Abu as-Su'udTaha · 20:14–36

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Taha 20:14–36

20:14Page 313

إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ ١٤

Indeed, I am Allāh. There is no deity except Me, so worship Me and establish prayer for My remembrance.

فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنَ اِعادَةِ الضَّمِيرِ مَعَ الثّانِي بَلْ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾ بَدَلٌ مِن ما يُوحى، ولا رَيْبَ في أنَّ اخْتِيارَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ لِهَذا الوَحْيِ فَقَطْ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿فاعْبُدْنِي﴾ لِتَرْتِيبِ المَأْمُورِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ اخْتِصاصَ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن مُوجِباتِ تَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ﴾ خُصَّتِ الصَّلاةُ بِالذِّكْرِ، وأُفْرِدَتْ بِالأمْرِ مَعَ انْدِراجِها في الأمْرِ بِالعِبادَةِ لِفَضْلِها وإنافَتِها عَلى سائِرِ العِباداتِ بِما نِيطَتْ بِهِ مِن ذِكْرِ المَعْبُودِ وشُغْلَ القَلْبِ واللِّسانِ بِذِكْرِهِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِذِكْرِي﴾ أيْ: لِتَذْكُرَنِي. فَإنَّ ذِكْرِي كَما يَنْبَغِي لا يَتَحَقَّقُ إلّا في ضِمْنِ العِبادَةِ والصَّلاةِ، أوْ لِتَذْكُرَنِي فِيها لِاشْتِمالِها عَلى الأذْكارِ، أوْ لِذِكْرِي خاصَّةً لا تَشُوبُهُ بِذِكْرِ غَيْرِي، أوْ لِإخْلاصِ ذِكْرِي وابْتِغاءِ وجْهِي لا تُرائِي بِها ولا تَقْصِدُ بِها غَرَضًا آَخَرَ، أوْ لِتَكُونَ ذاكِرًا لِي غَيْرَ ناسٍ. وقِيلَ: لِذِكْرِي إيّاها وأمْرِي بِها في الكُتُبِ، أوْ لِأنْ أذْكُرَكَ بِالمَدْحِ والثَّناءِ. وقِيلَ: لِأوْقاتِ ذِكْرِي، وهي مَواقِيتُ الصَّلاةِ، أوْ لِذِكْرِ صَلاتِي، لِما رَوى أنَّهُ ﷺ قالَ: ﴿مَن نامَ عَنْ صَلاةٍ أوْ نَسِيَها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ (وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي )﴾» . وقُرِئَ: "لِذِكْرى" بِألِفِ التَّأْنِيثِ، ولِلذِّكْرى مَعْرُوفًا، ولِلذِّكْرِ بِالتَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ.

20:15Page 313

إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ١٥

Indeed, the Hour is coming - I almost conceal it1 - so that every soul may be recompensed according to that for which it strives.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ العِبادَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، أيْ: كائِنَةٌ لا مَحالَةَ. وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإتْيانِ تَحْقِيقًا لِحُصُولِها بِإبْرازِها في مَعْرِضِ أمْرٍ مُحَقَّقٍ مُتَوَجِّهٍ نَحْوَ المُخاطَبِينَ.

﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أيْ: لا أُظْهِرُها، بِأنْ أقُولَ إنَّها آَتِيَةٌ لَوْلا أنَّ ما في الإخْبارِ بِذَلِكَ مِنَ اللُّطْفِ وقَطْعِ الأعْذارِ لِما فَعْلَتَ، أوْ أكادُ أُظْهِرُها بِإيقاعِها مَن أخْفاهُ إذا أظْهَرَهُ بِسَلْبِ خَفائِهِ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن خُفاهُ بِمَعْنى: أظْهَرُهُ. وقِيلَ: أخْفاهُ مِنِ الأضْدادِ، يَجِيءُ بِمَعْنى: الإظْهارِ، والسَّتْرِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآَتِيَةٍ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أوْ بِأُخْفِيها عَلى المَعْنى الأخِيرِ. و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِسَعْيِها في تَحْصِيلِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ المَأْمُورِ بِها. وتَخْصِيصُهُ في مَعْرِضِ الغايَةِ لِإتْيانِها مَعَ أنَّهُ الجَزاءُ كُلُّ نَفْسٍ بِما صَدَرَ عَنْها سَواءٌ كانَ سَعْيًا فِيما ذُكِرَ، أوْ تَقاعُدًا عَنْهُ بِالمَرَّةِ، أوْ سَعْيًا في تَحْصِيلِ ما يُضادُّهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِالذّاتِ مِنَ اِتْيانِها هو الإثابَةُ بِالعِبادَةِ. وأمّا العِقابُ بِتَرْكِها فَمِن مُقْتَضَياتِ سُوءِ اخْتِيارِ العُصاةِ وبِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ في قُوَّةِ الوُجُوبِ والسّاعَةَ في شِدَّةِ الهَوْلِ والفَظاعَةِ بِحَيْثُ يُوجِبانِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ أنْ تَسْعى في الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، وتَجِدُ في تَحْصِيلِ ما يُنَجِّيها مِنَ الطّاعاتِ، وحِينَئِذٍ تَحْتَرِزُ عَنِ (p-9)اقْتِرافِ ما يُرْدِيها مِنَ المَعاصِي، وعَلَيْهِ مَدارُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ فَإنَّ الِابْتِلاءَ مَعَ شُمُولِهِ لِكافَّةِ المُكَلَّفِينَ بِاعْتِبارِ أعْمالِهِمُ المُنْقَسِمَةِ إلى الحُسْنِ والقَبِيحِ أيْضًا لا إلى الحَسَنِ والأحْسَنِ فَقَطْ قَدْ عُلِّقَ بِالأخِيرَيْنِ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِنَ اِبْداعِ تِلْكَ البَدائِعِ عَلى ذَلِكَ النَّمَطِ الرّائِعِ، إنَّما هو ظُهُورُ كَمالِ إحْسانِ المُحْسِنِينَ، وأنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ الرّائِقَةِ وأكْمَلِ الأنْحاءِ اللّائِقَةِ يُوجِبُ العَمَلَ بِمُوجِبِهِ بِحَيْثُ لا يَحِيدُ أحَدٌ عَنْ سُنَنِهِ المُسْتَبِينِ، بَلْ يَهْتَدِي كُلُّ فَرْدٍ إلى ما يُرْشِدُ إلَيْهِ مِن مُطْلَقِ الإيمانِ والطّاعَةِ، وإنَّما التَّفاوُتُ بَيْنَهم في مَراتِبِهِما بِحَسَبِ القُوَّةِ والضَّعْفِ. وأمّا الإعْراضُ عَنْ ذَلِكَ والوُقُوعُ في مُهاوِي الضَّلالِ فَبِمَعْزِلٍ مِنِ الوُقُوعِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَنْتَظِمَ في سِلْكِ الغايَةِ لِذَلِكَ الصُّنْعِ البَدِيعِ، وإنَّما هو عَمَلٌ يَصْدُرُ عَنْ عامِلِهِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ مِن غَيْرِ مُصَحِّحٍ لَهُ أوْ مُسَوِّغِ هَذا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسَّعْيِ مُطْلَقُ العَمَلِ.

20:16Page 313

فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ ١٦

So do not let one avert you from it1 who does not believe in it and follows his desire, for you [then] would perish.

﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾ أيْ: عَنْ ذِكْرِ السّاعَةِ ومُراقَبَتِها، وقِيلَ: عَنْ تَصْدِيقِها، والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِشَأْنِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وإنْ كانَ النَّهْيُ بِطَرِيقِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُسْتَشْرِقَةً لَهُ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَها فَضْلُ تَمَكُّنٍ، ولِأنَّ في المُؤَخَّرِ نَوْعَ طُولٍ رُبَّما يَخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وهَذا وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَهْيًا لِلْكافِرِ عَنْ صَدِّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ السّاعَةِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الِانْصِدادِ عَنْها عَلى أبْلِغِ وجْهٍ وآَكَدِهِ. فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ أسْبابِ الشَّيْءِ ومَبادِيهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ نَهْيٌ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وإبْطالٌ لِلسَّبَبِيَّةِ مِن أصْلِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم ...﴾ إلْخَ، فَإنَّ صَدَّ الكافِرِ حَيْثُ كانَ سَبَبَ انْصِدادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ النَّهْيُ عَنْهُ نَهْيًا بِأصْلِهِ ومُوجِبِهِ وإبْطالًا لَهُ بِالكُلِّيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ النَّهْيِ عَنِ المُسَبَّبِ وإرادَةِ النَّهْيِ عَنِ السَّبَبِ عَلى أنْ يُرادَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ إظْهارِ لِينِ الجانِبِ لِلْكَفَرَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِصَدِّهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَما في قَوْلِهِ: لا أرَيْنَكَ هَهُنا، فَإنَّ المُرادَ بِهِ: نَهْيُ المُخاطَبِ عَنِ الحُضُورِ لَدَيْهِ المُوجِبِ لِرُؤْيَتِهِ.

﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أيْ: ما تَهْواهُ نَفْسُهُ مِنَ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ الفانِيَةِ.

﴿فَتَرْدى﴾ أيْ: فَتَهْلَكَ. فَإنَّ الإغْفالَ عَنْها وعَنْ تَحْصِيلِ ما يُنَجِّي عَنْ أهْوالِها مُسْتَتْبِعٌ لِلْهَلاكِ لا مَحالَةَ، وهو في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَأنْتَ تَرَدى.

20:17Page 313

وَمَا تِلۡكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ ١٧

And what is that in your right hand, O Moses?"

﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما كُلِّفَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنِ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالخَلْقِ إثْرَ حِكايَةِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الشُّؤُونِ الخاصَّةِ بِنَفْسِهِ، فَـ "ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ في حَيِّزِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و"تِلْكَ خَبَرُهُ"، أوْ بِالعَكْسِ، وهو أدْخَلُ بِحَسَبِ المَعْنى وأُوفَقُ بِالجَوابِ. و"بِيَمِينِكَ" مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًا، أيْ: وما تِلْكَ قارَّةً أوْ مَأْخُوذَةً بِيَمِينِكَ، والعامِلُ: مَعْنى الإشارَةِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا ﴿وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ . وقِيلَ: تِلْكَ مَوْصُولَةٌ، أيْ: ما الَّتِي هي بِيَمِينِكَ ؟ وأيًّا ما كانَ فالِاسْتِفْهامُ (p-10)إيقاظٌ وتَنْبِيهٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما سَيَبْدُو لَهُ مِنَ التَّعاجِيبِ. وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِزِيادَةِ التَّأْنِيسِ والتَّنْبِيهِ.

20:18Page 313

قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ ١٨

He said, "It is my staff; I lean upon it, and I bring down leaves for my sheep and I have therein other uses."

﴿قالَ هي عَصايَ﴾ نَسَبَها إلى نَفْسِهِ تَحْقِيقًا لِوَجْهِ كَوْنِها بِيَمِينِهِ، وتُمِيدُها لِما يَعْقُبُهُ مِنِ الأفاعِيلِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقُرِئَ: "عَصَيَّ" عَلى لُغَةِ هُذَيْلٍ ﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ أيْ: أعْتَمِدُ عَلَيْها عِنْدَ الإعْياءِ، أوِ الوُقُوفِ عَلى رَأْسِ القَطِيعِ.

﴿وَأهُشُّ بِها﴾ أيْ: أخُبِطُ بِها الوَرَقَ وأُسْقِطُهُ ﴿عَلى غَنَمِي﴾ . وقُرِئَ: "أهِشُّ" بِكَسْرِ الهاءِ، وكِلاهُما مِن هَشَّ الخُبْزُ يَهِشُّ: إذا انْكَسَرَ لِهَشاشَتِهِ. وقُرِئَ بِالسِّينِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ وهو زَجْرُ الغَنَمِ وتَعْدِيَتُهُ بِعَلى لِتَضْمِينِ مَعْنى الإنْحاءِ والإقْباءِ، أيْ: أزْجُرُها مُنَحِّيًا ومُقْبِلًا عَلَيْها.

﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أيْ: حاجاتٌ أُخَرُ مِن هَذا البابِ. مِثْلُ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا سارَ ألْقاها عَلى عاتِقِهِ فَعَلَّقَ بِهِ أدَواتِهِ مِنَ القَوْسِ والكِنانَةِ والحِلابِ ونَحْوِها، وإذا كانَ في البَرِّيَّةِ رَكَزَها وعَرَّضَ الزِّنْدَيْنِ عَلى شَعْبِيَّتِها وألْقى عَلَيْها الكِساءَ واسْتَظَلَّ بِهِ، وإذا قَصُرَ الرِّشاءُ وصَلَهُ بِها، وإذا تَعَرَّضَتْ لِغَنَمِهِ السِّباعُ قاتَلَ بِها. وقِيلَ ومِن جُمْلَةِ المَآَرِبِ: أنَّها كانَتْ ذاتَ شُعْبَتَيْنِ ومِحْجَنٍ، فَإذا طالَ الغُصْنُ حَناهُ بِالمِحْجَنِ، وإذا أرادَ كَسْرَهُ لَواهُ بِالشُّعْبَتَيْنِ. وكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهِمَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ السُّؤالِ بَيانُ حَقِيقَتِها وتَفْصِيلُ مَنافِعِها بِطَرِيقِ الِاسْتِقْصاءِ، حَتّى إذا ظَهَرَتْ عَلى خِلافِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ وبَدَتْ مِنها خَواصُّ بَدِيعَةٌ عَلِمَ أنَّها آَياتٌ باهِرَةٌ ومُعْجِزاتٌ قاهِرَةٌ أحْدَثَها اللَّهُ تَعالى ولَيْسَتْ مِنَ الخَواصِّ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها، فَذَكَرَ حَقِيقَتَها ومَنافِعَها عَلى التَّفْصِيلِ والإجْمالِ عَلى مَعْنى أنَّها مِن جِنْسِ العِصِيِّ مُسْتَتْبِعَةٌ لِمَنافِعِ بَناتِ جِنْسِها، لِيُطابِقَ جَوابُهُ الغَرَضَ الَّذِي فَهِمَهُ مِن سُؤالِ العَلِيمِ الخَبِيرِ.

20:19Page 313

قَالَ أَلۡقِهَا يَٰمُوسَىٰ ١٩

[Allāh] said, "Throw it down, O Moses."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عَزَّ وجَلَّ ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿ألْقِها يا مُوسى﴾ لِتَرى مِن شَأْنِها ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِكَ مِنَ الأُمُورِ. وتَكْرِيرِ النِّداءِ لِتَأْكِيدِ التَّنْبِيهِ.

20:20Page 313

فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ ٢٠

So he threw it down, and thereupon it was a snake, moving swiftly.

﴿فَألْقاها﴾ عَلى الأرْضِ ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ ألْقاها انْقَلَبَتْ حَيَّةً صَفْراءَ في غِلْظِ العَصا، ثُمَّ انْتَفَخَتْ وعَظُمَتْ، فَلِذَلِكَ شُبِّهَتْ بِالجانِّ تارَةً، وسُمِّيَتْ ثُعْبانًا أُخْرى، وعَبَّرَ عَنْها هَهُنا بِالِاسْمِ العامِّ لِلْحالَيْنِ. وقِيلَ: قَدِ انْقَلَبَتْ مِن أوَّلِ الأمْرِ ثُعْبانًا وهو الألْيَقُ بِالمَقامِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ وإنَّما شُبِّهَتْ بِالجانِّ في الجَلادَةِ وسُرْعَةِ الحَرَكَةِ لا في صِغَرِ الجُثَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "تَسْعى" إمّا صِفَةٌ لِحَيَّةٍ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ عِنْدِ مَن يَجُوزُ كَوْنَهُ جُمْلَةً.

20:21Page 313

قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ ٢١

[Allāh] said, "Seize it and fear not; We will return it to its former condition.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ ﴿خُذْها ولا تَخَفْ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا ذَكَرًا يَبْتَلِعُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الصَّخْرِ والشَّجَرِ، فَلَمّا رَآَهُ كَذَلِكَ خافَ ونَفَرَ، ومَلَكَهُ ما يَمْلُكُ البَشَرَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الأهْوالِ والمَخاوِفِ مِنَ الفَزَعِ والنِّفارِ. وفي عَطْفِ النَّهْيِ عَلى الأمْرِ إشْعارٌ بِأنَّ عَدَمَ المَنهِيِّ عَنْهُ (p-11)مَقْصُودٌ لِذاتِهِ لا لِتَحْقِيقِ المَأْمُورِ بِهِ فَقَطْ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ مَعَ كَوْنِهِ اسْتِئْنافًا مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، فَإنَّ إعادَتَها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِن مُوجِباتِ أخْذِها وعَدَمِ الخَوْفِ مِنها عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِإظْهارِ مُعْجِزَةٍ أُخْرى عَلى بَدْءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيذانٌ بِكَوْنِها مُسَخَّرَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَكُونَ عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أمْرِهِ ولا يَعْتَرِيهِ شائِبَةُ تَزَلْزُلٍ عِنْدَ مُحاجَّةِ فِرْعَوْنَ، أيْ: سَنُعِيدُها بَعْدَ الأخْذِ إلى حالَتِها الأُولى الَّتِي هي الهَيْئَةُ العَصَوِيَّةُ. قِيلَ: بَلَغَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الثِّقَةِ وعَدَمِ الخَوْفِ إلى حَيْثُ كانَ يُدْخِلُ يَدَهُ في فَمِها ويَأْخُذُ بِلِحْيَيْها. والسِّيرَةُ فِعْلَةٌ مِنَ السَّيْرِ تُجُوِّزَ بِها لِلطَّرِيقَةِ والهَيْئَةِ، وانْتِصابُها عَلى نَزْعِ الجارِّ أيْ: إلى سِيرَتِها، أوْ عَلى أنَّ أعادَ مَنقُولٌ مِن عادَهُ بِمَعْنى: عادَ إلَيْهِ، أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: سَنُعِيدُها في طَرِيقَتِها أوْ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلِها وإيقاعِها حالًا مِنِ المَفْعُولِ، أيْ: سَنُعِيدُها عَصًا كَما كانَتْ مِن قَبْلُ تَسِيرُ سِيرَتَها الأُولى، أيْ: سائِرَةً سِيرَتَها الأُولى فَتَنْتَفِعُ بِها كَما كُنْتَ تَنْتَفِعُ مِن قَبْلُ.

20:22Page 313

وَٱضۡمُمۡ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخۡرَىٰ ٢٢

And draw in your hand to your side; it will come out white without disease - another sign,

﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ بَعْدَ ما أخَذَ الحَيَّةَ وانْقَلَبَتْ عَصًا كَما كانَتْ، أيْ: أدْخُلُها تَحْتَ عَضُدِكَ، فَإنَّ جَناحَيِ الإنْسانِ جَنْباهُ، كَما أنَّ جَناحَيِ العَسْكَرِ ناحِيَتاهُ مُسْتَعارٌ مِن جَناحَيِ الطّائِرِ، وقَدْ سَمَّيا جَناحَيْنِ لِأنَّهُ بِجْنَحُهُما، أيْ: يُمِيلُهُما عِنْدَ الطَّيَرانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجْ﴾ جَوابُ الأمْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْضاءَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في بَيْضاءَ، أيْ: كائِنَةً مِن غَيْرِ عَيْبٍ وقُبْحٍ. كُنِّيَ بِهِ عَنِ البَرَصِ، كَما كَنّى بِالسَّوْءَةِ عَنِ العَوْرَةِ لِما أنَّ الطِّباعَ تَعافُهُ وتَنْفِرُ عَنْهُ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ آَدَمَ فَأخْرَجَ يَدَهُ مِن مَدْرَعَتِهِ بَيْضاءَ لَها شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ تُغَشِّي البَصَرَ.

﴿آيَةً أُخْرى﴾ أيْ: مُعْجِزَةً أُخْرى غَيْرَ العَصا، وانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ، إمّا مِنَ الضَّمِيرِ في "تَخْرُجُ" عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الحالِ الأُولى، وإمّا مِنَ الضَّمِيرِ في بَيْضاءَ، وقِيلَ: مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وقِيلَ: هي مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ نَحْوُ خُذْ أوْ دُونَكَ.

20:23Page 313

لِنُرِيَكَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا ٱلۡكُبۡرَى ٢٣

That We may show you [some] of Our greater signs.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ الأمْرِ والإظْهارِ لِنُرِيَكَ بِذَلِكَ بَعْضَ آَياتِنا الكُبْرى، عَلى أنَّ الكُبْرى صِفَةٌ لِآَياتِنا، أوْ نُرِيَكَ بِذَلِكَ مِن آياتِنا ما هي كُبْرى، عَلى أنَّ الكُبْرى مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُرِيَكَ. و "مِن آياتِنا" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن ذَلِكَ المَفْعُولِ، وأيًّا ما كانَ فالآَيَةُ الكُبْرى عِبارَةٌ عَنِ العَصا واليَدِ جَمِيعًا، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ آَيَةٌ، أيْ: دَلَّلْنا بِها لِنُرِيَكَ... إلَخَ. أوْ بِقَوْلِهِ تَعالى: "واضْمُمْ" أوْ بِقَوْلِهِ: "تَخْرُجْ" أوْ بِما قُدِّرَ مِن نَحْوِ خُذْ ودُونَكَ، كَما قالَ بِكُلٍّ مِن ذَلِكَ قائِلٌ فَيُؤَدِّي إلى عَراءِ آَيَةِ العَصا عَنْ وصْفِ الكِبْرِ.

20:24Page 313

ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤

Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed [i.e., tyrannized]."

فَتَدَبَّرْ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ تَخَلَّصَ إلى ما هو المَقْصُودُ مِن تَمْهِيدِ المُقَدِّماتِ السّالِفَةِ فُصِلَ عَمّا قَبْلَهُ مِنَ الأوامِرِ إيذانًا بِأصالَتِهِ، أيِ: اذْهَبْ إلَيْهِ بِما رَأيْتَهُ مِنِ الآَياتِ الكُبْرى، وادْعُهُ إلى عِبادَتِي، وحَذِّرْهُ نَقْمَتِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أوْ لِوُجُوبِ المَأْمُورِ بِهِ، أيْ: جاوَزَ الحَدَّ في التَّكَبُّرِ والعُتُوِّ والتَّجَبُّرِ حَتّى تَجاسَرَ عَلى (p-12)العَظِيمَةِ الَّتِي هي دَعْوى الربوبية.

20:25Page 313

قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٢٥

[Moses] said, "My Lord, expand [i.e., relax] for me my breast [with assurance]

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ كَأنَّهُ قَبِلَ، فَماذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ أُمِرَ بِهَذا الأمْرِ الخَطِيرِ، والخَطْبِ العَسِيرِ، فَقِيلَ: قالَ مُسْتَعِينًا بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾

20:26Page 313

وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي ٢٦

And ease for me my task

﴿وَيَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ لَمّا أُمِرَ بِما أُمِرَ بِهِ مِنِ الخَطْبِ الجَلِيلِ تَضَرَّعَ إلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ وأظْهَرَ عَجْزَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ وسَألَهُ تَعالى أنْ يُوَسِّعَ صَدْرَهُ، ويُفْسِحَ قَلْبَهُ، ويَجْعَلُهُ عَلِيمًا بِشُئُونِ الحَقِّ وأحْوالِ الخَلْقِ، حَلِيمًا حُمُولًا يَسْتَقِلُّ ما عَسى يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ بِجَمِيلِ الصَّبْرِ وحُسْنِ الثَّباتِ، ويَتَلَقّاها بِصَدْرٍ فَسِيحٍ وجَأْشٍ رابِطٍ، وأنْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أمْرُهُ الَّذِي هو أجَلُّ الأُمُورِ وأعْظَمُها، وأصْعَبُ الخُطُوبِ وأُهْوَلُها، بِتَوْفِيقِ الأسْبابِ ورَفْعِ المَوانِعِ. وفي زِيادَةِ كَلِمَةِ "لِي" مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِدُونِها تَأْكِيدٌ لِطَلَبِ الشَّرْحِ والتَّيْسِيرِ بِإيهامِ المَشْرُوحِ والمُيَسَّرِ أوَّلًا وتَفْسِيرُهُما ثانِيًا. وفي تَقْدِيمِها وتَكْرِيرِها إظْهارُ مَزِيدِ اعْتِناءٍ بِشَأْنِ كُلٍّ مِنَ المَطْلُوبِينَ، وفَضْلِ اهْتِمامٍ بِاسْتِدْعاءِ حُصُولِهِما لَهُ واخْتِصاصِهِما بِهِ.

20:27Page 313

وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي ٢٧

And untie the knot from my tongue

﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رُتَّةٌ مِن جَمْرَةٍ أدْخَلَها فاهُ في صِغَرِهِ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ حَمَلَهُ ذاتَ يَوْمٍ فَأخَذَ لِحْيَتَهُ يَنْتِفُها لِما كانَ فِيها مِنِ الجَواهِرِ، فَغَضِبَ وأمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقالَتْ آَسِيَةُ: إنَّهُ صَبِيٌّ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْرِ والياقُوتِ، فَأُحْضِرا بَيْنَ يَدَيْهِ فَأخَذَ الجَمْرَةَ فَوَضَعَها في فِيهِ، قِيلَ: واحْتَرَقَتْ يَدُهُ، فاجْتَهَدَ فِرْعَوْنُ في عِلاجِها فَلَمْ تَبْرَأْ، ثُمَّ لَمّا دَعاهُ قالَ: إلى أيِّ رَبٍّ تَدْعُونِي ؟ قالَ: إلى الَّذِي أبْرَأ يَدِي وقَدْ عَجَزْتَ عَنْهُ.

واخْتَلَفَ في زَوالِ العُقْدَةِ بِكَمالِها، فَمَن قالَ بِهِ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ . ومَن لَمْ يَقُلْ بِهِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أفْصَحُ مِنِّي﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ . وأجابَ عَنِ الأوَّلِ: بِأنَّهُ لَمْ يَسْألْ حَلَّ عُقْدَةِ لِسانِهِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ حَلَّ عُقْدَةً تَمْنَعُ الإفْهامَ، ولِذَلِكَ نَكَّرَها، ووَصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لِسانِي﴾ أيْ: عُقْدَةً كائِنَةً مِن عُقَدِ لِسانِي.

20:28Page 313

يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي ٢٨

That they may understand my speech.

وَجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ جَوابَ الأمْرِ، وغَرَضًا مِنَ الدُّعاءِ. فَبِحَلِّها في الجُمْلَةِ يَتَحَقَّقُ إيتاءُ سُؤْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والحَقُّ أنَّ ما ذُكِرَ لا يَدُلُّ عَلى بَقائِها في الجُمْلَةِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ أفْصَحُ مِنِّي﴾ فَلِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَهُ اسْتِدْعاءً لِحَلٍّ، كَما سَتَعْرِفُهُ عَلى أنَّ أفَصَحِيَّتَهُ مِنهُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ لا تَسْتَدْعِي بَقاءَها أصْلًا، بَلْ تَسْتَدْعِي عَدَمَ البَقاءِ لِما أنَّ الأفْصَحِيَّةِ تُوجِبُ ثُبُوتَ أصْلِ الفَصاحَةِ في المَفْضُولِ أيْضًا، وذَلِكَ مُنافٍ لِلْعُقْدَةِ رَأْسًا. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ فَمِن بابِ غُلُوِّ اللَّعِينِ في العُتُوِّ، والطُّغْيانِ وإلّا لَدَلَّ عَلى عَدَمِ زَوالِها أصْلًا، وتَنْكِيرُها إنَّما يُفِيدُ قِلَّتَها في نَفْسِها لا قِلَّتَها بِاعْتِبارِ كَوْنِها بَعْضًا مِنَ الكَثِيرِ. وتَعَلَّقَ كَلِمَةُ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن لِسانِي﴾ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَها لَيْسَ بِمَقْطُوعٍ بِهِ بَلِ الظّاهِرُ تَعَلُّقُها بِنَفْسِ الفِعْلِ، فَإنَّ المَحْلُولَ إذا كانَ (p-13)مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ ومُتَّصِلًا بِهِ، فَكَما يَتَعَلَّقُ الحَلُّ بِهِ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الشَّيْءُ أيْضًا بِاعْتِبارِ إزالَتِهِ عَنْهُ أوِ ابْتِداءِ حُصُولِهِ مِنهُ.

20:29–30Page 313

وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٢٩

And appoint for me a minister [i.e., assistant] from my family -

هَٰرُونَ أَخِي ٣٠

Aaron, my brother.

﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ أيْ: مُوازِرًا يُعاوِنُنِي في تَحَمُّلِ أعْباءِ ما كَلَّفْتَهُ، عَلى أنَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ الوِزْرِ الَّذِي هو الثِّقَلُ، أوْ مَلْجَأً أعْتَصِمُ بِرَأْيِهِ، عَلى أنَّهُ مِنَ الوَزَرِ وهو المَلْجَأُ. وقِيلَ: أصْلُهُ أزَيْرُ مِنِ الأزْرِ بِمَعْنى: القُوَّةِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، كالعَشِيرِ والجَلِيسِ، قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا كَقَلْبِها في مُوازِرٍ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِاجْعَلْ قُدِّمَ عَلى الأوَّلِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: "هارُونَ" اعْتِناءً بِشَأْنِ الوِزارَةِ. و"لِي" صِلَةٌ لِلْجَعْلِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن وزِيرًا إذْ هو صِفَةٌ لَهُ في الأصْلِ. و ﴿مِن أهْلِي﴾ إمّا صِفَةٌ لِوَزِيرًا، أوْ صِلَةٌ لِاجْعَلْ، وقِيلَ: مَفْعُولاهُ لِي وزِيرًا. و"هارُونَ" عَطْفُ بَيانٍ لِلْوَزِيرِ. و"مِن أهْلِي" كَما مَرَّ مِنَ الوَجْهَيْنِ، و"أخِي" في الوَجْهَيْنِ بَدَلٌ مِن "هارُونَ" أوْ عَطْفُ بَيانٍ آَخَرُ. وقِيلَ: هُما وزِيرًا مِن أهْلِي، ولِي وتَبْيِينُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ ورُدَّ بِأنَّ شَرْطَ المَفْعُولَيْنِ في بابِ النَّواسِخِ صِحَّةُ انْعِقادِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، ولا مُساغَ لِجَعْلِ وزِيرًا مُبْتَدَأً، ويُخْبِرُ عَنْهُ بِما بَعْدَهُ.

20:31–32Page 313

ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي ٣١

Increase through him my strength

وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي ٣٢

And let him share my task

﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ كِلاهُما عَلى صِيغَةِ الدُّعاءِ، أيْ: أحْكِمْ بِهِ قُوَّتِي، واجْعَلْهُ شَرِيكِي في أمْرِ الرِّسالَةِ، حَتّى نَتَعاوَنَ عَلى أدائِها كَما يَنْبَغِي، وفَصَلَ الأوَّلَ عَنِ الدُّعاءِ السّابِقِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما، فَإنَّ شَدَّ الأزْرِ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِهِ وزِيرًا، وأمّا الإشْراكُ في الأمْرِ فَحَيْثُ كانَ مِن أحْكامِ الوِزارَةِ تَوَسَّطَ بَيْنِهِما العاطِفُ.

20:33–34Page 313

كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا ٣٣

That we may exalt You much

وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا ٣٤

And remember You much.

﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ غايَةٌ لِلْأدْعِيَةِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ، فَإنْ فَعَلَ فِيها كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ التَّسْبِيحِ والذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مُكْثِرًا لِفِعْلِ الآَخَرِ ومُضاعِفًا لَهُ بِسَبَبِ انْضِمامِهِ إلَيْهِ مُكْثِرٌ لَهُ في نَفْسِهِ أيْضًا بِسَبَبِ تَقْوِيَتِهِ وتَأْيِيدِهِ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ ما يَكُونُ مِنهُما بِالقَلْبِ أوْ في الخَلَواتِ حَتّى لا يَتَفاوَتَ حالُهُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ والِانْفِرادِ، بَلْ ما يَكُونُ مِنهُما في تَضاعِيفِ أداءِ الرِّسالَةِ، ودَعْوَةِ المَرَدَةِ العُتاةِ إلى الحَقِّ، وذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ في اخْتِلافِ حالِهِ في حالَتَيِ التَّعَدُّدِ والِانْفِرادِ، فَإنَّ كُلاًّ مِنهُما يَصْدُرُ عَنْهُ بِتَأْيِيدِ الآَخَرِ مِنَ اِظْهارِ الحَقِّ ما لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنْهُ مِثْلُهُ في حالِ الِانْفِرادِ، و"كَثِيرًا" في المَوْضِعَيْنِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ زَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: نُنَزِّهُكَ عَمًّا لا يَلِيقُ بِكَ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَدَّعِيهِ فِرْعَوْنُ الطّاغِيَةُ، ويَقْبَلُهُ مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ مِنِ ادِّعاءِ الشِّرْكَةِ في الأُلُوهِيَّةِ، ونَصِفُكَ بِما يَلِيقُ بِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَمالِ والجَلاِل تَنْزِيهًا (p-14)كَثِيرًا، أوْ زَمانًا كَثِيرًا مِن جُمْلَتِهِ زَمانُ دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ، وأوانُ المُحاجَّةِ مَعَهُ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: كَيْ نُصَلِّي لَكَ كَثِيرًا ونَحْمَدَكَ ونُثْنِيَ عَلَيْكَ، فَلا يُساعِدُهُ المَقامُ.

20:35Page 313

إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا ٣٥

Indeed, You are of us ever Seeing."

﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ أيْ: عالِمًا بِأحْوالِنا، وبِأنَّ ما دَعَوْتُكَ بِهِ مِمّا يُصْلِحُنا ويُفِيدُنا في تَحْقِيقِ ما كَلَّفْتَهُ مِنَ اِقامَةِ مَراسِمِ الرِّسالَةِ، وبِأنَّ هارُونَ نِعْمَ الرَّدْءُ في أداءِ ما أمَرْتَ بِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِبَصِيرًا، قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.

20:36Page 313

قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ ٣٦

[Allāh] said, "You have been granted your request, O Moses.

﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ أيْ أُعْطِيتَ سُؤْلَكَ، فُعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالخُبْزِ، والأُكْلِ بِمَعْنى: المَخْبُوزِ، والمَأْكُولِ. والإيتاءُ: عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِوُقُوعِ تِلْكَ المَطالِبِ، وحُصُولِها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ البَتَّةَ، وتَقْدِيرُهُ إيّاها حَتْمًا فَكُلُّها حاصِلَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْ كانَ وُقُوعُ بَعْضِها بِالفِعْلِ مُتَرَقِّبًا بَعْدُ كَتَيْسِيرِ الأمْرِ وشَدِّ الأزْرِ، وبِاعْتِبارِهِ قِيلَ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا مُوسى﴾ تَشْرِيفٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشَرَفِ الخِطابِ، إثْرَ تَشْرِيفِهِ بِشَرَفِ قَبُولِ الدُّعاءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском