Abu as-Su'udAn‑Nur · 24:27–33

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:27–33

24:27Page 352

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٢٧

O you who have believed, do not enter houses other than your own houses until you ascertain welcome and greet1 their inhabitants. That is best for you; perhaps you will be reminded [i.e., advised].

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ إثْرَ ما فُصِلَ عَنِ الزِّنا وعَنْ رَمْيِ العَفائِفِ عَنْهُ، شُرِّعَ في تَفْصِيلِ الزَّواجِرِ عَمّا عَسى يُؤَدِّي إلى أحَدِهِما مِن مُخالَطَةِ الرِّجالِ والنِّساءِ ودُخُولِهِمْ عَلَيْهِنَّ في أوْقاتِ الخَلَواتِ وتَعْلِيمِ الآدابِ الجَمِيلَةِ والأفاعِيلِ المَرْضِيَّةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، ووَصْفُ البُيُوتِ بِمُغايَرَةِ بُيُوتِهِمْ خارِجٌ مُخْرَجَ العادَةِ الَّتِي هي سُكْنى كُلِّ أحَدٍ في مِلْكِهِ، وإلّا فالمُآجِرُ والمُعَيِّرُ أيْضًا مَنهِيّانِ عَنِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ. وقُرِئَ: "بِيُوتًا غَيْرَ بِيُوتِكُمْ" بِكَسْرِ الباءِ لِأجْلِ الياءِ.

﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أيْ: تَسْتَأْذِنُوا مَن يَمْلِكُ الإذْنَ مِن أصْحابِها، مِنَ الِاسْتِئْناسِ بِمَعْنى: الِاسْتِعْلامُ، مِنَ انَسَ الشَّيْءَ: إذا أبْصَرَهُ، فَإنَّ المُسْتَأْنِسَ مُسْتَعْلِمٌ لِلْحالِ مُسْتَكْشِفٌ أنَّهُ هَلْ يُؤْذَنُ لَهُ، أوْ مِنَ الِاسْتِئْناسِ الَّذِي هو خِلافُ الِاسْتِيحاشِ لِما أنَّ المُسْتَأْذِنَ مُسْتَوْحِشٌ خائِفٌ أنْ لا يُؤْذَنُ لَهُ فَإذا أُذِنَ لَهُ اسْتَأْنَسَ.

﴿وَتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ عِنْدَ الِاسْتِئْذانِ. رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّ التَّسْلِيمَ أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكم، أأدْخُلُ ؟ ثَلاثُ مَرّاتٍ، فَإنَّ أُذِنَ لَهُ دَخَلَ وإلّا رَجَعَ» .

﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ: الِاسْتِئْذانُ مَعَ التَّسْلِيمِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن أنْ تَدْخُلُوا بَغْتَةً، أوْ عَلى تَحِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا أرادَ أنْ يَدْخُلَ بَيْتًا غَيْرَ بَيْتِهِ يَقُولُ: حُيِيتُمْ صَباحًا حُيِيتُمْ مَساءً، فَيَدْخُلُ فَرُبَّما أصابَ الرَّجُلُ مَعَ امْرَأتِهِ في لِحافٍ. ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أسْتَأْذَنَ عَلى أُمِّي ؟ قالَ: لَهُ نَعَمَ، قالَ: لَيْسَ لَها خادِمٌ غَيْرِي، أأسْتَأْذِنُ عَلَيْها كُلَّما دَخَلْتُ ؟ قالَ ﷺ: أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً ؟ قالَ: لا، قالَ ﷺ: فاسْتَأْذِنْ.»

﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ، أيْ: أُمِرْتُمْ بِهِ، أوْ قِيلَ لَكم هَذا كَيْ تَتَذَكَّرُوا وتَتَّعِظُوا وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ.

24:28Page 353

فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨

And if you do not find anyone therein, do not enter them until permission has been given you. And if it is said to you, "Go back,"1 then go back; it is purer for you. And Allāh is Knowing of what you do.

﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾ أيْ: مِمَّنْ يَمْلِكُ الإذْنَ، عَلى أنَّ مَن لا يُمَلِّكُهُ مِنَ النِّساءِ والوِلْدانِ وِجْدانُهُ كَفُقْدانِهِ، أوْ أحَدًا أصْلًا عَلى أنَّ مَدْلُولَ النَّصِّ الكَرِيمِ عِبارَةٌ هو النَّهْيُ عَنْ دُخُولِ البُيُوتِ الخالِيَةِ لِما فِيهِ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى ما يَعْتادُ النّاسُ إخْفاءَهُ مَعَ أنَّ التَّصَرُّفَ في مِلْكِ الغَيْرِ مَحْظُورٌ مُطْلَقًا، وأمّا حُرْمَةُ دُخُولِ ما فِيهِ النِّساءُ والوِلْدانُ فَثابِتَةٌ بِدَلالَةِ النَّصِّ؛ لِأنَّ الدُّخُولَ حَيْثُ حَرُمَ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ العِلَّةِ، فَلِأنْ يَحْرُمَ عِنْدَ انْضِمامِ ما هو أقْوى مِنهُ إلَيْهِ - أعْنِي الِاطِّلاعَ عَلى العَوْراتِ أوْلى.

﴿فَلا تَدْخُلُوها﴾ واصْبِرُوا ﴿حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أيْ: مِن جِهَةِ مَن يَمْلِكُ الإذْنَ عِنْدَ إتْيانِهِ،وَ"مَن" فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: حَتّى يَأْتِيَ مَن يَأْذَنُ لَكم، أوْ حَتّى تَجِدُوا مَن يَأْذَنُ لَكم، فَقَدْ أبْرَزَ القَطْعِيَّ في مَعْرِضِ الِاحْتِمالِ. ولَمّا كانَ جَعْلُ النَّهْيِ بِالإذْنِ مِمّا يُوهِمُ الرُّخْصَةَ في الِانْتِظارِ عَلى الأبْوابِ مُطْلَقًا، بَلْ في تَكْرِيرِ الِاسْتِئْذانِ. ولَوْ بَعْدَ الرَّدِّ دَفَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ أيْ: إنَّ (p-169)أُمِرْتُمْ مِن جِهَةِ أهْلِ البَيْتِ بِالرُّجُوعِ سَواءٌ كانَ الأمْرُ مِمَّنْ يَمْلِكُ الإذْنَ أوَّلًا، فارْجِعُوا ولا تَلِحُّوا بِتَكْرِيرِ الِاسْتِئْذانِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، ولا تَلِجُوا بِالإصْرارِ عَلى الِانْتِظارِ إلى أنْ يَأْتِيَ الآذِنُ كَما في الثّانِي، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجْلِبُ الكَراهَةَ في قُلُوبِ النّاسِ ويَقْدَحُ في المُرُوءَةِ أيَّ قَدْحٍ.

﴿هُوَ﴾ أيِ: الرُّجُوعُ ﴿أزْكى لَكُمْ﴾ أيْ: أطْهَرُ مِمّا لا يَخْلُوا عَنْهُ اللَّجُّ والعِنادُ والوُقُوفُ عَلى الأبْوابِ مِن دَنَسِ الدَّناءَةِ والرَّذالَةِ.

﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ مِمّا كُلِّفْتُمُوهُ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

24:29Page 353

لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٢٩

There is no blame upon you for entering houses not inhabited in which there is convenience1 for you. And Allāh knows what you reveal and what you conceal.

﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا﴾ أيْ: بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَوْضُوعَةٍ لِسُكْنى طائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَقَطْ، بَلْ لَيَتَمَتَّعَ بِها مَن يُضْطَرُّ إلَيْها كائِنًا مَن كانَ مِن غَيْرِ أنْ يَتَّخِذَها سَكَنًا كالرُّبُطِ والخاناتِ والحَوانِيتِ والحَمّاماتِ ونَحْوِها، فَإنَّها مُعَدَّةٌ لِمَصالِحِ النّاسِ كافَّةً كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ فَإنَّهُ صِفَةٌ لِلْبُيُوتِ، أوِ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ الجُناحِ، أيْ: فِيها حَقُّ تَمَتُّعٍ لَكم كالِاسْتِكْنانِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ وإيواءِ الأمْتِعَةِ والرِّجالِ والشِّراءِ والبَيْعِ والِاغْتِسالِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَلِيقُ بِحالِ البُيُوتِ وداخِلِيها، فَلا بَأْسَ بِدُخُولِها بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ مِن داخِلِيها مِن قَبْلُ ولا مِمَّنْ يَتَوَلّى أمْرَها ويَقُومُ بِتَدْبِيـرِها مِن قِوامِ الرِّباطاتِ والخاناتِ وأصْحابِ الحَوانِيتِ ومُتَصِرِّفِي الحَمّاماتِ ونَحْوِهِمْ. ويُرْوى «أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْزَلَ عَلَيْكَ آيَةً في الِاسْتِئْذانِ، وإنّا نَخْتَلِفُ في تِجاراتِنا فَنَنْـزِلُ هَذِهِ الخاناتِ، أفَلا نَدْخُلُها إلّا بِإذْنِ ؟ فَنَـزَلَتْ» . وقِيلَ: هي الخَرِباتُ يُتَبَرَّزُ فِيها، والمَتاعُ: التَّبَرُّزُ، والظّاهِرُ أنَّها مِن جُمْلَةِ ما يَنْتَظِمُهُ البُيُوتُ لا أنَّها المُرادَةُ فَقَطْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ وعِيدًا لِمَن يَدْخُلُ مُدْخَلًا مِن هَذِهِ المَداخِلِ لِفَسادٍ أوِ اطِّلاعٍ عَلى عَوْراتٍ.

24:30Page 353

قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠

Tell the believing men to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts.2 That is purer for them. Indeed, Allāh is [fully] Aware of what they do.

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامٍ كُلِّيَّةٍ شامِلَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ كافَّةً، يَنْدَرِجُ فِيها حُكْمُ المُسْتَأْذِنِينَ عِنْدَ دُخُولِهِمُ البُيُوتَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا. وتَلْوِينُ الخِطابُ وتَوْجِيهُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَفْوِيضُ ما في حَيِّزِهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي إلى رَأْيِهِ ﷺ لِأنَّها تَكالِيفٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِأُمُورٍ جُزْئِيَّةٍ كَثِيرَةِ الوُقُوعِ حَقِيقَةٌ بِأنْ يَكُونَ الآمِرُ بَها والمُتَصَدِّي لِتَدْبِيـرِها حافِظًا ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِمْ، ومَفْعُولُ الأمْرِ أمْرٌ آخَرُ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ جَوابِهِ عَلَيْهِ، أيْ: قُلْ لَهم غُضُّوا.

﴿يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ عَمّا يَحْرُمُ ويَقْتَصِرُ بِهِ عَلى ما يَحِلُّ ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم، وتَقْيِيدُ الغَضِّ بِمِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ دُونَ الحِفْظِ لِما في أمْرِ النَّظَرِ مِنَ السَّعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحِفْظِ هَهُنا خاصَّةً: هو السَّتْرُ.

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الغَضِّ والحِفْظِ ﴿أزْكى لَهُمْ﴾ أيْ: طَهُرَ لَهم مِن دَنَسِ الرِّيبَةِ.

﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الأفاعِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها وجالَةُ النَّظَرِ واسْتِعْمالُ سائِرِ الحَواسِّ وتَحْرِيكَ (p-170)الجَوارِحِ وما يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ، فَلِيَكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِنهُ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ.

24:31Page 353

وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١

And tell the believing women to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts and not expose their adornment2 except that which [necessarily] appears thereof3 and to wrap [a portion of] their headcovers over their chests and not expose their adornment [i.e., beauty] except to their husbands, their fathers, their husbands' fathers, their sons, their husbands' sons, their brothers, their brothers' sons, their sisters' sons, their women, that which their right hands possess [i.e., slaves], or those male attendants having no physical desire,4 or children who are not yet aware of the private aspects of women. And let them not stamp their feet to make known what they conceal of their adornment. And turn to Allāh in repentance, all of you, O believers, that you might succeed.

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ﴾ فَلا يَنْظُرُونَ إلى ما لا يَحِلُّ لَهُنَّ النَّظَرُ إلَيْهِ ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ بِالتَّسَتُّرِ أوِ التَّصَوُّنِ عَنِ الزِّنا، وتَقْدِيمُ الغَضِّ لِأنَّ النَّظَرَ يُرِيدُ الزِّنا ورائِدُ الفَسادِ.

﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كالحُلِيِّ وغَيْرِها مِمّا يُتَزَيَّنُ بِهِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ مَواضِعِها ما لا يَخْفى.

﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ عِنْدَ مُزَوالَةِ الأُمُورِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها عادَةً كالخاتَمِ والكُحْلِ والخِضابِ ونَحْوِها، فَإنَّ في سَتْرِها حَرَجًا بَيْنَنا. وقِيلَ: المُرادُ بِالزِّينَةِ: مَواضِعُها عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ ما يَعُمُّ المَحاسِنَ الخُلُقِيَّةَ والتَّزَيُّنِيَّةِ، والمُسْتَثْنى هو الوَجْهُ والكَفّانِ لِأنَّها لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ.

﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ إرْشادٌ إلى كَيْفِيَّةِ إخْفاءِ بَعْضِ مَواضِعِ الزِّينَةِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ إبْدائِها، وقَدْ كانَتِ النِّساءُ عَلى عادَةِ الجاهِلِيَّةِ يُسْدِلْنَ خُمُرَهُنَّ مِن خَلْفِهِنَّ فَتَبْدُو نُحُورُهُنَّ وقَلائِدُهُنَّ مِن جُيُوبِهِنَّ لِوُسْعِها، فَأُمِرْنَ بِإرْسالِ خُمُرِهِنَّ إلى جُيُوبِهِنَّ سِتْرًا لِما يَبْدُو مِنها. وقَدْ ضُمِّنَ الضَّرْبُ مَعْنى الإلْقاءِ فَعَدّى بِعَلى. وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ كَما تَقَدَّمَ.

﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كَرَّرَ النَّهْيَ لِاسْتِثْناءِ بَعْضِ مَوادِّ الرُّخْصَةِ عَنْهُ بِاعْتِبارِ النّاظِرِ بَعْدَما اسْتُثْنِيَ عَنْهُ بَعْضُ مَوادِّ الضَّرُورَةِ بِاعْتِبارِ المَنظُورِ.

﴿إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ فَإنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالزِّينَةِ، ولَهم أنْ يَنْظُرُوا إلى جَمِيعِ بَدَنِهِنَّ حَتّى المَوْضِعِ المَعْهُودِ.

﴿أوْ آبائِهِنَّ أوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنائِهِنَّ أوْ أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَواتِهِنَّ﴾ لِكَثْرَةِ المُخالَطَةِ الضَّرُورِيَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ وقِلَّةِ تَوَقُّعِ الفِتْنَةِ مِن قِبَلِهِمْ لِما في طِباعِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ النَّفْرَةِ عَنْ مُماسَّةِ القَرائِبِ، ولَهم أنْ يَنْظُرُوا مِنهُنَّ ما يَبْدُو عِنْدَ المِهْنَةِ والخِدْمَةِ وعَدَمِ ذِكْرِ الأعْمامِ والأخْوالِ لِما أنَّ الأحْوَطَ أنْ يَتَسَتَّرْنَ عَنْهم حَذَرًا أنْ يَصِفُوهُنَّ لِأبْنائِهِمْ.

﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ المُخْتَصّاتِ بِهِنَّ بِالصُّحْبَةِ والخِدْمَةِ مِن حَرائِرِ المُؤْمِناتِ فَإنَّ الكَوافِرَ لا يَتَحَرَّجْنَ عَنْ وصْفِهِنَّ لِلرِّجالِ.

﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ أيْ: مِنَ الإماءِ، فَإنَّ عَبْدَ المَرْأةِ بِمَنزِلَةِ الأجْنَبِيِّ مِنها، وقِيلَ: مِنَ الإماءِ والعَبِيدِ لِما رَوى «أنَّهُ ﷺ أتى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِعَبْدٍ وهَبَهُ لَها وعَلَيْها ثَوْبٌ إذا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَها لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْها وإذا غَطَّتْ رِجْلَيْها لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَها، فَقالَ ﷺ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ إنَّما هو أبُوكَ وغُلامُكَ» .

﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ أيْ: أُولِي الحاجَةِ إلى النِّساءِ، وهُمُ الشُّيُوخُ الهِمِّ والمَمْسُوحُونَ في المَجْبُوبِ والخَصِيِّ خِلافٌ، وقِيلَ: هُمُ البُلْهُ الَّذِينَ يَتَتَبَّعُونَ النّاسَ لِفَضْلِ طَعامِهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنَ اُمُورِ النِّساءِ، وقُرِئَ غَيْرَ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ.

﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ (p-171)لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِمْ مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى: الِاطِّلاعِ، أوْ لِعَدَمِ بُلُوغِهِمْ حَدَّ الشَّهْوَةِ مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى: الغَلَبَةِ، والطِّفْلُ جِنْسٌ وُضِعَ مَوْضِعِ الجَمْعِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ الوَصْفِ.

﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ﴾ أيْ: ما يُخْفِينَهُ مِنَ الرُّؤْيَةِ ﴿مِن زِينَتِهِنَّ﴾ أيْ: ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ الأرْضَ لَيَتَقَعْقَعَ خُلْخالِهِنَّ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُنَّ ذَواتُ خُلْخالٍ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُورِثُ الرِّجالَ مَيْلًا إلَيْهِنَّ ويُوهِمُ أنَّ لَهُنَّ مَيْلًا إلَيْهِمْ، وفي النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ صَوْتِ الحُلِيِّ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ عَيْنِها مِنَ المُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْ إبْداءِ مَوْضِعِها ما لا يُخْفى.

﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وصَرْفٌ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الكُلِّ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِما في حَيِّزِهِ مِن أمْرِ التَّوْبَةِ، وأنَّها مِن مُعَظَّماتِ المُهِمّاتِ الحَقِيقَةِ بِأنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الآمِرُ بِها لِما أنَّهُ لا يَكادُ يَخْلُوا أحَدٌ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَنْ نَوْعِ تَفْرِيطٍ في إقامَةِ مُواجِبِ التَّكالِيفِ كَما يَنْبَغِي، وناهِيكَ بِقَوْلِهِ ﷺ: «شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ» لِما فِيها مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ لا سِيَّما إذا كانَ المَأْمُورُ بِهِ الكَفَّ عَنِ الشَّهَواتِ، وقِيلَ: تُوبُوا عَمّا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّهُ وإنْ وجَبَ بِالإسْلامِ لَكِنْ يَجِبُ النَّدَمُ عَلَيْهِ والعَزْمُ عَلى تَرْكِهِ كُلَّما خَطَرَ بِبالِهِ. وفي تَكْرِيرِ الخِطابِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّهَ المُؤْمِنُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْإيجابِ وإيذانٌ بِأنَّ وصْفَ الإيمانِ مُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ حَتْمًا. وقُرِئَ "أيُّهُ المُؤْمِنُونَ" .

﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ تَفُوزُونَ بِذَلِكَ بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.

24:32Page 354

وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢

And marry the unmarried among you and the righteous among your male slaves and female slaves. If they should be poor, Allāh will enrich them from His bounty, and Allāh is all-Encompassing and Knowing.

﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ بَعْدَ ما زَجَرَ تَعالى عَنِ السِّفاحِ ومَبادِئِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ أمَرَ بِالنِّكاحِ، فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالذّاتِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَناطًا لِبَقاءِ النَّوْعِ خَيْرُ مَزْجَرَةٍ عَنْ ذَلِكَ، و"أيامى" مَقْلُوبُ "أيايِمْ" جَمْعُ أيِّمٍ، وهو مَن لا زَوْجَ لَهُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ بِكْرًا كانَ أوْ ثَيِّبًا، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُ مَن قالَ:

؎ فَإنْ تَنْكِحِي أنْكِحْ وإنْ تَتَأيَّمِي ∗∗∗ وإنْ كُنْتُ أفْتى مِنكم أتَأيَّمُ

أيْ: زَوِّجُوا مَن لا زَوْجَ لَهُ مِنَ الأحْرارِ والحَرائِرِ.

﴿والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْأوْلِياءِ والسّاداتِ، واعْتِبارُ الصَّلاحِ في الأرِقّاءِ لِأنَّ مَن لا صَلاحَ لَهُ مِنهم بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ خَلِيقًا بِأنْ يَعْتَنِيَ مَوْلاهُ بِشَأْنِهِ ويَشُقَّ عَلَيْهِ ويَتَكَلَّفَ في نَظْمِ مَصالِحِهِ بِما لا بُدَّ مِنهُ شَرْعًا وعادَةً مِن بَذْلِ المالِ والمَنافِعِ، بَلْ حَقُّهُ أنْ يَسْتَبْقِيهِ عِنْدَهُ، وأمّا عَدَمُ اعْتِبارِ الصَّلاحِ في الأحْرارِ والحَرائِرِ فَلِأنَّ الغالِبَ فِيهِمُ الصَّلاحُ عَلى أنَّهم مُسْتَبِدُّونَ في التَّصَرُّفاتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَإذا عَزَمُوا النِّكاحَ فَلا بُدَّ مِن مُساعَدَةِ الأوْلِياءِ لَهم إذْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ غَرامَةٌ حَتّى يُعْتَبَرَ في مُقابَلَتِها غَنِيمَةٌ عائِدَةٌ إلَيْهِمْ عاجِلَةً أوْ آجِلَةً، وقِيلَ: المُرادُ: هو الصَّلاحُ لِلنِّكاحِ والقِيامِ بِحُقُوقِهِ.

﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ إزاحَةً لِما عَسى يَكُونُ وازِعًا مِنَ النِّكاحِ مِن فَقْرِ أحَدِ الجانِبَيْنِ، أيْ: لا يَمْنَعَنَّ فَقْرُ الخاطِبِ أوِ المَخْطُوبَةِ مِنَ المُناكَحَةِ فَإنَّ في فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ غُنْيَةً عَنِ المالِ، فَإنَّهُ غادٍ ورائِحٌ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، أوْ وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالإغْناءِ لِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿اطْلُبُوا الغِنى في هَذِهِ الآيَةِ﴾ لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ .

﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ غَنِيٌّ ذُو سَعَةٍ لا يَرْزَؤُهُ إغْناءُ الخَلائِقِ إذْ لا نَفادَ لِنِعْمَتِهِ ولا غايَةَ لِقدرته مَعَ ذَلِكَ.

﴿عَلِيمٌ﴾ يَبْسُطُ (p-172)الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ.

24:33Page 354

وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣

But let them who find not [the means for] marriage abstain [from sexual relations] until Allāh enriches them from His bounty. And those who seek a contract [for eventual emancipation] from among whom your right hands possess1 - then make a contract with them if you know there is within them goodness and give them from the wealth of Allāh which He has given you. And do not compel your slave girls to prostitution, if they desire chastity, to seek [thereby] the temporary interests of worldly life. And if someone should compel them, then indeed, Allāh is [to them], after their compulsion, Forgiving and Merciful.

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ إرْشادٌ لِلْعاجِزِينَ عَنْ مَبادِئِ النِّكاحِ وأسْبابِها إلى ما هو أوْلى لَهم وأحْرى بِهِمْ بَعْدَ بَيانِ جَوازِ مُناكَحَةِ الفُقَراءِ، أيْ: لَيَجْتَهِدَ في العِفَّةِ وقَمْعِ الشَّهْوَةِ.

﴿الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ أيْ: أسْبابُ نِكاحٍ أوَّلًا يَتَمَكَّنُونَ مِمّا يُنْكَحُ بِهِ مِنَ المالِ.

﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِ بِالغِنى، ولُطْفٌ لَهم في اسْتِعْفافِهِمْ وتَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِهِمْ، وإيذانٌ بِأنَّ فَضْلَهُ تَعالى أوْلى بِالإعْفاءِ وأدْنى مِنَ الصُّلَحاءِ.

﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ بَعْدَ ما أمَرَ بِإنْكاحِ صالِحِي المَمالِيكِ الأحِقّاءِ بِالإنْكاحِ أمَرَ بِكِتابَةِ مَن سَتُحِقُّها مِنهم، والكِتابُ مَصْدَرُ كاتِبٍ كالمُكاتَبَةِ، أيِ: الَّذِينَ يَطْلُبُونَ المُكاتَبَةَ.

﴿مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ عَبْدًا كانَ أوْ أمَةً، وهي أنْ يَقُولَ المَوْلى لِمَمْلُوكِهِ: كاتِبَتُكَ عَلى كَذا دِرْهَمًا تُؤَدِّيهِ إلَيَّ وتُعْتِقُ، ويَقُولُ المَمْلُوكُ: قَبِلْتُهُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَإنْ أدّاهُ إلَيْهِ عُتِقَ، قالُوا: مَعْناهُ: وكَتَبْتُ لَكَ عَلى نَفْسِي أنْ تَعْتِقَ مِنِّي إذا وفَّيْتَ بِالمالِ، وكَتَبْتُ لِي عَلى نَفْسِكَ أنْ تَفِيَ بِذَلِكَ، أوْ كَتَبْتُ عَلَيْكَ الوَفاءَ بِالمالِ وكَتَبْتُ عَلَيَّ العِتْقَ عِنْدَهُ. والتَّحْقِيقُ أنَّ المُكاتَبَةَ اسْمٌ لِلْعَقْدِ الحاصِلِ مِن مَجْمُوعِ كَلامَيْهِما كَسائِرِ العُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ المُنْعَقِدَةِ بِالإيجابِ والقَبُولِ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لا يَصْدُرُ حَقِيقَةً إلّا مِنَ المُتَعاقِدِينَ ولَيْسَ وظِيفَةُ كُلٍّ مِنهُما في الحَقِيقَةِ إلّا الإتْيانُ بِأحَدِ شَطْرَيْهِ مُعْرِبًا عَمّا يَتِمُّ مِن قِبَلِهِ ويَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الفِعْلِ الخاصِّ بِهِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِما يَتِمُّ مِن قِبَلِ صاحِبِهِ ويَصْدُرُ عَنْهُ مِن فِعْلِهِ الخاصِّ بِهِ إلّا أنَّ كُلًّا مِن ذَيْنِكَ الفِعْلَيْنِ لَمّا كانَ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ تَحَقُّقُهُ في نَفْسِهِ إلّا مَنُوطًا بِتَحَقُّقِ الآخَرِ ضَرُورَةَ أنَّ التِزامَ العِتْقِ بِمُقابَلَةِ البَدَلِ مِن جِهَةِ المَوْلى لا يُتَصَوَّرُ تَحَقُّقُهُ إلّا بِالتِزامِ البَدَلِ مِن طَرَفِ العَبْدِ، كَما أنَّ عَقْدَ البَيْعِ الَّذِي هو تَمْلِيكُ المَبِيعِ بِالثَّمَنِ مِن جِهَةِ البائِعِ لا يُمْكِنُ تَحَقُّقُهُ بِتَمَلُّكِهِ بِهِ مِن جانِبِ المُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَضْمِينِ أحَدِهِما الآخَرَ وقْتَ الإنْشاءِ، فَكَما أنَّ قَوْلَ البائِعِ: بِعْتُ إنْشاءٌ لِعَقْدِ البَيْعِ عَلى مَعْنى أنَّهُ إيقاعٌ لِما يَتِمُّ مِن قِبَلِهِ أصالَةً، ولِما يَتِمُّ مِن قِبَلِ المُشْتَرِي ضِمْنًا إيقاعًا مُتَوَقِّفًا عَلى رَأْيِهِ تَوَقُّفًا شَبِيهًا بِتَوَقُّفِ عَقْدِ الفُضُولِيِّ. كَذَلِكَ قَوْلُ المَوْلى: كاتَبْتُكَ عَلى كَذا إنْشاءً لِعَقْدِ الكِتابَةِ، أيْ: إيقاعٌ لِما يَتِمُّ مِن قِبَلِهِ مِنِ التِزامِ العِتْقِ بِمُقابَلَةِ البَدَلِ أصالَةً، ولِما يَتِمُّ مِن قِبَلِ العَبْدِ مِنِ التِزامِ البَدَلِ ضِمْنًا إيقاعًا مُتَوَقِّفًا عَلى قَبُولِهِ، فَإذا قُبِلَ تَمَّ العَقْدُ. ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ، أوِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ هَذا، والأمْرُ فِيهِ لِلنَّدْبِ لِأنَّ الكِتابَةَ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ الإرْفاقَ فَلا تَجِبُ كَغَيْرِها، ويَجُوزُ حالًا ومُؤَجَّلًا ومُنَجَّمًا وغَيْرَ مُنَجَّمٍ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يَجُوزُ إلّا مُؤَجَّلًا مِنهُما، وقَدْ فُصِلَ في مَوْضِعِهِ.

﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أيْ: أمانَةً ورُشْدًا وقُدْرَةً عَلى أداءِ البَدَلِ بِتَحْصِيلِهِ مِن وجْهٍ حَلالٍ وصَلاحِها لا يُؤْذِي النّاسَ بَعْدَ العِتْقِ وإطْلاقِ العِنانِ.

﴿وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ أمْرٌ لِلْوالِي بِبَذْلِ شَيْءٍ مِن أمْوالِهِمْ، وفي حُكْمِهِ حَطُّ شَيْءٍ (p-173)مِن مالِ الكِتابَةِ، ويَكْفِي في ذَلِكَ أقَلُّ ما يُتَمَوَّلُ. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَطُّ الرُّبْعِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الثُّلْثُ وهو لِلنَّدْبِ عِنْدَنا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ لِلْوُجُوبِ، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ ﷺ: ﴿المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ﴾ إذْ لَوْ وجَبَ الحَطُّ لَسَقَطَ عَنْهُ الباقِي حَتْمًا، وأيْضًا لَوْ وجَبَ الحَطُّ لَكانَ وُجُوبُهُ مُعَلَّقًا بِالعَقْدِ فَيَكُونُ العَقْدُ مُوجِبًا ومُسْقِطًا مَعًا، وأيْضًا فَهو عَقْدُ مُعاوَضَةٍ فَلا يُجْبِرُ عَلى الحَطِيطَةِ كالبَيْعِ، وقِيلَ: مَعْنى آَتُوهم: أقْرِضُوهم، وقِيلَ: هو أمْرٌ لَهم بِأنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ يُؤَدُّوا ويُعْتَقُوا، وإضافَةُ المالِ إلَيْهِ تَعالى ووَصْفُهُ بِإينائِهِ إيّاهم لِلْحَثِّ عَلى الِامْتِثالِ بِالأمْرِ بِتَحْقِيقِ المَأْمُورِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ فَإنَّ مُلاحَظَةَ وُصُولِ المالِ إلَيْهِمْ مِن جِهَتِهِ تَعالى مَعَ كَوْنِهِ هو المالِكُ الحَقِيقِيُّ لَهُ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى صَرْفِهِ إلى الجِهَةِ المَأْمُورِ بِها، وقِيلَ: هو أمْرٌ بِإعْطاءِ سَهْمِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ فالأمْرُ لِلْوُجُوبِ حَتْمًا، والإضافَةُ والوَصْفُ لِتَعْيِينِ المَأْخَذِ، وقِيلَ: هو أمْرُ نَدْبٍ لِعامَّةِ المُسْلِمِينَ بِإعانَةِ المُكاتِبِينَ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ، ويَحِلُّ ذَلِكَ لِلْمُوَلّى وإنْ كانَ غَنِيًّا لِتَبَدُّلِ العُنْوانِ حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ بَرِيرَةَ: ﴿هُوَ لَها صَدَقَةٌ ولَنا هَدِيَّةٌ﴾ .

﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾ أيْ: إماءَكم، فَإنَّ كُلًّا مِنَ الفَتى والفَتاةِ كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنِ العَبْدِ والأمَةِ، وعَلى ذَلِكَ مَبْنى قَوْلِهِ ﷺ: ﴿لِيَقُلْ أحَدُكم فَتايَ وفَتاتِي ولا يَقُلْ عَبْدِي وأمَتِي﴾ ولِهَذِهِ العِبارَةِ في هَذا المَقامِ بِاعْتِبارِ مَفْهُومِها الأصْلِيِّ حُسْنُ مَوْقِعٍ ومَزِيدُ مُناسَبَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى البِغاءِ﴾ وهو الزِّنا مِن حَيْثُ صُدُورُهُ عَنِ النِّساءِ لِأنَّهُنَّ اللّاتِي يُتَوَقَّعُ مِنهُنَّ ذَلِكَ غالِبًا دُونَ مَن عَداهُنَّ مِنَ العَجائِزِ والصَّغائِرِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ النَّهْيِ بِصُورَةِ إرادَتِهِنَّ التَّعَفُّفَ عَنِ الزِّنا وإخْراجِ ما عَداها مِن حُكْمِهِ، كَما إذا كانَ الإكْراهُ بِسَبَبِ كَراهَتِهِنَّ الزِّنا لِخُصُوصِ الزّانِي أوْ لِخُصُوصِ الزَّمانِ أوْ لِخُصُوصِ المَكانِ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُصَحِّحَةِ لِلْإكْراهِ في الجُمْلَةِ، بَلْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى عادَتِهِمُ المُسْتَمِرَّةِ حَيْثُ كانُوا يُكْرِهُونَهُنَّ عَلى البِغاءِ وهُنَّ يُرِدْنَ التَّعَفُّفَ عَنْهُ مَعَ وُفُورِ شَهْوَتِهِنَّ الآمِرَةِ بِالفُجُورِ وقُصُورِهِنَّ في مَعْرِفَةِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى المَحاسِنِ الزّاجِرَةِ عَنْ تَعاطِي القَبائِحِ، فَإنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ كانَتْ لَهُ سِتُّ جَوارٍ يُكْرِهُّنَّ عَلى الزِّنا وضَرَبَ عَلَيْهِنَّ ضَرائِبَ فَشَكَتِ اثْنَتانِ مِنهُنَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَـزَلَتْ. وفِيهِ مِن زِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ وتَشْنِيعِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ مَن لَهُ أدْنى مَرُوءَةٍ لا يَكادُ يَرْضى بِفُجُورِ مَن يَحْوِيهِ حَرَمُهُ مِنَ اِمائِهِ فَضْلًا عَنْ أمْرِهِنَّ بِهِ أوْ إكْراهِهِنَّ عَلَيْهِ لا سِيَّما إرادَتُهُنَّ التَّعَفُّفَ، فَتَأمَّلْ ودَعْ عَنْكَ ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الإكْراهَ لا يَتَأتّى إلّا مَعَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، وما قِيلَ مِن أنَّهُ إنْ جُعِلَ شَرْطًا لِلنَّهْيِ لا يُلْزِمُ مِن عَدَمِهِ جَوازُ الإكْراهِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ النَّهْيِ لِامْتِناعِ المَنهِيِّ عَنْهُ، فَإنَّهُما بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْقِيقِ. وإيثارُ كَلِمَةِ "إنْ" عَلى "إذا" مَعَ تَحَقُّقِ الإرادَةِ في مَوْرِدِ النَّصِّ حَتْمًا لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَنِ الإكْراهِ عِنْدَ كَوْنِ إرادَةِ التَّحَصُّنِ في حَيِّزِ التَّرَدُّدِ والشَّكِّ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ مُحَقَّقَةَ الوُقُوعِ كَما هو الواقِعُ ؟ وتَعْلِيلُهُ بِأنَّ الإرادَةَ المَذْكُورَةَ مِنهُنَّ في حَيِّزِ الشّاذِّ النّادِرِ مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ الجَدْوى بِالكُلِّيَّةِ يَأْباهُ اعْتِبارُ تَحَقُّقِها إباءً ظاهِرًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَيْدٌ لِلْإكْراهِ، لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَدارُ النَّهَيِ عَنْهُ بَلْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ المُعْتادُ فِيما بَيْنَهم كَما قَبِلَهُ لَهم تَشْنِيعًا لَهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنِ احْتِمالِ الوِزْرِ الكَبِيرِ لِأجْلِ النَّزْرِ الحَقِيرِ، أيْ: لا تَفْعَلُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ اِكْراهِهِنَّ عَلى البِغاءِ لِطَلَبِ المَتاعِ السَّرِيعِ الزَّوالِ الوَشِيكِ الِاضْمِحْلالِ، فالمُرادُ بِالِابْتِغاءِ: الطَّلَبُ المُقارِنُ لِنَيْلِ المَطْلُوبِ واسْتِيفائِهِ بِالفِعْلِ إذْ (p-174)هُوَ الصّالِحُ لِكَوْنِهِ غايَةً لِلْإكْراهِ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ لا المُطْلَقُ المُتَناوَلُ لِلطَّلَبِ السّابِقِ الباعِثِ عَلَيْهِ.

﴿وَمَن يُكْرِهُّنَّ﴾ إلَخِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ العَمَلِ بِهِ بِبَيانِ خَلاصِ المَكْرُوهاتِ عَنْ عُقُوبَةِ المُكْرَهِ عَلَيْهِ عِبارَةً ورُجُوعِ غائِلَةِ الإكْراهِ إلى المُكْرِهِينَ إشارَةً، أيْ: ومَن يُكْرِهُّنَّ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ البِغاءِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لَهُنَّ كَما وقَعَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وكَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ﴾ أيْ: كَوْنُهُنَّ مُكْرَهاتٍ، عَلى أنَّ الإكْراهَ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ فَإنَّ تَوْسِيطَهُ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ هو السَّبَبُ لِلْمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وكانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ يَقُولُ: لَهُنَّ واللَّهِ لَهُنَّ واللَّهِ. في تَخْصِيصِها بِهِنَّ وتَعْيِينِ مَدارِهِما مَعَ سَبْقِ ذِكْرِ المُكْرَهِينَ أيْضًا في الشَّرْطِيَّةِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى كَوْنِهِمْ مَحْرُومِينَ مِنهُما بِالكُلِّيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا لِلْمَكْرُوهِ ولِظُهُورِ هَذا التَّقْدِيرِ اكْتَفى بِهِ عَنِ العائِدِ إلى اسْمِ الشَّرْطِ فَتَجْوِيزُ تَعَلُّقِهِما بِهِمْ بِشَرْطِ التَّوْبَةِ اسْتِقْلالًا، أوْ مَعَهُنَّ إخْلالٌ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الجَلِيلِ وتَهْوِينٌ لِأمْرِ النَّهْيِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ وحاجَتِهِنَّ إلى المَغْفِرَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ سابِقَةِ الإثْمِ، إمّا بِاعْتِبارِ أنَّهُنَّ وإنْ كُنَّ مَكْرُوهاتٍ لا يَخْلُونَ في تَضاعِيفِ الزِّنا عَنْ شائِبَةٍ مُطاوَعَةِ ما بِحُكْمِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ الإكْراهَ قَدْ يَكُونُ قاصِرًا عَنْ حَدِّ الإلْجاءِ المُزِيلِ لِلِاخْتِيارِ بِالمَرَّةِ، وإمّا لِغايَةِ تَهْوِيلِ أمْرِ الزِّنا، وحَثِّ المُكْرَهاتِ عَلى التَّثَبُّتِ في التَّجافِي عَنْهُ، والتَّشْدِيدِ في تَحْذِيرِ المُكْرَهِينَ بِبَيانِ أنَّهُنَّ حَيْثُ كُنَّ عُرْضَةً لِلْعُقُوبَةِ لَوْلا أنْ تَدارَكَهُنَّ المَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ مَعَ قِيامِ العُذْرِ في حَقِّهِنَّ، فَما حالُ مَن يُكْرِهُّنَّ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ ؟ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском