Abu as-Su'udAl‑Baqarah · 2:272–281

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:272–281

2:272Page 46

۞ لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٢

Not upon you, [O Muḥammad], is [responsibility for] their guidance, but Allāh guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the face [i.e., approval] of Allāh. And whatever you spend of good1 - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾: أيْ: لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَهم مَهْدِيِّينَ إلى الإتْيانِ بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ المَحاسِنِ؛ والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ المَعْدُودَةِ؛ وإنَّما الواجِبُ عَلَيْكَ الإرْشادُ إلى الخَيْرِ؛ والحَثُّ عَلَيْهِ؛ والنَّهْيُ عَنِ الشَّرِّ؛ والرَّدْعُ عَنْهُ؛ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ؛ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي﴾؛ هِدايَةً خاصَّةً؛ مُوصِلَةً إلى المَطْلُوبِ حَتْمًا؛ ﴿مَن يَشاءُ﴾؛ هِدايَتَهُ إلى ذَلِكَ؛ مِمَّنْ يَتَذَكَّرُ بِما ذُكِرَ؛ ويَتَّبِعُ الحَقَّ؛ ويَخْتارُ الخَيْرَ؛ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ؛ جِيءَ بِها عَلى طَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ؛ وتَوْجِيهِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ مَعَ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ فِيما بَيْنَ الخِطاباتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُكَلَّفِينَ؛ مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى الِامْتِثالِ؛ فَإنَّ الإخْبارَ بِعَدَمِ وُجُوبِ تَدارُكِ أمْرِهِمْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مُؤْذِنٌ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ؛ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ ما بَعْدَهُ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ؛ وقِيلَ: لَمّا كَثُرَ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنِ التَّصَدُّقِ عَلى المُشْرِكِينَ؛ كَيْ تَحْمِلَهُمُ الحاجَةُ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ؛ فَنَزَلَتْ. أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدى مَن خالَفَكَ حَتّى تَمْنَعَهُمُ الصَّدَقَةَ لِأجْلِ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ؛ فَلا التِفاتَ حِينَئِذٍ في الكَلامِ؛ وضَمِيرُ الغَيْبَةِ لِلْمَعْهُودِينَ مِن فُقَراءِ المُشْرِكِينَ؛ بَلْ فِيهِ تَلْوِينٌ فَقَطْ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾؛ عَلى الأوَّلِ: التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى خِطابِ المُكَلَّفِينَ؛ لِزِيادَةِ هَزِّهِمْ نَحْوَ الِامْتِثالِ؛ وعَلى الثّانِي: تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ بِتَوْجِيهِهِ إلَيْهِمْ؛ وصَرْفِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ و"ما" شَرْطِيَّةٌ؛ جازِمَةٌ لِـ "تُنْفِقُوا"؛ مُنْتَصِبَةٌ بِهِ؛ عَلى المَفْعُولِيَّةِ و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِاسْمِ الشَّرْطِ؛ مُبَيِّنَةً؛ ومُخَصِّصَةً لَهُ؛ أيْ: أيَّ شَيْءٍ تُنْفِقُوا كائِنٌ مِن مالٍ؛ ﴿فَلأنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ: فَهو لِأنْفُسِكُمْ؛ لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُكُمْ؛ فَلا تَمُنُّوا عَلى مَن أعْطَيْتُمُوهُ؛ ولا تُؤْذُوهُ؛ ولا تُنْفِقُوا مِنَ الخَبِيثِ؛ أوْ: فَنَفْعُهُ الدِّينِيُّ لَكُمْ؛ لا لِغَيْرِكم مِنَ الفُقَراءِ حَتّى تَمْنَعُوهُ مِمَّنْ لا يَنْتَفِعُ بِهِ؛ مِن حَيْثُ الدِّينُ؛ مِن فُقَراءِ المُشْرِكِينَ؛ ﴿وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾: اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ؛ أوْ أعَمِّ الأحْوالِ؛ أيْ: لَيْسَتْ نَفَقَتُكم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ؛ أوْ: لَيْسَتْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ ابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ؛ فَما بالُكم تَمُنُّونَ بِها؛ وتُنْفِقُونَ الخَبِيثَ الَّذِي لا يُوَجَّهُ مِثْلُهُ إلى اللَّهِ (تَعالى)؟! وقِيلَ: هو نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ؛ ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: أجْرُهُ؛ وثَوابُهُ؛ أضْعافًا مُضاعَفَةً؛ حَسْبَما فُصِّلَ فِيما قَبْلُ؛ فَلا عُذْرَ لَكم في أنْ تَرْغَبُوا عَنْ إنْفاقِهِ (p-265)عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ؛ وأجْمَلِها؛ فَهو تَأْكِيدٌ؛ وبَيانٌ لِلشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ؛ أوْ: يُوَفَّ إلَيْكم ما يُخْلِفُهُ؛ وهو مِن نَتائِجِ دُعائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقَوْلِهِ: « "اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِلْمُنْفِقِ خَلَفًا؛ ولِلْمُمْسِكِ تَلَفًا"؛» وقِيلَ: حَجَّتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ؛ فَأتَتْها أُمُّها تَسْألُها؛ وهي مُشْرِكَةٌ؛ فَأبَتْ أنْ تُعْطِيَها؛ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم كانُوا يَتَّقُونَ أنْ يَرْضَخُوا لِقَراباتِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ ورُوِيَ أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَتْ لَهم أصْهارٌ في اليَهُودِ؛ ورَضاعٌ؛ كانُوا يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الإسْلامِ؛ فَلَمّا أسْلَمُوا كَرِهُوا أنْ يُنْفِقُوهُمْ؛ فَنَزَلَتْ. وهَذا في غَيْرِ الواجِبِ؛ وأمّا الواجِبُ فَلا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى الكافِرِ؛ وإنْ كانَ ذِمِّيًّا؛ ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾؛ لا تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِمّا وُعِدْتُمْ مِنَ الثَّوابِ المُضاعَفِ؛ أوْ مِنَ الخَلَفِ.

2:273Page 46

لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣

[Charity is] for the poor who have been restricted for the cause of Allāh, unable to move about in the land. An ignorant [person] would think them self-sufficient because of their restraint, but you will know them by their [characteristic] sign. They do not ask people persistently [or at all]. And whatever you spend of good - indeed, Allāh is Knowing of it.

﴿لِلْفُقَراءِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ﴾؛ أيْ: اعْمَدُوا لِلْفُقَراءِ؛ أوْ: اجْعَلُوا ما تُنْفِقُونَهُ لِلْفُقَراءِ؛ أوْ: صَدَقاتُكم لِلْفُقَراءِ؛ ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ بِالغَزْوِ؛ والجِهادِ؛ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾؛ لِاشْتِغالِهِمْ بِهِ؛ ﴿ضَرْبًا في الأرْضِ﴾؛ أيْ: ذَهابًا فِيها لِلْكَسْبِ؛ والتِّجارَةِ؛ وقِيلَ: هم أهْلُ الصُّفَّةِ؛ كانُوا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - نَحْوًا مِن أرْبَعِمائَةٍ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ؛ يَسْكُنُونَ صُفَّةَ المَسْجِدِ؛ يَسْتَغْرِقُونَ أوْقاتَهم بِالتَّعَلُّمِ؛ والجِهادِ؛ وكانُوا يَخْرُجُونَ في كُلِّ سَرِيَّةٍ بَعَثَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ﴾؛ بِحالِهِمْ؛ ﴿أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾؛ أيْ: مِن أجْلِ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ المَسْألَةِ؛ ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾؛ أيْ: تَعْرِفُ فَقْرَهُمْ؛ واضْطِرارَهم بِما تُعايِنُ مِنهُمْ؛ مِنَ الضَّعْفِ؛ ورَثاثَةِ الحالِ؛ والخِطابُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ؛ مُبالَغَةً في بَيانِ وُضُوحِ فَقْرِهِمْ؛ ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾؛ أيْ: إلْحاحًا؛ وهو أنْ يُلازِمَ السّائِلُ المَسْؤُولُ حَتّى يُعْطِيَهُ؛ مِن قَوْلِهِمْ: "لَحَفَنِي مِن فَضْلِ لِحافِهِ"؛ أيْ: أعْطانِي مِن فَضْلِ ما عِنْدَهُ؛ والمَعْنى: لا يَسْألُونَهم شَيْئًا؛ وإنْ سَألُوا لِحاجَةٍ اضْطَرَّتْهم إلَيْهِ لَمْ يُلِحُّوا؛ وقِيلَ: هو نَفْيٌ لِكِلا الأمْرَيْنِ جَمِيعًا؛ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:

؎ عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى لِمَنارِهِ ∗∗∗

أيْ: لا مَنارَ؛ ولا اهْتِداءَ؛ ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾؛ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ أحْسَنَ جَزاءٍ؛ فَهو تَرْغِيبٌ في التَّصَدُّقِ؛ لا سِيَّما عَلى هَؤُلاءِ.

2:274Page 46

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٤

Those who spend their wealth [in Allāh's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾: أيْ: يَعُمُّونَ الأوْقاتَ والأحْوالَ بِالخَيْرِ؛ والصَّدَقَةِ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَأْنِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ تَصَدَّقَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ؛ عَشْرَةُ آلافٍ مِنهُ بِاللَّيْلِ؛ وعَشَرَةٌ بِالنَّهارِ؛ وعَشَرَةٌ سِرًّا؛ وعَشَرَةٌ عَلانِيَةً؛ وقِيلَ: في عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ حِينَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلّا أرْبَعَةُ دَراهِمَ؛ فَتَصَدَّقَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ ولَعَلَّ تَقْدِيمَ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ؛ والسِّرِّ عَلى العَلانِيَةِ؛ لِلْإيذانِ بِمَزِيَّةِ الإخْفاءِ عَلى الإظْهارِ؛ وقِيلَ: في رِباطِ الخَيْلِ؛ والإنْفاقِ عَلَيْها؛ ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها؛ وقِيلَ: لِلْعَطْفِ؛ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ومِنهُمُ الَّذِينَ.. إلَخْ.. ولِذَلِكَ جُوِّزَ (p-266)الوَقْفُ عَلى "عَلانِيَةً"؛ ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾؛ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

2:275Page 47

ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥

Those who consume interest1 cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allāh has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allāh. But whoever returns [to dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾؛ أيْ: يَأْخُذُونَهُ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالأكْلِ لِما أنَّهُ مُعْظَمُ ما قُصِدَ بِهِ؛ ولِشُيُوعِهِ في المَطْعُوماتِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ تَشْنِيعٍ لَهُمْ؛ وهو الزِّيادَةُ في المِقْدارِ؛ أوْ في الأجَلِ؛ حَسْبَما فُصِّلَ في كُتُبِ الفِقْهِ؛ وإنَّما كُتِبَ بِالواوِ كَـ "الصَّلَوَةُ"؛ عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ في أمْثالِها؛ وزِيدَتِ الألِفُ تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ؛ ﴿لا يَقُومُونَ﴾؛ أيْ: مِن قُبُورِهِمْ إذا بُعِثُوا؛ ﴿إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: إلّا قِيامًا كَقِيامِ المَصْرُوعِ؛ وهو وارِدٌ؛ عَلى ما يَزْعُمُونَ أنَّ الشَّيْطانَ يَخْبِطُ الإنْسانَ فَيُصْرَعُ؛ و"الخَبْطُ": الضَّرْبُ بِغَيْرِ اسْتِواءٍ كَخَبْطِ العَشْواءِ؛ ﴿مِنَ المَسِّ﴾؛ أيْ: الجُنُونِ؛ وهَذا أيْضًا مِن زَعْماتِهِمْ أنَّ الجِنِّيَّ يَمَسُّهُ فَيَخْتَلِطُ عَقْلُهُ؛ فَلِذَلِكَ يُقالُ: "جُنَّ الرَّجُلُ"؛ وهو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلِ المَنفِيِّ؛ أيْ: لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ؛ الَّذِي بِهِمْ؛ بِسَبَبِ أكْلِهِمُ الرِّبا؛ أوْ بِـ "يَقُومُ"؛ أوْ بِـ "يَتَخَبَّطُهُ"؛ فَيَكُونُ نُهُوضُهم وسُقُوطُهم كالمَصْرُوعِينَ؛ لا لِاخْتِلالِ عُقُولِهِمْ؛ بَلْ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أرْبى في بُطُونِهِمْ ما أكَلُوا مِنَ الرِّبا؛ فَأثْقَلَهُمْ؛ فَصارُوا مُخْبَلِينَ؛ يَنْهَضُونَ ويَسْقُطُونَ؛ تِلْكَ سِيماهُمْ؛ يُعْرَفُونَ بِها عِنْدَ أهْلِ المَوْقِفِ؛ ﴿ذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ؛ وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِفَظاعَةِ المُشارِ إلَيْهِ؛ ﴿بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾؛ أيْ: ذَلِكَ العِقابُ بِسَبَبِ أنَّهم نَظَمُوا الرِّبا والبَيْعَ في سِلْكٍ واحِدٍ؛ لِإفْضائِهِما إلى الرِّبْحِ؛ فاسْتَحَلُّوهُ اسْتِحْلالَهُ؛ وقالُوا: يَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ؛ كَما يَجُوزُ بَيْعُ ما قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ بِدِرْهَمَيْنِ؛ بَلْ جَعَلُوا الرِّبا أصْلًا في الحِلِّ؛ وقاسُوا بِهِ البَيْعَ؛ مَعَ وُضُوحِ الفارِقِ بَيْنَهُما؛ فَإنَّ أحَدَ الدِّرْهَمَيْنِ في الأوَّلِ ضائِعٌ حَتْمًا؛ وفي الثّانِي مُنْجَبِرٌ بِمِساسِ الحاجَةِ إلى السِّلْعَةِ؛ أوْ بِتَوَقُّعِ رَواجِها؛ ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾: إنْكارٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ (تَعالى) لِتَسْوِيَتِهِمْ؛ وإبْطالٌ لِلْقِياسِ؛ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ النَّصِّ؛ مَعَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عَدَمِ الِاشْتِراكِ في المَناطِ؛ والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾؛ أيْ: فَمَن بَلَغَهُ وعْظٌ؛ وزَجْرٌ؛ كالنَّهْيِ عَنِ الرِّبا؛ وقُرِئَ: "جاءَتْهُ"؛ ﴿مِن رَبِّهِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "جاءَهُ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "مَوْعِظَةٌ"؛ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ؛ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ مَجِيءِ المَوْعِظَةِ لِلتَّرْبِيَةِ؛ ﴿فانْتَهى﴾: عَطْفٌ عَلى "جاءَهُ"؛ أيْ: فاتَّعَظَ؛ بِلا تَراخٍ؛ وتَبِعَ النَّهْيَ؛ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾؛ أيْ: ما تَقَدَّمَ أخْذُهُ التَّحْرِيمَ؛ ولا يُسْتَرَدُّ مِنهُ؛ و"ما" مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ؛ إنْ جُعِلَتْ "مَن" مَوْصُولَةً؛ وبِالِابْتِداءِ؛ إنْ جُعِلَتْ شَرْطِيَّةً؛ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ؛ لِعَدَمِ اعْتِمادِ الظَّرْفِ عَلى ما قَبْلَهُ؛ ﴿وَأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾؛ يُجازِيهِ عَلى انْتِهائِهِ؛ إنْ كانَ عَنْ قَبُولِ المَوْعِظَةِ؛ وصِدْقِ النِّيَّةِ؛ وقِيلَ: يَحْكُمُ في شَأْنِهِ؛ ولا اعْتِراضَ لَكم عَلَيْهِ؛ ﴿وَمَن عادَ﴾؛ أيْ: إلى تَحْلِيلِ الرِّبا؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى "مَن عادَ"؛ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ كَما أنَّ الإفْرادَ في "عادَ" بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ؛ والفَسادِ؛ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾؛ أيْ: مُلازِمُوها؛ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾؛ ماكِثُونَ أبَدًا؛ والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها.(p-267)

2:276Page 47

يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦

Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾: أيْ: يَذْهَبُ بِبَرَكَتِهِ؛ ويُهْلِكُ المالَ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ؛ ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾: يُضاعِفُ ثَوابَها؛ ويُبارِكُ فِيها؛ ويَزِيدُ المالَ الَّذِي أُخْرِجَتْ مِنهُ الصَّدَقَةُ؛ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ: « "إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ ويُرَبِّيها كَما يُرَبِّي أحَدُكم مُهْرَهُ"؛» وعَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "ما نَقَصَتْ زَكاةٌ مِن مالٍ قَطُّ"؛» ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ﴾؛ أيْ: لا يَرْضى؛ لِأنَّ الحُبَّ مُخْتَصٌّ بِالتَّوّابِينَ؛ ﴿كُلَّ كَفّارٍ﴾؛ مُصِرٍّ عَلى تَحْلِيلِ المُحَرَّماتِ؛ ﴿أثِيمٍ﴾؛ مُنْهَمِكٍ في ارْتِكابِهِ.

2:277Page 47

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧

Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بِاللَّهِ (تَعالى)؛ ورَسُولِهِ؛ وبِما جاءَهم بِهِ؛ ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾؛ تَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ؛ مَعَ انْدِراجِهِما في الصّالِحاتِ؛ لِأنافَتِهِما عَلى سائِرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ عَلى طَرِيقَةِ ذِكْرِ جِبْرِيلَ؛ ومِيكالَ؛ عُقَيْبَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾: جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ؛ وخَبَرٍ؛ واقِعَةٌ خَبَرًا لِـ "إنَّ"؛ أيْ: لَهم أجْرُهُمُ المَوْعُودُ لَهُمْ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: حالٌ مِن "أجْرُهُمْ"؛ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإفاضَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ؛ مَزِيدُ لُطْفٍ؛ وتَشْرِيفٍ لَهُمْ؛ ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ مِن مَكْرُوهٍ آتٍ؛ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾؛ مِن مَحْبُوبٍ فاتَ.

2:278Page 47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨

O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: أيْ: قُوا أنْفُسَكم عِقابَهُ؛ ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾؛ أيْ: واتْرُكُوا بَقايا ما شَرَطْتُمْ مِنهُ عَلى النّاسِ؛ تَرْكًا كُلِّيًّا؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ عَلى الحَقِيقَةِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِامْتِثالِ ما أُمِرْتُمْ بِهِ البَتَّةَ؛ وهو شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ؛ ثِقَةً بِما قَبْلَهُ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فاتَّقُوهُ؛ وذَرُوا.. إلَخْ.. رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِثَقِيفٍ مالٌ عَلى بَعْضِ قُرَيْشٍ؛ فَطالَبُوهم عِنْدَ المَحِلِّ بِالمالِ؛ والرِّبا؛ فَنَزَلَتْ.

2:279Page 47

فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩

And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.

﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: أيْ: ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاتِّقاءِ؛ وتَرْكِ البَقايا؛ إمّا مَعَ إنْكارِ حُرْمَتِهِ؛ وإمّا مَعَ الِاعْتِرافِ بِها؛ ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: فاعْلَمُوا بِها؛ مِن "أذِنَ بِالشَّيْءِ"؛ إذا عَلِمَ بِهِ؛ أمّا عَلى الأوَّلِ فَكَحَرْبِ المُرْتَدِّينَ؛ وأمّا عَلى الثّانِي فَكَحَرْبِ البُغاةِ؛ وقُرِئَ: "فَآذِنُوا"؛ أيْ: فَأعْلِمُوا غَيْرَكُمْ؛ قِيلَ: هو مِن "الأذانُ"؛ وهو الِاسْتِماعُ؛ فَإنَّهُ مِن طُرُقِ العِلْمِ؛ وقُرِئَ: "فَأيْقِنُوا"؛ وهو مُؤَيِّدٌ لِقِراءَةِ العامَّةِ؛ وتَنْكِيرُ "حَرْبٍ" لِلتَّفْخِيمِ؛ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها؛ مُؤَكِّدَةً لِفَخامَتِها؛ أيْ: بِنَوْعٍ مِنَ الحَرْبِ عَظِيمٍ؛ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ كائِنٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ورَسُولِهِ؛ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ ثَقِيفٌ: "لا يَدَيْ لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ"؛ ﴿وَإنْ تُبْتُمْ﴾؛ مِنَ الِارْتِباءِ؛ مَعَ الإيمانِ بِحُرْمَتِها؛ بَعْدَ ما سَمِعْتُمُوهُ مِنَ الوَعِيدِ؛ ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾؛ تَأْخُذُونَها كَمَلًا؛ ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾؛ غُرَماءَكم بِأخْذِ الزِّيادَةِ؛ والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَكُمْ"؛ والعامِلُ ما تَضَمَّنَهُ الجارُّ مِنَ الِاسْتِقْرارِ؛ ﴿وَلا تُظْلَمُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ أيْ: لا تُظْلَمُونَ أنْتُمْ مِن قِبَلِهِمْ بِالمَطْلِ؛ (p-268)والنَّقْصِ؛ ومِن ضَرُورَةِ تَعْلِيقِ هَذا الحُكْمِ بِتَوْبَتِهِمْ عَدَمُ ثُبُوتِهِ عِنْدَ عَدَمِها؛ لِأنَّ عَدَمَها إنْ كانَ مَعَ إنْكارِ الحُرْمَةِ فَهم مُرْتَدُّونَ؛ ومالُهُمُ المَكْسُوبُ في حالِ الرِّدَّةِ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ وكَذا سائِرُ أمْوالِهِمْ؛ عِنْدَ الشّافِعِيِّ؛ وعِنْدَنا هو لِوَرَثَتِهِمْ؛ ولا شَيْءَ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ؛ وإنْ كانَ مَعَ الِاعْتِرافِ بِها؛ فَإنْ كانَ لَهم شَوْكَةٌ فَهم عَلى شَرَفِ القَتْلِ؛ لَمْ تَسْلَمْ لَهم رُؤُوسُهُمْ؛ فَكَيْفَ بِرُؤُوسِ أمْوالِهِمْ؟! وإلّا فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ فَإنَّهُ يَقُولُ: "مَن عامَلَ الرِّبا يُسْتَتابُ؛ وإلّا ضُرِبَ عُنُقُهُ"؛ وأمّا عِنْدَ غَيْرِهِ فَهم مَحْبُوسُونَ إلى أنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُمْ؛ لا يُمَكَّنُونَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ أصْلًا؛ فَما لَمْ يَتُوبُوا لَمْ يُسَلَّمْ لَهم شَيْءٌ مِن أمْوالِهِمْ؛ بَلْ إنَّما يُسَلَّمُ بِمَوْتِهِمْ لِوَرَثَتِهِمْ.

2:280Page 47

وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٨٠

And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.

﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾؛ أيْ: إنْ وقَعَ غَرِيمٌ مِن غُرَمائِكم ذُو عُسْرَةٍ؛ عَلى أنَّ "كانَ" تامَّةٌ؛ وقُرِئَ: "ذا عُسْرَةٍ"؛ عَلى أنَّها ناقِصَةٌ؛ ﴿فَنَظِرَةٌ﴾؛ أيْ: فالحُكْمُ نَظِرَةٌ؛ أوْ: فَعَلَيْكم نَظِرَةٌ؛ أوْ: فَلْتَكُنْ نَظِرَةٌ؛ وهي الإنْظارُ؛ والإمْهالُ؛ وقُرِئَ: "فَناظِرُهُ"؛ أيْ: فالمُسْتَحِقُّ ناظِرُهُ؛ أيْ: مُنْتَظِرُهُ؛ أوْ: فَصاحِبُ نَظِرَتِهِ؛ عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ؛ وقُرِئَ: "فَناظِرْهُ"؛ أمْرًا مِنَ المُفاعَلَةِ؛ أيْ: فَسامِحْهُ بِالنَّظِرَةِ؛ ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾؛ أيْ: إلى يَسارٍ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ؛ وهُما لُغَتانِ؛ كَـ "مَشْرَقَةٌ"؛ و"مُشْرَقَةٌ"؛ وقُرِئَ بِهِما مُضافَيْنِ بِحَذْفِ التّاءِ عِنْدَ الإضافَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ ∗∗∗ وأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا

﴿وَأنْ تَصَدَّقُوا﴾؛ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ؛ وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الصّادِ؛ أيْ: وأنْ تَتَصَدَّقُوا عَلى مُعْسِرِي غُرَمائِكم بِالإبْراءِ؛ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أكْثَرُ ثَوابًا مِنَ الإنْظارِ؛ أوْ خَيْرٌ مِمّا تَأْخُذُونَهُ؛ لِمُضاعَفَةِ ثَوابِهِ؛ ودَوامِهِ؛ فَهو نَدْبٌ إلى أنْ يَتَصَدَّقُوا بِرُؤُوسِ أمْوالِهِمْ؛ كُلًّا؛ أوْ بَعْضًا؛ عَلى غُرَمائِهِمُ المُعْسِرِينَ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّصَدُّقِ: الإنْظارُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "لا يَحِلُّ دَيْنُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَيُؤَخِّرُهُ إلّا كانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ"؛» ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم عَمِلْتُمُوهُ.

2:281Page 47

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٨١

And fear a Day when you will be returned to Allāh. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].

﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾: هو يَوْمُ القِيامَةِ؛ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ؛ والتَّهْوِيلِ؛ وتَعْلِيقُ الِاتِّقاءِ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ عَمّا فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ؛ والأهْوالِ؛ ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ مِن "الرَّجْعُ"؛ وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ؛ مِن "الرُّجُوعُ"؛ والأوَّلُ أدْخَلُ في التَّهْوِيلِ؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ وقُرِئَ: "تُرَدُّونَ"؛ وكَذا: "تَصِيرُونَ"؛ ﴿إلى اللَّهِ﴾؛ لِمُحاسَبَةِ أعْمالِكُمْ؛ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ مِنَ النُّفُوسِ؛ والتَّعْمِيمُ لِلْمُبالَغَةِ في تَهْوِيلِ اليَوْمِ؛ أيْ: تُعْطى كَمَلًا؛ ﴿ما كَسَبَتْ﴾؛ أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ؛ أوْ شَرٍّ؛ ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾: حالٌ مِن "كُلُّ نَفْسٍ"؛ تُفِيدُ أنَّ المُعاقَبِينَ؛ وإنْ كانَتْ عُقُوباتُهم مُؤَبَّدَةٌ؛ غَيْرُ مَظْلُومِينَ في ذَلِكَ؛ لِما أنَّهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ؛ وجَمْعُ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِحالِ الجَزاءِ؛ كَما أنَّ الإفْرادَ أوْفَقُ بِحالِ الكَسْبِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَ بِها جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقالَ: "ضَعْها في رَأْسِ المِائَتَيْنِ والثَّمانِينَ مِن (البَقَرَةِ)"؛ وعاشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَها أحَدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا؛ وقِيلَ: أحَدًا وثَمانِينَ؛ وقِيلَ: سَبْعَةَ أيّامٍ؛ وقِيلَ: ثَلاثَ ساعاتٍ.(p-269)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском