Abu as-Su'udTaha · 20:81–96

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Taha 20:81–96

20:81Page 317

كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ ٨١

[Saying], "Eat from the good things with which We have provided you and do not transgress [or oppress others] therein, lest My anger should descend upon you. And he upon whom My anger descends has certainly fallen [i.e., perished]."

﴿كُلُوا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ إباحَةِ ما ذَكَرَ لَهم وإتْمامًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: مِن لَذائِذِهِ، أوْ حَلالاتِهِ، وقُرِئَ: "رَزَقْتُكُمْ" . وفي البَدْءِ بِنِعْمَةِ الإنْجاءِ ثُمَّ بِالنِّعْمَةِ الدِّينِيَّةِ ثُمَّ بِالنِّعْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِن حُسْنِ النَّظْمِ ولُطْفِ التَّرْتِيبِ ما لا يَخْفى.

﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ أيْ: فِيما رَزَقْناكم بِالإخْلالِ بِشُكْرِهِ والتَّعَدِّي لِما حُدَّ لَكم فِيهِ، كالسَّرَفِ والبَطَرِ والمَنعِ مِنَ المُسْتَحِقِّ.

﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ جَوابٌ لِلنَّهْيِ، أيْ: فَتَلْزَمُكم عُقُوبَتِي وتَجِبُ لَكم، مِن حَلَّ الدَّيْنُ إذا وجَبَ أداؤُهُ.

﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ أيْ: تَرَدّى وهَلَكَ، وقِيلَ: وقَعَ في الهاوِيَةِ. وقُرِئَ: "فَيَحُلَّ" بِضَمِّ الحاءِ مِن حَلَّ يَحُلُّ إذا نَزَلَ.

20:82Page 317

وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ٨٢

But indeed, I am the Perpetual Forgiver of whoever repents and believes and does righteousness and then continues in guidance.

﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها الطُّغْيانُ فِيما ذَكَرَهُ ﴿وَآمَنَ﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ: عَمِلَ صالِحًا مُسْتَقِيمًا عِنْدَ الشَّرْعِ والعَقْلِ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ لِمَن وقَعَ مِنهُ الطُّغْيانُ فِيما ذُكِرَ، وحَثٌّ عَلى التَّوْبَةِ والإيمانِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أيِ: اسْتَقامَ عَلى الهُدى، إشارَةٌ إلى أنَّ مَن لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الغُفْرانِ، و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ.

20:83Page 317

۞ وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣

[Allāh said], "And what made you hasten from your people, O Moses?"

﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الكَلامِ عِنْدَ ابْتِداءِ مُوافاتِهِ المِيقاتَ بِمُوجِبِ المُواعَدَةِ المَذْكُورَةِ، أيْ: وقُلْنا لَهُ أيُّ شَيْءٍ أعْجَلَكَ مُنْفَرِدًا عَنْ قَوْمِكَ، وهَذا كَما تَرى سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ تَقَدُّمِهِ عَلى النُّقَباءِ، مَسُوقٌ لِإنْكارِ انْفِرادِهِ عَنْهم لِما في ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِن مُخايِلِ إغْفالِهِمْ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، مَعَ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِاسْتِصْحابِهِمْ وإحْضارِهِمْ مَعَهُ لا لِإنْكارِ نَفْسِ العَجَلَةِ الصّادِرَةِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِها نَقِيصَةً مُنافِيَةً لِلْحَزْمِ اللّائِقِ بِأُولِي العَزْمِ.

20:84Page 317

قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤

He said, "They are close upon my tracks, and I hastened to You, my Lord, that You be pleased."

وَلِذَلِكَ أجابَ عَلَيْهِ (p-34)الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنَفْيِ الِانْفِرادِ المُنافِي لِلِاسْتِصْحابِ والمَعِيَّةِ حَيْثُ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ يَعْنِي: إنَّهم مَعِي، وإنَّما سَبَقْتُهم بِخُطًى يَسِيرَةٍ ظَنَنْتُ أنَّها لا تُخِلُّ بِالمَعِيَّةِ ولا تَقْدَحُ في الِاسْتِصْحابِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُعْتَدُّ بِهِ فِيما بَيْنَ الرُّفْقَةِ أصْلًا. وبَعْدَ ما ذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ تَقَدُّمَهُ ذَلِكَ لَيْسَ لِأمْرٍ مُنْكَرٍ، ذَكَرَ أنَّهُ لِأمْرٍ مَرَضِيٍّ حَيْثُ قالَ: ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ عَنِّي بِمُسارَعَتِي إلى الِامْتِثالِ بِأمْرِكَ واعْتِنائِي بِالوَفاءِ بِعَهْدِكَ. وزِيادَةُ "رَبِّ" لِمَزِيدِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ رَغْبَةً في قَبُولِ العُذْرِ.

20:85Page 317

قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ٨٥

[Allāh] said, "But indeed, We have tried your people after you [departed], and the Sāmirī1 has led them astray."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ اعْتِذارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو السِّرُّ في وُرُودِهِ عَلى صِيغَةِ الغائِبِ لا أنَّهُ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِما أنَّ المُقَدَّرَ فِيما سَبَقَ مِنَ المَوْضِعَيْنِ عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ كَأنَّهُ قِيلَ مِن جِهَةِ السّامِعِينَ. فَماذا قالَ لَهُ رَبُّهُ حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهم بِعِبادَةِ العِجْلِ مِن بَعْدِ ذَهابِكَ مِن بَيْنِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ خَلَفَهم مَعَ هارُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، ما نَجا مِنهم مِن عِبادَةِ العِجْلِ إلّا اثْنا عَشَرَ ألْفًا. والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ بِما ذَكَرَ مِنَ الِابْتِلاءِ عَلى إخْبارِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعَجَلَتِهِ، لَكِنْ لا لِأنَّ الإخْبارَ بِها سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلْإخْبارِ بِهِ، بَلْ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ المُصَحِّحَةِ لِلِانْتِقالِ مِن أحَدِهِما إلى الآَخَرِ مِن حَيْثُ إنَّ مَدارَ الِابْتِلاءِ المَذْكُورِ عَجَلَةُ القَوْمِ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهم أقامُوا عَلى ما وصّى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِشْرِينَ لَيْلَةً بَعْدَ ذَهابِهِ فَحَسَبُوها مَعَ أيّامِها أرْبَعِينَ، وقالُوا: قَدْ أكْمَلْنا العِدَّةَ، ولَيْسَ مِن مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ.

﴿وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ حَيْثُ كانَ هو المُدَبِّرُ في الفِتْنَةِ، فَقالَ لَهم: إنَّما أخْلَفَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِيعادَكم لِما مَعَكم مِن حُلِيِّ القَوْمِ، وهو حَرامٌ عَلَيْكم فَكانَ مِن أمْرِ العِجْلِ ما كانَ، فَأخْبَرَهُ تَعالى بِوُقُوعِ هَذِهِ الفِتْنَةِ عِنْدَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إمّا بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِها في علمه تعالى ومَشِيئَتِهِ، وإمّا بِطَرِيقِ التَّعْبِيرِ عَنِ المُتَوَقَّعِ بِالواقِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ونَظائِرِهِ، أوْ لِأنَّ السّامِرِيَّ كانَ قَدْ عَزَمَ عَلى إيقاعِ الفِتْنَةِ عِنْدَ ذَهابِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَصَدّى لِتَرْتِيبِ مَبانِيها وتَمْهِيدِ مُبادِيها فَكانَتِ الفِتْنَةُ واقِعَةً عِنْدَ الإخْبارِ بِها. وقُرِئَ: "وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ" عَلى صِيغَةِ التَّفْضِيلِ، أيْ: أشَدُّهم ضَلالًا، لِأنَّهُ ضالٌّ ومُضِلٌّ. والسّامِرِيُّ: مَنسُوبٌ إلى قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، يُقالُ لَها: السّامِرَةُ، وقِيلَ: كانَ عِلْجًا مِن كَرْمانَ، وقِيلَ: مِن أهْلِ باجَرَما، واسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفَرٍ، وكانَ مُنافِقًا قَدْ أظْهَرَ الإسْلامَ، وكانَ مَن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ.

20:86Page 317

فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي ٨٦

So Moses returned to his people, angry and grieved.1 He said, "O my people, did your Lord not make you a good promise?2 Then, was the time [of its fulfillment] too long for you, or did you wish that wrath from your Lord descend upon you, so you broke your promise [of obedience] to me?"

﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ﴾ عِنْدَ رُجُوعِهِ المَعْهُودِ، أيْ: بَعْدَ ما اسْتَوْفى الأرْبَعِينَ وأخَذَ التَّوْراةَ، لا عَقِيبَ الإخْبارِ بِالفِتْنَةِ فَسَبَبِيَّةُ ما قَبْلَ الفاءِ لِما بَعْدَها، إنَّما هي بِاعْتِبارِ قَيْدِ الرُّجُوعِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (p-35)﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ وإنْ كانَتْ داخِلَةً عَلَيْهِ حَقِيقَةً، فَإنَّ كَوْنَ الرُّجُوعِ بَعْدَ تَمامِ الأرْبَعِينَ أمْرٌ مُقَرَّرٌ مَشْهُورٌ، لا يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى كَوْنِهِ عِنْدَ الإخْبارِ بِالفِتْنَةِ، كَما إذا قُلْتَ:شايَعْتُ الحَجّاجَ ودَعَوْتُ لَهم بِالسَّلامَةِ فَرَجَعُوا سالِمِينَ، فَإنَّ أحَدًا لا يَرْتابُ في أنَّ المُرادَ رُجُوعُهُمُ المُعْتادُ لا رُجُوعُهم إثْرَ الدُّعاءِ، وأنَّ سَبَبِيَّةَ الدُّعاءِ بِاعْتِبارِ وصْفِ السَّلامَةِ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِ الرُّجُوعِ. والآَسِفُ: الشَّدِيدُ الغَضَبِ، وقِيلَ: الحَزِينُ.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ ناشِئٍ مِن حِكايَةِ رُجُوعِهِ، كَذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلَ بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ بِأنْ يُعْطِيَكُمُ التَّوْراةَ فِيها ما فِيها مِنَ النُّورِ والهُدى، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ عَدَمِ الوَعْدِ ونَفْيِهِ وتَقْرِيرِ وجُودِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآَكَدِهِ، أيْ: وعَدَكم بِحَيْثُ لا سَبِيلَ لَكم إلى إنْكارِهِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ أيِ: الزَّمانُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ المَعْطُوفِ ونَفْيِهِ فَقَطْ، أيْ: أُوعِدُكم ذَلِكَ فَطالَ زَمانُ الإنْجازِ فَأخْطَأْتُمْ بِسَبْيِهِ.

﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ﴾ أيْ: يَجِبَ ﴿عَلَيْكم غَضَبٌ﴾ شَدِيدٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ كائِنٌ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مِن مالِكِ أمْرِكم عَلى الإطْلاقِ.

﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أيْ: وعْدَكم إيّايَ بِالثَّباتِ عَلى ما أمَرْتُكم بِهِ إلى أنْ أرْجِعَ مِنَ المِيقاتِ، عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ لِلْقَصْدِ إلى زِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، فَإنَّ إخْلافَهُمُ الوَعْدَ الجارِيَ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حَيْثُ إضافَتُهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أشْنَعُ مِنهُ مِن حَيْثُ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن شَقِيَ التَّرْدِيدَ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنَسِيتُمُ الوَعْدَ بِطُولِ العَهْدِ فَأخْلَفْتُمُوهُ خَطَأً، أمْ أرَدْتُمْ حُلُولَ الغَضَبِ عَلَيْكم فَأخْلَفْتُمُوهُ عَمْدًا. وأمّا جَعْلُ المَوْعِدِ مُضافًا إلى فاعِلِهِ وحَمْلُ إخْلافِهِ عَلى مَعْنى وِجْدانِ الخُلُفِ فِيهِ، أيْ: فَوَجَدْتُمُ الخُلْفَ في مَوْعِدِي لَكم بِالعَوْدِ بَعْدَ الأرْبَعِينَ، فَما لا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا السِّياقُ أصْلًا.

20:87Page 317

قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ ٨٧

They said, "We did not break our promise to you by our will, but we were made to carry burdens from the ornaments of the people [of Pharaoh], so we threw them [into the fire], and thus did the Sāmirī throw."

﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ﴾ أيْ: وعْدُنا إيّاكَ الثّابِتُ عَلى ما أمَرْتَنا بِهِ، وإيثارُهُ عَلى أنْ يُقالَ مَوْعِدُنا عَلى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ لِما مَرَّ آَنِفًا.

﴿بِمَلْكِنا﴾ أيْ: بِأنَّ مَلْكِنا أُمُورَنا،يَعْنُونَ: أنّا لَوْ خُلِّينا وأُمُورَنا ولَمْ يُسَوِّلْ لَنا السّامِرِيُّ ما سَوَّلَهُ مَعَ مُساعَدَةِ بَعْضِ الأحْوالِ لَما أخْلَفْناهُ. وقُرِئَ: "بِمَلْكِنا" بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها والكُلُّ لُغاتٌ في مَصْدَرِ مَلَكْتُ الشَّيْءَ.

﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ اسْتِدْراكٌ عَمّا سَبَقَ، واعْتِذارٌ عَمّا فَعَلُوا بِبَيانِ مَنشَإ الخَطَإ. وقُرِئَ: "حُمِلْنا" بِالتَّخْفِيفِ، أيْ: حَمَلْنا أحْمالًا مِن حُلِيِّ القِبْطِ الَّتِي اسْتَعَرْناها مِنهم حِينَ هَمَمْنا بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ بِاسْمِ العُرْسِ. وقِيلَ: كانُوا اسْتَعارُوها لِعِيدٍ كانَ لَهم، ثُمَّ لَمْ يَرُدُّوها إلَيْهِمْ عِنْدَ الخُرُوجِ مَخافَةَ أنْ يَقِفُوا عَلى أمْرِهِمْ، وقِيلَ: هي ما ألْقاهُ البَحْرُ عَلى السّاحِلِ بَعْدَ إغْراقِهِمْ فَأخَذُوها، ولَعَلَّ تَسْمِيَتَهم لَها أوْزارًا لِأنَّها تَبِعاتٌ وآَثامٌ حَيْثُ لَمْ تَكُنِ الغَنائِمُ تَحِلُّ حِينَئِذٍ.

﴿فَقَذَفْناها﴾ أيْ: في النّارِ رَجاءً لِلْخَلاصِ عَنْ ذَنْبِها ﴿فَكَذَلِكَ﴾ أيْ: فَمِثْلُ ذَلِكَ القَذْفِ ﴿ألْقى السّامِرِيُّ﴾ أيْ: ما كانَ مَعَهُ مِنها، وقَدْ كانَ أراهم أنَّهُ أيْضًا يُلْقِي ما كانَ مَعَهُ مِنَ الحُلِيِّ، فَقالُوا ما قالُوا عَلى زَعْمِهِمْ، وإنَّما كانَ الَّذِي ألْقاهُ التُّرْبَةَ الَّتِي أخَذَها مِن آثَرِ الرَّسُولِ كَما سَيَأْتِي. رُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهم: إنَّما تَأخَّرَ مُوسى عَنْكم لِما مَعَكم مِنَ الأوْزارِ، فالرَّأْيُ أنْ نَحْفُرَ (p-36)حَفِيرَةً ونَسْجُرَ فِيها نارًا ونَقْذِفَ فِيها كُلَّ ما مَعَنا، فَفَعَلُوا.

20:88Page 318

فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ٨٨

And he extracted for them [the statue of] a calf which had a lowing sound, and they said, "This is your god and the god of Moses, but he forgot."

﴿فَأخْرَجَ﴾ أيِ السّامِرِيُّ ﴿لَهُمْ﴾ لِلْقائِلِينَ ﴿عِجْلا﴾ مِن تِلْكَ الحُلِيِّ المُذابَةِ، وتَأْخِيرُهُ مَعَ كَوْنِهِ مَفْعُولًا صَرِيحًا عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقْدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يَخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿جَسَدًا﴾ أيْ: جُثَّةً ذا دَمٍ ولَحْمٍ، أوْ جَسَدًا مِن ذَهَبٍ لا رُوحَ لَهُ بَدَلٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ أيْ: صَوْتُ عِجْلٍ نَعْتٌ لَهُ.

﴿فَقالُوا﴾ أيِ: السّامِرِيُّ ومَنِ افْتُتِنَ بِهِ أوَّلَ ما رَآَهُ ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ أيْ: غَفَلَ عَنْهُ وذَهَبَ يَطْلُبُهُ في الطُّورِ، وهَذا حِكايَةٌ لِنَتِيجَةِ فِتْنَةِ السّامِرِيِّ فِعْلًا وقَوْلًا مِن جِهَتِهِ تَعالى قَصْدًا إلى زِيادَةِ تَقْرِيرِها، ثُمَّ تَرْتِيبِ الإنْكارِ عَلَيْها لا مِن جِهَةِ القائِلِينَ، وإلّا لَقِيلَ: فَأخْرِجْ لَنا. والحَمْلُ عَلى أنَّ عُدُولَهم إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِبَيانِ أنَّ الإخْراجَ والقَوْلَ المَذْكُورَيْنِ لِلْكُلِّ لا لِلْعابِدَةِ فَقَطْ، خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ أنَّهُ مُخِلٌّ بِاعْتِذارِهِمْ، فَإنَّ مُخالِفَةَ بَعْضِهِمْ لِلسّامِرِيِّ وعَدَمِ افْتِتانِهِمْ بِتَسْوِيلِهِ مَعَ كَوْنِ الإخْراجِ والخِطابِ لَهم مِمّا يُهَوِّنُ مُخالَفَتَهُ لِلْمُعْتَذِرِينَ، فافْتِتانُهم بَعْدَ ذَلِكَ أعْظَمُ جِنايَةً وأكْثَرُ شَناعَةً، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُعْتَذِرِينَ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ وأنَّ نِسْبَةَ الإخْلافِ إلى أنْفُسِهِمْ وهم بُرَآَءُ مِنهُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، مَعَ أنَّ القاتِلَ واحِدٌ مِنهم، كَأنَّهم قالُوا: ما وُجِدَ الإخْلافُ فِيما بَيْنَنا بِأمْرٍ كُنّا نَمْلِكُهُ، بَلْ تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ في قُلُوبِ العَبَدَةِ حَيْثُ فَعَلَ السّامِرِيُّ ما فَعَلَ فَأخْرَجَ لَهم ما أخْرَجَ وقالَ ما قالَ، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلى صَرْفِهِمْ عَنْ ذَلِكَ ولَمْ نُفارِقْهم مَخافَةَ ازْدِيادِ الفِتْنَةِ فَيَقْضِي بِفَسادِهِ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ.

20:89Page 318

أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا ٨٩

Did they not see that it could not return to them any speech [i.e., response] and that it did not possess for them any harm or benefit?

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ إلَخِ، إنْكارٌ وتَقَيُّحٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِحالِ الضّالِّينَ والمُضِلِّينَ جَمِيعًا، وتَسْفِيهٌ لَهم فِيما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُنْكَرِ الَّذِي لا يَشْتَبِهُ بُطْلانُهُ واسْتِحالَتُهُ عَلى أحَدٍ وهو اتِّخاذُهُ إلَهًا، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: ألا يَتَفَكَّرُونَ فَلا يَعْلَمُونَ ﴿ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا﴾ أيْ: أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ كَلامًا ولا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ جَوابًا، فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُونَ أنَّهُ إلَهٌ، وقُرِئَ: "يَرْجِعَ" بِالنَّصْبِ. قالُوا: فالرُّؤْيَةُ حِينَئِذٍ بَصْرِيَّةٌ، فَإنِ النّاصِبَةَ لا تَقَعُ بَعْدَ أفْعالِ اليَقِينِ، أيْ: ألا يَنْظُرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ عَدَمَ رَجْعِهِ إلَيْهِمْ قَوْلًا مِنَ الأقْوالِ، وتَعْلِيقُ الإبْصارِ بِما ذُكِرَ مَعَ كَوْنِهِ أمْرًا عَدِيمًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ المُسْتَدْعِي لِمَزِيدِ تَشْنِيعِهِمْ وتَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ عَطْفٌ عَلى "لا يَرْجِعُ" داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ، أيْ: أفَلا يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْفَعَ عَنْهم ضَرًّا، أوْ يَجْلُبَ لَهم نَفْعًا، أوْ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَضُرَّهم إنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ، أوْ يَنْفَعَهم إنْ عَبَدُوهُ.

20:90Page 318

وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي ٩٠

And Aaron had already told them before [the return of Moses], "O my people, you are only being tested by it, and indeed, your Lord is the Most Merciful, so follow me and obey my order."

﴿وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الإنْكارِ والتَّشْنِيعِ بِبَيانِ عُتُوِّهِمْ واسْتِعْصائِهِمْ عَلى الرَّسُولِ، إثْرَ بَيانِ مُكابَرَتِهِمْ لِقَضِيَّةِ (p-37)العُقُولِ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ نَصَحَ لَهم هارُونُ ونَبَّهَهم عَلى كُنْهِ الأمْرِ مِن قِبَلِ رُجُوعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ وخِطابِهِ إيّاهم بِما ذَكَرَ مِنَ المَقالاتِ. وقِيلَ مِن قِبَلِ قَوْلِ السّامِرِيِّ، كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ وما أبْصَرَهُ حِينَ طَلَعَ مِنَ الحَفِيرَةِ تَوَهَّمَ مِنهُمُ الِافْتِتانَ بِهِ فَسارَعَ إلى تَحْذِيرِهِمْ، وقالَ لَهم: ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: أُوقِعْتُمْ في الفِتْنَةِ بِالعِجْلِ، أوْ أُضْلِلْتُمْ بِهِ عَلى تَوْجِيهِ القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن كَلِمَةِ "إنَّما" إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِالقِياسِ إلى مُقابِلِهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ القَوْمُ لا إلى قَيْدِهِ المَذْكُورِ بِالقِياسِ إلى قَيْدٍ آَخَرَ، عَلى مَعْنى إنَّما فَعَلَ بِكُمُ الفِتْنَةَ لا الإرْشادَ إلى الحَقِّ، لا عَلى مَعْنى إنَّما فُتِنْتُمْ بِالعِجْلِ لا بِغَيْرِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ بِكَسْرِ "إنَّ" عَطْفًا عَلى "إنَّما" إرْشادٌ لَهم إلى الحَقِّ إثْرَ زَجْرِهِمْ عَنِ الباطِلِ، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية والرَّحْمَةِ لِلِاعْتِناءِ بِاسْتِمالَتِهِمْ إلى الحَقِّ، كَما أنَّ التَّعَرُّضَ لِوَصْفِ العِجْلِ لِلِاهْتِمامِ بِالزَّجْرِ عَنِ الباطِلِ، أيْ: إنَّ رَبَّكُمُ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ هو الرَّحْمَنُ لا غَيْرُ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُونِي﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاتَّبِعُونِي في الثَّباتِ عَلى الدِّينِ﴿وَأطِيعُوا أمْرِي﴾ هَذا واتْرُكُوا عِبادَةَ ما عَرَفْتُمْ شَأْنَهُ.

20:91Page 318

قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ ٩١

They said, "We will never cease being devoted to it [i.e., the calf] until Moses returns to us."

﴿قالُوا﴾ في جَوابِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾ عَلى العِجْلِ وعِبادَتِهِ ﴿عاكِفِينَ﴾ مُقِيمِينَ ﴿حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ جَعَلُوا رُجُوعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ غايَةً لِعُكُوفِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، لَكِنْ لا عَلى طَرِيقِ الوَعْدِ بِتَرْكِها عِنْدَ رُجُوعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ والتَّسْوِيقِ، وقَدْ دَسُّوا تَحْتَ ذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مُبِينٍ تَعْوِيلًا عَلى مَقالَةِ السّامِرِيِّ. رُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوهُ اعْتَزَلَهم هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وسَمِعَ الصِّياحَ وكانُوا يَرْقُصُونَ حَوْلَ العِجْلِ، قالَ لِلسَّبْعِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ هَذا صَوْتُ الفِتْنَةِ، فَقالَ لَهم ما قالَ وسَمِعَ مِنهم ما قالُوا.

20:92Page 318

قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ ٩٢

[Moses] said, "O Aaron, what prevented you, when you saw them going astray,

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ جَوابِهِمْ لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى لِهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ حِينَ سَمِعَ جَوابَهم لَهُ، وهَلْ رَضِيَ بِسُكُوتِهِ بَعْدَ ما شاهَدَ مِنهم ما شاهَدَ ؟ فَقِيلَ: قالَ لَهُ وهو مُغْتاظٌ قَدْ أخَذَ بِلِحْيَتِهِ ورَأْسِهِ: ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ بِعِبادَةِ العِجْلِ وبَلَغُوا مِنَ المُكابَرَةِ إلى أنْ شافَهُوكَ بِتِلْكَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ.

20:93Page 318

أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي ٩٣

From following me? Then have you disobeyed my order?"

﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ أيْ: أنْ تَتَّبِعَنِي عَلى أنْ لا تُرِيدَهُ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِمَنَعَ، وهو عامِلٌ في "إذْ" أيْ: أيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ حِينَ رُؤْيَتِكَ لِضَلالِهِمْ أنْ تَتَّبِعَنِي في الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى والمُقاتَلَةِ مَعَ مَن كَفَرَ بِهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ما حَمَلَكَ عَلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي، فَإنَّ المَنعَ عَنِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَمْلِ عَلى مُقابِلِهِ. وقِيلَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَلْحَقَنِي وتُخْبِرَنِي بِضَلالِهِمْ فَتَكُونَ مُفارَقَتُكَ مَزْجَرَةً لَهم، وفِيهِ أنَّ نَصائِحَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ لَمْ تَزْجُرْهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، فَلِأنَّ لا تَزْجُرُهم مُفارَقَتُهُ إيّاهم عَنْهُ أوْلى والِاعْتِذارُ بِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّهُ يَلْحَقُهُ ويُخْبِرُهُ بِالقِصَّةِ يَخافُونَ رُجُوعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَنْـزَجِرُوا عَنْ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن حَيِّزِ القَبُولِ، كَيْفَ لا وهْمَ قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهم عاكِفُونَ عَلَيْهِ إلى حِينِ رُجُوعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

(p-38)﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ أيْ: بِالصَّلابَةِ في الدِّينِ والمُحاماةِ عَلَيْهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ لَهُ عَلَيْهِما السَّلامُ: "اخْلُفْنِي" مُتَضَمِّنٌ الأمْرَ بِهِما حَتْمًا، فَإنَّ الخِلافَةَ لا تَتَحَقَّقُ إلّا بِمُباشَرَةِ الخَلِيفَةِ ما كانَ يُباشِرُهُ المُسْتَخْلَفُ لَوْ كانَ حاضِرًا. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ تَتَّبِعْنِي أوْ أخالَفْتَنِي فَعَصَيْتَ أمْرِي.

20:94Page 318

قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي ٩٤

[Aaron] said, "O son of my mother, do not seize [me] by my beard or by my head. Indeed, I feared that you would say, 'You caused division among the Children of Israel, and you did not observe [or await] my word.'"

﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ﴾ خَصَّ الأُمَّ بِالإضافَةِ اسْتِعْظامًا لِحَقِّها وتَرِقِيقًا لِقَلْبِهِ، لا لَمّا قِيلَ مِن أنَّهُ كانَ أخاهُ لِأُمِّ، فَإنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّهُما كانا شَقِيقَيْنِ ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ أيْ: ولا بِشَعْرِ رَأْسِي. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ شَعْرَ رَأْسِهِ بِيَمِينِهِ ولِحْيَتَهُ بِشَمالِهِ مِن شِدَّةِ غَيْظِهِ وفَرْطِ غَضَبِهِ لِلَّهِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَدِيدًا مُتَصَلِّبًا في كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمْ يَتَمالَكْ حِينَ رَآَهم يَعْبُدُونَ العِجْلَ فَفَعَلَ ما فَعَلَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي خَشِيتُ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِتَعْلِيلٍ مُوجِبِ النَّهْيِ بِبَيانِ الدّاعِي إلى تَرْكِ المُقاتِلَةِ وتَحْقِيقِ أنَّهُ غَيْرُ عاصٍ لِأمْرِهِ بَلْ مُمْتَثِلٌ بِهِ، أيْ: إنِّي خَشِيتُ لَوْ قاتَلَتْ بَعْضُهم بَعْضًا وتَفانَوْا وتَفَرَّقُوا.

﴿أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِرَأْيِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ أبْناءَ واحِدٍ، كَما يُنَبَّأُ عَنْهُ ذِكْرُهم بِذَلِكَ العُنْوانِ دُونَ القَوْمِ ونَحْوِهِ، وأرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّفْرِيقِ ما يَسْتَتْبِعُهُ القِتالُ مِنَ التَّفْرِيقِ الَّذِي لا يُرْجى بَعْدَهُ الِاجْتِماعُ.

﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يُرِيدُ بِهِ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ...﴾ إلَخِ، يَعْنِي: إنِّي رَأيْتُ أنَّ الإصْلاحَ في حِفْظِ الدَّهْماءِ والمُداراةِ مَعَهم إلى أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ اسْتَأْنَيْتُكَ لِتَكُونَ أنْتَ المُتَدارِكَ لِلْأمْرِ حَسْبَما رَأيْتَ لا سِيَّما وقَدْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ ونَحْنُ عَلى القِلَّةِ والضَّعْفِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾

20:95Page 318

قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ ٩٥

[Moses] said, "And what is your case, O Sāmirī?"

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِن حِكايَةِ ما سَلَفَ مِنِ اعْتِذارِ القَوْمِ بِإسْنادِ الفَسادِ إلى السّامِرِيِّ واعْتِذارِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ سَماعِ ما حُكِيَ مِنَ الِاعْتِذارَيْنِ واسْتِقْرارِ أصْلِ الفِتْنَةِ عَلى السّامِرِيِّ ؟ فَقِيلَ: قالَ مُوَبِّخًا لَهُ: هَذا شَأْنُهم ﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ أيْ: ما شَأْنُكَ وما مَطْلُوبُكَ مِمّا فَعَلْتَ. خاطَبَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بُطْلانَ كَيْدِهِ بِاعْتِرافِهِ ويَفْعَلَ بِهِ وبِما صَنَعَهُ مِنَ العِقابِ ما يَكُونُ نَكالًا لِلْمَفْتُونِينَ بِهِ ولِمَن خَلَفَهم مِنَ الأُمَمِ.

20:96Page 318

قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي ٩٦

He said, "I saw what they did not see, so I took a handful [of dust] from the track of the messenger1 and threw it,2 and thus did my soul entice me."

﴿قالَ﴾ أيِ: السّامِرِيُّ مُجِيبًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ فِيهِما، وقُرِئَ بِكَسْرِها في الأوَّلِ وفَتْحِها في الثّانِي، وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الوَجْهَيْنِ عَلى خِطابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، أيْ: عَلِمْتُ ما لَمْ يَعْلَمْهُ القَوْمُ، وفَطِنْتُ لِما لَمْ يَفْطَنُوا لَهُ، أوْ رَأيْتُ ما لَمْ يَرَوْهُ، وهو الأنْسَبُ بِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ لا سِيَّما عَلى القِراءَةِ بِالخِطابِ، فَإنَّ ادِّعاءَ عِلْمِ ما لَمْ يَعْلَمْهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ جُرْأةٌ عَظِيمَةٌ لا تَلِيقُ بِشَأْنِهِ ولا بِمَقامِهِ بِخِلافِ ادِّعاءِ رُؤْيَةِ ما لَمْ يَرَهُ (p-39)عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ مِمّا يَقَعُ بِحَسَبِ ما يَتَّفِقُ. وقَدْ كانَ رَأى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ راكِبًا فَرَسًا، وكانَ كُلَّما رَفَعَ الفَرَسُ يَدَيْهِ أوْ رِجْلَيْهِ عَلى الطَّرِيقِ اليَبَسِ يَخْرُجُ مِن تَحْتِهِ النَّباتُ في الحالِ، فَعَرَفَ أنَّ لَهُ شَأْنًا فَأخَذَ مِن مَوْطِئِهِ حِفْنَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ﴾ . وقُرِئَ: "مِن آثَرِ فَرْسِ الرَّسُولِ"، أيْ: مِن تُرْبَةِ مَوْطِئِ فَرَسِ المَلَكِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكَ لِيَذْهَبَ بِكَ إلى الطُّورِ، ولَعَلَّ ذِكْرَهُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِلْإشْعارِ بِوُقُوفِهِ عَلى ما لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ القَوْمُ مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ، تَأْكِيدًا لِما صَدَّرَ بِهِ مَقالَتَهُ والتَّنْبِيهُ عَلى وقْتِ أخْذِ ما أخَذَهُ والقَبْضَةُ: المَرَّةُ مِنَ القَبْضِ، أُطْلِقَتْ عَلى المَقْبُوضِ مَرَّةً. وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ وهو اسْمُ المَقْبُوضِ، كالغُرْفَةِ والمُضْغَةِ. وقُرِئَ: "فَقَبَصْتُ قَبْصَةً" بِالصّادِّ المُهْمِلَةِ، والأوَّلُ لِلْأخْذِ بِجَمِيعِ الكَفِّ، والثّانِي بِأطْرافِ الأصابِعِ ونَحْوِهِما الخَضْمُ والقَضْمُ، ﴿فَنَبَذْتُها﴾ أيْ: في الحُلِيِّ المُذابَةِ فَكانَ ما كانَ.

﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أيْ: ما فَعَلْتُهُ مِنَ القَبْضِ والنَّبْذِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ، ومَحَلُّ "كَذَلِكَ" في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ، أيْ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي تَسْوِيلًا كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ التَّسْوِيلِ، فَقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصِرِ، واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحِمَةً لِإفادَةِ تَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ اِفْخامَةٍ فَصارَ نَفْسَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لا نَعْتًا لَهُ، أيْ: ذَلِكَ التَّزْيِينُ البَدِيعُ زَيَّنَتْ لِي نَفْسِي ما فَعَلْتُهُ لا تَزْيِينًا أدْنى مِنهُ ولِذَلِكَ فَعَلْتُهُ، وحاصِلُ جَوابِهِ أنَّ ما فَعَلَهُ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ بِمَحْضِ اتِّباعِ هَوى النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ وإغْوائِها، لا بِشَيْءٍ آَخَرَ مِنَ البُرْهانِ العَقْلِيِّ أوِ الإلْهامِ الإلَهِيِّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском