Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:259–262
2:259Page 43
أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٥٩
Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allāh bring this to life after its death?" So Allāh caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" He [the man] said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allāh is over all things competent."
﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾: اسْتِشْهادٌ عَلى ما ذُكِرَ مِن وِلايَتِهِ (تَعالى) لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وتَقْرِيرٌ لَهُ؛ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ السّابِقِ؛ وإيثارُ "أوْ" الفارِقَةِ عَلى الواوِ الجامِعَةِ؛ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ اتِّحادِ المُسْتَشْهَدِ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ؛ والكافِ إمّا اسْمِيَّةٌ؛ كَما اخْتارَهُ قَوْمٌ؛ جِيءَ بِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعَدُّدِ الشَّواهِدِ؛ وعَدَمِ انْحِصارِها فِيما ذُكِرَ؛ كَما في قَوْلِكَ: "الفِعْلُ الماضِي مِثْلُ نَصَرَ"؛ وإمّا زائِدَةٌ؛ كَما ارْتَضاهُ آخَرُونَ؛ والمَعْنى: أوَلَمْ تَرَ إلى مِثْلِ الَّذِي؛ أوْ إلى الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ؛ كَيْفَ هَداهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وأخْرَجَهُ مِن ظُلْمَةِ الِاشْتِباهِ؛ إلى نُورِ العِيانِ؛ والشُّهُودِ؟ أيْ: قَدْ رَأيْتَ ذَلِكَ؛ وشاهَدْتَ؛ فَإذَنْ لا رَيْبَ في أنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا.. إلَخْ.. هَذا.. وأمّا جَعْلُ الهَمْزَةِ لِمُجَرَّدِ التَّعْجِيبِ - عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى في الأوَّلِ: ألَمْ تَنْظُرْ إلى الَّذِي حاجَّ.. إلَخْ.. أيْ: انْظُرْ إلَيْهِ؛ وتَعَجَّبْ مِن أمْرِهِ؛ وفي الثّانِي: أوْ أرَأيْتَ مِثْلَ الَّذِي مَرَّ.. إلَخْ.. إيذانًا بِأنَّ حالَهُ؛ وما جَرى عَلَيْهِ؛ في الغَرابَةِ؛ بِحَيْثُ لا يُرى لَهُ مِثْلٌ؛ كَما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ الجُمْهُورِ - فَغَيْرُ خَلِيقٍ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ؛ وفَخامَةِ شَأْنِهِ الجَلِيلِ؛ فَتَدَبَّرْ. والمارُّ هو عُزَيْرُ بْنُ شَرْخِيا؛ قالَهُ قَتادَةُ؛ والرَّبِيعُ؛ وعِكْرِمَةُ؛ وناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ؛ وسُلَيْمانُ بْنُ يَزِيدَ؛ والضَّحّاكُ؛ والسُّدِّيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ وقِيلَ: هو أرْمِيا بْنُ حَلْقِيا؛ مِن سِبْطِ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ قالَهُ وهْبٌ؛ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ؛ وقِيلَ: أرْمِيا هو الخَضِرُ بِعَيْنِهِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: "كانَ المارُّ رَجُلًا كافِرًا بِالبَعْثِ؛ وهو بَعِيدٌ؛ والقَرْيَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ"؛ قالَهُ وهْبٌ؛ وعِكْرِمَةُ؛ والرَّبِيعُ؛ وقِيلَ: هي دَيْرُ هِرَقْلَ؛ عَلى شَطِّ دِجْلَةَ؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: هي دَيْرُ سابِرَ آبادَ؛ وقالَ السُّدِّيُّ: هي دِيارُ سَلْما بادَ؛ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ؛ والأشْهَرُ؛ رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا بالَغُوا في تَعاطِي الشَّرِّ؛ والفَسادِ؛ وجاوَزُوا في العُتُوِّ؛ والطُّغْيانِ؛ كُلَّ حَدٍّ مُعْتادٍ؛ سَلَّطَ اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ البابِلِيَّ؛ فَسارَ إلَيْهِمْ في سِتِّمائَةِ ألْفِ رايَةٍ؛ حَتّى وطِئَ الشّامَ؛ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ؛ وجَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ أثْلاثًا؛ ثُلُثٌ مِنهم قَتَلَهُمْ؛ وثُلُثٌ مِنهم أقَرَّهم بِالشّامِ؛ وثُلُثٌ مِنهم سَباهُمْ؛ وكانُوا مِائَةَ ألْفِ (p-253)غُلامٍ؛ يافِعٍ؛ وغَيْرِ يافِعٍ؛ فَقَسَمَهم بَيْنَ المُلُوكِ؛ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ؛ فَأصابَ كُلُّ مَلِكٍ مِنهم أرْبَعَةَ غِلْمَةٍ؛ وكانَ عُزَيْرٌ مِن جُمْلَتِهِمْ؛ فَلَمّا نَجّاهُ اللَّهُ (تَعالى) مِنهُمْ؛ بَعْدَ حِينِ؛ مَرَّ بِحِمارِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ فَرَآهُ عَلى أفْظَعِ مَرْأًى؛ وأوْحَشِ مَنظَرٍ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾؛ أيْ: ساقِطَةٌ عَلى سُقُوفِها؛ بِأنْ سَقَطَتِ العُرُوشُ؛ ثُمَّ الحِيطانُ؛ مِن "خَوى البَيْتُ"؛ إذا سَقَطَ؛ أوْ مِن "خَوَتِ الأرْضُ"؛ أيْ: تَهَدَّمَتْ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "مَرَّ"؛ أوْ مِن "قَرْيَةٍ"؛ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ الحالَ مِنَ النَّكِرَةِ مُطْلَقًا؛ قالَ؛ أيْ: تَلَهُّفًا عَلَيْها؛ وتَشَوُّقًا إلى عِمارَتِها؛ مَعَ اسْتِشْعارِ اليَأْسِ عَنْها؛ ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾؛ وهي عَلى ما يَرى مِنَ الحالَةِ العَجِيبَةِ؛ المُبايِنَةِ لِلْحَياةِ؛ وتَقْدِيمُها عَلى الفاعِلِ لِلِاعْتِناءِ بِها؛ مِن حَيْثُ إنَّ الِاسْتِبْعادَ ناشِئٌ مِن جِهَتِها؛ لا مِن جِهَةِ الفاعِلِ؛ و"أنّى" نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ إنْ كانَتْ بِمَعْنى "مَتى"؛ وعَلى الحالِيَّةِ مِن "هَذِهِ"؛ إنْ كانَتْ بِمَعْنى "كَيْفَ"؛ والعامِلُ "يُحْيِي"؛ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ اسْتِبْعادُ عِمارَتِها بِالبِناءِ؛ والسُّكّانِ؛ مِن بَقايا أهْلِها؛ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا أيْدِيَ سَبَإٍ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِالإحْياءِ؛ الَّذِي هو عَلَمٌ في البُعْدِ عَنِ الوُقُوعِ عادَةً؛ تَهْوِيلًا لِلْخِطابِ؛ وتَأْكِيدًا لِلِاسْتِبْعادِ؛ كَما أنَّهُ لِأجْلِهِ عَبَّرَ عَنْ خَرابِها بِالمَوْتِ؛ حَيْثُ قِيلَ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾؛ وحَيْثُ كانَ هَذا التَّعْبِيرُ مُعْرِبًا عَنِ اسْتِبْعادِ الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ؛ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ وآكَدِهِ؛ أراهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ آثِرَ ذِي أثِيرٍ؛ أبْعَدَ الأمْرَيْنِ في نَفْسِهِ؛ ثُمَّ في غَيْرِهِ؛ ثُمَّ أراهُ ما اسْتَبْعَدَهُ صَرِيحًا؛ مُبالَغَةً في إزاحَةِ ما عَسى يَخْتَلِجُ في خَلَدِهِ؛ وأمّا حَمْلُ إحْيائِها عَلى إحْياءِ أهْلِها فَيَأْباهُ التَّعَرُّضُ لِحالِ القَرْيَةِ؛ دُونَ حالِهِمْ؛ والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ مَوْتِهِمْ؛ دُونَ كَوْنِهِمْ تُرابًا وعِظامًا؛ مَعَ كَوْنِهِ أدْخَلَ في الِاسْتِبْعادِ؛ لِشَدَّةِ مُبايَنَتِهِ لِلْحَياةِ؛ وغايَةِ بُعْدِهِ عَنْ قَبُولِها؛ عَلى أنَّهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ إرادَتُهُ (تَعالى) بِإحْيائِهِمْ؛ كَما تَعَلَّقَتْ بِعِمارَتِها؛ ومُعايَنَةِ المارِّ لَها؛ كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا؛ ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ﴾؛ وألْبَثَهُ عَلى المَوْتِ؛ ﴿مِائَةَ عامٍ﴾؛ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا دَخَلَ القَرْيَةَ رَبَطَ حِمارَهُ؛ فَطافَ بِها؛ ولَمْ يَرَ بِها أحَدًا؛ فَقالَ ما قالَ؛ وكانَتْ أشْجارُها قَدْ أثْمَرَتْ؛ فَتَناوَلَ مِنَ التِّينِ؛ والعِنَبِ؛ وشَرِبَ مِن عَصِيرِهِ؛ ونامَ؛ فَأماتَهُ اللَّهُ (تَعالى) في مَنامِهِ؛ وهو شابٌّ؛ وأماتَ حِمارَهُ؛ وبَقِيَّةُ تِينِهِ وعِنَبِهِ وعَصِيرِهِ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ أعْمى اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ عُيُونَ المَخْلُوقاتِ؛ فَلَمْ يَرَهُ أحَدٌ؛ فَلَمّا مَضى مِن مَوْتِهِ سَبْعُونَ سَنَةً وجَّهَ اللَّهُ - عَزَّ وعَلا - مَلِكًا عَظِيمًا مِن مُلُوكِ فارِسَ؛ يُقالُ لَهُ "يُوشَكُ" إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ لِيَعْمُرَهُ؛ ومَعَهُ ألْفُ قَهْرَمانٍ؛ مَعَ كُلِّ قَهْرَمانٍ ثُلْثُمائَةِ ألْفِ عامِلٍ؛ فَجَعَلُوا يَعْمُرُونَهُ؛ وأهْلَكَ اللَّهُ (تَعالى) بُخْتَنَصَّرَ بِبَعُوضَةٍ؛ دَخَلَتْ دِماغَهُ؛ ونَجّى اللَّهُ (تَعالى) مَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ ورَدَّهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ وتَراجَعَ إلَيْهِ مَن تَفَرَّقَ مِنهم في الأكْنافِ؛ فَعَمَرُوهُ ثَلاثِينَ سَنَةً؛ وكَثُرُوا؛ وكانُوا كَأحْسَنِ ما كانُوا عَلَيْهِ؛ فَلَمّا تَمَّتِ المِائَةُ مِن مَوْتِ عُزَيْرٍ أحْياهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾؛ وإيثارُهُ عَلى "أحْياهُ" لِلدَّلالَةِ عَلى سُرْعَتِهِ؛ وسُهُولَةِ تَأتِّيهِ عَلى البارِئِ (تَعالى)؛ كَأنَّهُ بَعَثَهُ مِنَ النَّوْمِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أعادَهُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ مَوْتِهِ؛ عاقِلًا؛ فاهِمًا؛ مُسْتَعِدًّا لِلنَّظَرِ؛ والِاسْتِدْلالِ؛ قالَ: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ بَعْدَ بَعْثِهِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾؛ لِيُظْهِرَ لَهُ عَجْزَهُ عَنِ الإحاطَةِ بِشُئُونِهِ (تَعالى)؛ وأنْ إحْياءَهُ لَيْسَ بَعْدَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ؛ رُبَّما يُتَوَهَّمُ أنَّهُ هَيِّنٌ في الجُمْلَةِ؛ بَلْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ؛ ويَنْحَسِمَ بِهِ مادَّةُ اسْتِبْعادِهِ بِالمَرَّةِ؛ ويَطَّلِعَ في تَضاعِيفِهِ عَلى أمْرٍ آخَرَ مِن بَدائِعِ آثارِ قدرته (تَعالى)؛ وهو إبْقاءُ الغِذاءِ؛ المُتَسارِعِ إلى الفَسادِ بِالطَّبْعِ؛ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ دَهْرًا طَوِيلًا مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ ما؛ و"كَمْ" نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ مُمَيِّزُها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: "كَمْ وقْتًا لَبِثْتَ؟"؛ والقائِلُ هو اللَّهُ (تَعالى)؛ أوْ مَلَكٌ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ مِن قِبَلِهِ (تَعالى)؛ قِيلَ: نُودِيَ مِنَ السَّماءِ: "يا عُزَيْرُ .. كَمْ لَبِثْتَ بَعْدَ المَوْتِ؟"؛ ﴿قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾؛ (p-254)قالَهُ بِناءً عَلى التَّقْرِيبِ؛ والتَّخْمِينِ؛ أوِ اسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ لُبْثِهِ؛ وأمّا ما يُقالُ مِن أنَّهُ ماتَ ضُحًى؛ وبُعِثَ بَعْدَ المِائَةِ قُبَيْلَ الغُرُوبِ؛ فَقالَ - قَبْلَ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ -: "يَوْمًا"؛ فالتَفَتَ إلَيْها؛ فَرَأى مِنها بَقِيَّةً؛ فَقالَ: "أوْ بَعْضَ يَوْمٍ"؛ عَلى وجْهِ الإضْرابِ؛ فَبِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْقِيقِ؛ إذْ لا وجْهَ لِلْجَزْمِ بِتَمامِ اليَوْمِ؛ ولَوْ بِناءً عَلى حُسْبانِ الغُرُوبِ؛ لِتَحَقُّقِ النُّقْصانِ مِن أوَّلِهِ؛ قالَ: اسْتِئْنافٌ؛ كَما سَلَفَ؛ ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾: عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: ما لَبِثْتَ ذَلِكَ القَدْرَ؛ بَلْ هَذا المِقْدارَ؛ ﴿فانْظُرْ﴾؛ لِتُعايِنَ أمْرًا آخَرَ مِن دَلائِلِ قُدْرَتِنا؛ ﴿إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾؛ أيْ: لَمْ يَتَغَيَّرْ في هَذِهِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ؛ مَعَ تَداعِيهِ إلى الفَسادِ؛ رُوِيَ أنَّهُ وجَدَ تِينَهُ؛ وعِنَبَهُ كَما جَنى؛ وعَصِيرَهُ كَما عَصَرَ؛ والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ حالٌ بِغَيْرِ واوٍ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾؛ إمّا مِنَ الطَّعامِ؛ والشَّرابِ؛ وإفْرادُ الضَّمِيرِ لِجَرَيانِهِما مُجْرى الواحِدِ؛ كَـ "الغِذاءُ"؛ وإمّا مِنَ الأخِيرِ؛ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ حالِهِ عَلى حالِ الأوَّلِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "وَهَذا شَرابُكَ لَمْ يَتَسَنَّ"؛ والهاءُ أصْلِيَّةٌ؛ أوْ هاءُ سَكْتٍ؛ واشْتِقاقُهُ مِن "السَّنَةُ"؛ لِما أنَّ لامَها هاءٌ؛ أوْ واوٌ؛ وقِيلَ: أصْلُهُ "لَمْ يَتَسَنَّنْ"؛ مِن "الحَمَأُ المَسْنُونُ"؛ فَقُلِبَتْ نُونُهُ حَرْفَ عِلَّةٍ؛ كَما في "تَقَضّى البازِي"؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى "لَمْ يَتَسَنَّهْ": لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِ السُّنُونُ؛ الَّتِي مَرَّتْ؛ لا حَقِيقَةً؛ بَلْ تَشْبِيهًا؛ أيْ: هو عَلى حالِهِ كَأنَّهُ لَمْ يَلْبَثْ مِائَةَ عامٍ؛ وقُرِئَ: "لَمْ يَسَّنَّهْ"؛ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ؛ ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾؛ كَيْفَ نَخِرَتْ عِظامُهُ؛ وتَفَرَّقَتْ وتَقَطَّعَتْ أوْصالُهُ؛ وتَمَزَّقَتْ؛ لِيَتَبَيَّنَ لَكَ ما ذُكِرَ مِنَ اللُّبْثِ المَدِيدِ؛ وتَطْمَئِنَّ بِهِ نَفْسُكَ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾: عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ؛ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَهُ؛ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ؛ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ؛ أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا؛ مِن إحْيائِكَ بَعْدَ ما ذُكِرَ؛ لِتُعايِنَ ما اسْتَبْعَدْتَهُ مِنَ الإحْياءِ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ؛ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ المَوْجُودِينَ في هَذا القَرْنِ؛ بِأنْ يُشاهِدُوكَ وأنْتَ مِن أهْلِ القُرُونِ الخالِيَةِ؛ ويَأْخُذُوا مِنكَ ما طُوِيَ عَنْهُمْ؛ مُنْذُ أحْقابٍ؛ مِن عِلْمِ التَّوْراةِ؛ كَما سَيَأْتِي؛ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ؛ أيْ: ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لَهُمْ؛ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ؛ فَعَلْنا ما فَعَلْنا؛ فَهو عَلى التَّقْدِيرَيْنِ دَلِيلٌ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ اللُّبْثِ المَدِيدِ؛ ولِذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأمْرِ بِالنَّظَرِ إلى حِمارِهِ؛ وتَكْرِيرُ الأمْرِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾؛ مَعَ أنَّ المُرادَ عِظامُ الحِمارِ أيْضًا؛ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ أوَّلًا هو النَّظَرُ إلَيْها مِن حَيْثُ دَلالَتُها عَلى ما ذُكِرَ مِنَ اللُّبْثِ المَدِيدِ؛ وثانِيًا هو النَّظَرُ إلَيْها مِن حَيْثُ تَعْتَرِيها الحَياةُ؛ ومَبادِيها؛ أيْ: وانْظُرْ إلى عِظامِ الحِمارِ؛ لِتُشاهِدَ كَيْفِيَّةَ الإحْياءِ في غَيْرِكَ؛ بَعْدَما شاهَدْتَ نَفْسَهُ في نَفْسِكَ؛ ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾؛ بِالزّايِ المُعْجَمَةِ؛ أيْ: نَرْفَعُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ؛ ونَرُدُّها إلى أماكِنِها مِنَ الجَسَدِ؛ فَنُرَكِّبُها تَرْكِيبًا لائِقًا بِها؛ وقالَ الكِسائِيُّ: نُلِينُها؛ ونُعْظِمُها؛ ولَعَلَّ مَن فَسَّرَهُ بِـ "نُحْيِيها" أرادَ بِالإحْياءِ هَذا المَعْنى؛ وكَذا مَن قَرَأ: "نُنْشِرُها"؛ بِالرّاءِ؛ مِن "أنْشَرَ اللَّهُ (تَعالى) المَوْتى"؛ أيْ: أحْياها؛ لا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾؛ أيْ: نَسْتُرُها بِهِ؛ كَما يُسْتَرُ الجَسَدُ بِاللِّباسِ؛ وأمّا مَن قَرَأ: "نَنْشُرُها"؛ بِفَتْحِ النُّونِ؛ وضَمِّ الشِّينِ؛ فَلَعَلَّهُ أرادَ بِهِ ضِدَّ الطَّيِّ؛ كَما قالَ الفَرّاءُ؛ فالمَعْنى: "كَيْفَ نَبْسُطُها"؛ والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن "العِظامِ"؛ أيْ: وانْظُرْ إلَيْها مُرَكَّبَةً؛ مَكْسُوَّةً لَحْمًا؛ أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ أيْ: وانْظُرْ إلى العِظامِ؛ كَيْفِيَّةِ إنْشازِها؛ وبَسْطِ اللَّحْمِ عَلَيْها؛ ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِكَيْفِيَّةِ نَفْخِ الرُّوحِ؛ لِما أنَّها مِمّا لا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ بَيانَهُ؛ رُوِيَ أنَّهُ نُودِيَ: "أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ؛ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أنْ تَجْتَمِعِي"؛ فاجْتَمَعَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزائِها؛ الَّتِي ذَهَبَ بِها الطَّيْرُ؛ والسِّباعُ؛ وطارَتْ بِها الرِّياحُ مِن كُلِّ سَهْلٍ؛ وجَبَلٍ؛ فانْضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ؛ والتَصَقَ كُلُّ عُضْوٍ بِما يَلِيقُ بِهِ؛ الضِّلْعُ بِالضِّلْعِ؛ والذِّراعُ بِمَحَلِّها؛ والرَّأْسُ بِمَوْضِعِها؛ ثُمَّ الأعْصابُ؛ والعُرُوقُ؛ ثُمَّ انْبَسَطَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ؛ (p-255)ثُمَّ الجِلْدُ؛ ثُمَّ خَرَجَتْ مِنهُ الشُّعُورُ؛ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ؛ فَإذا هو قائِمٌ يَنْهَقُ؛ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾؛ أيْ: ما دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ؛ مِن كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ بِمَبادِيهِ؛ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ يَسْتَدْعِيهِ الأمْرُ المَذْكُورُ؛ وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ تَحَقُّقِهِ؛ واسْتِغْنائِهِ عَنِ الذِّكْرِ؛ ولِلْإشْعارِ بِسُرْعَةِ وُقُوعِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾؛ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأنْشَزَها اللَّهُ (تَعالى)؛ وكَساها لَحْمًا؛ فَنَظَرَ إلَيْها؛ فَتَبَيَّنَ لَهُ كَيْفِيَّتُهُ؛ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ؛ أيْ: اتَّضَحَ اتِّضاحًا تامًّا؛ ﴿قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما شاهَدَهُ في نَفْسِهِ؛ وفي غَيْرِهِ؛ مِن تَعاجِيبِ الآثارِ؛ ﴿قَدِيرٌ﴾؛ لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ؛ وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ؛ نَظَرًا إلى أنَّ أصْلَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ ولَمْ يَتَبَدَّلْ؛ بَلْ إنَّما تَبَدَّلَ بِالعِيانِ وصْفُهُ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ إنَّما قالَ ما قالَ بِناءً عَلى الِاسْتِبْعادِ العادِيِّ؛ واسْتِعْظامًا لِلْأمْرِ؛ وقَدْ قِيلَ: فاعِلُ "تَبَيَّنَ" مُضْمَرٌ؛ يُفَسِّرُهُ مَفْعُولُ "أعْلَمُ"؛ أيْ: فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قالَ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ فَتَدَبَّرْ. وقُرِئَ: "تُبُيِّنَ لَهُ"؛ عَلى صِيغَةِ المَجْهُولِ؛ وقُرِئَ: "قالَ اعْلَمْ"؛ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ؛ رُوِيَ أنَّهُ رَكِبَ حِمارَهُ؛ وأتى مَحَلَّتَهُ؛ وأنْكَرَهُ النّاسُ؛ وأنْكَرَ النّاسَ؛ وأنْكَرَ المَنازِلَ؛ فانْطَلَقَ عَلى وهْمٍ مِنهُ حَتّى أتى مَنزِلَهُ؛ فَإذا هو بِعَجُوزٍ عَمْياءَ مُقْعَدَةٍ؛ قَدْ أدْرَكَتْ زَمَنَعُزَيْرٍ؛ فَقالَ لَها عُزَيْرٌ: "يا هَذِهِ.. هَذا مَنزِلُ عُزَيْرٍ؟"؛ قالَتْ: نَعَمْ؛ وأيْنَ ذِكْرى عُزَيْرٍ؛ قَدْ فَقَدْناهُ مُنْذُ كَذا وكَذا؛ فَبَكَتْ بُكاءً شَدِيدًا؛ قالَ: "فَإنِّي عُزَيْرٌ"؛ قالَتْ: سُبْحانَ اللَّهِ؛ أنّى يَكُونُ ذَلِكَ؟ قالَ: "قَدْ أماتَنِيَ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ؛ ثُمَّ بَعَثَنِي"؛ قالَتْ: إنَّ عُزَيْرًا كانَ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ؛ فادْعُ اللَّهَ لِي يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي حَتّى أراكَ؛ فَدَعا رَبَّهُ؛ ومَسَحَ بِيَدِهِ عَيْنَيْها؛ فَصَحَّتا؛ فَأخَذَ بِيَدِها؛ فَقالَ لَها: "قَوْمِي بِإذْنِ اللَّهِ"؛ فَقامَتْ صَحِيحَةً؛ كَأنَّها نَشِطَتْ مِن عِقالٍ؛ فَنَظَرَتْ إلَيْهِ؛ فَقالَتْ: أشْهَدُ أنَّكَ عُزَيْرٌ؛ فانْطَلَقَتْ إلى مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهم في أنْدِيَتِهِمْ؛ وكانَ في المَجْلِسِ ابْنٌ لِعُزَيْرٍ؛ قَدْ بَلَغَ مِائَةً وثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ وبَنُو بَنِيهِ شُيُوخٌ؛ فَنادَتْ: هَذا عُزَيْرٌ؛ قَدْ جاءَكُمْ؛ فَكَذَّبُوها؛ فَقالَتْ: انْظُرُوا؛ فَإنِّي بِدُعائِهِ رَجَعْتُ إلى هَذِهِ الحالَةِ؛ فَنَهَضَ النّاسُ؛ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ؛ فَقالَ ابْنُهُ: كانَ لِأبِي شامَةٌ سَوْداءُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؛ مِثْلُ الهِلالِ؛ فَكَشَفَ؛ فَإذا هو كَذَلِكَ؛ وقَدْ كانَ قَتَلَ بُخْتَنَصَّرُ بِبَيْتِ المَقْدِسِ مِن قُرّاءِ التَّوْراةِ أرْبَعِينَ ألْفَ رَجُلٍ؛ ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ بَيْنَهم نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْراةِ؛ ولا أحَدَ يَعْرِفُ التَّوْراةَ؛ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَخْرِمَ مِنها حَرْفًا؛ فَقالَ رَجُلٌ مِن أوْلادِ المَسْبِيِّينَ؛ مِمَّنْ ورَدَ بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ مَهْلِكِ بُخْتَنَصَّرَ: حَدَّثَنِي أبِي عَنْ جَدِّي أنَّهُ دَفَنَ التَّوْراةَ يَوْمَ سُبِينا في خابِيَةٍ في كَرْمٍ؛ فَإنْ أرَيْتُمُونِي كَرْمَ جَدِّي أخْرَجْتُها لَكُمْ؛ فَذَهَبُوا إلى كَرْمِ جَدِّهِ؛ فَفَتَّشُوا؛ فَوَجَدُوها؛ فَعارَضُوها بِما أمْلى عَلَيْهِمْ عُزَيْرٌ عَنْ ظَهْرِ القَلْبِ فَما اخْتَلَفا في حَرْفٍ واحِدٍ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: هو ابْنُ اللَّهِ - تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
2:260Page 44
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٦٠
And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allāh] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allāh] said, "Take four birds and commit them to yourself.1 Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allāh is Exalted in Might and Wise."
﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾: دَلِيلٌ آخَرُ عَلى وِلايَتِهِ (تَعالى) لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وإخْراجِهِ لَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ؛ وإنَّما لَمْ يَسْلُكْ بِهِ مَسْلَكَ (p-256)الِاسْتِشْهادِ كَما قَبْلَهُ؛ بِأنْ يُقالَ: أوْ كالَّذِي قالَ: رَبِّ.. إلَخْ.. لِجَرَيانِ ذِكْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في أثْناءِ المُحاجَّةِ؛ ولِأنَّهُ لا دَخْلَ لِنَفْسِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في أصْلِ الدَّلِيلِ؛ كَدَأْبِ عُزَيْرٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَإنَّ ما جَرى عَلَيْهِ مِن إحْيائِهِ بَعْدَ مِائَةِ عامٍ؛ مِن جُمْلَةِ الشَّواهِدِ عَلى قدرته (تَعالى)؛ وهِدايَتِهِ؛ والظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِمُضْمَرٍ؛ صُرِّحَ بِمِثْلِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾؛ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وما وقَعَ حِينَئِذٍ مِن تَعاجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ (تَعالى)؛ لِتَقِفَ عَلى ما مَرَّ مِن وِلايَتِهِ (تَعالى)؛ وهِدايَتِهِ. وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ إلى الوَقْتِ؛ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الواقِعاتِ؛ مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالتَّذْكِيرِ؛ لِما ذُكِرَ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ مِنَ المُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها؛ لِما أنَّ إيجابَ ذِكْرِ الوَقْتِ إيجابٌ لِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ؛ ولِأنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْها مُفَصَّلَةً؛ فَإذا اسْتُحْضِرَ كانَتْ حاضِرَةً بِتَفاصِيلِها؛ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ عَنْها شَيْءٌ مِمّا ذُكِرَ عِنْدَ الحِكايَةِ؛ أوْ لَمْ يُذْكَرْ؛ كَأنَّها مُشاهَدَةٌ عِيانًا؛ "رَبِّ" كَلِمَةُ اسْتِعْطافٍ؛ قُدِّمَتْ بَيْنَ يَدَيِ الدُّعاءِ مُبالَغَةً في اسْتِدْعاءِ الإجابَةِ؛ "أرِنِي"؛ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ المُتَعَدِّيَةِ إلى واحِدٍ؛ وبِدُخُولِ هَمْزَةِ النَّقْلِ طَلَبَتْ مَفْعُولًا آخَرَ؛ هو الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ؛ المُعَلِّقَةُ لَها؛ فَإنَّها تُعَلَّقُ؛ كَما يُعَلَّقُ النَّظَرُ البَصَرِيُّ؛ أيْ: اجْعَلْنِي مُبْصِرًا؛ ﴿كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾؛ بِأنْ تُحْيِيَها وأنا أنْظُرُ إلَيْها؛ و"كَيْفَ" في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ وبِالحالِ؛ عِنْدَ الأخْفَشِ؛ والعامِلُ فِيها "تُحْيِي"؛ أيْ: في أيِّ حالٍ؛ أوْ: عَلى أيِّ حالٍ تُحْيِي؛ قالَ القُرْطُبِيُّ: الِاسْتِفْهامُ بِـ "كَيْفَ" إنَّما هو سُؤالٌ عَنْ حالِ شَيْءٍ مُتَقَرِّرِ الوُجُودِ عِنْدَ السّائِلِ؛ والمَسْؤُولِ؛ فالِاسْتِفْهامُ هَهُنا عَنْ هَيْئَةِ الإحْياءِ المُتَقَرِّرِ عِنْدَ السّائِلِ؛ أيْ: بَصِّرْنِي كَيْفِيَّةَ إحْيائِكَ لِلْمَوْتى؛ وإنَّما سَألَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَتَأيَّدَ إيقانُهُ بِالعِيانِ؛ ويَزْدادَ قَلْبُهُ اطْمِئْنانًا عَلى اطْمِئْنانٍ؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ نَمْرُودَ لَمّا قالَ: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ؛ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: "إنَّ إحْياءَ اللَّهِ (تَعالى) بِرَدِّ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ"؛ فَقالَ نَمْرُودُ: هَلْ عايَنْتَهُ؟ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى أنْ يَقُولَ: نَعَمْ؛ فانْتَقَلَ إلى تَقْرِيرٍ آخَرَ؛ ثُمَّ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ ذَلِكَ؛ فَيَأْباهُ تَعْلِيلُ السُّؤالِ بِالِاطْمِئْنانِ؛ قالَ: اسْتِئْنافٌ؛ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾: عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: "ألَمْ تَعْلَمْ؛ ولَمْ تُؤْمِن بِأنِّي قادِرٌ عَلى الإحْياءِ كَيْفَ أشاءُ؛ حَتّى تَسْألَنِي إراءَتَهُ؟"؛ قالَهُ - عَزَّ وعَلا - وهو أعْلَمُ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أثْبَتُ النّاسِ إيمانًا؛ وأقْواهم يَقِينًا؛ لِيُجِيبَ بِما أجابَ بِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ لُطْفًا لِلسّامِعِينَ؛ ﴿قالَ بَلى﴾؛ عَلِمْتُ؛ وآمَنتُ بِأنَّكَ قادِرٌ عَلى الإحْياءِ؛ عَلى أيِّ كَيْفِيَّةٍ شِئْتَ؛ ﴿وَلَكِنْ﴾ سَألْتُ ما سَألْتُ؛ ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾؛ بِمُضامَّةِ العِيانِ إلى الإيمانِ؛ والإيقانِ؛ وأزْدادَ بَصِيرَةً بِمُشاهَدَتِهِ عَلى كَيْفِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ ﴿قالَ فَخُذْ﴾: الفاءُ لِجَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إنْ أرَدْتَ ذَلِكَ ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾؛ قِيلَ: هو اسْمٌ لِجَمْعِ "طائِرٌ"؛ كَـ "رَكْبٌ"؛ و"سَفْرٌ"؛ وقِيلَ: جَمْعٌ لَهُ كَـ "تاجِرٌ"؛ و"تَجْرٌ"؛ وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الجِنْسُ؛ وقِيلَ: هو تَخْفِيفُ "طَيِّرٌ"؛ بِمَعْنى "طائِرٌ"؛ كَـ "هَيْنٌ"؛ في "هَيِّنٌ"؛ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "خُذْ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "أرْبَعَةً"؛ أيْ: أرْبَعَةً كائِنَةً مِنَ الطَّيْرِ؛ قِيلَ: هِيَ: طاوُوسٌ؛ ودِيكٌ؛ وغُرابٌ؛ وحَمامَةٌ؛ وقِيلَ: نَسْرٌ؛ بَدَلَ الأخِيرِ؛ وتَخْصِيصُ الطَّيْرِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ أقْرُبُ إلى الإنْسانِ؛ وأجْمَعُ لِخَواصِّ الحَيَوانِ؛ ولِسُهُولَةِ تَأتِّي ما يُفْعَلُ بِهِ مِنَ التَّجْزِئَةِ؛ والتَّفْرِيقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ﴿فَصُرْهُنَّ﴾؛ مِن "صارَهُ؛ يَصُورُهُ"؛ أيْ: أمالَهُ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الصّادِ؛ مِن "صارَهُ؛ يَصِيرُهُ"؛ أيْ: أمِلْهُنَّ؛ واضْمُمْهُنَّ؛ وقُرِئَ: "فَصُرَّهُنَّ"؛ بِضَمِّ الصّادِ؛ وكَسْرِها؛ وتَشْدِيدِ الرّاءِ؛ مِن "صَرَّهُ؛ يَصُرُّهُ؛ ويَصِرُّهُ"؛ إذا جَمَعَهُ؛ وقُرِئَ: "فَصَرِّهِنَّ"؛ مِن "التَّصْرِيَةُ"؛ بِمَعْنى "الجَمْعُ"؛ أيْ: اجْمَعْهُنَّ؛ "إلَيْكَ"؛ لِتَتَأمَّلَها؛ وتَعْرِفَ شِياتِها مُفَصَّلَةً؛ حَتّى تَعْلَمَ بَعْدَ الإحْياءِ أنَّ جُزْءًا مِن أجْزائِها لَمْ يَنْتَقِلْ مِن مَوْضِعِهِ الأوَّلِ أصْلًا؛ رُوِيَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَذْبَحَها؛ ويَنْتِفَ رِيشَها؛ ويُقَطِّعَها؛ ويُفَرِّقَ (p-257)أجْزاءَها؛ ويَخْلِطَ رِيشَها ودِماءَها ولُحُومَها؛ ويُمْسِكَ رُؤُوسَها؛ ثُمَّ أُمِرَ بِأنْ يَجْعَلَ أجْزاءَها عَلى الجِبالِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾؛ أيْ: جَزِّئْهُنَّ؛ وفَرِّقْ أجْزاءَهُنَّ عَلى ما بِحَضْرَتِكَ مِنَ الجِبالِ؛ قِيلَ: كانَتْ أرْبَعَةَ أجْبُلٍ؛ وقِيلَ: سَبْعَةً؛ فَجَعَلَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ رُبُعًا؛ أوْ سُبُعًا؛ مِن كُلِّ طائِرٍ؛ وقُرِئَ: "جُزُؤًا"؛ بِضَمَّتَيْنِ؛ و"جُزًّا"؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ بِطَرْحِ هَمْزَتِهِ تَخْفِيفًا؛ ثُمَّ تَشْدِيدِهِ عِنْدَ الوَقْفِ؛ ثُمَّ إجْراءِ الوَصْلِ مُجْرى الوَقْفِ؛ ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ﴾؛ في حَيِّزِ الجَزْمِ؛ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ؛ ولَكِنَّهُ بُنِيَ لِاتِّصالِهِ بِنُونِ جَمْعِ المُؤَنَّثِ؛ ﴿سَعْيًا﴾؛ أيْ: ساعِياتٍ؛ مُسْرِعاتٍ؛ أوْ: ذَواتِ سَعْيٍ؛ طَيَرانًا؛ أوْ مَشْيًا؛ وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى حِكايَةِ أوامِرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِامْتِثالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ولا لِما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن عَجائِبِ آثارِ قدرته (تَعالى)؛ كَما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نادى؛ فَقالَ: "تَعالَيْنَ بِإذْنِ اللَّهِ"؛ فَجَعَلَ كُلُّ جُزْءٍ مِنهُنَّ يَطِيرُ إلى صاحِبِهِ؛ حَتّى صارَتْ جُثَثًا؛ ثُمَّ أقْبَلْنَ إلى رُؤُوسِهِنَّ؛ فانْضَمَّتْ كُلُّ جُثَّةٍ إلى رَأْسِها؛ فَعادَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئَةِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَرَتُّبَ تِلْكَ الأُمُورِ عَلى الأوامِرِ الجَلِيلَةِ؛ واسْتِحالَةِ تَخَلُّفِها عَنْها؛ مِنَ الجَلاءِ؛ والظُّهُورِ؛ بِحَيْثُ لا حاجَةَ لَهُ إلى الذِّكْرِ أصْلًا؛ وناهِيكَ بِالقِصَّةِ دَلِيلًا عَلى فَضْلِ الخَلِيلِ؛ ويُمْنِ الضَّراعَةِ في الدُّعاءِ؛ وحُسْنِ الأدَبِ في السُّؤالِ؛ حَيْثُ أراهُ اللَّهُ (تَعالى) ما سَألَهُ في الحالِ؛ عَلى أيْسَرِ ما يَكُونُ مِنَ الوُجُوهِ؛ وأرى عُزَيْرًا ما أراهُ؛ بَعْدَما أماتَهُ مِائَةَ عامٍ؛ ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾؛ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ؛ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ عَمّا يُرِيدُهُ؛ ﴿حَكِيمٌ﴾؛ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ في أفاعِيلِهِ؛ فَلَيْسَ بِناءُ أفْعالِهِ عَلى الأسْبابِ العادِيَّةِ لِعَجْزِهِ عَنْ إيجادِها بِطَرِيقٍ آخَرَ خارِقٍ لِلْعاداتِ؛ بَلْ لِكَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا لِلْحِكَمِ؛ والمَصالِحِ.
2:261Page 44
مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٢٦١
The example of those who spend their wealth in the way of Allāh is like a seed [of grain] which grows seven spikes; in each spike is a hundred grains. And Allāh multiplies [His reward] for whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أيْ: في وُجُوهِ الخَيْراتِ؛ مِنَ الواجِبِ؛ والنَّفْلِ؛ ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾؛ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في أحَدِ الجانِبَيْنِ؛ أيْ: مَثَلُ نَفَقَتِهِمْ كَمَثَلِ حَبَّةٍ؛ أوْ: مَثَلُهم كَمَثَلِ باذِرِ حَبَّةٍ؛ ﴿أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾؛ أيْ: أخْرَجَتْ ساقًا تَشَعَّبَ مِنها سَبْعُ شُعَبٍ؛ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها سُنْبُلَةٌ؛ ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾؛ كَما يُشاهَدُ ذَلِكَ في الذُّرَةِ؛ والدُّخْنِ؛ في الأراضِي المُغِلَّةِ؛ بَلْ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ؛ وإسْنادُ الإنْباتِ إلى الحَبَّةِ مَجازِيٌّ؛ كَإسْنادِهِ إلى الأرْضِ؛ والرَّبِيعِ؛ وهَذا التَّمْثِيلُ تَصْوِيرٌ لِلْأضْعافِ؛ كَأنَّها حاضِرَةٌ بَيْنَ يَدَيِ النّاظِرِ؛ ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ﴾؛ تِلْكَ المُضاعَفَةَ؛ أوْ فَوْقَها؛ إلى ما شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾؛ أنْ يُضاعِفَ لَهُ بِفَضْلِهِ؛ عَلى حَسَبِ حالِ المُنْفِقِ مِن إخْلاصِهِ؛ وتَعَبِهِ؛ ولِذَلِكَ تَفاوَتَتْ مَراتِبُ الأعْمالِ في مَقادِيرِ الثَّوابِ؛ ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾؛ لا يَضِيقُ عَلَيْهِ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ مِنَ الزِّيادَةِ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ بِنِيَّةِ المُنْفِقِ؛ ومِقْدارِ إنْفاقِهِ؛ وكَيْفِيَّةِ تَحْصِيلِ ما أنْفَقَهُ.
2:262Page 44
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٦٢
Those who spend their wealth in the way of Allāh and then do not follow up what they have spent with reminders [of it] or [other] injury will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ؛ جِيءَ بِها لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإنْفاقِ؛ الَّذِي بُيِّنَ فَضْلُهُ بِالتَّمْثِيلِ المَذْكُورِ؛ ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا﴾؛ (p-258)أيْ: ما أنْفَقُوهُ؛ أوْ: إنْفاقَهُمْ؛ ﴿مَنًّا ولا أذًى﴾: "المَنُّ": أنْ يَعْتَدَّ عَلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِ بِإحْسانِهِ؛ ويُرِيَهُ أنَّهُ أوْجَبَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ حَقًّا؛ و"الأذى": أنْ يَتَطاوَلَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ إنْعامِهِ عَلَيْهِ؛ وإنَّما قُدِّمَ المَنُّ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ. وتَوْسِيطُ كَلِمَةِ "لا" لِلدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ لِإتْباعِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما؛ و"ثُمَّ" لِإظْهارِ عُلُوِّ رُتْبَةِ المَعْطُوفِ؛ قِيلَ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ بِألْفِ بَعِيرٍ؛ بِأقْتابِها؛ وأحْلاسِها؛ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ حِينَ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ صَدَقَةً؛ ولَمْ يَكَدْ يَخْطُرُ بِبالِهِما شَيْءٌ مِنَ المَنِّ؛ والأذى؛ ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾؛ أيْ: حَسْبَما وُعِدَ لَهم في ضِمْنِ التَّمْثِيلِ؛ وهو جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ؛ وخَبَرٍ؛ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ؛ وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ؛ وتَقْيِيدِ الأجْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ مِنَ التَّأْكِيدِ؛ والتَّشْرِيفِ؛ ما لا يَخْفى؛ وتَخْلِيَةُ الخَبَرِ عَنِ الفاءِ المُفِيدَةِ لِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَرَتُّبَ الأجْرِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الإنْفاقِ؛ وتَرْكِ إتْباعِ المَنِّ والأذى؛ أمْرٌ بَيِّنٌ؛ لا يَحْتاجُ إلى التَّصْرِيحِ بِالسَّبَبِيَّةِ؛ وأمّا إيهامُ أنَّهم أهْلٌ لِذَلِكَ؛ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا؛ فَكَيْفَ بِهِمْ إذا فَعَلُوا؟ فَيَأْباهُ مَقامُ التَّرْغِيبِ في الفِعْلِ؛ والحَثِّ عَلَيْهِ؛ ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ في الدّارَيْنِ؛ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ مِنَ المَكارِهِ؛ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾؛ لِفَواتِ مَطْلُوبٍ مِنَ المَطالِبِ؛ قَلَّ؛ أوْ جَلَّ؛ أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ما يُوجِبُهُ؛ لا أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ لَكِنَّهم لا يَخافُونَ؛ ولا يَحْزَنُونَ؛ ولا أنَّهُ لا يَعْتَرِيهِمْ خَوْفٌ؛ وحُزْنٌ أصْلًا؛ بَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى النَّشاطِ؛ والسُّرُورِ؛ كَيْفَ لا.. واسْتِشْعارُ الخَوْفِ؛ والخَشْيَةِ؛ اسْتِعْظامًا لِجَلالِ اللَّهِ (تَعالى) وهَيْبَتِهِ؛ واسْتِقْصارًا لِلْجِدِّ؛ والسَّعْيِ في إقامَةِ حُقُوقِ العُبُودِيَّةِ؛ مِن خَواصِّ الخَواصِّ؛ والمُقَرَّبِينَ؟ والمُرادُ بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِما؛ لا بَيانُ انْتِفاءِ دَوامِهِما؛ كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا؛ لِما أنَّ النَّفْيَ؛ وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ يُفِيدُ الدَّوامَ؛ والِاسْتِمْرارَ؛ بِحَسَبِ المَقامِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences