Abu as-Su'udAl‑Baqarah · 2:34–37

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:34–37

2:34Page 6

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٤

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He refused and was arrogant and became of the disbelievers.

﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾: عَطْفٌ عَلى الظَّرْفِ الأوَّلِ؛ مَنصُوبٌ بِما نَصَبَهُ مِنَ المُضْمَرِ؛ أوْ بِناصِبٍ مُسْتَقِلٍّ؛ مَعْطُوفٍ عَلى ناصِبِهِ؛ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ؛ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهم. وقِيلَ: بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: أطاعُوا وقْتَ قَوْلِنا.. إلَخْ.. وقَدْ عَرَفْتَ ما في أمْثالِهِ؛ وتَخْصِيصُ هَذا القَوْلِ بِالذِّكْرِ؛ مَعَ كَوْنِ مُقْتَضى الظّاهِرِ إيرادَهُ عَلى مِنهاجِ ما قَبْلَهُ مِنَ الأقْوالِ المَحْكِيَّةِ المُتَّصِلَةِ بِهِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما في حَيِّزِهِ قِصَّةٌ جَلِيلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ حَقِيقَةٌ بِالذِّكْرِ؛ والتَّذْكِيرِ؛ عَلى حِيالِها. والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِإظْهارِ الجَلالَةِ؛ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ الِاسْتِقْلالِ؛ وكَذا إظْهارُ المَلائِكَةِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ والكَلامُ في "اللّامِ" وتَقْدِيمِها مَعَ مَجْرُورِها عَلى المَفْعُولِ؛ كَما مَرَّ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ تاءِ "المَلائِكَةِ"؛ إتْباعًا لِضَمِّ الجِيمِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾؛ كَما قُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): " الحَمْدُ لِلَّهِ "؛ إتْباعًا لِكَسْرِ اللّامِ؛ وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ. والسُّجُودُ في اللُّغَةِ: الخُضُوعُ؛ والتَّطامُنُ؛ وفي الشَّرْعِ: وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ؛ عَلى قَصْدِ العِبادَةِ؛ فَقِيلَ: أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى وجْهِ التَّحِيَّةِ والتَّكْرِمَةِ؛ تَعْظِيمًا لَهُ؛ واعْتِرافًا بِفَضْلِهِ؛ وأداءً لِحَقِّ التَّعْلِيمِ؛ واعْتِذارًا عَمّا وقَعَ مِنهم في شَأْنِهِ؛ وقِيلَ: أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لَهُ (تَعالى)؛ وإنَّما كانَ آدَمُ قِبْلَةً لِسُجُودِهِمْ؛ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ أوْ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ؛ فَكَأنَّهُ (تَعالى) لَمّا بَرَأهُ أُنْمُوذَجًا لِلْمُبْدَعاتِ كُلِّها؛ ونُسْخَةً مُنْطَوِيَةً عَلى تَعَلُّقِ العالَمِ الرُّوحانِيِّ بِالعالَمِ الجُسْمانِيِّ؛ وامْتِزاجِهِما عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ؛ أمَرَهم بِالسُّجُودِ لَهُ (تَعالى)؛ لِما عايَنُوا مِن عَظِيمِ قدرته؛ فاللّامُ فِيهِ كَما في قَوْلِ حَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

؎ ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم ∗∗∗ وأعْرَفَ النّاسِ بِالقرآن والسُّنَنِ؟

أوْ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾؛ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ. وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَسَجَدُوا﴾: عَطْفٌ عَلى "قُلْنا"؛ والفاءُ لِإفادَةِ مُسارَعَتِهِمْ إلى الِامْتِثالِ؛ وعَدَمِ تَلَعْثُمِهِمْ في ذَلِكَ؛ رُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّ أوَّلَ مَن سَجَدَ جِبْرِيلُ؛ ثُمَّ مِيكائِيلُ؛ ثُمَّ إسْرافِيلُ؛ ثُمَّ عِزْرائِيلُ؛ ثُمَّ سائِرُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إلا إبْلِيسَ﴾: اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ؛ لِما أنَّهُ كانَ جِنِّيًّا مُفْرَدًا؛ مَغْمُورًا بِأُلُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ؛ مُتَّصِفًا بِصِفاتِهِمْ؛ فَغَلَبُوا عَلَيْهِ في "فَسَجَدُوا"؛ ثُمَّ اسْتُثْنِيَ اسْتِثْناءَ واحِدٍ مِنُهُمْ؛ أوْ لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يَتَوالَدُونَ؛ يُقالُ لَهم "الجِنُّ"؛ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وهو مِنهُمْ؛ أوْ لِأنَّ الجِنَّ أيْضًا كانُوا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لَهُ؛ لَكِنِ اسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ المَلائِكَةِ عَنْ ذِكْرِهِمْ؛ أوْ مُنْقَطِعٌ؛ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ؛ ومَن جَعَلَهُ مُشْتَقًّا مِن "الإبْلاسُ" - وهو "اليَأْسُ" - قالَ: إنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالعُجْمَةِ؛ حَيْثُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ أحَدٌ؛ فَكانَ كالِاسْمِ الأعْجَمِيِّ؛ واعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ؛ والَّتِي في سُورَةِ "الأعْرافِ" مِن قَوْلِهِ (p-88)(تَعالى): ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ﴾؛ الآيَةِ.. والَّتِي في سُورَةِ "بَنِي إسْرائِيلَ"؛ وسُورَةِ "الكَهْفِ"؛ وسُورَةِ "طـه"؛ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): " وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا "؛ الآيَةِ.. أنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ إنَّما تَرَتَّبَ عَلى الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ الوارِدِ بَعْدَ خَلْقِهِ؛ وتَسْوِيَتِهِ ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ البَتَّةَ؛ كَما يُلَوِّحُ بِهِ حِكايَةُ امْتِثالِهِمْ بِعِبارَةِ السُّجُودِ؛ دُونَ الوُقُوعِ؛ الَّذِي بِهِ ورَدَ الأمْرُ التَّعْلِيقِيُّ؛ ولَكِنَّ ما في سُورَةِ الحِجْرِ مِن قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾؛ وما في سُورَةِ "ص" مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾؛ إلى آخِرِ الآيَةِ.. يَسْتَدْعِيانِ بِظاهِرِهِما تَرَتُّبَهُ عَلى ما فِيهِما مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما شَيْءٌ غَيْرُ ما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ مِنَ الخَلْقِ والتَّسْوِيَةِ؛ ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ كانَ السُّجُودُ - كَما نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ - بِلا تَأْخِيرٍ؛ وتَأْوِيلُ الآياتِ السّابِقَةِ يَحْمِلُ ما فِيها مِنَ الأمْرِ عَلى حِكايَةِ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ؛ بَعْدَ تَحَقُّقِ المُعَلَّقِ بِهِ إجْمالًا؛ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ في حُكْمِ التَّنْجِيزِ؛ يَأْباهُ ما في سُورَةِ "الأعْرافِ" مِن كَلِمَةِ "ثُمَّ" المُنادِيَةِ بِتَأخُّرِ وُرُودِ الأمْرِ عَنِ التَّصْوِيرِ؛ المُتَأخِّرِ عَنِ الخَلْقِ؛ المُتَأخِّرِ عَنِ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ؛ والِاعْتِذارُ بِحَمْلِ التَّراخِي عَلى الرُّتْبِيِّ أوِ التَّراخِي في الإخْبارِ؛ أوْ بِأنَّ الأمْرَ التَّعْلِيقِيَّ قَبْلَ تَحَقُّقِ المُعَلَّقِ بِهِ - لَمّا كانَ في عَدَمِ إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ - جُعِلَ كَأنَّهُ إنَّما حَدَثَ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ؛ فَحُكِيَ عَلى صُورَةِ التَّنْجِيزِ؛ يُؤَدِّي - بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي - إلى أنَّ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في شَأْنِ الخِلافَةِ؛ وما قالُوا فِيهِ؛ وما سَمِعُوا؛ إنَّما جَرى بَعْدَ السُّجُودِ المَسْبُوقِ بِمَعْرِفَةِ جَلالَةِ مَنزِلَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وخُرُوجِ إبْلِيسَ مِنَ البَيْنِ بِاللَّعْنِ المُؤَبَّدِ؛ لِعِنادِهِ؛ وبَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِذَلِكَ كُلِّهِ عِيانًا؛ وهَلْ هو إلّا خَرْقٌ لِقَضِيَّةِ العَقْلِ والنَّقْلِ؟ والِالتِجاءُ في التَّفَصِّي عَنْهُ إلى تَأْوِيلِ نَفْخِ الرُّوحِ؛ بِحَمْلِهِ عَلى ما يَعُمُّ إفاضَةَ ما بِهِ حَياةُ النُّفُوسِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَعْلِيمُ الأسْماءِ؛ تَعَسُّفٌ يُنْبِئُ عَنْ ضِيقِ المَجالِ؛ فالَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّحْقِيقُ؛ ويَسْتَدْعِيهِ النَّظَرُ الأنِيقُ؛ بَعْدَ التَّصَفُّحِ في مُسْتَوْدَعاتِ الكِتابِ المَكْنُونِ؛ والتَّفَحُّصِ عَمّا فِيهِ مِنَ السِّرِّ المَخْزُونِ؛ أنَّ سُجُودَهم لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما تَرَتَّبَ عَلى الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ المُتَفَرِّعِ عَلى ظُهُورِ فَضْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المَبْنِيِّ عَلى المُحاوَرَةِ المَسْبُوقَةِ بِالإخْبارِ بِخِلافَتِهِ؛ المُنْتَظِمِ جَمِيعَ ذَلِكَ في سِلْكِ ما نِيطَ بِهِ الأمْرُ التَّعْلِيقِيُّ مِنَ التَّسْوِيَةِ؛ ونَفْخِ الرُّوحِ؛ إذْ لَيْسَ مِن قَضِيَّتِهِ وُجُوبُ السُّجُودِ عُقَيْبَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ فَإنَّ الفاءَ الجَزائِيَّةَ لَيْسَتْ بِنَصٍّ في وُجُوبِ وُقُوعِ مَضْمُونِ الجَزاءِ عُقَيْبَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛ مِن غَيْرِ تَراخٍ؛ لِلْقَطْعِ بِعَدَمِ وُجُوبِ السَّعْيِ عُقَيْبَ النِّداءِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا﴾؛ الآيَةِ.. وبِعَدَمِ وُجُوبِ إقامَةِ الصَّلاةِ غِبَّ الِاطْمِئْنانِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ بَلْ إنَّما الوُجُوبُ عِنْدَ دُخُولِ الوَقْتِ؛ كَيْفَ لا.. والحِكْمَةُ الدّاعِيَةُ إلى وُرُودِ ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ - إثْرَ ذِي أثِيرٍ - إنَّما هي حَمْلُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عَلى التَّأمُّلِ في شَأْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِيَتَدَبَّرُوا في أحْوالِهِ طُرًّا؛ ويُحِيطُوا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا؛ ويَسْتَفْهِمُوا ما عَسى يَسْتَبْهِمُ عَلَيْهِمْ في أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِابْتِنائِهِ عَلى حِكَمٍ أبِيَّةٍ؛ وأسْرارٍ خَفِيَّةٍ؛ طُوِيَتْ عَنْ عُلُومِهِمْ؛ ويَقِفُوا عَلى جَلِيَّةِ الحالِ؛ قَبْلَ وُرُودِ الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ؛ وتَحَتُّمِ الِامْتِثالِ؛ وقَدْ قالُوا بِحَسَبِ ذَلِكَ ما قالُوا؛ وعايَنُوا ما عايَنُوا؟ وعَدَمُ نَظْمِ الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ في سِلْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في السُّورَتَيْنِ؛ عِنْدَ الحِكايَةِ؛ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ انْتِظامِهِ فِيهِ؛ عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ؛ كَما أنَّ عَدَمَ ذِكْرِ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ عِنْدَ حِكايَةِ الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ (p-89)فِي السُّورَةِ الكَرِيمَةِ المَذْكُورَةِ لا يُوجِبُ عَدَمَ مَسْبُوقِيَّتِهِ بِهِ؛ فَإنَّ حِكايَةَ كَلامٍ واحِدٍ عَلى أسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ ويَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ الِانْتِظامِ؛ لَيْسَتْ بِعَزِيزَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ؛ وناهِيكَ بِما نُقِلَ في تَوْجِيهِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَشَرًا﴾؛ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ مَعْرِفَةِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِذَلِكَ؛ وحَيْثُ صِيرَ إلَيْهِ؛ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَقْلٌ؛ فَما ظَنُّكَ بِما قَدْ وقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ؟! فَلَعَلَّهُ قَدْ أُلْقِيَ إلَيْهِمُ ابْتِداءً جَمِيعُ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الأمْرُ التَّنْجِيزِيُّ إجْمالًا؛ بِأنْ قِيلَ - مَثَلًا -: "إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن كَذا وكَذا؛ وجاعِلٌ إيّاهُ خَلِيفَةً في الأرْضِ؛ فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي؛ وتَبَيَّنَ لَكم شَأْنُهُ؛ فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ"؛ فَخَلَقَهُ؛ فَسَوّاهُ؛ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ؛ فَقالُوا عِنْدَ ذَلِكَ ما قالُوا؛ أوْ أُلْقِيَ إلَيْهِمْ خَبَرُ الخِلافَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الشَّرائِطِ المَعْدُودَةِ؛ بِأنْ قِيلَ - إثْرَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ -: "إنِّي جاعِلٌ هَذا خَلِيفَةً في الأرْضِ"؛ فَهُناكَ ذَكَرُوا في حَقِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرُوا؛ فَأيَّدَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِتَعْلِيمِ الأسْماءِ؛ فَشاهَدُوا مِنهُ ما شاهَدُوا؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ ورَدَ الأمْرُ التَّنْجِيزِيُّ؛ اعْتِناءً بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ؛ وتَعْيِينًا لِوَقْتِهِ؛ وقَدْ حُكِيَ بَعْضُ الأُمُورِ؛ في بَعْضِ المَواطِنِ؛ وبَعْضُها في بَعْضِها؛ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في كُلِّ مَوْطِنٍ؛ عَمّا تُرِكَ في مَوْطِنٍ آخَرَ؛ والَّذِي يَحْسِمُ مادَّةَ الِاشْتِباهِ أنَّ ما في سُورَةِ "ص" مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾؛ إلَخْ.. بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾؛ فِيما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾؛ أيْ بِكَلامِهِمْ عِنْدَ اخْتِصامِهِمْ؛ والمُرادُ بِالمَلَإ الأعْلى المَلائِكَةُ؛ وآدَمُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وإبْلِيسُ - حَسْبَما أطْبَقَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأُمَّةِ -؛ وبِاخْتِصامِهِمْ ما جَرى بَيْنَهم في شَأْنِ خِلافَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ التَّقاوُلِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الإنْباءِ بِالأسْماءِ. ومِن قَضِيَّةِ البَدَلِيَّةِ وُقُوعُ الِاخْتِصامِ المَذْكُورِ في تَضاعِيفِ ما ذُكِرَ فِيهِ تَفْصِيلًا مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ؛ وما عُلِّقَ بِهِ مِنَ الخَلْقِ والتَّسْوِيَةِ؛ ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن سُجُودِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وعِنادِ إبْلِيسَ؛ وما تَبِعَهُ مِن لَعْنِهِ؛ وإخْراجِهِ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ؛ وما جَرى بَعْدَهُ مِنَ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ وإذْ لَيْسَ تَمامُ الِاخْتِصامِ بَعْدَ سُجُودِ المَلائِكَةِ؛ ومُكابَرَةِ إبْلِيسَ؛ المُسْتَتْبِعَةِ لِطَرْدِهِ مِن بَيْنِهِمْ؛ لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ أحَدُ المُخْتَصِمِينَ؛ كَما أنَّهُ لَيْسَ قَبْلَ الخَلْقِ؛ ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ الإنْباءِ بِالأسْماءِ حِينَئِذٍ؛ فَهو إذَنْ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ؛ وقَبْلَ السُّجُودِ حَتْمًا؛ بِأحَدِ الطَّرِيقَيْنِ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ.

﴿أبى واسْتَكْبَرَ﴾: اسْتِئْنافٌ؛ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ السُّجُودِ المَفْهُومِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ؛ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلتَّرَدُّدِ؛ أوْ لِلتَّأمُّلِ. و"الإباءُ": الِامْتِناعُ بِالِاخْتِيارِ؛ و"التَّكَبُّرُ": أنْ يَرى نَفْسَهُ أكْبَرَ مِن غَيْرِهِ؛ و"الِاسْتِكْبارُ": طَلَبُ ذَلِكَ؛ بِالتَّشَبُّعِ؛ أيْ: امْتَنَعَ عَمّا أُمِرَ بِهِ؛ واسْتَكْبَرَ مِن أنْ يُعَظِّمَهُ؛ أوْ يَتَّخِذَهُ وصْلَةً في عِبادَةِ رَبِّهِ. وتَقْدِيمُ الإباءِ عَلى الِاسْتِكْبارِ - مَعَ كَوْنِهِ مُسَبَّبًا عَنْهُ - لِظُهُورِهِ؛ ووُضُوحِ أثَرِهِ؛ واقْتُصِرَ في سُورَةِ "ص" عَلى ذِكْرِ الِاسْتِكْبارِ؛ اكْتِفاءً بِهِ؛ وفي سُورَةِ "الحِجْرِ" عَلى ذِكْرِ الإباءِ؛ حَيْثُ قِيلَ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ .

﴿وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾: أيْ في عِلْمِ اللَّهِ (تَعالى)؛ إذْ كانَ أصْلُهُ مِن كَفَرَةِ الجِنِّ؛ فَلِذَلِكَ ارْتَكَبَ ما ارْتَكَبَهُ؛ عَلى ما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾؛ فالجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ؛ أوْ صارَ مِنهم بِاسْتِقْباحِ أمْرِهِ (تَعالى) إيّاهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - زَعْمًا مِنهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ؛ والأفْضَلُ لا يَحْسُنُ أنْ يُؤْمَرَ بِالخُضُوعِ لِلْمَفْضُولِ؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾؛ حِينَ قِيلَ لَهُ: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾؛ لا بِتَرْكِ الواجِبِ وحْدَهُ؛ فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ وإيثارُ الواوِ عَلى الفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَحْضَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ كُفْرٌ؛ لا أنَّهُما سَبَبانِ لَهُ؛ كَما يُفِيدُهُ الفاءُ.(p-90)

2:35Page 6

وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٥

And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

﴿وَقُلْنا﴾: شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَهُ (تَعالى)؛ وبَيْنَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بَعْدَ تَمامِ ما جَرى بَيْنَهُ (تَعالى)؛ وبَيْنَ المَلائِكَةِ؛ وإبْلِيسَ؛ مِنَ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ وقَدْ تُرِكَتْ حِكايَةُ تَوْبِيخِ إبْلِيسَ؛ وجَوابِهِ؛ ولَعْنِهِ؛ واسْتِظْهارِهِ؛ وإنْظارِهِ؛ اجْتِزاءً بِما فُصِّلَ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ"؛ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ اخْتِلافُ وقْتَيْهِما؛ فَإنَّ المُرادَ بِالزَّمانِ - المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِكَلِمَةِ "إذْ" - زَمانٌ مُمْتَدٌّ؛ واسِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ؛ وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى "إذْ قُلْنا"؛ بِإضْمارِ "إذْ"؛ وهَذا تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى مُوجِبَةٍ لِلشُّكْرِ؛ مانِعَةٍ مِنَ الكُفْرِ. وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالنِّداءِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِتَلَقِّي المَأْمُورِ بِهِ. وتَخْصِيصُ أصْلِ الخِطابِ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِ؛ في مُباشَرَةِ المَأْمُورِ بِهِ. و"اسْكُنْ": مِن "السُّكْنى"؛ وهو اللُّبْثُ؛ والإقامَةُ؛ والِاسْتِقْرارُ؛ دُونَ السُّكُونِ الَّذِي هو ضِدُّ الحَرَكَةِ. و"أنْتَ": ضَمِيرٌ أُكِّدَ بِهِ المُسْتَكِنُّ؛ لِيَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ واخْتُلِفَ في وقْتِ خَلْقِ زَوْجِهِ؛ فَذَكَرَ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وابْنِ عَبّاسٍ؛ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمّا أخْرَجَ إبْلِيسَ مِنَ الجَنَّةِ؛ وأسْكَنَها آدَمَ؛ بَقِيَ فِيها وحْدَهُ؛ وما كانَ مَعَهُ مَن يَسْتَأْنِسُ بِهِ؛ فَألْقى اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِ النَّوْمَ؛ ثُمَّ أخَذَ ضِلْعًا مِن جانِبِهِ الأيْسَرِ؛ ووَضَعَ مَكانَهُ لَحْمًا؛ وخَلَقَ حَوّاءَ مِنهُ؛ فَلَمّا اسْتَيْقَظَ وجَدَها عِنْدَ رَأْسِهِ قاعِدَةً؛ فَسَألَها: ما أنْتِ؟ قالَتْ: امْرَأةٌ؛ قالَ: ولِمَ خُلِقْتِ؟ قالَتْ: لِتَسْكُنَ إلَيَّ؛ فَقالَتِ المَلائِكَةُ - تَجْرِبَةً لِعِلْمِهِ -: مَن هَذِهِ؟ قالَ: امْرَأةٌ؛ قالُوا: لِمَ سُمِّيَتِ امْرَأةً؟ قالَ: لِأنَّها مِنَ المَرْءِ أُخِذَتْ؛ فَقالُوا: ما اسْمُها؟ قالَ: حَوّاءُ؛ قالُوا: لِمَ سُمِّيَتْ حَوّاءَ؟ قالَ: لِأنَّها خُلِقَتْ مِن شَيْءٍ حَيٍّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: بَعَثَ اللَّهُ (تَعالى) جُنْدًا مِنَ المَلائِكَةِ؛ فَحَمَلُوا آدَمَ؛ وحَوّاءَ؛ عَلى سَرِيرٍ مِن ذَهَبٍ؛ كَما يُحْمَلُ المُلُوكُ؛ ولِباسُهُما النُّورُ؛ حَتّى أدْخَلُوهُما الجَنَّةَ. وهَذا كَما تَرى يَدُلُّ عَلى خَلْقِها قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ؛ والمُرادُ بِها دارُ الثَّوابِ؛ لِأنَّها المَعْهُودَةُ؛ وقِيلَ: هي جَنَّةٌ بِأرْضِ "فِلَسْطِينَ"؛ أوْ بَيْنَ "فارِسَ"؛ و"كَرْمانَ"؛ خَلَقَها اللَّهُ (تَعالى) امْتِحانًا لَآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وحُمِلَ الإهْباطُ عَلى النَّقْلِ مِنها إلى أرْضِ الهِنْدِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾؛ لِما أنَّ خَلْقَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في الأرْضِ؛ بِلا خِلافٍ؛ ولَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ القِصَّةِ رَفْعُهُ إلى السَّماءِ؛ ولَوْ وقَعَ ذَلِكَ لَكانَ أوْلى بِالذِّكْرِ والتَّذْكِيرِ؛ لِما أنَّهُ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ؛ ولِأنَّها لَوْ كانَتْ دارَ الخُلْدِ لَما دَخَلَها إبْلِيسُ؛ وقِيلَ: إنَّها كانَتْ في السَّماءِ السّابِعَةِ؛ بِدَلِيلِ "اهْبِطُوا"؛ ثُمَّ إنَّ الإهْباطَ الأوَّلَ كانَ مِنها إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ والثّانِيَ مِنها إلى الأرْضِ؛ وقِيلَ: الكُلُّ مُمْكِنٌ؛ والأدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ مُتَعارِضَةٌ؛ فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ؛ وتَرْكُ القَطْعِ.

﴿وَكُلا مِنها﴾ أيْ: مِن ثِمارِها؛ وإنَّما وُجِّهَ الخِطابُ إلَيْهِما تَعْمِيمًا لِلتَّشْرِيفِ؛ والتَّرْفِيهِ؛ ومُبالَغَةً في إزالَةِ العِلَلِ؛ والأعْذارِ؛ وإيذانًا بِتَساوِيهِما في مُباشَرَةِ المَأْمُورِ بِهِ؛ فَإنَّ حَوّاءَ أُسْوَةٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الأكْلِ؛ بِخِلافِ السَّكَنِ؛ فَإنَّها تابِعَةٌ لَهُ فِيهِ.

﴿رَغَدًا﴾: صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ المُؤَكِّدِ؛ أيْ: أكْلًا واسِعًا رافِهًا؛ ﴿حَيْثُ شِئْتُما﴾؛ أيْ: أيَّ مَكانٍ أرَدْتُما مِنها؛ وهَذا - كَما تَرى - إطْلاقٌ كُلِّيٌّ؛ حَيْثُ أُبِيحَ لَهُما الأكْلُ مِنها؛ عَلى وجْهِ التَّوْسِعَةِ؛ البالِغَةِ؛ المُزِيحَةِ لِلْعِلَلِ؛ ولَمْ يُحْظَرْ عَلَيْهِما بَعْضُ الأكْلِ؛ ولا بَعْضُ المَواضِعِ الجامِعَةِ لِلْمَأْكُولاتِ؛ حَتّى لا يَبْقى (p-91)

لَهُما عُذْرٌ في تَناوُلِ ما مُنِعا مِنهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا تَقْرَبا﴾؛ بِفَتْحِ الرّاءِ؛ مِن "قَرِبْتُ الشَّيْءَ"؛ بِالكَسْرِ؛ "أقْرَبُهُ"؛ بِالفَتْحِ؛ إذا التَبَسْتَ بِهِ؛ وتَعَرَّضْتَ لَهُ؛ وقالَ الجَوْهَرِيُّ: "قَرُبَ"؛ بِالضَّمِّ؛ "يَقْرُبُ؛ قُرْبًا"؛ إذا دَنا؛ و"قَرِبْتُهُ"؛ بِالكَسْرِ؛ "قُرْبانًا"؛ دَنَوْتُ مِنهُ.

﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾: نَصْبٌ؛ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ؛ أوْ نَعْتٌ لَهُ؛ بِتَأْوِيلِها بِمُشْتَقٍّ؛ أيْ: هَذِهِ الحاضِرَةَ مِنَ الشَّجَرَةِ؛ أيْ: لا تَأْكُلا مِنها؛ وإنَّما عُلِّقَ النَّهْيُ بِالقُرْبانِ مِنها مُبالَغَةً في تَحْرِيمِ الأكْلِ؛ ووُجُوبِ الِاجْتِنابِ عَنْهُ؛ والمُرادُ بِها: الحِنْطَةُ؛ أوْ: العِنَبَةُ؛ أوْ: التِّينَةُ؛ وقِيلَ: هي شَجَرَةٌ مَن أكَلَ مِنها أحْدَثَ؛ والأوْلى عَدَمُ تَعْيِينِها مِن غَيْرِ قاطِعٍ؛ وقُرِئَ: "هَذِي"؛ بِالياءِ؛ وبِكَسْرِ شِينِ "الشَّجَرَةَ"؛ وتاءِ "تَقْرَبا"؛ وقُرِئَ: "الشِّيَرَةَ"؛ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ وفَتْحِ الياءِ.

﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾: مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى "تَقْرَبا"؛ أوْ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلنَّهْيِ؛ وأيًّا ما كانَ؛ فالقُرْبُ - أيِ الأكْلُ مِنها - سَبَبٌ لِكَوْنِهِما مِنَ الظّالِمِينَ؛ أيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ المَعْصِيَةِ؛ أوْ نَقَصُوا حُظُوظَهم بِمُباشَرَةِ ما يُخِلُّ بِالكَرامَةِ؛ والنَّعِيمِ؛ أوْ تَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ (تَعالى).

2:36Page 6

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٣٦

But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."

﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾: أيْ: أصْدَرَ زَلَّتَهُما؛ أيْ زَلَقَهُما؛ وحَمَلَهُما عَلى الزَّلَّةِ بِسَبَبِها؛ ونَظِيرَةٌ عَنْ هَذِهِ ما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾؛ أوْ: أزَلَّهُما عَنِ الجَنَّةِ؛ بِمَعْنى أذْهَبَهُما؛ وأبْعَدَهُما عَنْها؛ يُقالُ: "زَلَّ عَنِّي كَذا"؛ إذا ذَهَبَ عَنْكَ؛ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ: "أزالَهُما"؛ وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى؛ فَإنَّ الإزْلالَ - أيِ الإزْلاقَ - يَقْتَضِي زَوالَ الزّالِّ عَنْ مَوْضِعِهِ؛ البَتَّةَ؛ وإزْلالُهُ: قَوْلُهُ لَهُما: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾؛ وقَوْلُهُ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾؛ ومُقاسَمَتُهُ لَهُما: ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾؛ وهَذِهِ الآياتُ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُؤْمَرْ بِسُكْنى الجَنَّةِ عَلى وجْهِ الخُلُودِ؛ بَلْ عَلى وجْهِ التَّكْرِمَةِ؛ والتَّشْرِيفِ؛ لِما قُلِّدَ مِن خِلافَةِ الأرْضِ إلى حِينِ البَعْثِ إلَيْها. واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ تَوَصُّلِهِ إلَيْهِما؛ بَعْدَما قِيلَ لَهُ: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾؛ فَقِيلَ: إنَّهُ إنَّما مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى وجْهِ التَّكْرِمَةِ؛ كَما يَدْخُلُها المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ ولَمْ يُمْنَعْ مِنَ الدُّخُولِ لِلْوَسْوَسَةِ؛ ابْتِلاءً لِآدَمَ؛ وحَوّاءَ؛ وقِيلَ: قامَ عِنْدَ البابِ؛ فَناداهُما؛ وقِيلَ: تَمَثَّلَ بِصُورَةِ دابَّةٍ؛ فَدَخَلَ؛ ولَمْ يَعْرِفْهُ الخَزَنَةُ؛ وقِيلَ: دَخَلَ في فَمِ الحَيَّةِ؛ فَدَخَلَ مَعَها؛ وقِيلَ: أرْسَلَ بَعْضَ أتْباعِهِ؛ فَأزَلَّهُما؛ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ.

﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾: أيْ: مِنَ الجَنَّةِ؛ إنْ كانَ ضَمِيرُ "عَنْها" لِلشَّجَرَةِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِفَخامَتِها وجَلالَتِها؛ ومُلابَسَتُهُما لَهُ؛ أيْ: مِنَ المَكانِ العَظِيمِ؛ الَّذِي كانا مُسْتَقِرَّيْنِ فِيهِ؛ أوْ مِنَ الكَرامَةِ والنَّعِيمِ؛ إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلْجَنَّةِ.

﴿وَقُلْنا اهْبِطُوا﴾: الخِطابُ لَآدَمَ وحَوّاءَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾؛ وجُمِعَ الضَّمِيرُ لِأنَّهُما أصْلُ الجِنْسِ؛ فَكَأنَّهُما الجِنْسُ كُلُّهُمْ؛ وقِيلَ: لَهُما؛ ولِلْحَيَّةِ؛ وإبْلِيسَ؛ عَلى أنَّهُ أُخْرِجَ مِنها ثانِيَةً؛ بَعْدَما كانَ يَدْخُلُها لِلْوَسْوَسَةِ؛ أوْ يَدْخُلُها مُسارَقَةً؛ أوْ أُهْبِطَ مِنَ السَّماءِ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ.

﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: حالٌ اسْتُغْنِيَ فِيها عَنِ الواوِ بِالضَّمِيرِ؛ أيْ: مُتَعادِينَ؛ يَبْغِي بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ؛ بِتَضْلِيلِهِ؛ أوِ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ؛ وإفْرادُ "العَدُوِّ" إمّا لِلنَّظَرِ إلى لَفْظِ "البَعْضِ"؛ وإمّا لِأنَّ وِزانَهُ وِزانُ المَصْدَرِ؛ كَـ "القَبُولُ".

﴿وَلَكم في الأرْضِ﴾؛ الَّتِي هي مَحَلُّ الإهْباطِ؛ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ؛ أعْنِي "لَكُمْ"؛ مِنَ (p-92)الِاسْتِقْرارِ ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾: أيِ اسْتِقْرارٌ؛ أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ؛ ﴿وَمَتاعٌ﴾؛ أيْ تَمَتُّعٌ بِالعَيْشِ؛ وانْتِفاعٌ بِهِ؛ ﴿إلى حِينٍ﴾؛ هو حِينُ المَوْتِ؛ عَلى أنَّ المُغَيّا تَمَتُّعُ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ؛ أوِ القِيامَةِ؛ عَلى أنَّهُ تَمَتُّعُ الجِنْسِ في ضِمْنِ بَعْضِ الأفْرادِ؛ والجُمْلَةُ كَما قَبْلَها - في كَوْنِها حالًا -؛ أيْ مُسْتَحِقِّينَ لِلِاسْتِقْرارِ؛ والتَّمَتُّعِ؛ أوِ اسْتِئْنافًا.

2:37Page 6

فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧

Then Adam received from his Lord [some] words,1 and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.

﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾: أيْ: اسْتَقْبَلَها بِالأخْذِ؛ والقَبُولِ؛ والعَمَلِ بِها؛ حِينَ عَلِمَها؛ ووُفِّقَ لَها؛ وقُرِئَ بِنَصْبِ "آدَمُ"؛ ورَفْعِ "كَلِماتٍ"؛ دَلالَةً عَلى أنَّها اسْتَقْبَلَتْهُ وبَلَغَتْهُ؛ وهي قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾؛ الآيَةُ.. وقِيلَ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ؛ وتَبارَكَ اسْمُكَ؛ وتَعالى جَدُّكَ؛ لا إلَهَ إلّا أنْتَ؛ ظَلَمْتُ نَفْسِي؛ فاغْفِرْ لِي؛ إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ"؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "قالَ: يا رَبِّ؛ ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: يا رَبِّ؛ ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِن رُوحِكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: يا رَبِّ؛ ألَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: ألَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: يا رَبِّ؛ إنِّي تُبْتُ؛ وأصْلَحْتُ؛ أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ؟ قالَ: نَعَمْ". والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ حَصَلَتْ عُقَيْبَ الأمْرِ بِالهُبُوطِ؛ قَبْلَ تَحَقُّقِ المَأْمُورِ بِهِ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِلتَّشْرِيفِ؛ والإيذانِ بِعِلِّيَّتِهِ لِإلْقاءِ الكَلِماتِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِتَلَقِّيها.

﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾: أيْ: رَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ؛ وقَبُولِ التَّوْبَةِ؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِ عَلى تَلَقِّي الكَلِماتِ؛ المُتَضَمِّنِ لِمَعْنى التَّوْبَةِ؛ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ؛ والنَّدَمِ عَلَيْهِ؛ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلَيْهِ؛ واكْتُفِيَ بِذِكْرِ شَأْنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما أنَّ حَوّاءَ تَبَعٌ لَهُ في الحُكْمِ؛ ولِذَلِكَ طُوِيَ ذِكْرُ النِّساءِ في أكْثَرِ مَواقِعِ الكِتابِ؛ والسُّنَةِ.

﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ﴾: أيْ: الرَّجّاعُ عَلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ؛ أوْ: الَّذِي يُكْثِرُ إعانَتَهم عَلى التَّوْبَةِ؛ وأصْلُ التَّوْبِ: الرُّجُوعُ؛ فَإذا وُصِفَ بِهِ العَبْدُ كانَ رُجُوعًا عَنِ المَعْصِيَةِ؛ وإذا وُصِفَ بِهِ البارِي - عَزَّ وعَلا - أُرِيدَ بِهِ الرُّجُوعُ عَنِ العِقابِ إلى المَغْفِرَةِ.

﴿الرَّحِيمُ﴾: المُبالِغُ في الرَّحْمَةِ؛ وفي الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ وعْدٌ بَلِيغٌ لِلتّائِبِ بِالإحْسانِ؛ مَعَ العَفْوِ والغُفْرانِ؛ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском