Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:39–49
24:39Page 355
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٣٩
But those who disbelieved - their deeds are like a mirage in a lowland which a thirsty one thinks is water until, when he comes to it, he finds it is nothing but finds Allāh before him, and He will pay him in full his due; and Allāh is swift in account.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ما يَنْساقُ إلَيْهِ ما قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ آمَنُوا أعْمالَهم حالًا ومَآلًا كَما وُصِفَ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴿أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: أعْمالُهُمُ الَّتِي هي مِن أبْوابِ البِرِّ كَصِلَةِ الأرْحامِ وفَكِّ العُناةِ وسِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ البَيْتِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ وقِرى الأضْيافِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لَوْ قارَنَهُ الإيمانُ لاسْتَتْبَعَ الثَّوابَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ ...﴾ الآيَةَ.
﴿كَسَرابٍ﴾ وهو ما يُرى في الفَلَواتِ مِن لَمَعانِ الشَّمْسِ عَلَيْها وقْتَ الظَّهِيرَةِ فَيُظَنُّ أنَّهُ ماءٌ يَسْرُبُ، أيْ: يَجْرِي ﴿بِقِيعَةٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِسَرابٍ، أيْ: كائِنٌ في قاعٍ، وهي الأرْضُ المُنْبَسِطَةُ (p-181)المُسْتَوِيَةُ، وقِيلَ: هي جُمَعُ قاعٍ كَجِيرَةٍ جَمْعُ جارٍ. وقُرِئَ بِقِيعاتٍ بِتاءٍ مَمْدُودَةٍ كَدِيماتٍ، إمّا عَلى أنَّها جَمْعُ قِيعَةٍ أوْ عَلى أنَّ الأصْلَ قِيعَةٌ قَدْ أُشْبِعَتْ فَتْحَةُ العَيْنِ فَتَوَلَّدَ مِنها ألِفٌ.
﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِسَرابٍ، وتَخْصِيصُ الحُسْبانِ بِالظَّمْآنِ مَعَ شُمُولِهِ لِكُلِّ مَن يَراهُ كائِنًا مَن كانَ مِنَ العَطْشانِ والرَّيّانِ لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ بِتَحْقِيقِ شَرِكَةِ طَرَفَيْهِ في وجْهِ الشَّبَهِ الَّذِي هو المَطْلَعُ المُطْمِعُ والمَقْطَعُ المُؤْنِسُ.
﴿حَتّى إذا جاءَهُ﴾ أيْ: إذا جاءَ العَطْشانُ ما حَسِبَهُ ماءً، وقِيلَ: مَوْضِعَهُ.
﴿لَمْ يَجِدْهُ﴾ أيْ: ما حَسِبَهُ ماءً وعَلَّقَ بِهِ رَجاءَهُ ﴿شَيْئًا﴾ أصْلالًا مُحَقَّقًا ولا مُتَوَهَّمًا كَما كانَ يَراهُ مِن قَبْلٌ فَضْلًا عَنْ وِجْدانِهِ ماءً وبِهِ تَمَّ بَيانُ أحْوالِ الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ بَيانٌ لِبَقِيَّةِ أحْوالِهِمُ العارِضَةِ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّكْمِلَةِ لِئَلّا يُتَوَّهَمُ أنَّ قُصارى أمْرِهِمْ هو الخَيْبَةُ والقُنُوطُ فَقَطْ كَما هو شَأْنُ الظَّمْآنِ، ويَظْهَرُ أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ التَّمْثِيلِ مِن عَدَمِ وِجْدانِ الكَفَرَةِ مِن أعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ عَيْنًا ولا أثَرًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ كَيْفَ لا وأنَّ الحُكْمَ بِأنَّ أعْمالَ الكَفَرَةِ كَسَرابٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا حُكْمٌ بِأنَّها بِحَيْثُ يَحْسَبُونَها في الدُّنْيا نافِعَةً لَهم في الآخِرَةِ حَتّى إذا جاءُوها لَمْ يَجِدُوها شَيْئًا، كَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى إذا جاءَ الكَفَرَةُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمالَهُمُ الَّتِي كانُوا في الدُّنْيا يَحْسَبُونَها نافِعَةً لَهم في الآخِرَةِ لَمْ يَجِدُوها شَيْئًا ووَجَدُوا اللَّهَ، أيْ: حُكْمَهُ وقَضاءَهُ عِنْدَ المَجِيءِ، وقِيلَ: عِنْدَ العَمَلِ، فَوَفّاهم، أيْ: أعْطاهم وافِيًا كامِلًا حِسابَهم، أيْ: حِسابَ أعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ وجَزاءَها فَإنَّ اعْتِقادَهم لِنَفْعِها بِغَيْرِ إيمانٍ وعَمَلِهِمْ بِمُوجِبِهِ كُفْرٌ عَلى كُفْرِهِ وجَبَ لِلْعِقابِ قَطْعًا. وإفْرادُ الضَّمِيرَيْنِ الرّاجِعَيْنِ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا إمّا لِإرادَةِ الجِنْسِ كالضَّمانِ الواقِعِ في التَّمْثِيلِ، وإمّا لِلْحَمْلِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وكَذا إفْرادُ ما يَرْجِعُ إلى أعْمالِهِمْ. هَذا وقَدْ قِيلَ: نَزَلَ في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ كانَ قَدْ تَعَبَّدَ في الجاهِلِيَّةِ ولَبِسَ المُسُوحَ والتَمَسَ الدِّينَ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَفْرَ.
24:40Page 355
أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠
Or [they are] like darknesses within an unfathomable sea which is covered by waves, upon which are waves, over which are clouds - darknesses, some of them upon others. When one puts out his hand [therein], he can hardly see it. And he to whom Allāh has not granted light - for him there is no light.
﴿أوْ كَظُلُماتٍ﴾ عَطْفٌ عَلى كَسَرابٍ، وكَلِمَةُ "أوْ" لِلتَّنْوِيعِ إثْرَ ما مُثِّلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْها أقْوى اعْتِمادٍ ويَفْتَخِرُونَ بِها في كُلِّ وادٍ ونادٍ بِما ذُكِرَ مِن حالِ السَّرابِ مَعَ زِيادَةِ حِسابٍ وعِقابٍ مُثِّلَتْ أعْمالُهُمُ القَبِيحَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها شائِبَةٌ خَيْرِيَّةٌ يَغْتَرُّ بِها المُغْتَرُّونَ بِظُلُماتٍ كائِنَةٍ ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ أيْ: عَمِيقٍ كَثِيرِ الماءِ مَنسُوبٍ إلى اللُّجِّ، وهو مُعْظَمُ ماءِ البَحْرِ، وقِيلَ: إلى اللُّجَّةِ وهي أيْضًا مُعْظَمُهُ.
﴿يَغْشاهُ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِلْبَحْرِ، أيْ يَسْتُرُهُ ويُغَطِّيهِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿مَوْجٌ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ أوْ خَبَرٌ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةُ لَمَوْجٌ، أوِ الصِّفَةُ هي الجارُّ والمَجْرُورُ، ومَوْجٌ الثّانِي فاعِلٌ لَهُ لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُوفِ والكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "نُورٌ عَلى نُورٍ" أيْ: يَغْشاهُ أمْواجٌ مُتَراكِمَةٌ مُتَراكِبَةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ صِفَةٌ لَمَوْجٌ الثّانِي عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، أيْ: مِن فَوْقِ ذَلِكَ المَوْجِ سَحابٌ ظَلْمانِيٌّ سَتَرَ أضْواءَ النُّجُومِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى غايَةِ تَراكُمِ الأمْواجِ وتَضاعِيفِها حَتّى كَأنَّها بَلَغَتِ (p-182)السَّحابَ.
﴿ظُلُماتٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي ظُلُماتٌ ﴿بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ﴾ أيْ: مُتَكاثِفَةٌ مُتَراكِمَةٌ، وهَذا بَيانٌ لِكَمالِ شِدَّةِ الظُّلُماتِ، كَما أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾ بَيانٌ لِغايَةِ قُوَّةِ النُّورِ خَلا أنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِالمُشَبَّهِ وهَذا بِالمُشَبَّهِ بِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى الإبْدالِ مِنَ الأُولى. وقُرِئَ بِإضافَةِ السَّحابِ إلَيْها.
﴿إذا أخْرَجَ﴾ أيْ: مَنِ ابْتُلِيَ بِها، وإضْمارُهُ مِن غَيْرِ ذِكْرِهِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ دَلالَةً واضِحَةً.
﴿يَدَهُ﴾ جَعَلَها بِمَرْأى مِنهُ قَرِيبَةً مِن عَيْنِهِ لَيَنْظُرَ إلَيْها ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ وهي أقْرَبُ شَيْءٍ مِنهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَراها.
﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ إلَخِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ جِيءَ بِهِ لِتَقْدِيرِ ما أفادَهُ التَّمْثِيلُ مِن كَوْنِ أعْمالِ الكَفَرَةِ كَما فُصِّلَ، وتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ هِدايَتِهِ تَعالى إيّاهم لِنُورِهِ وإيرادُ المَوْصُولِ لِلْإشارَةِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةَ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ وأيُّهم مِمَّنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهم، أيْ: مَن لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ لِنُورِهِ الَّذِي هو القرآن هِدايَةً خاصَّةً مُسْتَتْبَعَةً لِلِاهْتِداءِ حَتْمًا ولَمْ يُوقِفْهُ لِلْإيمانِ بِهِ.
﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ أيْ: فَما لَهُ هِدايَةٌ ما مِن أحَدٍ أصْلًا.
24:41Page 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٤١
Do you not see that Allāh is exalted by whomever is within the heavens and the earth and [by] the birds with wings spread [in flight]? Each [of them] has known his [means of] prayer and exalting [Him], and Allāh is Knowing of what they do.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ تَعالى أفاضَ عَلَيْهِ ﷺ أعْلى المَراتِبِ النُّورِ وأجْلاها وبَيَّنَ لَهُ مِن أسْرارِ المُلْكِ و المَلَكُوتِ وأدَقَّها وأخْفاها، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ: قَدْ عَمِلْتَ عَمَلًا يَقِينِيًّا شَبِيهًا بِالمُشاهَدَةِ في القُوَّةِ والرَّصانَةِ بِالوَحْيِ الصَّرِيحِ والِاسْتِدْلالِ الصَّحِيحِ.
﴿أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ أيْ: يُنَزِّهُهُ تَعالى عَلى الدَّوامِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ مِن نَقْصٍ أوْ خَلَلٍ.
﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما فِيهِما، إمّا بِطَرِيقِ الِاسْتِقْرارِ فِيهِما مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ كائِنًا ما كانَ، أوْ بِطَرِيقِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما تَنْـزِيهًا تَفْهَمُهُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ، فَإنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مِنَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ مُرَكَّبًا كانَ أوْ بَسِيطًا فَهو مِن حَيْثُ ماهِيَتُهُ ووُجُودُ أحْوالِهِ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ صانِعٍ واجِبِ الوُجُودِ مُتَّصِفٌ بِصِفاتِ الكَمالِ مُقَدَّسٌ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنٍ مِن شُئُونِهِ الجَلِيلَةِ، وقَدْ نَبَّهَ عَلى كَمالِ قُوَّةِ تِلْكَ الدَّلالَةِ وغايَةِ وُضُوحِها حَيْثُ عَبَّرَ عَنْها بِما يَخُصُّ العُقَلاءَ مِنَ التَّسْبِيحِ الَّذِي هو أقْوى مَراتِبِ التَّنْـزِيهِ وأظْهَرُها تَنْزِيلًا لِلِسانِ الحالِ مَنزِلَةَ لِسانِ المَقالِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِإيثارِ كَلِمَةِ "مَن" عَلى "ما" كَأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا عَزَّ وهانَ وكُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الأعْراضِ والأعْيانِ عاقِلٌ ناطِقٌ ومُخْبِرٌ صادِقٌ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ تَعالى وعِزَّةِ سُلْطانِهِ. وتَخْصِيصُ التَّنْـزِيهِ بِالذِّكْرِ مَعَ دَلالَةِ ما فِيهِما عَلى اتِّصافِهِ تَعالى بِنُعُوتِ الكَمالِ أيْضًا لِما أنَّ مَساقَ الكَلامِ لِتَقْبِيحِ حالِ الفِكْرَةِ في إخْلالِهِمْ بِالتَّنْزِيهِ بِجَعْلِهِمُ الجَماداتِ شُرَكاءَ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ، ونِسْبَتِهِمْ إيّاهُ إلى اتِّخاذِ الوَلَدِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وحَمْلُ التَّسْبِيحِ عَلى ما يَلِيقُ بِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ بِأنَّ يُرادَ بِهِ مَعْنًى مَجازِيٌّ شامِلٌ لِتَسْبِيحِ العُقَلاءِ وغَيْرُهم حَسَبَما هو المُتَبادَرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ يَرُدُّهُ أنَّ بَعْضًا مِنَ العُقَلاءِ وهُمُ الكَفَرَةُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ لا يُسَبِّحُونَهُ بِذَلِكَ المَعْنى قَطْعًا، وإنَّما تَسْبِيحُهم ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلالَةِ الَّتِي يُشارِكُهم فِيها غَيْرُ العُقَلاءِ أيْضًا، وفِيهِ مَزِيدُ تَخْطِئَةٍ لَهم وتَعْيِيرٌ بِبَيانِ أنَّهم يُسَبِّحُونَهُ تَعالى بِاعْتِبارِ أخَسِّ جِهاتِهِمُ الَّتِي هي الجَمادِيَّةُ والجِسْمِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ ولا (p-183)يُسَبِّحُونَهُ بِاعْتِبارِ أشْرَفِها الَّتِي هي الإنْسانِيَّةُ.
﴿والطَّيْرُ﴾ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى "مَن"، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِارَجِها في جُمْلَةِ ما في الأرْضِ لِعَدَمِ اسْتِقْرارِ قَرارِها واسْتِقْلالِها بِصُنْعٍ بارِعٍ وإنْشاءٍ رائِعٍ قُصِدَ بَيانُ تَسْبِيحِها مِن تِلْكَ الجِهَةِ لِوُضُوحِ إنْبائِها عَنْ كَمالِ قُدْرَةِ صانِعِها ولُطْفِ تَدْبِيرِ مُبْدِعِها حَسَبَما يُعْرِبُ عَنْهُ التَّقَيُّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿صافّاتٍ﴾ أيْ: تَسْبِيحُهُ تَعالى حال كَوْنِها صافّاتٍ أجْنِحَتَها فَإنَّ إعْطاءَهُ تَعالى لِلْأجْرامِ الثَّقِيلَةِ ما تَتَمَكَّنُ مِنَ الوُقُوفِ في الجَوِّ والحَرَكَةِ كَيْفَ تَشاءُ مِنَ الأجْنِحَةِ والأذْنابِ الخَفِيفَةِ، وإرْشادِها إلى كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِهِما بِالقَبْضِ والبَسْطِ حُجَّةٌ نَيِّرَةٌ واضِحَةُ المَكْنُونِ وآيَةٌ بَيِّنَةٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ دالَّةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ المُجِيدِ وغايَةِ حِكْمَةِ المُبْدِئِ المُعِيدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ بَيانٌ لِكَمالِ عَراقَةِ كُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ في التَّنْـزِيهِ ورُسُوخِ قَدَمِهِ فِيهِ بِتَمْثِيلِ حالِهِ بِحالِ مَن يَعْلَمُ ما يَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الأفاعِيلِ فَيَفْعَلُها عَنْ قَصْدٍ ونِيَّةٍ لا عَنِ اتِّفاقٍ بِلا رَوِيَّةٍ وقَدْ أُدْمِجَ في تَضاعِيفِهِ الإشارَةُ إلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ التَّنْزِيهِ حاجَةً ذاتِيَّةً إلَيْهِ تَعالى واسْتِفاضَةً مِنهُ لِما يُهِمُّهُ بِلِسانِ اسْتِعْدادِهِ وتَحْقِيقِهِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ في حَدِّ ذاتِهِ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الوُجُودِ لَكِنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِأنْ يَفِيضَ عَلَيْهِ مِنهُ تَعالى ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ مِنَ الوُجُودِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الكَمالاتِ ابْتِداءً وبَقاءً فَهو مُسْتَفِيضٌ مِنهُ تَعالى عَلى الِاسْتِمْرارِ فَفَيْضُ عَلَيْهِ في كُلِّ آنٍ مِن فُيُوضِ الفُنُونِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ العِنايَةِ والرَّبّانِيَّةِ مِنَ العَلاقَةِ لانْعَدَمَ بِالمُدَّةِ. وقَدْ عَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الِاسْتِفاضَةِ المَعْنَوِيَّةِ بِالصَّلاةِ الَّتِي هي الدُّعاءُ والِابْتِهالُ لِتَكْمِيلِ التَّمْثِيلِ وإفادَةِ المَزايا المَذْكُورَةِ فِيما مَرَّ عَلى التَّفْصِيلِ، وتَقْدِيمُها عَلى التَّسْبِيحِ في الذِّكْرِ لِقَدَمِها عَلَيْهِ في الرُّتْبَةِ. هَذا ويَجُورُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ عَلى حَقِيقَتِهِ، ويُرادُ بِهِ: مُطْلَقُ الإدْراكِ وبِما نابَ عَنْهُ التَّنْوِينُ في كُلِّ أنْواعِ الطَّيْرِ وأفْرادِها وبِالصَّلاةِ وبِالتَّسْبِيحِ ما ألْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى كُلَّ واحِدٍ مِنها مِنَ الدُّعاءِ والتَّسْبِيحِ المَخْصُوصَيْنِ بِهِ، لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ الطَّيْرُ مَعْطُوفًا عَلى كَلِمَةِ "مَن" مَرْفُوعًا بِرافِعِها فَإنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يُرادَ بِالتَّسْبِيحِ مَعْنًى مَجازِيٌّ شامِلٌ لِلتَّسْبِيحِ المَقالِيِّ والحالِيِّ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرُهم وقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ، بَلْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أُرِيدَ بِهِ التَّسْبِيحُ المَخْصُوصُ بِالطَّيْرِ مَعْطُوفٌ عَلى المَذْكُورِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾، أيْ: تُسَبِّحُ الطَّيْرُ تَسْبِيحًا خاصًّا بِها حالَ كَوْنِها صافّاتٍ أجْنِحَتَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ أيْ: دُعاءَهُ وتَسْبِيحَهُ اللَّذَيْنِ ألْهَمَهُما اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُ لِبَيانِ كَمالِ رُسُوخِهِ فِيهِما، وأنَّ صُدُورَهُما عَنْهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاتِّفاقِ بِلا رَوِيَّةٍ بَلْ عَنْ عِلْمٍ وإيقانٍ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنهُما حَسَبَما ألْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى، فَإنَّ إلْهامَهُ تَعالى لِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ عُلُومًا دَقِيقَةً لا يَكادُ يَهْتَدِي إلَيْهِ جَهابِذَةُ العُقَلاءِ مِمّا لا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ أصْلًا كَيْفَ لا، وأنَّ القُنْفُذَ مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ الأشْياءِ مِنَ الإدْراكِ قالُوا إنَّهُ يُحِسُّ بِالشَّمالِ والجَنُوبِ قَبْلَ هُبُوبِها فَيُغَيِّرُ المُدْخَلَ إلى حُجْرَةٍ، حَتّى رُوِيَ أنَّهُ كانَ بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ قَبْلَ الفَتْحِ الإسْلامِيِّ رَجُلٌ قَدْ أثْرى بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ يُنْذِرُ النّاسَ بِالرِّياحِ قَبْلَ هُبُوبِها ويَنْتَفِعُونَ بِإنْذارِهِ بِتَدارُكِ أُمُورِ سَفائِنِهِمْ وغَيْرِها وكانَ السَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَقْتَنِي في دارِهِ قُنْفُذًا يُسْتَدَلُّ بِأحْوالِهِ عَلى ما ذُكِرَ. وتَخْصِيصُ تَسْبِيحِ الطَّيْرِ بِهَذا المَعْنى بِالذِّكْرِ لِما أنَّ أصْواتَها أظْهَرُ وُجُودًا وأقْرُبُ حَمْلًا عَلى التَّسْبِيحِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: ما يَفْعَلُونَهُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، و"ما" عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ عِبارَةٌ عَمّا ذُكِرَ مِنَ الدَّلالَةِ الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالفِعْلِ مُسْنَدًا (p-184)إلى ضَمِيرِ العُقَلاءِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وعَلى الثّانِي إمّا عِبارَةٌ عَنْها، وعَنِ التَّسْبِيحِ الخاصِّ بِالطَّيْرِ مَعًا أوْ عَنْ تَسْبِيحِ الطَّيْرِ فَقَطْ فالفِعْلُ عَلى حَقِيقَتِهِ وإسْنادُهُ إلى ضَمِيرِ العُقَلاءِ لِما مَرَّ، والِاعْتِراضُ حِينَئِذٍ مُقَرَّرٌ لِتَسْبِيحِ الطَّيْرِ فَقَطْ، وعَلى الأوَّلَيْنِ لِتَسْبِيحِ الكُلِّ. هَذا وقَدْ قِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "قَدْ عَلِمَ" اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي ﴿صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ لِكُلِّ، أيْ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى صَلاةَ كُلِّ واحِدٍ مِمّا في السَّماواتِ والأرْضِ وتَسْبِيحَهُ، فالِاعْتِراضُ حِينَئِذٍ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ عَلى الوَجْهَيْنِ لَكِنْ عَلى أنْ تَكُونَ ما عِبارَةً عَمّا تَعَلَّقَ بِهِ علمه تعالى مِن صَلاتِهِ وتَسْبِيحِهِ، بَلْ عَنْ جَمِيعِ أحْوالِهِ العارِضَةِ لَهُ وأفْعالِهِ الصّادِرَةِ عَنْهُ، وهُما داخِلَتانِ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا.
24:42Page 355
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٤٢
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and to Allāh is the destination.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لا لِغَيْرِهِ لِأنَّهُ الخالِقُ لَهُما ولِما فِيهِما مِنَ الذَّواتِ والصِّفاتِ وهو المُتَصَرِّفُ في جَمِيعِها إيجادًا وإعْدامًا، بَدْءًا وإعادَةً.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلَيْهِ تَعالى خاصَّةً لا إلى غَيْرِهِ ﴿المَصِيرُ﴾ أيْ: رُجُوعُ الكُلِّ بِالفَناءِ والبَعْثِ بَيانٌ لِاخْتِصاصِ المُلْكَ بِهِ تَعالى في المَعادِ إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِهِ بِهِ تَعالى في المَبْدَأِ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
24:43Page 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٣
Do you not see that Allāh drives clouds? Then He brings them together; then He makes them into a mass, and you see the rain emerge from within it. And He sends down from the sky, mountains [of clouds] within which is hail, and He strikes with it whom He wills and averts it from whom He wills. The flash of its lightning almost takes away the eyesight.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ الإزْجاءُ: سَوْقُ الشَّيْءِ بِرِفْقٍ وسُهُولَةٍ، غَلَبَ في سَوْقِ شَيْءٍ يَسِيرٍ أوْ غَيْرِ مُعْتَدٍ بِهِ، ومِنهُ البِضاعَةُ المُزْجاةُ، فَفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ السَّحابَ بِالنِّسْبَةِ إلى قدرته تعالى مِمّا لا يُعْتَدُّ بِهِ.
﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أيْ: بَيْنَ أجْزائِهِ بِضَمِّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، وقُرِئَ: "يُوَلِّفُ" بِغَيْرِ هَمْزَةٍ.
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ أيْ: مُتَراكِمًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ أيِ: المَطَرَ إثْرَ تَراكُمِهِ وتَكاثُفِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ أيْ: مِن فُتُوقِهِ، حالٌ مِنَ الوَدْقِ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ. وفي تَعْقِيبِ الجَعْلِ المَذْكُورِ بِرُؤْيَتِهِ خارِجًا لا بِخُرُوجِهِ مِنَ المُبالَغَةِ في سُرْعَةِ الخُرُوجِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلُهُ تَعالى:"فَقُلْنا اضْرِبْ بّعَصاكَ البَحْر فانْفَلَقَ " ومِنَ الِاعْتِناءِ بِتَقْرِيرِ الرُّؤْيَةِ ما لا يَخْفى. والخِلالُ: جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ وجَبَلٍ، وقِيلَ: مُفْرَدٌ كَحِجابٍ وحِجازٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: "مِن خَلَلِهِ" .
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ الغَمامِ فَإنَّ كُلَّ ما عَلاكَ سَماءٌ ﴿مِن جِبالٍ﴾ أيْ: مِن قَطْعِ عِظامٍ تُشْبِهُ الجِبالَ في العِظَمِ كائِنَةً ﴿فِيها﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَرَدٍ﴾ مَفْعُولُ "يَنْـزِلُ" عَلى أنَّ "مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ، والأُولَيانِ لِابْتِداءِ الغايَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَةَ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الأُولى بِإعادَةِ الجارِّ، أيْ: يَنْـزِلُ مُبْتَدِئًا مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها بَعْضٌ يَرُدُّ، وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، و"مِن بَرَدٍ" بَيانٌ لِلْجِبالِ، أيْ: يَنْـزِلُ مُبْتَدِئًا مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن جِنْسِ البَرَدِ بَرَدًا، والأوَّلُ أظْهَرُ لِخُلُوِّهِ عَنِ ارْتِكابِ الحَذْفِ والتَّصْرِيحِ بِبَعْضِهِ المُنَـزَّلِ، وقِيلَ: المَفْعُولُ ﴿مِن جِبالٍ﴾ عَلى أنَّ "مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ،وَ ﴿مِن بَرَدٍ﴾ بَيانٌ لِلْجِبالِ، أيْ: يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ جِبالٍ كائِنَةٍ فَيَها مِن بَرَدٍ، أيْ: مُشَبَّهَةٌ بِالجِبالِ في الكَثْرَةِ، وأيّا ما كانَ فَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ (p-185)والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ: المِظَلَّةُ وفِيها جِبالٌ مِن بَرَدٍ، كَما أنَّ في الأرْضِ جِبالًا مِن حَجَرٍ ولَيْسَ في العَقْلِ ما يَنْفِيهِ مِن قاطِعٍ، والمَشْهُورُ أنَّ الأبْخِرَةَ إذا تَصاعَدَتْ ولَمْ تُحَلِّلْها حَرارَةٌ فَبَلَغَتِ الطَّبَقَةَ البارِدَةَ مِنَ الهَواءِ وقَوِيَ البَرْدُ اجْتَمَعَ هُناكَ وصارَ سَحابًا، وإنْ لَمْ يَشْتَدِّ البَرْدُ تَقاطَرَ مَطَرًا، وإنِ اشْتَدَّ فَإنْ وصَلَ إلى الأجْزاءِ البُخارِيَّةِ قَبْلَ اجْتِماعِها نَزَلَ ثَلْجًا وإلّا نَزَلَ بَرَدًا، وقَدْ يَبْرُدُ الهَواءُ بَرْدًا مُفْرِطًا فَيَنْقَبِضُ ويَنْعَقِدُ سَحابًا ويَنْـزِلُ مِنهُ المَطَرُ أوِ الثَّلْجُ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إلى إدارَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ.
﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أيْ: ما يُنْـزِلُهُ مِنَ البَرَدِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُصِيبَهُ بِهِ فَيَنالُهُ ما يَنالُهُ مِن ضَرَرِ نَفْسِهِ ومالِهِ.
﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَصْرِفَهُ عَنْهُ فَيَنْجُوَ مِن غائِلَتِهِ ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ أيْ: ضَوْءُ بَرْقِ السَّحابِ المَوْصُوفِ بِما مَرَّ مِنَ الإزْجاءِ والتَّأْلِيفِ وغَيْرِهِما، وإضافَةُ البَرْقِ إلَيْهِ قَبْلَ الإخْبارِ بِوُجُودِهِ فِيهِ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ أمْرِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ. وقُرِئَ بِالمَدِّ بِمَعْنى: الرِّفْعَةِ والعُلُوِّ، وبِإدْغامِ الدّالِ في السِّينِ، و"بُرَقَهُ" بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ بُرْقَةٍ، وهي مِقْدارٌ مِنَ البَرْقِ كالغُرْفَةِ، وبِضَمِّها لِلْإتْباعِ لِضَمَّةِ الباءِ.
﴿يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ أيْ: يَخْطِفُها مِن فَرْطِ الإضاءَةِ وسُرْعَةِ وُرُودِها، وفي إطْلاقِ الأبْصارِ مَزِيدُ تَهْوِيلٍ لِأمْرِهِ وبَيانٌ لِشِدَّةِ تَأْثِيرِهِ فِيها كَأنَّهُ يَكادُ يَذْهَبُ بِها ولَوْ عِنْدَ الإغْماضِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَوْلِيدٌ لِلضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ. وقُرِئَ: "يُذْهِبُ" مِنَ الإذْهابِ عَلى زِيادَةِ الباءِ.
24:44Page 356
يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٤
Allāh alternates the night and the day. Indeed in that is a lesson for those who have vision.
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ بِالمُعاقَبَةِ بَيْنَهُما، أوْ بِنَقْصِ أحَدِهِما وزِيادَةِ الآخَرِ، أوْ بِتَغْيِيرِ أحْوالِهِما بِالحَرِّ والبَرْدِ وغَيْرِهِما مِمّا يَقَعُ فِيهِما مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمَلِها ما ذُكِرَ مِنَ اِزْجاءِ السَّحابِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما فُصِّلَ آنِفًا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ بَعْدَ مَنـزِلَتِهِ.
﴿لَعِبْرَةً﴾ أيْ: لِدَلالَةٍ واضِحَةٍ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ قدرته وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ وتَنْـزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ العَلِيِّ.
﴿لأُولِي الأبْصارِ﴾ لِكُلِّ مَن لَهُ بَصَرٌ.
24:45Page 356
وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٥
Allāh has created every [living] creature from water. And of them are those that move on their bellies, and of them are those that walk on two legs, and of them are those that walk on four. Allāh creates what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.
﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ﴾ أيْ: كُلَّ حَيَوانٍ يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، وقُرِئَ: "خالِقُ كُلِّ دابَّةٍ" بِالإضافَةِ.
﴿مِن ماءٍ﴾ وهو جُزْءُ مادَّتِهِ، أوْ ماءٍ مَخْصُوصٍ وهو النُّطْفَةُ، فَيَكُونُ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ الكُلِّ لِأنَّ مِنَ الحَيَواناتِ ما يَتَوَلَّدُ لا عَنْ نُطْفَةٍ، وقِيلَ: "مِن ماءٍ" مُتَعَلِّقٍ بِدابَّةٍ ولَيْسَ صِلَةَ الخَلْقِ.
﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ كالحَيَّةِ، وتَسْمِيَةُ حَرَكَتِها مَشْيًا مَعَ كَوْنِها زَحْفًا بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ.
﴿وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنْسِ والطَّيْرِ ﴿وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ كالنِّعَمِ والوَحْشِ، وعَدَمِ التَّعْرِيضِ لِما يَمْشِي عَلى أكْثَرِ مِن أرْبَعٍ كالعَناكِبِ ونَحْوِها مِنَ الحَشَراتِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِها. وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ في "مِنهُمْ" لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ، والتَّعْبِيرِ عَنِ الأصْنافِ بِكَلِمَةِ "مَن" لِيُوافِقَ التَّفْصِيلُ الإجْمالَ، والتَّرْتِيبُ لِتَقْدِيمِ ما هو أعْرَفُ في القُدْرَةِ.
﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ مِمّا ذُكِرَ ومِمّا لَمْ يُذْكَرْ بَسِيطًا كانَ أوْ مُرَكَّبًا عَلى ما يَشاءُ مِنَ الصُّوَرِ والأعْضاءَ (p-186)والهَيْئاتِ والحَرَكاتِ والطَّبائِعِ والقُوى والأفاعِيلِ مَعَ اتِّحادِ العُنْصُرِ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الخَلْقِ المَذْكُورِ والإيذانِ بِأنَّهُ مِن أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَفْعَلُ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ، وإظْهارُ الجَلالَةِ لِما ذُكِرَ مَعَ تَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاسْتِئْنافِ التَّعْلِيلِيِّ.
24:46Page 356
لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٦
We have certainly sent down distinct verses. And Allāh guides whom He wills to a straight path.
﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ أيْ: لِكُلِّ ما يَلِيقُ بَيانُهُ مِنَ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ والأسْرارِ التَّكْوِينِيَّةِ.
﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَهْدِيَهُ بِتَوْفِيقِهِ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها وإرْشادٍ إلى التَّأمُّلِ في مَطاوِيها ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مَوْصِلٍ إلى حَقِيقَةِ الحَقِّ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ.
24:47Page 356
وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
But they [i.e., the hypocrites] say, "We have believed in Allāh and in the Messenger, and we obey"; then a party of them turns away after that. And those are not believers.
﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ بَعْضِ مَن لَمْ يَشَأِ اللَّهُ هِدايَتَهُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. قالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُسِرُّونَ الكُفْرَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في بِشْرٍ المُنافِقِ خاصَمَ يَهُودِيًّا فَدَعاهُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ واليَهُودِيُّ يَدْعُوهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: في المُغِيرَةِ بْنِ وائِلٍ خاصَمَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في أرْضٍ وماءٍ فَأبى أنْ يُحاكَمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأيّا ما كانَ فَصِيغَةُ الجَمْعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ لِلْقائِلِ طائِفَةً يُساعِدُونَهُ ويُشايِعُونَهُ في تِلْكَ المَقالَةِ كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهم.
﴿وَأطَعْنا﴾ أيْ: أطَعْناها في الأمْرِ والنَّهْيِ ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى﴾ عَنْ قَبُولِ حُكْمِهِ ﴿فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما صَدَرَ عَنْهم ما صَدَرَ مِنِ ادِّعاءِ الإيمان باللَّهِ وبِالرَّسُولِ والطّاعَةِ لَهُما عَلى التَّفْصِيلِ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ أمْرًا مُعْتَدًّا بِهِ واجِبَ المُراعاةِ.
﴿وَما أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ لا إلى الفَرِيقِ المُتَوَلِّي مِنهم فَقَطْ لِعَدَمِ اقْتِضاءِ نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم نَفْيَهُ عَنِ الأوَّلِينَ بِخِلافِ العَكْسِ فَإنَّ نَفْيَهُ عَنِ القائِلِينَ مُقْتَضٍ لِنَفْيِهِ عَنْهم عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنـزِلَتِهِمْ في الكُفْرِ والفَسادِ، أيْ: وما أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الإيمانَ والطّاعَةَ ثُمَّ يَتَوَلّى بَعْضُهُمُ الَّذِينَ يُشارِكُونَهم في العَقْدِ والعَمَلِ ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً كَما يُعْرِبُ عَنْهُ اللّامُ، أيْ: لَيْسُو بِالمُؤْمِنِينَ المَعْهُودِينِ بِالإخْلاصِ في الإيمانِ والثَّباتِ عَلَيْهِ.
24:48Page 356
وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨
And when they are called to [the words of] Allāh and His Messenger to judge between them, at once a party of them turns aside [in refusal].
﴿وَإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ﴾ أيِ: الرَّسُولُ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لِأنَّهُ المُباشِرُ حَقِيقَةً لِلْحُكْمِ وإنْ كانَ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ حَقِيقَةً، وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لِتَفْخِيمِهِ ﷺ والإيذانِ بِجَلالَةِ مَحَلِّهِ عِنْدَهُ تَعالى.
﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: فاجَأ فَرِيقٌ مِنهُمُ الإعْراضَ عَنِ المُحاكَمَةِ إلَيْهِ ﷺ لِكَوْنِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ ﷺ يَحْكُمُ بِالحَقِّ عَلَيْهِمْ، وهو شَرْحٌ لِلتَّوَلِّي ومُبالَغَةٌ فِيهِ.
24:49Page 356
وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩
But if the right is theirs, they come to him in prompt obedience.
﴿وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ﴾ لا عَلَيْهِمْ ﴿يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ مُنْقادِينَ لِجَزْمِهِمْ بِأنَّهُ ﷺ يَحْكُمُ لَهم وإلى صِلَةٌ لَيَأْتُوا، فَإنَّ الإتْيانَ والمَجِيءَ يُعَدَّيانِ بِإلى أوْ لِمُذْعِنِينَ (p-187)عَلى تَضْمِينِ مَعْنى الإسْراعِ والإقْبالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ والتَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصاصِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences