days]. This is for those whose family is not in the area of al-Masjid al-Ḥarām. And fear Allāh and know that Allāh is severe in penalty.
﴿وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: بَيانٌ لِوُجُوبِ إتْمامِ أفْعالِهِما؛ عِنْدَ التَّصَدِّي لِأدائِهِما؛ وإرْشادٌ لِلنّاسِ إلى تَدارُكِ ما عَسى يَعْتَرِيهِمْ مِنَ العَوارِضِ المُخِلَّةِ بِذَلِكَ؛ مِنَ الإحْصارِ؛ ونَحْوِهِ؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِحالِهِما في أنْفُسِهِما؛ مِنَ الوُجُوبِ؛ وعَدَمِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾؛ فَإنَّهُ بَيانٌ لِوُجُوبِ مَدِّ الصِّيامِ إلى اللَّيْلِ؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِوُجُوبِ أصْلِهِ؛ وإنَّما هو بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ الآيَةِ.. كَما أنَّ وُجُوبَ الحَجِّ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ الآيَةِ.. فَإنَّ الأمْرَ بِإتْمامِ فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ لَيْسَ أمْرًا بِأصْلِهِ؛ ولا مُسْتَلْزِمًا لَهُ أصْلًا؛ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ العُمْرَةِ قَطْعًا؛ وادِّعاءُ أنَّ الأمْرَ بِإتْمامِهِما أمْرٌ بِإنْشائِهِما تامَّيْنِ كامِلَيْنِ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ قِراءَةُ "وَأقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ"؛ وأنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ ما لَمْ يَدُلَّ عَلى خِلافِهِ دَلِيلٌ؛ مِمّا لا سَدادَ لَهُ؛ ضَرُورَةَ أنْ لَيْسَ البَيانُ مَقْصُورًا عَلى أفْعالِ الحَجِّ المَفْرُوضِ؛ حَتّى يُتَصَوَّرَ ذَلِكَ؛ بَلِ الحَقُّ أنَّ تِلْكَ القِراءَةَ أيْضًا مَحْمُولَةٌ عَلى المَشْهُورَةِ؛ ناطِقَةٌ بِوُجُوبِ إقامَةِ أفْعالِهِما كَما يَنْبَغِي؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِحالِهِما في أنْفُسِهِما؛ فالمَعْنى: أكْمِلُوا أرْكانَهُما؛ وشَرائِطَهُما؛ وسائِرَ أفْعالِهِما المَعْرُوفَةِ شَرْعًا؛ لِوَجْهِ اللَّهِ (تَعالى)؛ مِن غَيْرِ إخْلالٍ مِنكم بِشَيْءٍ مِنها؛ هَذا.. وقَدْ قِيلَ: إتْمامُهُما أنْ تُحْرِمَ (p-206)بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ؛ وابْنِ عَبّاسٍ؛ وابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ وقِيلَ: أنْ تُفْرِدَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما سَفَرًا؛ كَما قالَ مُحَمَّدٌ: حَجَّةٌ كُوفِيَّةٌ؛ وعُمْرَةٌ كُوفِيَّةٌ؛ أفْضَلُ؛ وقِيلَ: هو جَعْلُ نَفَقَتِهِما حَلالًا؛ وقِيلَ: أنْ تُخْلِصُوهُما لِلْعِبادَةِ؛ ولا تَشُوبُوهُما بِشَيْءٍ مِنَ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ وأيًّا ما كانَ فَلا تَعَرُّضَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِوُجُوبِ العُمْرَةِ أصْلًا؛ وأمّا ما رُوِيَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: "إنَّ العُمْرَةَ لَقَرِينَةُ الحَجِّ"؛ وقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ"؛ حِينَ قالَ لَهُ رَجُلٌ: وجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ؛ فَأهْلَلْتُ بِهِما؛ وفي رِوايَةٍ: فَأهْلَلْتُ بِهِما جَمِيعًا؛ فَبِمَعْزِلٍ مِن إفادَةِ الوُجُوبِ؛ مَعَ كَوْنِهِ مُعارَضًا بِما رُوِيَ «عَنْ جابِرٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ألْعُمْرَةُ واجِبَةٌ مِثْلَ الحَجِّ؟ قالَ: "لا.. ولَكِنْ أنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ"؛» وبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "الحَجُّ جِهادٌ؛ والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ"؛» فَتَدَبَّرْ.
﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: أيْ: مُنِعْتُمْ مِنَ الحَجِّ؛ يُقالُ: "حَصَرَهُ العَدُوُّ"؛ و"أحْصَرَهُ"؛ إذا حَبَسَهُ؛ ومَنَعَهُ مِنَ المُضِيِّ لِوَجْهِهِ؛ مِثْلَ "صَدَّهُ"؛ و"أصَدَّهُ"؛ والمُرادُ: مَنعُ العَدُوِّ؛ عِنْدَ مالِكٍ؛ والشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾؛ ولِنُزُولِهِ في الحُدَيْبِيَةِ؛ ولِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: "لا حَصْرَ إلّا حَصْرُ العَدُوِّ"؛ وكُلُّ مَنعٍ مِن عَدُوٍّ؛ أوْ مَرَضٍ؛ أوْ غَيْرِهِما؛ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن كُسِرَ؛ أوْ عَرَجَ؛ فَعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ"؛» ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾؛ أيْ: فَعَلَيْكُمْ؛ أوْ: فالواجِبُ ما اسْتَيْسَرَ؛ أوْ: فاهْدُوا ما اسْتَيْسَرَ؛ والمَعْنى أنَّ المُحْرِمَ إذا أُحْصِرَ؛ وأرادَ أنْ يَتَحَلَّلَ؛ تَحَلَّلَ بِذَبْحِ هَدْيٍ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ؛ مِن بَدَنَةٍ؛ أوْ بَقَرَةٍ؛ أوْ شاةٍ؛ حَيْثُ أُحْصِرَ؛ عِنْدَ الأكْثَرِ؛ وعِنْدَنا: يَبْعَثُ بِهِ إلى الحَرَمِ؛ ويَجْعَلُ لِلْمَبْعُوثِ بِيَدِهِ يَوْمَ أمارٍ؛ فَإذا جاءَ اليَوْمُ؛ وظَنَّ أنَّهُ ذَبَحَ؛ تَحَلَّلَ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾؛ أيْ: لا تُحِلُّوا حَتّى تَعْلَمُوا أنَّ الهَدْيَ المَبْعُوثَ إلى الحَرَمِ بَلَغَ مَكانَهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُنْحَرَ فِيهِ؛ وحَمَلَ الأوَّلُونَ بُلُوغَ الهَدْيِ مَحِلَّهُ عَلى ذَبْحِهِ؛ حَيْثُ يَحِلُّ ذَبْحُهُ فِيهِ حِلًّا كانَ أوْ حَرَمًا؛ ومَرْجِعُهم في ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَبَحَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ بِها؛ وهي مِنَ الحِلِّ؛ قُلْنا: كانَ مَحْصَرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - طَرَفَ الحُدَيْبِيَةِ؛ الَّذِي إلى أسْفَلِ مَكَّةَ؛ وهو مِنَ الحَرَمِ؛ وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ هَدْيَهُ في الحَرَمِ؛ وقالَ الواقِدِيُّ: الحُدَيْبِيَةُ هي طَرَفُ الحَرَمِ عَلى تِسْعَةِ أمْيالٍ مِن مَكَّةَ. والمَحِلُّ - بِالكَسْرِ - يُطْلَقُ عَلى المَكانِ؛ والزَّمانِ؛ والهَدْيُ: جَمْعُ "هَدْيَةٌ"؛ كَـ "جَدْيٌ"؛ و"جَدْيَةٌ"؛ وقُرِئَ: "مِنَ الهَدِيِّ"؛ جَمْعُ "هَدِيَّةٌ"؛ كَـ "مَطِيٌّ"؛ و"مَطِيَّةٌ"؛ ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾؛ مَرَضًا مُحْوِجًا إلى الحَلْقِ؛ ﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾؛ كَجِراحَةٍ؛ أوْ قُمَّلٍ؛ ﴿فَفِدْيَةٌ﴾؛ أيْ: فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ إنْ حَلَقَ؛ ﴿مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾: بَيانٌ لِجِنْسِ الفِدْيَةِ؛ وأمّا قَدْرُها فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ قالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: "لَعَلَّكَ آذاكَ هَوامُّكَ"؛ قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ؛ قالَ: "احْلِقْ وصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ أوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ؛ أوِ انْسُكْ شاةً"؛» والفَرَقُ: ثَلاثَةُ آصُعٍ؛ ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾؛ أيِ الإحْصارَ؛ أوْ كُنْتُمْ في حالِ أمْنٍ؛ أوْ سَعَةٍ؛ ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾؛ أيْ: فَمَنِ انْتَفَعَ بِالتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ (تَعالى) بِالعُمْرَةِ؛ قَبْلَ الِانْتِفاعِ بِتَقَرُّبِهِ بِالحَجِّ؛ في أشْهُرِهِ؛ وقِيلَ: مَنِ اسْتَمْتَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِن عُمْرَتِهِ بِاسْتِباحَةِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ؛ إلى أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ؛ ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾؛ أيْ: فَعَلَيْهِ دَمٌ اسْتَيْسَرَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ التَّمَتُّعِ؛ وهو دَمُ جُبْرانٍ؛ يَذْبَحُهُ إذا أحْرَمَ بِالحَجِّ؛ ولا يَأْكُلُ مِنهُ؛ عِنْدَ الشّافِعِيِّ؛ وعِنْدَنا: هو كالأُضْحِيَةِ؛ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾؛ أيِ الهَدْيَ؛ ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾؛ أيْ: في أشْهُرِهِ؛ بَيْنَ الإحْرامَيْنِ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: في أيّامِ الِاشْتِغالِ بِأعْمالِهِ؛ بَعْدَ الإحْرامِ؛ وقَبْلَ التَّحَلُّلِ؛ والأحَبُّ أنْ يَصُومَ سابِعَ ذِي الحِجَّةِ؛ وثامِنَهُ؛ وتاسِعَهُ؛ فَلا يَصِحُّ يَوْمَ النَّحْرِ؛ وأيّامَ التَّشْرِيقِ؛ ﴿وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾؛ أيْ: نَفَرْتُمْ؛ وفَرَغْتُمْ مِن (p-207)أعْمالِهِ؛ وفي أحَدِ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ: إذا رَجَعْتُمْ إلى أهْلِيكُمْ؛ وقُرِئَ: "وَسَبْعَةً"؛ بِالنَّصْبِ؛ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ "ثَلاثَةِ أيّامٍ"؛ ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾؛ فَذْلَكَةُ الحِسابِ؛ وفائِدَتُها ألّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الواوَ بِمَعْنى "أوْ"؛ كَما في قَوْلِكَ: "جالِسِ الحَسَنَ وابْنَ سِيرِينَ"؛ وأنْ يُعْلَمَ العَدَدُ جُمْلَةً؛ كَما عُلِمَ تَفْصِيلًا؛ فَإنَّ أكْثَرَ العَرَبِ لا يَعْرِفُ الحِسابَ؛ وأنَّ المُرادَ بِالسَّبْعَةِ هو العَدَدُ المَخْصُوصُ؛ دُونَ الكَثْرَةِ؛ كَما يُرادُ بِها ذَلِكَ أيْضًا؛ ﴿كامِلَةٌ﴾: صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ "عَشَرَةٌ"؛ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في المُحافَظَةِ عَلى العَدَدِ؛ أوْ مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ العَشَرَةِ؛ فَإنَّها أوَّلُ عَدَدٍ كامِلٍ؛ إذْ بِهِ يَنْتَهِي الآحادُ؛ ويَتِمُّ مَراتِبُها؛ أوْ مُقَيِّدَةٌ؛ تُفِيدُ كَمالَ بَدَلِيَّتِها مِن "الهَدْيِ"؛ ﴿ذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى التَّمَتُّعِ عِنْدَنا؛ وإلى الحُكْمِ المَذْكُورِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ؛ ﴿لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾؛ وهو مَن كانَ مِنَ الحَرَمِ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ؛ عِنْدَ الشّافِعِيِّ؛ ومَن كانَ مَسْكَنُهُ وراءَ المِيقاتِ؛ عِنْدَنا؛ وأهْلُ الحِلِّ عِنْدَ طاوُسٍ؛ وغَيْرُ أهْلِ مَكَّةَ؛ عِنْدَ مالِكٍ؛ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في المُحافَظَةِ عَلى أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ؛ لا سِيَّما في الحَجِّ؛ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾؛ لِمَن لَمْ يَتَّقِهِ؛ كَيْ يَصُدَّكُمُ العِلْمُ بِهِ عَنِ العِصْيانِ؛ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.
2:197Page 31
ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٧
Ḥajj is [during] well-known months,1 so whoever has made ḥajj obligatory upon himself therein [by entering the state of iḥrām], there is [to be for him] no sexual relations and no disobedience and no disputing during ḥajj. And whatever good you do - Allāh knows it. And take provisions, but indeed, the best provision is fear of Allāh. And fear Me, O you of understanding.
﴿الحَجُّ﴾؛ أيْ: وقْتُهُ؛ ﴿أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾؛ مَعْرُوفاتٌ بَيْنَ النّاسِ؛ هِيَ: شَوّالٌ؛ وذُو القِعْدَةِ؛ وعَشْرُ ذِي الحِجَّةِ؛ (عِنْدَنا؛ وتِسْعَةٌ بِلَيْلَةِ النَّحْرِ؛ عِنْدَ الشّافِعِيِّ؛ وكُلُّهُ عِنْدَ مالِكٍ؛ ومَدارُ الخِلافِ أنَّ المُرادَ بِوَقْتِهِ وقْتُ إحْرامِهِ؛ أوْ وقْتُ أعْمالِهِ؛ ومَناسِكِهِ؛ أوْ ما لا يَحْسُنُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ المَناسِكِ مُطْلَقًا؛ فَإنَّ مالِكًا كَرِهَ العُمْرَةَ في بَقِيَّةِ ذِي الحِجَّةِ؛ وأبُو حَنِيفَةَ؛ وإنْ صَحَّحَ الإحْرامَ بِهِ قَبْلَ شَوّالٍ؛ فَقَدِ اسْتَكْرَهَهُ؛ وإنَّما سَمّى شَهْرَيْنِ؛ وبَعْضَ شَهْرٍ؛ أشْهُرًا إقامَةً لِلْبَعْضِ مَقامَ الكُلِّ؛ أوْ إطْلاقًا لِلْجَمْعِ عَلى ما فَوْقَ الواحِدِ؛ وصِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ في غَيْرِ العُقَلاءِ تَجِيءُ بِالألِفِ والتّاءِ؛ ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾؛ أيْ: أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالإحْرامِ فِيهِنَّ؛ أوْ بِالتَّلْبِيَةِ؛ أوْ بِسَوْقِ الهَدْيِ؛ ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾؛ أيْ: لا جِماعَ؛ أوْ: فَلا فُحْشَ مِنَ الكَلامِ؛ ولا خُرُوجَ مِن حُدُودِ الشَّرْعِ بِارْتِكابِ المَحْظُوراتِ؛ وقِيلَ: بِالسِّبابِ؛ والتَّنابُزِ بِالألْقابِ؛ ﴿وَلا جِدالَ﴾؛ أيْ: لا مِراءَ مَعَ الخَدَمِ؛ والرُّفْقَةِ؛ ﴿فِي الحَجِّ﴾؛ أيْ في أيّامِهِ؛ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ؛ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ؛ فَإنَّ زِيارَةَ البَيْتِ المُعَظَّمِ؛ والتَّقَرُّبَ بِها إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن مُوجِباتِ تَرْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ؛ وإيثارُ النَّفْيِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ؛ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِألّا يَكُونُ؛ فَإنَّ ما كانَ مُنْكَرًا مُسْتَقْبَحًا في نَفْسِهِ فَفي تَضاعِيفِ الحَجِّ أقْبَحُ؛ كَلُبْسِ الحَرِيرِ في الصَّلاةِ؛ والتَّطْرِيبِ بِقِراءَةِ القرآن؛ لِأنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ مُقْتَضى الطَّبْعِ؛ والعادَةِ؛ إلى مَحْضِ العِبادَةِ؛ وقُرِئَ الأوَّلانِ بِالرَّفْعِ؛ عَلى مَعْنى: لا يَكُونَنَّ رَفَثٌ؛ ولا فُسُوقٌ؛ والثّالِثُ بِالفَتْحِ؛ عَلى مَعْنى الإخْبارِ بِانْتِفاءِ الخِلافِ في الحَجِّ؛ وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تُخالِفُ سائِرَ العَرَبِ؛ فَتَقِفُ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ؛ فارْتَفَعَ الخِلافُ بِأنْ أُمِرُوا بِأنْ يَقِفُوا أيْضًا بِعَرَفاتٍ؛ ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾؛ فَيَجْزِيَ بِهِ خَيْرَ جَزاءٍ؛ وهو حَثٌّ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ؛ إثْرَ النَّهْيِ عَنِ الشَّرِّ؛ ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾؛ أيْ: تَزَوَّدُوا لِمَعادِكُمُ التَّقْوى؛ فَإنَّهُ خَيْرُ زادٍ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في أهْلِ اليَمَنِ؛ كانُوا يَحُجُّونَ؛ ولا يَتَزَوَّدُونَ؛ ويَقُولُونَ (p-208)نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ؛ فَيَكُونُونَ كَلًّا عَلى النّاسِ؛ فَأُمِرُوا أنْ يَتَزَوَّدُوا؛ ويَتَّقُوا الإبْرامَ في السُّؤالِ؛ والتَّثْقِيلَ عَلى النّاسِ؛ ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألباب﴾؛ فَإنَّ قَضِيَّةَ اللُّبِّ اسْتِشْعارُ خَشْيَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقْواهُ؛ حَثَّهم عَلى التَّقْوى؛ ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِذَلِكَ هو اللَّهُ (تَعالى)؛ فَيَتَبَرَّؤُوا مِن كُلِّ شَيْءٍ سِواهُ؛ وهو مُقْتَضى العَقْلِ؛ المُعَرّى عَنْ شَوائِبِ الهَوى؛ فَلِذَلِكَ خُصَّ بِهَذا الخِطابِ أُولُو الألباب.
2:198Page 31
لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ١٩٨
There is no blame upon you for seeking bounty1 from your Lord [during ḥajj]. But when you depart from ʿArafāt, remember Allāh at al-Mashʿar al-Ḥarām.2 And remember Him, as He has guided you, for indeed, you were before that among those astray.
﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا﴾: أيْ: في أنْ تَبْتَغُوا؛ أيْ: تَطْلُبُوا؛ ﴿فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾؛ عَطاءً؛ ورِزْقًا مِنهُ؛ أيْ: الرِّبْحَ بِالتِّجارَةِ؛ (وَقِيلَ: كانَ عُكاظٌ؛ ومَجَنَّةُ؛ وذُو المَجازِ - أسْواقُهم في الجاهِلِيَّةِ - يُقِيمُونَها أيّامَ مَواسِمِ الحَجِّ؛ وكانَتْ مَعايِشُهم مِنها؛ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَأثَّمُوا مِنهُ؛ فَنَزَلَتْ.
﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾؛ أيْ: دَفَعْتُمْ مِنها بِكَثْرَةٍ؛ مِن "أفَضْتُ الماءَ"؛ إذا صَبَبْتُهُ بِكَثْرَةٍ؛ وأصْلُهُ: "أفَضْتُمْ أنْفُسَكُمْ"؛ فَحُذِفَ المَفْعُولُ؛ حَذْفَهُ مِن "دَفَعْتُ مِنَ البَصْرَةِ"؛ و"عَرَفاتٌ": جَمْعٌ سُمِّيَ بِهِ؛ كَـ "أذْرِعاتٌ"؛ وإنَّما نُوِّنَ؛ وكُسِرَ؛ وفِيهِ عَلَمِيَّةٌ وتَأْنِيثٌ؛ لِما أنَّ تَنْوِينَ الجَمْعِ تَنْوِينُ المُقابَلَةِ؛ لا تَنْوِينُ التَّمَكُّنِ؛ ولِذَلِكَ يُجْمَعُ مَعَ اللّامِ؛ وذَهابُ الكَسْرَةِ تَبَعُ ذَهابِ التَّنْوِينِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ؛ لِعَدَمِ الصَّرْفِ؛ وهَهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ أوْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ إمّا بِالتّاءِ المَذْكُورَةِ؛ وهي لَيْسَتْ بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ وإنَّما هي مَعَ الألِفِ الَّتِي قَبْلَها عَلامَةُ جَمْعِ المُؤَنَّثِ؛ أوْ بِتاءٍ مُقَدَّرَةٍ؛ كَما في "سُعادُ"؛ ولا سَبِيلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَةَ تَأْبى تَقْدِيرَها؛ لِما أنَّها كالبَدَلِ مِنها؛ لِاخْتِصاصِها بِالمُؤَنَّثِ؛ كَتاءِ "بِنْتٌ" وإنَّما سُمِّيَ المَوْقِفُ "عَرَفَةَ" لِأنَّهُ نُعِتَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَلَمّا أبْصَرَهُ عَرَفَهُ؛ أوْ لِأنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَدُورُ بِهِ في المَشاعِرِ؛ فَلَمّا رَآهُ قالَ: عَرَفْتُ؛ أوْ لِأنَّ آدَمَ؛ وحَوّاءَ؛ التَقَيا فِيهِ؛ فَتَعارَفا؛ أوْ لِأنَّ النّاسَ يَتَعارَفُونَ فِيهِ؛ وهي مِنَ الأسْماءِ المُرْتَجَلَةِ؛ إلّا مَن يَجْعَلُها جَمْعَ "عارِفٌ"؛ قِيلَ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوُقُوفِ بِها؛ (لِأنَّ الإفاضَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَهُ؛ وهي مَأْمُورٌ بِها؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾؛ وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « "الحَجُّ عَرَفَةُ؛ فَمَن أدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ"؛» أوْ مُقَدِّمَةٌ لِلذِّكْرِ المَأْمُورِ بِهِ؛ وفِيهِ نَظَرٌ؛ إذِ الذِّكْرُ غَيْرُ واجِبٍ؛ والأمْرُ بِهِ غَيْرُ مُطْلَقٍ؛ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ بِالتَّلْبِيَةِ؛ والتَّهْلِيلِ؛ والدُّعاءِ؛ وقِيلَ: بِصَلاةِ العِشاءَيْنِ؛ ﴿عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾؛ هو جَبَلٌ يَقِفُ عَلَيْهِ الإمامُ؛ ويُسَمّى "قُزَحُ"؛ (وَقِيلَ: ما بَيْنَ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ؛ ووادِي مُحَسِّرٍ؛ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رَوى جابِرٌ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا صَلّى الفَجْرَ؛ يَعْنِي بِالمُزْدَلِفَةِ؛ بِغَلَسٍ؛ رَكِبَ ناقَتَهُ؛ حَتّى أتى المَشْعَرَ الحَرامَ؛ فَدَعا فِيهِ؛ وكَبَّرَ؛ وهَلَّلَ؛ ولَمْ يَزَلْ واقِفًا حَتّى أسْفَرَ؛» وإنَّما سُمِّيَ مَشْعَرًا لِأنَّهُ مَعْلَمُ العِبادَةِ؛ ووُصِفَ بِـ "الحَرامِ" لِحُرْمَتِهِ؛ ومَعْنى ﴿عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾: ما يَلِيهِ؛ ويَقْرُبُ مِنهُ؛ فَإنَّهُ أفْضَلُ؛ وإلّا فالمُزْدَلِفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ؛ إلّا وادِيَ مُحَسِّرٍ؛ ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾؛ أيْ: كَما عَلَّمَكُمْ؛ أوْ: اذْكُرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا؛ كَما هَداكم هِدايَةً حَسَنَةً إلى المَناسِكِ؛ وغَيْرِها؛ و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ أوْ كافَّةٌ؛ ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ﴾؛ مِن قَبْلِ ما ذُكِرَ مِن هِدايَتِهِ إيّاكُمْ؛ ﴿لَمِنَ الضّالِّينَ﴾؛ غَيْرِ العامِلِينَ بِالإيمانِ؛ والطّاعَةِ؛ و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ؛ واللّامُ هي الفارِقَةُ؛ وقِيلَ: هي نافِيَةٌ؛ واللّامُ بِمَعْنى "إلّا"؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ .
2:199Page 31
ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٩
Then depart from the place from where [all] the people depart and ask forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾: (p-209)أيْ: مِن عَرَفَةَ؛ لا مِنَ المُزْدَلِفَةِ؛ والخِطابُ لِقُرَيْشٍ؛ لَمّا كانُوا يَقِفُونَ بِجُمَعٍ؛ وسائِرُ النّاسِ بِعَرَفَةَ؛ ويَرَوْنَ ذَلِكَ تَرَفُّعًا عَلَيْهِمْ؛ فَأُمِرُوا بِأنْ يُساوُوهُمْ؛ و"ثُمَّ" لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ؛ كَما في قَوْلِكَ: "أحْسِنْ إلى النّاسِ؛ ثُمَّ لا تُحْسِنْ إلّا إلى كَرِيمٍ"؛ وقِيلَ: مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى؛ بَعْدَ الإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ إلَيْها؛ والخِطابُ عامٌّ؛ وقُرِئَ: "النّاسِ"؛ بِكَسْرِ السِّينِ؛ أيْ: "النّاسِي"؛ عَلى أنْ يُرادَ بِهِ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَنَسِيَ﴾؛ والمَعْنى أنَّ الإفاضَةَ مِن عَرَفَةَ شَرْعٌ قَدِيمٌ؛ فَلا تُغَيِّرُوهُ؛ ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾؛ مِن جاهِلِيَّتِكم في تَغْيِيرِ المَناسِكِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ يَغْفِرُ ذَنْبَ المُسْتَغْفِرِ؛ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ؛ فَهو تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِغْفارِ؛ أوْ لِلْأمْرِ بِهِ.
2:200Page 31
فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ ٢٠٠
And when you have completed your rites, remember Allāh like your [previous] remembrance of your fathers or with [much] greater remembrance. And among the people is he who says, "Our Lord, give us in this world," and he will have in the Hereafter no share.
﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾؛ عِباداتِكُمُ المُتَعَلِّقَةَ بِالحَجِّ؛ وفَرَغْتُمْ مِنها؛ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾؛ أيْ: فَأكْثِرُوا ذِكْرَهُ (تَعالى)؛ وبالِغُوا في ذَلِكَ؛ كَما تَفْعَلُونَ بِذِكْرِ آبائِكُمْ؛ ومَفاخِرِهِمْ؛ وأيّامِهِمْ؛ وكانَتِ العَرَبُ إذا قَضَوْا مَناسِكَهم وقَفُوا بِمِنًى؛ بَيْنَ المَسْجِدِ؛ والجَبَلِ؛ فَيَذْكُرُونَ مَفاخِرَ آبائِهِمْ؛ ومَحاسِنَ أيّامِهِمْ؛ ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾: إمّا مَجْرُورٌ؛ مَعْطُوفٌ عَلى الذِّكْرِ؛ بِجَعْلِهِ ذاكِرًا؛ عَلى المَجازِ؛ والمَعْنى: فاذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كائِنًا مِثْلَ ذِكْرِكم آباءَكُمْ؛ أوْ كَذِكْرٍ أشَدَّ مِنهُ؛ وأبْلَغَ؛ أوْ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ؛ بِمَعْنى: أوْ كَذِكْرِ قَوْمٍ أشَدَّ مِنكم ذِكْرًا؛ أوْ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى "آباءَكُمْ"؛ و"ذِكْرًا" مِن فِعْلِ المَذْكُورِ؛ بِمَعْنى: أوْ كَذِكْرِكم أشَدَّ مَذْكُورٍ مِن آبائِكُمْ؛ أوْ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ تَقْدِيرُهُ: أوْ كُونُوا أشَدَّ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنكم لِآبائِكُمْ؛ ﴿فَمِنَ النّاسِ﴾: تَفْصِيلٌ لِلذّاكِرِينَ إلى مَن لا يَطْلُبُ بِذِكْرِ اللَّهِ (تَعالى) إلّا الدُّنْيا؛ وإلى مَن يَطْلُبُ بِهِ خَيْرَ الدّارَيْنِ؛ والمُرادُ بِهِ الحَثُّ عَلى الإكْثارِ؛ والِانْتِظامِ في سِلْكِ الآخَرِينَ؛ ﴿مَن يَقُولُ﴾؛ أيْ: في ذِكْرِهِ؛ ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾؛ أيْ: اجْعَلْ إيتاءَنا ومِنحَتَنا في الدُّنْيا خاصَّةً؛ ﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾؛ أيْ: مِن حَظٍّ ونَصِيبٍ؛ لِاقْتِصارِ هَمِّهِ عَلى الدُّنْيا؛ فَهو بَيانٌ لِحالِهِ في الآخِرَةِ؛ أوْ: مِن طَلَبِ خَلاقٍ؛ فَهو بَيانٌ لِحالِهِ في الدُّنْيا؛ وتَأْكِيدٌ لِقَصْرِ دُعائِهِ عَلى المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences