Abu as-Su'udAl‑Baqarah · 2:201–215

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:201–215

2:201Page 31

وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ٢٠١

But among them is he who says, "Our Lord, give us in this world [that which is] good and in the Hereafter [that which is] good and protect us from the punishment of the Fire."

﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾: هي الصِّحَّةُ؛ والكَفافُ؛ والتَّوْفِيقُ لِلْخَيْرِ؛ ﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾: هي الثَّوابُ؛ والرَّحْمَةُ؛ ﴿وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾؛ بِالعَفْوِ؛ والمَغْفِرَةِ؛ ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا المَرْأةُ الصّالِحَةُ؛ وفي الآخِرَةِ الحَوْراءُ؛ وعَذابُ النّارِ امْرَأةُ السُّوءِ؛ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا العِلْمُ؛ والعِبادَةُ؛ وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ؛ و"قِنا عَذابَ النّارِ"؛ مَعْناهُ: احْفَظْنا مِنَ الشَّهَواتِ؛ والذُّنُوبِ المُؤَدِّيَةِ إلى النّارِ.

2:202Page 31

أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٢٠٢

Those will have a share of what they have earned, and Allāh is swift in account.

﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإشارَةِ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ؛ وقِيلَ: إلَيْهِما مَعًا؛ فالتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾؛ عَلى الأوَّلِ؛ لِلتَّفْخِيمِ؛ وعَلى الثّانِي لِلتَّنْوِيعِ؛ أيْ: لِكُلٍّ مِنهم نَوْعُ نَصِيبٍ (p-210)مِن جِنْسِ ما كَسَبُوا؛ أوْ مِن أجْلِهِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾؛ أوْ: مِمّا دَعَوْا بِهِ نُعْطِيهِمْ مِنهُ ما قَدَّرْناهُ؛ وتَسْمِيَةُ الدُّعاءِ "كَسْبًا" لِما أنَّهُ مِنَ الأعْمالِ؛ ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ يُحاسِبُ العِبادَ عَلى كَثْرَتِهِمْ؛ وكَثْرَةِ أعْمالِهِمْ؛ في مِقْدارِ لَمْحَةٍ؛ فاحْذَرُوا مِنَ الإخْلالِ بِطاعَةِ مَن هَذا شَأْنُ قدرته؛ أوْ يُوشِكُ أنْ يُقِيمَ القِيامَةَ؛ ويُحاسِبَ النّاسَ؛ فَبادِرُوا إلى الطّاعاتِ؛ واكْتِسابِ الحَسَناتِ.

2:203Page 32

۞ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٠٣

And remember Allāh during [specific] numbered days. Then whoever hastens [his departure] in two days - there is no sin upon him; and whoever delays [until the third] - there is no sin upon him - for him who fears Allāh. And fear Allāh and know that unto Him you will be gathered.

﴿واذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: كَبِّرُوهُ في أعْقابِ الصَّلَواتِ؛ وعِنْدَ ذَبْحِ القَرابِينِ؛ ورَمْيِ الجِمارِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾؛ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ؛ ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾؛ أيِ اسْتَعْجَلَ في النَّفْرِ؛ أوِ النَّفَرِ؛ فَإنَّ التَّفَعُّلَ؛ والِاسْتِفْعالَ؛ يَجِيئانِ لازِمَيْنِ؛ ومُتَعَدِّيَيْنِ؛ يُقالُ: "تَعَجَّلَ في الأمْرِ"؛ و"اسْتَعْجَلَ فِيهِ"؛ و"تَعَجَّلَهُ"؛ و"اسْتَعْجَلَهُ"؛ والأوَّلُ أوْفَقُ لِلتَّأخُّرِ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ

﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾؛ أيْ: في تَمامِ يَوْمَيْنِ؛ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ وهو يَوْمُ القَرِّ؛ ويَوْمُ الرُّؤُوسِ؛ واليَوْمُ بَعْدَهُ؛ يَنْفِرُ إذا فَرَغَ مِن رَمْيِ الجِمارِ؛ ﴿وَمَن تَأخَّرَ﴾؛ في النَّفْرِ حَتّى رَمى في اليَوْمِ الثّالِثِ؛ قَبْلَ الزَّوالِ؛ أوْ بَعْدَهُ؛ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ: بَعْدَهُ فَقَطْ؛ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ بِما صَنَعَ مِنَ التَّأخُّرِ؛ والمُرادُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ التَّعَجُّلِ؛ والتَّأخُّرِ؛ ولا يَقْدَحُ فِيهِ أفْضَلِيَّةُ الثّانِي؛ وإنَّما ورَدَ بِنَفْيِ الإثْمِ تَصْرِيحًا بِالرَّدِّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ حَيْثُ كانُوا مُخْتَلِفِينَ؛ فَمِن مُؤَثِّمٍ لِلْمُتَعَجِّلِ؛ ومُؤَثِّمٍ لِلْمُتَأخِّرِ؛ ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾: خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: الَّذِي ذُكِرَ مِنَ التَّخْيِيرِ؛ ونَفْيِ الإثْمِ عَنِ المُتَعَجِّلِ؛ والمُتَأخِّرِ؛ أوْ مِنَ الأحْكامِ؛ لِمَنِ اتَّقى؛ لِأنَّهُ الحاجُّ عَلى الحَقِيقَةِ؛ والمُنْتَفِعُ بِهِ؛ أوْ لِأجْلِهِ؛ حَتّى لا يَتَضَرَّرَ بِتَرْكِ ما يُهِمُّهُ مِنهُما؛ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ في مَجامِعِ أُمُورِكُمْ؛ بِفِعْلِ الواجِباتِ؛ وتَرْكِ المَحْظُوراتِ؛ لِيَعْبَأ بِكُمْ؛ وتُنْظَمُوا في سِلْكِ المُغْتَنِمِينَ بِالأحْكامِ المَذْكُورَةِ؛ والرُّخَصِ؛ أوْ: احْذَرُوا الإخْلالَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ؛ وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ أيْ: لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِكُمْ؛ بَعْدَ الإحْياءِ؛ والبَعْثِ؛ وأصْلُ الحَشْرِ: الجَمْعُ؛ وضَمُّ المُتَفَرِّقِ؛ وهو تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى؛ ومُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ بِهِ؛ فَإنَّ مَن عَلِمَ بِالحَشْرِ؛ والمُحاسَبَةِ؛ والجَزاءِ؛ كانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى مُلازَمَةِ التَّقْوى.

2:204Page 32

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤

And of the people is he whose speech pleases you in worldly life, and he calls Allāh to witness as to what is in his heart, yet he is the fiercest of opponents.

﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾: تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ؛ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ؛ سِيقَ لِبَيانِ تَحَزُّبِ النّاسِ في شَأْنِ التَّقْوى إلى حِزْبَيْنِ؛ وتَعْيِينِ مَآلِ كُلٍّ مِنهُما؛ و"مَن" مَوْصُولَةٌ؛ أوْ مَوْصُوفَةٌ؛ وإعْرابُهُ كَما بُيِّنَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ أيْ: ومِنهم مَن يَرُوقُكَ كَلامُهُ؛ ويَعْظُمُ مَوْقِعُهُ في نَفْسِكَ؛ لِما تُشاهِدُ فِيهِ مِن مُلاءَمَةِ الفَحْوى؛ ولُطْفِ الأداءِ. والتَّعَجُّبِ: حَيْرَةٌ تَعْرِضُ لِلْإنْسانِ بِسَبَبِ عَدَمِ الشُّعُورِ؛ بِسَبَبِ ما يَتَعَجَّبُ مِنهُ؛ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "قَوْلُهُ"؛ أيْ: ما يَقُولُهُ في حَقِّ الحَياةِ الدُّنْيا؛ ومَعْناها؛ فَإنَّها الَّذِي يُرِيدُهُ بِما يَدَّعِيهِ مِنَ الإيمانِ؛ ومَحَبَّةِ الرَّسُولِ ﷺ؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ لَهُ قَوْلًا آخَرَ؛ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ أوْ بِـ "يُعْجِبُكَ"؛ أيْ: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الدُّنْيا بِحَلاوَتِهِ؛ (p-211)وَفَصاحَتِهِ؛ لا في الآخِرَةِ؛ لِما أنَّهُ يَظْهَرُ هُناكَ كَذِبُهُ؛ وقُبْحُهُ؛ وقِيلَ: لِما يُرْهِقُهُ مِنَ الحَبْسَةِ واللُّكْنَةِ؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا مُبالَغَةَ حِينَئِذٍ في سُوءِ حالِهِ؛ فَإنَّ مَآلَهُ بَيانُ حُسْنِ كَلامِهِ في الدُّنْيا؛ وقُبْحِهِ في الآخِرَةِ؛ وقِيلَ: مَعْنى "فِي الحَياةِ الدُّنْيا": "مُدَّةَ الحَياةِ الدُّنْيا"؛ أيْ: لا يَصْدُرُ مِنهُ فِيها إلّا القَوْلُ الحَسَنُ؛ ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾؛ أيْ: بِحَسَبِ ادِّعائِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ: "اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ ما في قَلْبِي مُوافِقٌ لِما في لِسانِي"؛ وهو عَطْفٌ عَلى "يُعْجِبُكَ"؛ وقُرِئَ: "وَيَشْهَدُ اللَّهُ"؛ فالمُرادُ بِما في قَلْبِهِ: ما فِيهِ حَقِيقَةً؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "واللَّهُ يَشْهَدُ عَلى ما في قَلْبِهِ"؛ عَلى أنَّ كَلِمَةَ "عَلى" لِكَوْنِ المَشْهُودِ بِهِ مُضِرًّا لَهُ؛ فالجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ وقُرِئَ: "وَيَسْتَشْهِدُ اللَّهَ"؛ ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾؛ أيْ: شَدِيدُ العَداوَةِ والخُصُومَةِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ عَلى أنَّ "الخِصامِ"؛ مَصْدَرٌ؛ وإضافَةُ "ألَدُّ" إلَيْهِ بِمَعْنى "فِي"؛ كَقَوْلِهِمْ: "ثَبْتُ العُذْرِ"؛ أوْ "أشَدُّ الخُصُومِ لَهم خُصُومَةً"؛ عَلى أنَّهُ جَمْعُ "خَصْمٌ"؛ كَـ "صَعْبٌ"؛ و"صِعابٌ"؛ قِيلَ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ الثَّقَفِيِّ؛ وكانَ حَسَنَ المَنظَرِ؛ حُلْوَ المَنطِقِ؛ يُوالِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ ويَدَّعِي الإسْلامَ؛ والمَحَبَّةَ؛ وقِيلَ: في المُنافِقِينَ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في "قَوْلُهُ"؛ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "يُشْهِدُ"؛ وعُطِفَ عَلى ما قَبْلَها؛ عَلى القِراءَتَيْنِ المُتَوَسِّطَتَيْنِ.

2:205Page 32

وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥

And when he goes away, he strives throughout the land to cause corruption therein and destroy crops and animals. And Allāh does not like corruption.

﴿وَإذا تَوَلّى﴾؛ أيْ: مِن مَجْلِسِكَ؛ وقِيلَ: إذا صارَ والِيًا؛ ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾؛ كَما فَعَلَهُ الأخْنَسُ بِثَقِيفٍ؛ حَيْثُ بَيَّتَهم وأحْرَقَ زُرُوعَهُمْ؛ وأهْلَكَ مَواشِيَهُمْ؛ أوْ كَما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ بِالقَتْلِ؛ والإتْلافِ؛ أوْ بِالظُّلْمِ؛ حَتّى يَمْنَعَ اللَّهُ (تَعالى) بِشُؤْمِهِ القَطْرَ؛ فَيُهْلِكَ الحَرْثَ؛ والنَّسْلَ؛ وقُرِئَ: "وَيَهْلِكَ الحَرْثُ والنَّسْلُ"؛ عَلى إسْنادِ الهَلاكِ إلَيْهِما؛ عَطْفًا عَلى "سَعى"؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ؛ وهي لُغَةٌ؛ وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإهْلاكِ؛ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾؛ أيْ: لا يَرْتَضِيهِ؛ ويُبْغِضُهُ؛ ويَغْضَبُ عَلى مَن يَتَعاطاهُ؛ وهو اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ.

2:206Page 32

وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٢٠٦

And when it is said to him, "Fear Allāh," pride in the sin takes hold of him. Sufficient for him is Hellfire, and how wretched is the resting place.

﴿وَإذا قِيلَ لَهُ﴾؛ عَلى نَهْجِ العِظَةِ والنَّصِيحَةِ؛ ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ واتْرُكْ ما تُباشِرُهُ مِنَ الفَسادِ؛ أوِ النِّفاقِ؛ واحْذَرْ سُوءَ مَغَبَّتِهِ؛ ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾؛ أيْ: حَمَلَتْهُ الأنَفَةُ؛ وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ؛ عَلى الإثْمِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ؛ لَجاجًا؛ وعِنادًا؛ مِن قَوْلِكَ: "أخَذْتُهُ بِكَذا"؛ إذا حَمَلْتَهُ عَلَيْهِ؛ أوْ ألْزَمْتَهُ إيّاهُ؛ ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ وخَبَرٌ؛ أيْ: كافِيهِ جَهَنَّمُ؛ وقِيلَ: "جَهَنَّمُ" فاعِلٌ لِـ "حَسْبُهُ"؛ سادٌّ مَسَدَّ خَبَرِهِ؛ وهو مَصْدَرٌ؛ بِمَعْنى الفاعِلِ؛ وقَوِيَ لِاعْتِمادِهِ عَلى الفاءِ؛ الرّابِطَةِ لِلْجُمْلَةِ بِما قَبْلَها؛ وقِيلَ: "حَسْبُ": اسْمُ فِعْلٍ ماضٍ؛ أيْ: كَفَتْهُ جَهَنَّمُ؛ ﴿وَلَبِئْسَ المِهادُ﴾: جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ لِظُهُورِهِ؛ وتَعَيُّنِهِ؛ و"المِهادُ": الفِراشُ؛ وقِيلَ: ما يُوطَأُ لِلْجَنْبِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ.

2:207Page 32

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠٧

And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allāh. And Allāh is Kind to [His] servants.

﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ وخَبَرٌ؛ كَما مَرَّ؛ أيْ: يَبِيعُها بِبَذْلِها في الجِهادِ؛ ومَشاقِّ الطّاعاتِ؛ وتَعْرِيضِها لِلْمَهالِكِ؛ في الحُرُوبِ؛ أوْ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ؛ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ؛ وإنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ القَتْلُ؛ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: طالِبًا لِرِضاهُ؛ وهَذا كَمالُ التَّقْوى؛ وإيرادُهُ قَسِيمًا لِلْأوَّلِ؛ مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ يَأْنَفُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى؛ وهَذا يَأْمُرُ بِذَلِكَ؛ وإنْ أدّى إلى الهَلاكِ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ الرُّومِيِّ؛ أخَذَهُ المُشْرِكُونَ؛ وعَذَّبُوهُ لِيَرْتَدَّ؛ فَقالَ: إنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ؛ (p-212)لا أنْفَعُكم إنْ كُنْتُ مَعَكُمْ؛ ولا أضُرُّكم إنْ كُنْتُ عَلَيْكُمْ؛ فَخَلُّونِي وما أنا عَلَيْهِ؛ وخُذُوا مالِي؛ فَقَبِلُوا مِنهُ مالَهُ؛ فَأتى المَدِينَةَ. فَـ "يَشْرِي" حِينَئِذٍ بِمَعْنى: "يَشْتَرِي"؛ لِجَرَيانِ الحالِ عَلى صُورَةِ الشَّرْيِ؛ ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾؛ ولِذَلِكَ يُكَلِّفُهُمُ التَّقْوى؛ ويُعَرِّضُهم لِلثَّوابِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ.

2:208Page 32

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٠٨

O you who have believed, enter into Islām completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ﴾؛ أيْ: الِاسْتِسْلامِ؛ والطّاعَةِ؛ وقِيلَ: الإسْلامِ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ؛ وهي لُغَةٌ فِيهِ؛ وبِفَتْحِ اللّامِ أيْضًا؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كافَّةً﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "ادْخُلُوا"؛ أوْ مِن "السِّلْمِ"؛ أوْ مِنهُما مَعًا؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ خَرَجْتُ بِها تَمْشِي نَجُرُّ وراءَنا ∗∗∗ عَلى أثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَجَّلِ

وَهِيَ في الأصْلِ: اسْمٌ لِجَماعَةٍ تَكُفُّ مُخالِفَها؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في مَعْنى "جَمِيعًا"؛ وتاؤُها لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ حَتّى يُحْتاجَ إلى جَعْلِ "السِّلْمِ" مُؤَنَّثًا؛ مِثْلَ "الحَرْبِ"؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾؛ وفي قَوْلِهِ:

؎ السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ ∗∗∗ والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ

وَإنَّما هي لِلنَّقْلِ؛ كَما في "عامَّةً" و"خاصَّةً"؛ و"قاطِبَةً"؛ والمَعْنى: اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ (تَعالى)؛ وأطِيعُوهُ جُمْلَةً؛ ظاهِرًا؛ وباطِنًا؛ والخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ؛ أوْ: ادْخُلُوا في الإسْلامِ بِكُلِّيَّتِهِ؛ ولا تَخْلِطُوا بِهِ غَيْرَهُ؛ والخِطابُ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ؛ فَإنَّهم كانُوا يُراعُونَ بَعْضَ أحْكامِ دِينِهِمُ القَدِيمِ؛ بَعْدَ إسْلامِهِمْ؛ أوْ في شَرائِعِ اللَّهِ (تَعالى) كُلِّها؛ بِالإيمان بالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ والكُتُبِ جَمِيعًا؛ والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ؛ ووَصْفُهم بِالإيمانِ إمّا عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ؛ وإمّا بِالنَّظَرِ إلى إيمانِهِمُ القَدِيمِ؛ أوْ في شُعَبِ الإسْلامِ؛ وأحْكامِهِ كُلِّها؛ فَلا يُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِنها؛ والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وإنَّما خُوطِبَ أهْلُ الكِتابِ بِعُنْوانِ الإيمانِ؛ مَعَ أنَّهُ لا يَصِحُّ الإيمانُ إلّا بِما كُلِّفُوهُ الآنَ؛ إيذانًا بِأنَّ ما يَدَّعُونَهُ لا يَتِمُّ بِدُونِهِ؛ ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾؛ بِالتَّفَرُّقِ؛ والتَّفْرِيقِ؛ أوْ بِمُخالَفَةِ ما أُمِرْتُمْ بِهِ؛ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ ظاهِرُ العَداوَةِ؛ أوْ مُظْهِرٌ لَها؛ وهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ أوْ الِانْتِهاءِ.

2:209Page 32

فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩

But if you slip [i.e., deviate] after clear proofs have come to you, then know that Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾؛ أيْ: عَنِ الدُّخُولِ في السِّلْمِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ؛ وهي لُغَةٌ فِيهِ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ﴾؛ الآياتُ؛ ﴿البَيِّناتُ﴾؛ والحُجَجُ القَطْعِيَّةُ؛ الدّالَّةُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ المُوجِبَةُ لِلدُّخُولِ فِيهِ؛ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾؛ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ؛ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ مِنكُمْ؛ ﴿حَكِيمٌ﴾؛ لا يَتْرُكُ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن مُؤاخَذَةِ المُجْرِمِينَ؛ المُسْتَعْصِينَ عَلى أوامِرِهِ.

2:210Page 32

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٢١٠

Do they await but that Allāh should come to them in covers of clouds and the angels [as well] and the matter is [then] decided? And to Allāh [all] matters are returned.

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ؛ في مَعْنى النَّفْيِ؛ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ بِما يَفْعَلُونَ مِنَ العِنادِ؛ والمُخالَفَةِ في الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ؛ والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ؛ ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: أمْرُهُ؛ وبَأْسُهُ؛ أوْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِأمْرِهِ؛ وبَأْسِهِ؛ فَحُذِفَ المَأْتِيُّ بِهِ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ؛ والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ سُوءَ صَنِيعِهِمْ مُوجِبٌ لِلْإعْراضِ عَنْهم. وحِكايَةُ جِنايَتِهِمْ لِمَن عَداهم مِن أهْلِ الإنْصافِ عَلى طَرِيقَةِ المُباثَّةِ؛ وإيرادُ الِانْتِظارِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم لِانْهِماكِهِمْ فِيما هم فِيهِ مِن مُوجِباتِ العُقُوبَةِ (p-213)كَأنَّهم طالِبُونَ لَها؛ مُتَرَقِّبُونَ لِوُقُوعِها؛ ﴿فِي ظُلَلٍ﴾؛ كَـ "قُلَلٌ"؛ في جَمْعِ "قُلَّةٌ"؛ وهي ما أظَلَّكَ؛ وقُرِئَ: "فِي ظِلالٍ"؛ كَـ "قِلالٌ"؛ في جَمْعِ "قِلَّةٌ"؛ ﴿مِنَ الغَمامِ﴾؛ أيْ: السَّحابِ الأبْيَضِ؛ وإنَّما أتاهُمُ العَذابُ فِيهِ لِما أنَّهُ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ؛ فَإذا أتى مِنهُ العَذابُ كانَ أفْظَعَ؛ وأقْطَعَ لِلْمَطامِعِ؛ فَإنَّ إتْيانَ الشَّرِّ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ صَعْبٌ؛ فَكَيْفَ بِإتْيانِهِ مِن حَيْثُ يُرْجى مِنهُ الخَيْرُ؟

﴿والمَلائِكَةُ﴾: عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ أيْ: ويَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ؛ فَإنَّهم وسائِطُ في إتْيانِ أمْرِهِ (تَعالى)؛ بَلْ هُمُ الآتُونَ بِبَأْسِهِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ بَيْنَهُما لِلْإيذانِ بِأنَّ الآتِيَ أوَّلًا مِن جِنْسِ ما يُلابِسُ الغَمامَ؛ ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عادَةً؛ وأمّا المَلائِكَةُ - وإنْ كانَ إتْيانُهم مُقارِنًا لِما ذُكِرَ مِنَ الغَمامِ - لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاعْتِيادِ؛ وقُرِئَ بِالجَرِّ؛ عَطْفًا عَلى "ظُلَلٍ"؛ أوْ "الغَمامِ"؛ ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾؛ أيْ: أُتِمَّ أمْرُ إهْلاكِهِمْ؛ وفُرِغَ مِنهُ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "يَأْتِيَهُمْ" داخِلٌ في حَيِّزِ الِانْتِظارِ؛ وإنَّما عُدِلَ إلى صِيغَةِ الماضِي دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِهِ؛ فَكَأنَّهُ قَدْ كانَ؛ أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ جِيءَ بِها إنْباءً عَنْ وُقُوعِ مَضْمُونِها؛ وقُرِئَ "وَقَضاءُ الأمْرِ"؛ عَطْفًا عَلى "المَلائِكَةُ"؛ ﴿وَإلى اللَّهِ﴾؛ لا إلى غَيْرِهِ؛ ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾؛ بِالتَّأْنِيثِ؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ مِن "الرَّجْعُ"؛ وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ؛ وعَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ بِالتَّأْنِيثِ مِن "الرُّجُوعُ".

2:211Page 33

سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢١١

Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allāh [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allāh is severe in penalty.

﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ؛ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِن أهْلِ الخِطابِ؛ والمُرادُ بِالسُّؤالِ تَبْكِيتُهُمْ؛ وتَقْرِيعُهم بِذَلِكَ؛ وتَقْرِيرٌ لِمَجِيءِ البَيِّناتِ؛ ﴿كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾؛ مُعْجِزَةٍ ظاهِرَةٍ؛ عَلى أيْدِي الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وآيَةٍ ناطِقَةٍ بِحَقِّيَّةِ الإسْلامِ المَأْمُورِ بِالدُّخُولِ فِيهِ؛ و"كَمْ" خَبَرِيَّةٌ؛ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ؛ ومَحَلُّها النَّصْبُ؛ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ أوِ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ؛ عَلى حَذْفِ العائِدِ مِنَ الخَبَرِ؛ و"آيَةٍ" مُمَيِّزُها؛ ﴿؛ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ الَّتِي هي آياتُهُ الباهِرَةُ؛ فَإنَّها سَبَبٌ لِلْهُدى الَّذِي هو أجَلُّ النِّعَمِ؛ وتَبْدِيلُها: جَعْلُها سَبَبًا لِلضَّلالَةِ؛ وازْدِيادِ الرِّجْسِ؛ أوْ تَحْرِيفُها؛ أوْ تَأْوِيلُها الزّائِغُ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾؛ ووَصَلَتْ إلَيْهِ؛ وتَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِها. والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ؛ مَعَ أنَّ التَّبْدِيلَ لا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ المَجِيءِ؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم قَدْ بَدَّلُوها بَعْدَما وقَفُوا عَلى تَفْصِيلِها؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾؛ قِيلَ: تَقْدِيرُهُ: "فَبَدَّلُوها ومَن يُبَدِّلُ"؛ وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ لِظُهُورِهِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾؛ تَعْلِيلٌ لِلْجَوابِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ عاقَبَهُ أشَدَّ عُقُوبَةٍ؛ فَإنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ"؛ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.

2:212Page 33

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢١٢

Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allāh are above them on the Day of Resurrection. And Allāh gives provision to whom He wills without account.

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾: أيْ: حَسُنَتْ في أعْيُنِهِمْ؛ وأُشْرِبَتْ مَحَبَّتُها في قُلُوبِهِمْ؛ حَتّى تَهالَكُوا عَلَيْها؛ وتَهافَتُوا فِيها؛ مُعْرِضِينَ عَنْ غَيْرِها؛ والتَّزْيِينُ - مِن حَيْثُ الخَلْقُ والإيجادُ - مُسْتَنِدٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ القِراءَةُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ؛ إذْ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو خالِقُهُ؛ وكُلٌّ مِنَ الشَّيْطانِ؛ والقُوى الحَيَوانِيَّةِ؛ وما في الدُّنْيا مِنَ الأُمُورِ البَهِيَّةِ؛ والأشْياءِ الشَّهِيَّةِ؛ مُزَيَّنٌ بِالعَرَضِ؛ ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: عَطْفٌ عَلى "زُيِّنَ"؛ وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ (p-214)عَلى اسْتِمْرارِ السُّخْرِيَةِ مِنهُمْ؛ وهم فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ؛ كَبِلالٍ؛ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ كانُوا يَسْتَرْذِلُونَهم ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ عَلى رَفْضِهِمُ الدُّنْيا؛ وإقْبالِهِمْ عَلى العُقْبى؛ و"مِن": ابْتِدائِيَّةٌ؛ فَكَأنَّهم جَعَلُوا السُّخْرِيَةَ مُبْتَدَأةً مِنهُمْ؛ ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ هَمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِعَيْنِهِمْ؛ وإنَّما ذُكِرُوا بِعُنْوانِ التَّقْوى لِلْإيذانِ بِأنَّ إعْراضَهم عَنِ الدُّنْيا لِلِاتِّقاءِ عَنْها؛ لِكَوْنِها مُخِلَّةً بِتَبَتُّلِهِمْ إلى جَنابِ القُدْسِ؛ شاغِلَةً عَنْهُ؛ ﴿فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ لِأنَّهم في أعْلى عِلِّيِّينَ؛ وهم في أسْفَلِ سافِلِينَ؛ أوْ لِأنَّهم في أوْجِ الكَرامَةِ؛ وهم في حَضِيضِ الذُّلِّ والمَهانَةِ؛ أوْ لِأنَّهم يَتَطاوَلُونَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ؛ فَيَسْخَرُونَ مِنهم كَما سَخِرُوا مِنهم في الدُّنْيا؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ مَضْمُونِها؛ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: في الدّارَيْنِ؛ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾؛ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ؛ فَيُوَسِّعُ في الدُّنْيا اسْتِدْراجًا تارَةً؛ وابْتِلاءً أُخْرى.

2:213Page 33

كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ ٢١٣

Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allāh sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over it [i.e., the Scripture] except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allāh guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allāh guides whom He wills to a straight path.

﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾: مُتَّفِقِينَ عَلى كَلِمَةِ الحَقِّ؛ ودِينِ الإسْلامِ؛ وكانَ ذَلِكَ بَيْنَ آدَمَ؛ وإدْرِيسَ؛ أوْ نُوحٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أوْ بَعْدَ الطُّوفانِ؛ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾؛ أيْ: فاخْتَلَفُوا؛ فَبَعَثَ.. إلَخْ.. وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وقَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى ما يُذْكَرُ عُقَيْبَهُ؛ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾؛ عَنْ كَعْبٍ: "الَّذِي عَلِمْتُهُ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مائَةٌ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا؛ والمُرْسَلُ مِنهم ثُلْثُمائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ؛ والمَذْكُورُ في القرآن ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ"؛ وقِيلَ: كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً؛ مُتَّفِقَةً عَلى الكُفْرِ؛ والضَّلالِ؛ في فَتْرَةِ إدْرِيسَ؛ أوْ نُوحٍ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ؛ فاخْتَلَفُوا عَلَيْهِمْ؛ والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ؛ ﴿وَأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾؛ أيْ جِنْسَ الكِتابِ؛ أوْ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ مِمَّنْ لَهُ كِتابٌ؛ كِتابَهُ الخاصَّ بِهِ؛ لا مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى الإطْلاقِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لِبَعْضِهِمْ كِتابٌ؛ وإنَّما كانُوا يَأْخُذُونَ بِكُتُبِ مَن قَبْلَهُمْ؛ وعُمُومُ النَّبِيِّينَ لا يُنافِي خُصُوصَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ بِمَعُونَةِ المَقامِ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾: حالٌ مِن "الكِتابَ"؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ؛ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ "أنْزَلَ"؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ .

﴿لِيَحْكُمَ﴾: أيْ: الكِتابُ؛ أوْ: اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ أوْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ النَّبِيِّينَ؛ ﴿بَيْنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: المَذْكُورِينَ؛ والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ؛ ﴿فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ أيْ: في الحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ أوْ: فِيما التُبِسَ عَلَيْهِمْ؛ ﴿وَما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾؛ أيْ: في الحَقِّ؛ أوْ في الكِتابِ المُنْزَلِ مُلْتَبِسًا بِهِ؛ والواوُ حالِيَّةٌ؛ ﴿إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾؛ أيْ: الكِتابَ المُنَزَّلَ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ؛ وإزاحَةِ الشِّقاقِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنِ الإنْزالِ بِالإيتاءِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى كَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الوُقُوفِ عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الحَقِّ؛ فَإنَّ الإنْزالَ لا يُفِيدُ تِلْكَ الفائِدَةَ؛ أيْ: عَكَسُوا الأمْرَ؛ حَيْثُ جَعَلُوا ما أُنْزِلَ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ سَبَبًا لِاسْتِحْكامِهِ؛ ورُسُوخِهِ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾؛ أيْ: رَسَخَتْ في عُقُولِهِمْ؛ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فاخْتَلَفُوا؛ وما اخْتَلَفَ فِيهِ.. إلَخْ.. وقِيلَ: بِالمَلْفُوظِ؛ بِناءً عَلى عَدَمِ مَنعِ "إلّا" عَنْهُ؛ كَما في قَوْلِكَ: "ما قامَ إلّا زَيْدٌ يَوْمَ (p-215)الجُمُعَةِ"؛ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ "مِن"؛ أيْ: اخْتَلَفُوا بَغْيًا؛ وتَهالُكًا عَلى الدُّنْيا؛ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ أيْ: لِلْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ مَنِ اخْتَلَفَ؛ ﴿مِنَ الحَقِّ﴾؛ بَيانٌ لِـ "ما"؛ وفي إبْهامِهِ أوَّلًا؛ وتَفْسِيرِهِ ثانِيًا؛ ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ؛ ﴿بِإذْنِهِ﴾؛ بِأمْرِهِ؛ أوْ بِتَيْسِيرِهِ؛ ولُطْفِهِ؛ ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ مُوصِلٍ إلى الحَقِّ؛ وهو اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ.

2:214Page 33

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤

Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allāh?" Unquestionably, the help of Allāh is near.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾؛ خُوطِبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ حَثًّا لَهم عَلى الثَّباتِ عَلى المُصابَرَةِ عَلى مُخالَفَةِ الكَفَرَةِ؛ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ مِن جِهَتِهِمْ؛ إثْرَ بَيانِ اخْتِلافِ الأُمَمِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وقَدْ بُيِّنَ فِيهِ مَآلُ اخْتِلافِهِمْ؛ وما لَقِيَ الأنْبِياءُ؛ ومَن مَعَهم مِن قَبْلِهِمْ؛ مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ؛ ومُقاساةِ الهُمُومِ؛ وأنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمُ النَّصْرُ؛ و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ؛ والهَمْزَةُ فِيها لِلْإنْكارِ؛ والِاسْتِبْعادِ؛ أيْ: بَلْ حَسِبْتُمْ؛ ﴿أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ مِنَ الأنْبِياءِ؛ ومَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِكم مَثَلُهم بَعْدُ؛ ولَمْ تُبْتَلَوْا بِما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ؛ الَّتِي هي مَثَلٌ في الفَظاعَةِ؛ والشِّدَّةِ؛ وهو مُتَوَقَّعٌ؛ ومُنْتَظَرٌ؛ ﴿مَسَّتْهُمُ﴾: اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ مَثَلُهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ﴾؛ أيْ: الشِّدَّةُ؛ مِنَ الخَوْفِ؛ والفاقَةِ؛ ﴿والضَّرّاءُ﴾؛ أيْ: الآلامُ؛ والأمْراضُ؛ ﴿وَزُلْزِلُوا﴾؛ أيْ: أُزْعِجُوا إزْعاجًا شَدِيدًا؛ بِما دَهَمَهم مِنَ الأهْوالِ؛ والأفْزاعِ؛ ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ أيْ: انْتَهى أمْرُهم مِنَ الشِّدَّةِ إلى حَيْثُ اضْطَرَّهُمُ الضَّجَرُ إلى أنْ يَقُولَ الرَّسُولُ - وهو أعْلَمُ النّاسِ بِشُئُونِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وأوْثَقُهم بِنَصْرِهِ -؛ والمُؤْمِنُونَ المُقْتَدُونَ بِآثارِهِ؛ المُسْتَضِيئُونَ بِأنْوارِهِ: ﴿مَتى﴾؛ أيْ: مَتى يَأْتِي؛ ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾؛ طَلَبًا؛ وتَمَنِّيًا لَهُ؛ واسْتِطالَةً لِمُدَّةِ الشِّدَّةِ؛ والعَناءِ؛ وقُرِئَ: "حَتّى يَقُولُ"؛ بِالرَّفْعِ؛ عَلى أنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ؛ وهَذا - كَما تَرى - غايَةُ الغاياتِ القاصِيَةِ؛ ونِهايَةُ النِّهاياتِ النّائِيَةِ؛ كَيْفَ لا.. والرُّسُلُ - مَعَ عُلُوِّ كَعْبِهِمْ في الثَّباتِ؛ والِاصْطِبارِ - حَيْثُ عِيلَ صَبْرُهُمْ؛ وبَلَغُوا هَذا المَبْلَغَ مِنَ الضَّجَرِ؛ والضَّجِيجِ؛ عُلِمَ أنَّ الأمْرَ بَلَغَ إلى غايَةٍ لا مَطْمَحَ وراءَها؟ ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾؛ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: فَقِيلَ لَهم حِينَئِذٍ ذَلِكَ؛ إسْعافًا لِمَرامِهِمْ؛ والمُرادُ بِالقُرْبِ: القُرْبُ الزَّمانِيُّ؛ وفي إيثارِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ المُناسِبَةِ لِما قَبْلَها؛ وتَصْدِيرِها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ؛ والتَّأْكِيدِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ مَضْمُونِها؛ وتَقْرِيرِهِ ما لا يَخْفى؛ واخْتِيارُ حِكايَةِ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ لَنا؛ لِما أنَّها في حُكْمِ إنْشاءِ الوَعْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ والِاقْتِصارُ عَلى حِكايَتِها؛ دُونَ حِكايَةِ نَفْسِ النَّصْرِ؛ مَعَ تَحَقُّقِهِ؛ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذَلِكَ؛ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وارِدًا مِن جِهَتِهِ (تَعالى) عِنْدَ الحِكايَةِ؛ عَلى نَهْجِ الِاعْتِراضِ؛ لا وارِدًا عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ؛ وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ الوُصُولَ إلى جَنابِ القُدْسِ لا يَتَسَنّى إلّا بِرَفْضِ اللَّذّاتِ؛ ومُكابَدَةِ المَشاقِّ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ؛ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ".»

2:215Page 33

يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٢١٥

They ask you, [O Muḥammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allāh is Knowing of it."

﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾: (p-216)أيْ: مِن أصْنافِ أمْوالِهِمْ؛ ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾؛ "ما": إمّا شَرْطِيَّةٌ؛ وإمّا مَوْصُولَةٌ حُذِفَ العائِدُ إلَيْها؛ أيْ: ما أنْفَقْتُمُوهُ مِن خَيْرٍ؛ أيِّ خَيْرٍ كانَ؛ فَفِيهِ تَجْوِيزُ الإنْفاقِ مِن جَمِيعِ أنْواعِ الأمْوالِ؛ وبَيانٌ لِما في السُّؤالِ؛ إلّا أنَّهُ جُعِلَ مِن جُمْلَةِ ما في حَيِّزِ الشَّرْطِ؛ أوِ الصِّلَةِ؛ وأُبْرِزَ في مَعْرِضِ بَيانِ المَصْرِفِ؛ حَيْثُ قِيلَ: ﴿فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ الأهَمَّ بَيانُ المَصارِفِ المَعْدُودَةِ؛ لِأنَّ الِاعْتِدادَ بِالإنْفاقِ بِحَسَبِ وُقُوعِهِ في مَوْقِعِهِ؛ «وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ جاءَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ؛ وهو شَيْخٌ هَرِمٌ؛ لَهُ مالٌ عَظِيمٌ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ماذا نُنْفِقُ مِن أمْوالِنا؟ وأيْنَ نَضَعُها؟ فَنَزَلَتْ.»

﴿واليَتامى﴾؛ أيْ: المُحْتاجِينَ مِنهُمْ؛ ﴿والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾؛ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلسّائِلِينَ؛ والرِّقابِ؛ إمّا اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في المَواقِعِ الأُخَرِ؛ وإمّا بِناءً عَلى دُخُولِهِمْ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾؛ فَإنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ خَيْرٍ واقِعٍ؛ في أيِّ مَصْرِفٍ كانَ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾؛ فَيُوَفِّي ثَوابَهُ؛ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِيهِ فَرْضُ الزَّكاةِ لِيُنْسَخَ بِهِ؛ كَما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском