Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:216–221
2:216Page 34
كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢١٦
Battle has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allāh knows, while you know not.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾: بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ ورَفْعِ "القِتالُ"؛ أيْ: قِتالُ الكَفَرَةِ؛ وقُرِئَ بِبِنائِهِ لِلْفاعِلِ؛ وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ونَصْبِ "القِتالُ"؛ وقُرِئَ "كُتِبَ عَلَيْكُمُ القَتْلُ"؛ أيْ: قَتْلُ الكَفَرَةِ؛ والواوُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾: حالِيَّةٌ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ مَكْرُوهٌ لَكم طَبْعًا؛ عَلى أنَّ الكُرْهَ مَصْدَرٌ؛ وُصِفَ بِهِ المَفْعُولُ؛ مُبالَغَةً؛ أوْ بِمَعْنى المَفْعُولِ؛ كَـ "الخُبْزُ"؛ بِمَعْنى "المَخْبُوزُ"؛ وقُرِئَ بِالفَتْحِ؛ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المَضْمُومِ؛ كَـ "الضَّعْفُ"؛ و"الضُّعْفُ"؛ أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الإكْراهِ مَجازًا؛ كَأنَّهم أُكْرِهُوا عَلَيْهِ لِشِدَّةِ كَراهَتِهِمْ لَهُ؛ ومَشَقَّتِهِ عَلَيْهِمْ؛ ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ وهو جَمِيعُ ما كُلِّفُوهُ مِنَ الأُمُورِ الشّاقَّةِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القِتالُ؛ فَإنَّ النُّفُوسَ تَكْرَهُهُ؛ وتَنْفِرُ عَنْهُ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ دالَّةٌ عَلى أنَّ في القِتالِ خَيْرًا لَهُمْ؛ ﴿وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾؛ وهو جَمِيعُ ما نُهُوا عَنْهُ؛ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَلَذَّةِ؛ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ لا مَحَلَّ لَهُما مِنَ الإعْرابِ؛ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾؛ ما هو خَيْرٌ لَكُمْ؛ فَلِذَلِكَ يَأْمُرُكم بِهِ؛ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا تَعْلَمُونَهُ؛ ولِذَلِكَ تَكْرَهُونَهُ؛ أوْ: واللَّهُ يَعْلَمُ ما هو خَيْرٌ؛ وشَرٌّ لَكُمْ؛ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُما؛ فَلا تَتَّبِعُوا في ذَلِكَ رَأْيَكُمْ؛ وامْتَثِلُوا بِأمْرِهِ (تَعالى).
2:217Page 34
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢١٧
They ask you about the sacred month1 - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allāh and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Ḥarām and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allāh. And fitnah2 is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾؛ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ عَلى سَرِيَّةٍ؛ في جُمادى الآخِرَةِ؛ قَبْلَ قِتالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ؛ لِيَتَرَصَّدُوا عِيرًا لِقُرَيْشٍ؛ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَضْرَمِيُّ؛ وثَلاثَةٌ مَعَهُ؛ فَقَتَلُوهُ؛ وأسَرُوا اثْنَيْنِ؛ واسْتاقُوا العِيرَ بِما فِيها مِن تِجارَةِ الطّائِفِ؛ وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ؛ وهم يَظُنُّونَهُ مِن جُمادى (p-217)الآخِرَةِ؛ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ؛ شَهْرًا يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ؛ ويَبْذَعِرُّ فِيهِ النّاسُ إلى مَعايِشِهِمْ؛ فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِيرَ؛ وعَظُمَ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ السَّرِيَّةِ؛ وقالُوا: ما نَبْرَحُ حَتّى تَنْزِلَ تَوْبَتُنا؛ ورَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِيرَ؛ والأُسارى؛» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "لَمّا نَزَلَتْ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَنِيمَةَ؛ والمَعْنى: يَسْألُكَ الكُفّارُ؛ أوِ المُسْلِمُونَ؛ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ عَلى أنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾: بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "الشَّهْرِ"؛ وتَنْكِيرُهُ لِما أنَّ سُؤالَهم كانَ عَنْ مُطْلَقِ القِتالِ؛ الواقِعِ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ لا عَنِ القِتالِ المَعْهُودِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: يَسْألُونَكَ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ وقُرِئَ: "عَنْ قِتالٍ فِيهِ"؛ بِتَكْرِيرِ العامِلِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾؛ وقُرِئَ: "قَتْلٍ"؛ قُلْ؛ في جَوابِهِمْ؛ ﴿قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ؛ وخَبَرٍ؛ مَحَلُّها النَّصْبُ بِـ "قُلْ"؛ وإنَّما جازَ وُقُوعُ "قِتالٌ" مُبْتَدَأً؛ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً؛ لِتَخَصُّصِهِ إمّا بِالوَصْفِ؛ إنْ تَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ أيْ: "قِتالٌ كائِنٌ فِيهِ"؛ وإمّا بِالعَمَلِ إنْ تَعَلَّقَ بِهِ؛ وإنَّما أُوثِرَ التَّنْكِيرُ احْتِرازًا عَنْ تَوَهُّمِ التَّعْيِينِ؛ وإيذانًا بِأنَّ المُرادَ مُطْلَقُ القِتالِ الواقِعِ فِيهِ؛ أيِّ قِتالٍ كانَ؛ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما يَحِلُّ لِلنّاسِ أنْ يَغْزُوا في الحَرَمِ؛ ولا في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ إلّا أنْ يُقاتَلُوا فِيهِ؛ وما نُسِخَتْ؛ وأكْثَرُ الأقاوِيلِ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ .
﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: مُبْتَدَأٌ قَدْ تَخَصَّصَ بِالعَمَلِ فِيما بَعْدَهُ؛ أيْ: ومَنعٌ عَنِ الإسْلامِ المُوصِلِ لِلْعَبْدِ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾: عَطْفٌ عَلى "صَدٌّ"؛ عامِلٌ فِيما بَعْدَهُ مِثْلَهُ؛ أيْ: وكُفْرٌ بِاللَّهِ (تَعالى)؛ وحَيْثُ كانَ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَرْدًا مِن أفْرادِ الكُفْرِ بِهِ (تَعالى)؛ لَمْ يَقْدَحِ العَطْفُ المَذْكُورُ في حُسْنِ عَطْفِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾؛ عَلى "سَبِيلِ اللَّهِ"؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مَحْضٍ؛ وقِيلَ: هو أيْضًا مَعْطُوفٌ عَلى "صَدٌّ"؛ بِتَقْدِيرِ المُضافِ؛ أيْ: "وَصَدُّ المَسْجِدِ الحَرامِ"؛ ﴿وَإخْراجُ أهْلِهِ﴾؛ وهو النَّبِيُّ ﷺ؛ والمُؤْمِنُونَ؛ ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "وَكُفْرٌ بِهِ"؛ ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: خَبَرٌ لِلْأشْياءِ المَعْدُودَةِ؛ أيْ: كَبائِرُ السّائِلِينَ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِمّا عَنَوْا بِالسُّؤالِ؛ وهو ما فَعَلَتْهُ السَّرِيَّةُ خَطَأً؛ وبِناءً عَلى الظَّنِّ؛ و"أفْعَلُ" يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ؛ والجَمْعُ؛ والمُذَكَّرُ؛ والمُؤَنَّثُ؛ ﴿والفِتْنَةُ﴾؛ أيْ: ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الإخْراجِ؛ والشِّرْكِ؛ وصَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ؛ ابْتِداءً؛ وبَقاءً؛ ﴿أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾؛ أيْ: أفْظَعُ مِن قَتْلِ الحَضْرَمِيِّ؛ ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾: بَيانٌ لِاسْتِحْكامِ عَداوَتِهِمْ؛ وإصْرارِهِمْ عَلى الفِتْنَةِ في الدِّينِ؛ ﴿حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ﴾؛ الحَقِّ؛ إلى دِينِهِمُ الباطِلِ؛ وإضافَةُ الدِّينِ إلَيْهِمْ لِتَذْكِيرِ تَأكُّدِ ما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ المُوجِبَةِ لِامْتِناعِ الِافْتِراقِ؛ ﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾: إشارَةٌ إلى تَصَلُّبِهِمْ في الدِّينِ؛ وثَباتِ قَدَمِهِمْ فِيهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وأنّى لَهم ذَلِكَ؟ ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾: تَحْذِيرٌ مِنَ الِارْتِدادِ؛ أيْ: ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ بِإضْلالِهِمْ؛ وإغْوائِهِمْ؛ ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾؛ بِأنْ لَمْ يَرْجِعْ إلى الإسْلامِ؛ وفِيهِ تَرْغِيبٌ في الرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ بَعْدَ الِارْتِدادِ؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الِارْتِدادِ؛ والمَوْتِ عَلَيْهِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ؛ والفَسادِ؛ والجَمْعُ لِلنَّظَرِ إلى المَعْنى؛ أيْ: أُولَئِكَ المُصِرُّونَ عَلى الِارْتِدادِ إلى حِينِ المَوْتِ؛ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾؛ الحَسَنَةُ؛ الَّتِي كانُوا عَمِلُوها في حالَةِ الإسْلامِ؛ حُبُوطًا لا تَلافِيَ لَهُ قَطْعًا؛ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾؛ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَها حُكْمٌ مِنَ الأحْكامِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ والأُخْرَوِيَّةِ؛ ﴿وَأُولَئِكَ﴾؛ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ سابِقًا؛ ولاحِقًا؛ مِنَ القَبائِحِ؛ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾؛ أيْ: مُلابِسُوها؛ ومُلازِمُوها؛ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾؛ كَدَأْبِ (p-218)سائِرِ الكَفَرَةِ.
2:218Page 34
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢١٨
Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allāh - those expect the mercy of Allāh. And Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نَزَلَتْ في أصْحابِ السَّرِيَّةِ؛ لِما ظُنَّ بِهِمْ أنَّهم إنْ سَلِمُوا مِنَ الإثْمِ فَلا أجْرَ لَهُمْ؛ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ كَرَّرَ المَوْصُولَ؛ مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِما واحِدٌ؛ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الهِجْرَةِ؛ والجِهادِ؛ فَكَأنَّهُما مُسْتَقِلّانِ في تَحْقِيقِ الرَّجاءِ؛ ﴿أُولَئِكَ﴾؛ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ المَذْكُورَةِ؛ ﴿يَرْجُونَ﴾؛ بِما لَهم مِن مَبادِي الفَوْزِ؛ ﴿رَحْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ثَوابَهُ؛ أثْبَتَ لَهُمُ الرَّجاءَ؛ دُونَ الفَوْزِ بِالمَرْجُوِّ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عالِمُونَ بِأنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْأجْرِ؛ وإنَّما هو عَلى طَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ لا لِأنَّ في فَوْزِهِمُ اشْتِباهًا؛ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾: مُبالِغٌ في مَغْفِرَةِ ما فَرَطَ مِن عِبادِهِ خَطَأً؛ ﴿رَحِيمٌ﴾: يُجْزِلُ لَهُمُ الأجْرَ؛ والثَّوابَ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُحَقِّقٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
2:219Page 34
۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩
They ask you about wine1 and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allāh makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾: تَوارَدَتْ في شَأْنِ الخَمْرِ أرْبَعُ آياتٍ؛ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾؛ فَطَفِقَ المُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَها؛ ثُمَّ إنَّ عُمَرَ؛ ومُعاذًا؛ ونَفَرًا مِنَ الصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - قالُوا: أفْتِنا يا رَسُولَ اللَّهِ في الخَمْرِ؛ فَإنَّها مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ فَشَرِبَها قَوْمٌ؛ وتَرَكَها آخَرُونَ؛ ثُمَّ دَعا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ناسًا مِنهم فَشَرِبُوا؛ فَسَكِرُوا؛ فَأمَّ أحَدُهُمْ؛ فَقَرَأ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ؛ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ"؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾؛ الآيَةُ.. فَقَلَّ مَن يَشْرَبُها؛ ثُمَّ دَعا عِتْبانُ بْنُ مالِكٍ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ؛ في نَفَرٍ؛ فَلَمّا سَكِرُوا تَفاخَرُوا؛ وتَناشَدُوا؛ حَتّى أنْشَدَ سَعْدٌ شِعْرًا فِيهِ هِجاءُ الأنْصارِ؛ فَضَرَبَهُ أنْصارِيٌّ بِلَحْيِ بَعِيرٍ؛ فَشَجَّهُ مُوضِحَةً؛ فَشَكا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالَ: « "اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا"؛» فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ .. إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "انْتَهَيْنا يا رَبُّ"؛ وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "لَوْ وقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنها في بِئْرٍ فَبُنِيَتْ في مَكانِها مَنارَةٌ؛ لَمْ أُؤَذِّنْ عَلَيْها؛ ولَوْ وقَعَتْ في بَحْرٍ؛ ثُمَّ جَفَّ؛ فَنَبَتَ فِيهِ الكَلَأُ؛ لَمْ أرْعَهُ"؛ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "لَوْ أدْخَلْتُ أُصْبُعِي فِيها لَمْ تَتْبَعْنِي"؛ وهَذا هو الإيمانُ؛ والتُّقى حَقًّا - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -؛ والخَمْرُ: مَصْدَرُ "خَمَرَهُ"؛ أيْ: "سَتَرَهُ"؛ سُمِّيَ بِهِ مِن عَصِيرِ العِنَبِ ما غُلِي؛ واشْتَدَّ؛ وقُذِفَ بِالزُّبْدِ؛ لِتَغْطِيَتِها العَقْلَ؛ والتَّمْيِيزَ؛ كَأنَّها نَفْسُ السَّتْرِ؛ كَما سُمِّيَتْ "سَكَرًا" لِأنَّها تُسْكِرُهُما؛ أيْ: تَحْجِزُهُما؛ والمَيْسِرُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن "يَسَرَ"؛ كَـ "المَوْعِدُ"؛ و"المَرْجِعُ"؛ يُقالُ: "يَسَرْتَهُ"؛ إذا "قَمَرْتَهُ"؛ واشْتِقاقُهُ إمّا مِن "اليُسْرُ"؛ لِأنَّهُ أخْذُ المالِ بِيُسْرٍ؛ مِن غَيْرِ كَدٍّ؛ وإمّا مِن "اليَسارُ"؛ لِأنَّهُ سَلْبٌ لَهُ؛ وصِفَتُهُ أنَّهُ كانَتْ لَهم عَشَرَةُ أقْداحٍ؛ هي الأزْلامُ؛ والأقْلامُ: الفَذُّ؛ والتَّوْأمُ؛ والرَّقِيبُ؛ والحِلْسُ؛ والنّافِسُ؛ والمُسْبِلُ؛ والمُعَلّى؛ والمَنِيحُ؛ والسَّفِيحُ؛ والوَغْدُ؛ لِكُلٍّ مِنها نَصِيبٌ مَعْلُومٌ مِن جَزُورٍ يَنْحَرُونَها؛ ويُجَزِّئُونَها عَشَرَةَ أجْزاءٍ؛ وقِيلَ: ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ؛ إلّا الثَّلاثَةَ؛ هِيَ: المَنِيحُ؛ والسَّفِيحُ؛ والوَغْدُ؛ لِلْفَذِّ سَهْمٌ؛ ولِلتَّوْأمِ (p-219)سَهْمانِ؛ ولِلرَّقِيبِ ثَلاثَةٌ؛ ولِلْحِلْسِ أرْبَعَةٌ؛ ولِلنّافِسِ خَمْسَةٌ؛ ولِلْمُسْبِلِ سِتَّةٌ؛ ولِلْمُعَلّى سَبْعَةٌ؛ يَجْعَلُونَها في الرَّبابَةِ؛ وهي خَرِيطَةٌ؛ ويَضَعُونَها عَلى يَدَيْ عَدْلٍ؛ ثُمَّ يُجَلْجِلُها؛ ويُدْخِلُ يَدَهُ فَيُخْرِجُ بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ؛ قِدْحًا قِدْحًا؛ فَمَن خَرَجَ لَهُ قِدْحٌ مِن ذَواتِ الأنْصِباءِ أخَذَ النَّصِيبَ المُعَيَّنَ لَها؛ ومَن خَرَجَ لَهُ مِن تِلْكَ الثَّلاثَةِ غَرِمَ ثَمَنَ الجَزُورِ؛ مَعَ حِرْمانِهِ؛ وكانُوا يَدْفَعُونَ تِلْكَ الأنْصِباءَ إلى الفُقَراءِ؛ ولا يَأْكُلُونَ مِنها؛ ويَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ؛ ويَذُمُّونَ مَن يَدْخُلُ فِيهِ؛ ويُسَمُّونَهُ "البَرْمَ"؛ وفي حُكْمِهِ جَمِيعُ أنْواعِ القِمارِ؛ مِنَ النَّرْدِ؛ والشَّطْرَنْجِ؛ وغَيْرِهِما؛ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إيّاكم وهاتَيْنِ اللُّعْبَتَيْنِ المَشْئُومَتَيْنِ؛ فَإنَّهُما مَياسِرُ العَجَمِ"؛» وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّ النَّرْدَ؛ والشَّطْرَنْجَ؛ مِنَ المَيْسِرِ؛ وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: "كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ خَطَرٌ فَهو مِنَ المَيْسِرِ"؛ والمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنْ حُكْمِهِما؛ وعَمّا في تَعاطِيهِما؛ ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾؛ أيْ: في تَعاطِيهِما ذَلِكَ؛ لِما أنَّ الأوَّلَ مَسْلَبَةٌ لِلْعُقُولِ؛ الَّتِي هي قُطْبُ الدِّينِ؛ والدُّنْيا؛ مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مَتْلَفَةً لِلْأمْوالِ؛ ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾؛ مِن كَسْبِ الطَّرَبِ؛ واللَّذَّةِ؛ ومُصاحَبَةِ الفِتْيانِ؛ وتَشْجِيعِ الجَبانِ؛ وتَقْوِيَةِ الطَّبِيعَةِ؛ وقُرِئَ: "إثْمٌ كَثِيرٌ"؛ بِالمُثَلَّثَةِ؛ وفي تَقْدِيمِ بَيانِ إثْمِهِ؛ ووَصْفِهِ بِالكِبَرِ؛ وتَأْخِيرِ ذِكْرَ مَنافِعِهِ؛ مَعَ تَخْصِيصِهِما بِالنّاسِ؛ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غَلَبَةِ الأوَّلِ ما لا يَخْفى؛ عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾؛ أيْ: المَفاسِدُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى تَعاطِيهِما أعْظَمُ مِنَ الفَوائِدِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ؛ وقُرِئَ: "أقْرَبُ مِن نَفْعِهِما"؛ ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى "يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ.." إلَخْ.. عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَهُ؟ قِيلَ: هو عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ أيْضًا؛ سَألَ أوَّلًا مِن أيِّ جِنْسٍ يُنْفِقُ مِن أجْناسِ الأمْوالِ؛ فَلَمّا بُيِّنَ جَوازُ الإنْفاقِ مِن جَمِيعِ الأجْناسِ؛ سَألَ ثانِيًا: مِن أيِّ أصْنافِها نُنْفِقُ؟ أمِن خِيارِها؛ أمْ مِن غَيْرِها؟ أوْ سَألَ عَنْ مِقْدارِ ما يُنْفِقُهُ مِنهُ؛ فَقِيلَ: ﴿قُلِ العَفْوَ﴾؛ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: يُنْفِقُونَ العَفْوَ؛ أوْ: أنْفِقُوا العَفْوَ؛ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ عَلى أنَّ "ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ و"ذا" مَوْصُولَةٌ؛ صِلَتُها "يُنْفِقُونَ"؛ أيْ: الَّذِي يُنْفِقُونَهُ العَفْوُ؛ قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ "العَفْوُ" في اللُّغَةِ: الزِّيادَةُ؛ وقالَ القَفّالُ: العَفْوُ: ما سَهُلَ وتَيَسَّرَ مِمّا فَضَلَ مِنَ الكِفايَةِ؛ وهو قَوْلُ قَتادَةَ؛ وعَطاءٍ؛ والسُّدِّيِّ؛ وكانَتِ الصَّحابَةُ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - يَكْسِبُونَ المالَ؛ ويُمْسِكُونَ قَدْرَ النَّفَقَةِ؛ ويَتَصَدَّقُونَ بِالفَضْلِ؛ ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ بِبَيْضَةٍ مِن ذَهَبٍ؛ أصابَها في بَعْضِ المَغانِمِ؛ فَقالَ: خُذْها مِنِّي صَدَقَةً؛ فَأعْرَضَ عَنْهُ؛ فَكَرَّرَ ذَلِكَ مِرارًا؛ حَتّى قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُغْضَبًا -: "هاتِها"؛ فَأخَذَها؛ فَخَذَفَها عَلَيْهِ خَذْفًا؛ لَوْ أصابَتْهُ لَشَجَّتْهُ؛ ثُمَّ قالَ: "يَأْتِي أحَدُكم بِمالِهِ كُلِّهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ ويَجْلِسُ يَتَكَفَّفُ النّاسَ؛ إنَّما الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى"؛» ﴿كَذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الآتِي؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الفَضْلِ؛ مَعَ كَمالِ تَمَيُّزِهِ؛ وانْتِظامِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ؛ والكافُ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ؛ وإفْرادُ حَرْفِ الخِطابِ؛ مَعَ تَعَدُّدِ المُخاطَبِينَ؛ بِاعْتِبارِ القَبِيلِ؛ أوِ الفَرِيقِ؛ أوْ لِعَدَمِ القَصْدِ إلى تَعْيِينِ المُخاطَبِ؛ كَما مَرَّ؛ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ؛ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الواضِحِ؛ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَمّا مَضى في أجْوِبَةِ الأسْئِلَةِ المارَّةِ؛ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾؛ الدّالَّةَ عَلى الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المَذْكُورَةِ؛ لا بَيانًا أدْنى مِنهُ؛ وقَدْ مَرَّ تَمامُ تَحْقِيقِهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾؛ وتَبْيِينُ الآياتِ: تَنْزِيلُها مُبَيَّنَةَ الفَحْوى؛ واضِحَةَ المَدْلُولِ؛ لا أنَّهُ (تَعالى) يُبَيِّنُها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُشْتَبِهَةً؛ مُلْتَبِسَةً؛ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ لِكَيْ تَتَفَكَّرُوا فِيها؛ (p-220)وَتَقِفُوا عَلى مَقاصِدِها؛ وتَعْمَلُوا بِما في تَضاعِيفِها؛ .
2:220Page 35
فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٢٠
To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allāh knows the corrupter from the amender. And if Allāh had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise."
وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾: مُتَعَلِّقٌ إمّا بِـ "يُبَيِّنُ"؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ الآياتِ؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "الآياتِ"؛ أيْ: يُبَيِّنُها لَكم كائِنَةً فِيهِما؛ أيْ: مُبَيِّنَةً لِأحْوالِكُمُ المُتَعَلِّقَةِ بِهِما؛ وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ التَّفَكُّرِ؛ وإمّا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: تَتَفَكَّرُونَ في الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ في الأحْكامِ الوارِدَةِ في أجْوِبَةِ الأسْئِلَةِ المارَّةِ؛ فَتَخْتارُونَ مِنها ما يَصْلُحُ لَكم فِيهِما؛ وتَجْتَنِبُونَ عَنْ غَيْرِهِ؛ وهَذا التَّخْصِيصُ هو المُناسِبُ لِمَقامِ تَعْدادِ الأحْكامِ الجُزْئِيَّةِ؛ ويَجُوزُ التَّعْمِيمُ لِجَمِيعِ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ؛ فَـ "ذَلِكَ" حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ البَياناتِ؛ كُلًّا؛ أوْ بَعْضًا؛ لا إلى مَصْدَرِ ما بَعْدَهُ؛ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ فِعْلٌ مُسْتَقِلٌّ؛ لَيْسَ بِعِبارَةٍ عَنْ تِلْكَ البَياناتِ؛ والمُرادُ بِالآياتِ غَيْرُ ما ذُكِرَ؛ والمَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الوارِدِ في الأجْوِبَةِ المَذْكُورَةِ يُبَيِّنُ اللَّهُ (تَعالى) لَكُمُ الآياتِ والدَّلائِلَ؛ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ في أُمُورِكُمُ المُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ؛ وتَأْخُذُونَ بِما يَصْلُحُ لَكُمْ؛ ويَنْفَعُكم فِيهِما؛ وتَذَرُونَ ما يَضُرُّكُمْ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الآياتُ المُبَيِّنَةُ؛ ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن نَظِيرِهِ؛ رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾؛ الآيَةُ.. تَحامى النّاسُ عَنْ مُخالَطَةِ اليَتامى؛ وتَعَهُّدِ أمْوالِهِمْ؛ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ فَذَكَرُوهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ.»
﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾: أيْ: التَّعَرُّضُ لِأحْوالِهِمْ؛ وأمْوالِهِمْ؛ عَلى طَرِيقِ الإصْلاحِ؛ خَيْرٌ مِن مُجانَبَتِهِمُ اتِّقاءً؛ ﴿وَإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾؛ وتُعاشِرُوهم عَلى وجْهٍ يَنْفَعُهُمْ؛ ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾؛ أيْ: فَهم إخْوانُكُمْ؛ أيْ: في الدِّينِ الَّذِي هو أقْوى مِنَ العَلاقَةِ النَّسَبِيَّةِ؛ ومِن حُقُوقِ الأُخُوَّةِ؛ ومَواجِبِها؛ المُخالَطَةُ بِالإصْلاحِ؛ والنَّفْعِ؛ وقَدْ حُمِلَ المُخالَطَةُ عَلى المُصاهَرَةِ؛ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾: "العِلْمُ" بِمَعْنى: "المَعْرِفَةُ"؛ المُتَعَدِّيَةِ إلى واحِدٍ؛ و"مِن" لِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّمْيِيزِ؛ أيْ: يَعْلَمُ مَن يُفْسِدُ في أُمُورِهِمْ عِنْدَ المُخالَطَةِ؛ أوْ مَن يَقْصِدُ بِمُخالَطَتِهِ الخِيانَةَ؛ والإفْسادَ؛ مُمَيِّزًا لَهُ مِمَّنْ يُصْلِحُ فِيها؛ أوْ يَقْصِدُ الإصْلاحَ؛ فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِعَمَلِهِ؛ فَفِيهِ وعْدٌ؛ ووَعِيدٌ؛ خَلا أنَّ في تَقْدِيمِ "المُفْسِدَ"؛ مَزِيدَ تَهْدِيدٍ؛ وتَأْكِيدٍ لِلْوَعِيدِ؛ ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾؛ أيْ: لَوْ شاءَ أنْ يُعْنِتَكُمْ؛ أيْ: يُكَلِّفَكم ما يَشُقُّ عَلَيْكم - مِن "العَنَتُ"؛ وهو "المَشَقَّةُ" -؛ لَفَعَلَ؛ ولَمْ يُجَوِّزْ لَكم مُداخَلَتَهُمْ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: غالِبٌ عَلى أمْرِهِ؛ لا يَعِزُّ عَلَيْهِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إعْناتُكُمْ؛ فَهو تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أيْ: فاعِلٌ لِأفْعالِهِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الدّاعِيَةُ إلى بِناءِ التَّكْلِيفِ؛ عَلى أساسِ الطّاقَةِ؛ دَلِيلٌ عَلى ما يُفِيدُهُ كَلِمَةُ "لَوْ"؛ مِنَ انْتِفاءِ مُقَدَّمِها.
2:221Page 35
وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٢١
And do not marry polytheistic women until they believe.1 And a believing slave woman is better than a polytheist, even though she might please you. And do not marry polytheistic men [to your women] until they believe. And a believing slave is better than a polytheist, even though he might please you. Those invite [you] to the Fire, but Allāh invites to Paradise and to forgiveness, by His permission. And He makes clear His verses [i.e., ordinances] to the people that perhaps they may remember.
﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾: أيْ: لا تَتَزَوَّجُوهُنَّ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ؛ مِن "الإنْكاحُ"؛ أيْ: لا تُزَوِّجُوهُنَّ (p-221)مِنَ المُسْلِمِينَ؛ ﴿حَتّى يُؤْمِنَّ﴾؛ والمُرادُ بِهِنَّ إمّا ما يَعُمُّ الكِتابِيّاتِ أيْضًا؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ عُمُومُ التَّعْلِيلَيْنِ الآتِيَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾؛ إلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾؛ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾؛ وإمّا غَيْرُ الكِتابِيّاتِ؛ فَهي ثابِتَةٌ؛ ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مِرْثَدَ بْنَ أبِي مِرْثَدٍ الغَنَوِيَّ إلى مَكَّةَ؛ لِيُخْرِجَ مِنها ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ؛ وكانَ يَهْوى امْرَأةً في الجاهِلِيَّةِ؛ اسْمُها "عَناقُ"؛ فَأتَتْهُ؛ فَقالَتْ: ألا تَخْلُو؟ فَقالَ: ويْحَكِ؛ إنَّ الإسْلامَ حالَ بَيْنَنا؛ فَقالَتْ: هَلْ لَكَ أنْ تَتَزَوَّجَ بِي؟ قالَ: نَعَمْ؛ ولَكِنْ أرْجِعُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأسْتَأْمِرُهُ؛ فاسْتَأْمَرَهُ؛ فَنَزَلَتْ.
﴿وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾: تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ مُواصَلَتِهِنَّ؛ وتَرْغِيبٌ في مُواصَلَةِ المُؤْمِناتِ؛ صُدِّرَ بِلامِ الِابْتِداءِ؛ الشَّبِيهَةِ بِلامِ القَسَمِ في إفادَةِ التَّأْكِيدِ؛ مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى الِانْزِجارِ؛ وأصْلُ "أمَةٌ": "أمَوٌ"؛ حَذِفَتْ لامُها عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ وعُوِّضَ عَنْهُ تاءُ التَّأْنِيثِ؛ ودَلِيلُ كَوْنِ لامِها واوًا رُجُوعُها في الجَمْعِ؛ قالَ الكِلابِيُّ:
؎ أمّا الإماءُ فَلا يَدْعُونَنِي ولَدًا ∗∗∗ إذا تَداعى بَنُو الأمَواتِ بِالعارِ
وَظُهُورُها في المَصْدَرِ؛ يُقالُ: هي أمَةٌ بَيِّنَةُ الأُمُوَّةِ؛ وأقَرَّتْ لَهُ بِالأُمُوَّةِ؛ وقَدْ وقَعَتْ مُبْتَدَأً؛ لِما فِيها مِن لامِ الِابْتِداءِ؛ والوَصْفِ؛ أيْ: ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ؛ مَعَ ما بِها مِن خَساسَةِ الرِّقِّ وقِلَّةِ الخَطَرِ؛ ﴿خَيْرٌ﴾؛ بِحَسَبِ الدِّينِ والدُّنْيا؛ ﴿مِن مُشْرِكَةٍ﴾؛ أيْ: امْرَأةٍ مُشْرِكَةٍ؛ مَعَ ما لَها مِن شَرَفِ الحُرِّيَّةِ؛ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ؛ ﴿وَلَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾؛ قَدْ مَرَّ أنَّ كَلِمَةَ "لَوْ" في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ لَيْسَتْ لِبَيانِ انْتِفاءِ الشَّيْءِ في الماضِي لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ فِيهِ؛ فَلا يُلاحَظُ لَها جَوابٌ قَدْ حُذِفَ؛ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَها عَلَيْهِ؛ مَعَ انْصِبابِ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِهِ؛ بَلْ هي لِبَيانِ تَحَقُّقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الحُكْمِ؛ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ؛ عَلى الإجْمالِ؛ بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ؛ وأشَدِّها مُنافاةً لَهُ؛ لِيَظْهَرَ بِثُبُوتِهِ مَعَهُ ثُبُوتُهُ مَعَ ما عَداهُ مِنَ الأحْوالِ؛ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ؛ لِما أنَّ الشَّيْءَ مَتى تَحَقَّقَ مَعَ المُنافِي القَوِيِّ؛ فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ غَيْرِهِ أوْلى؛ ولِذَلِكَ لا يُذَكَرُ مَعَهُ شَيْءٌ مِن سائِرِ الأحْوالِ؛ ويُكْتَفى عَنْهُ بِذِكْرِ الواوِ العاطِفَةِ لِلْجُمْلَةِ عَلى نَظِيرَتِها؛ المُقابِلَةِ لَها؛ المُتَناوِلَةِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ المُغايِرَةِ لَها؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّها لِاسْتِقْصاءِ الأحْوالِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ لَمْ تُعْجِبْكُمْ؛ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ؛ والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى الحالِيَّةِ مِن "مُشْرِكَةٍ"؛ إذِ المَآلُ: ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنِ امْرَأةٍ مُشْرِكَةٍ حالَ عَدَمِ إعْجابِها؛ وحالَ إعْجابِها إيّاكم بِجَمالِها؛ ومالِها؛ ونَسَبِها؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَبادِي الإعْجابِ؛ ومُوجِباتِ الرَّغْبَةِ فِيها؛ أيْ: عَلى كُلِّ حالٍ؛ وقَدِ اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ ما هو أشَدُّ مُنافاةً لِلْخَيْرِيَّةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها حَيْثُ تَحَقَّقَتْ مَعَهُ فَلَأنْ تَتَحَقَّقَ مَعَ غَيْرِهِ أوْلى؛ وقِيلَ: الواوُ حالِيَّةٌ؛ ولَيْسَ بِواضِحٍ؛ وقِيلَ: اعْتِراضِيَّةٌ؛ ولَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ والحَقُّ أنَّها عاطِفَةٌ؛ مُسْتَتْبِعَةٌ لِما ذُكِرَ مِنَ الِاعْتِبارِ اللَّطِيفِ؛ نَعَمْ.. يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الأُولى؛ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْها؛ مُسْتَأْنِفَةً؛ مُقَرِّرَةً لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ فَتَدَبَّرْ.
﴿وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ﴾: مِن "الإنْكاحُ"؛ والمُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ؛ عَلى الإطْلاقِ؛ لِما مَرَّ؛ أيْ: لا تُزَوِّجُوا مِنهُمُ المُؤْمِناتِ؛ سَواءٌ كُنَّ حَرائِرَ؛ أوْ إماءً؛ ﴿حَتّى يُؤْمِنُوا﴾؛ ويَتْرُكُوا ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ؛ ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾؛ مَعَ ما بِهِ مِن ذُلِّ المَمْلُوكِيَّةِ؛ ﴿خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾؛ مَعَ ما لَهُ مِن عِزِّ المالِكِيَّةِ؛ ﴿وَلَوْ أعْجَبَكُمْ﴾؛ بِما فِيهِ مِن دَواعِي الرَّغْبَةِ فِيهِ؛ الرّاجِعَةِ إلى ذاتِهِ؛ وصِفاتِهِ؛ ﴿أُولَئِكَ﴾: اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ التَّعْلِيلَيْنِ المارَّيْنِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَذْكُورُونَ مِنَ المُشْرِكاتِ؛ والمُشْرِكِينَ؛ ﴿يَدْعُونَ﴾؛ مَن يُقارِنُهُمْ؛ ويُعاشِرُهُمْ؛ ﴿إلى النّارِ﴾؛ أيْ: إلى ما يُؤَدِّي إلَيْها مِنَ الكُفْرِ؛ والفُسُوقِ؛ فَلا بُدَّ مِنَ الِاجْتِنابِ عَنْ مُقارَنَتِهِمْ؛ ومُقارَبَتِهِمْ؛ ﴿واللَّهُ يَدْعُو﴾؛ بِواسِطَةِ عِبادِهِ (p-222)المُؤْمِنِينَ مَن يُقارِنُهُمْ؛ ﴿إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ﴾؛ أيْ: إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ؛ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ المُوَصِّلَيْنِ إلَيْهِما؛ وتَقْدِيمُ "الجَنَّةِ"؛ عَلى "المَغْفِرَةِ"؛ مَعَ أنَّ حَقَّ التَّخْلِيَةِ أنْ تُقَدَّمَ عَلى التَّحْلِيَةِ؛ لِرِعايَةِ مُقابَلَةِ النّارِ ابْتِداءً؛ ﴿بِإذْنِهِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَدْعُو"؛ أيْ: يَدْعُو مُلْتَبِسًا بِتَوْفِيقِهِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ إرْشادُ المُؤْمِنِينَ لِمُقارِنِيهِمْ إلى الخَيْرِ؛ ونَصِيحَتُهم إيّاهُمْ؛ فَهم أحِقّاءُ بِالمُواصَلَةِ؛ ﴿وَيُبَيِّنُ آياتِهِ﴾؛ المُشْتَمِلَةَ عَلى الأحْكامِ الفائِقَةِ؛ والحِكَمِ الرّائِقَةِ؛ ﴿لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: لِكَيْ يَتَذَكَّرُوا؛ ويَعْمَلُوا بِما فِيها؛ فَيَفُوزُوا بِما دُعُوا إلَيْهِ؛ مِنَ الجَنَّةِ؛ والغُفْرانِ؛ هَذا.. وقَدْ قِيلَ: مَعْنى "واللَّهُ يَدْعُو": وأوْلِياءُ اللَّهِ يَدْعُونَ؛ وهُمُ المُؤْمِنُونَ؛ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ تَشْرِيفًا لَهُمْ؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الضَّمِيرَ في المَعْطُوفِ عَلى الخَبَرِ - أعْنِي قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وَيُبَيِّنُ﴾ -؛ لِلَّهِ (تَعالى)؛ فَيَلْزَمُ التَّفْكِيكُ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: واللَّهُ يَدْعُو بِأحْكامِهِ المَذْكُورَةِ إلى الجَنَّةِ؛ والمَغْفِرَةِ؛ فَإنَّها مُوصِلَةٌ لِمَن عَمِلَ بِها إلَيْهِما؛ وهَذا - وإنْ كانَ مُسْتَدْعِيًا لِاتِّحادِ مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ الكائِنَيْنِ في الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ؛ الواقِعَتَيْنِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ؛ لَكِنْ يَفُوتُ حِينَئِذٍ حُسْنُ المُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾؛ ولَعَلَّ الطَّرِيقَ الأسْلَمَ ما أوْضَحْناهُ أوَّلًا؛ وإيرادُ التَّذَكُّرِ هَهُنا لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ واضِحٌ؛ لا يَحْتاجُ إلى التَّفَكُّرِ؛ كَما في الأحْكامِ السّابِقَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences