Abu as-Su'udAl‑Furqan · 25:54–76

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:54–76

25:54Page 364

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا ٥٤

And it is He who has created from water [i.e., semen] a human being and made him [a relative by] lineage and marriage. And ever is your Lord competent [concerning creation].

(p-226)﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا﴾ هو الماءُ الَّذِي خَمَّرَ بِهِ طِينَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ جَعَلَهُ جُزْءًا مِن مادَّةِ البَشَرِ لَيَجْتَمِعَ ويَسْلَسَ ويَسْتَعِدَّ لِقَبُولِ الأشْكالِ والهَيْئاتِ بِسُهُولَةٍ، أوْ هو النُّطْفَةُ.

﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ أيْ: قَسَمُهُ قِسْمَيْنِ ذَوِي نَسَبٍ، أيْ: ذُكُورًا يُنْتَسَبُ إلَيْهِمْ، وذَواتُ صِهْرًا، أيْ: أُناثًا يُصاهِرُ بِهِنَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ .

﴿وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ مُبالَغًا في القُدْرَةِ حَيْثُ قَدَرَ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ بَشَرًا ذا أعْضاءٍ مُخْتَلِفَةٍ وطِباعٍ مُتَباعِدَةٍ وجَعَلَهُ قِسْمَيْنِ مُتَقابِلَتَيْنِ، ورُبَّما يَخْلُقُ مِن نُطْفَةٍ واحِدَةٍ تَوْأمَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى.

25:55Page 364

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا ٥٥

But they worship rather than Allāh that which does not benefit them or harm them, and the disbeliever is ever, against his Lord, an assistant [to Satan].

﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الَّذِي شَأْنُهُ ما ذُكِرَ ﴿ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهُمْ﴾ أيْ: ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ النَّفْعُ والضُّرُّ أصْلًا وهو الأصْنامُ، أوْ كُلُّ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ تَعالى؛ إذْ ما مِن مَخْلُوقٍ يَسْتَقِلُّ بِالنَّفْعِ والضُّرِّ.

﴿وَكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ﴾ الَّذِي ذُكِرَتْ آثارُ رُبُوبِيَّتِهِ ﴿ظَهِيرًا﴾ يُظاهِرُ الشَّيْطانَ بِالعَداوَةِ والشِّرْكِ، والمُرادُ بِالكافِرِ: الجِنْسُ، أوْ أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هَيِّنًا مَهِينًا لا اعْتِدادَ بِهِ عِنْدَهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: ظَهَرْتُ بِهِ إذا نَبَذْتَهُ خَلْفَ ظَهْرِكَ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ﴾

25:56Page 365

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٥٦

And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.

﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿وَنَذِيرًا﴾ لِلْكافِرِينَ.

25:57Page 365

قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٥٧

Say, "I do not ask of you for it any payment - only that whoever wills might take to his Lord a way."

﴿قُلْ﴾ لَهم ﴿ما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الإرْسالُ ﴿مِن أجْرٍ﴾ مِن جِهَتِكم ﴿إلا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ أيِ: إلّا فِعْلَ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ تَعالى ويَطْلُبَ الزُّلْفى عِنْدَهُ بِالإيمانِ والطّاعَةِ حَسَبَما أدْعُوهم إلَيْهِما، فَصَوَّرَ ذَلِكَ بِصُورَةِ الأجْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَقْصُودُ الإتْيانِ بِهِ، واسْتَثْنى مِنهُ قَلْعًا كُلِّيًّا لِشائِبَةِ الطَّمَعِ وإظْهارًا لِغايَةِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ نَفْعِهِ عائِدًا إلَيْهِمْ عائِدًا إلَيْهِ ﷺ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا فَلْيَفْعَلْ.

25:58Page 365

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨

And rely upon the Ever-Living who does not die, and exalt [Allāh] with His praise. And sufficient is He to be, with the sins of His servants, [fully] Aware -

﴿وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ في الِاسْتِكْفاءِ عَنْ شُرُورِهِمْ والإغْناءِ عَنْ أُجُورِهِمْ، فَإنَّهُ الحَقِيقُ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ دُونَ الأحْياءِ الَّذِينَ مِن شَأْنِهِمُ المَوْتُ فَإنَّهم إذا ماتُوا ضاعَ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِمْ.

﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ ونَزَّهَهُ عَنْ صِفاتِ النُّقْصانِ مُثْنِيًا عَلَيْهِ بِنُعُوتِ الكَمالِ طالِبًا لِمَزِيدِ الإنْعامِ بِالشُّكْرِ عَلى سَوابِغِهِ.

﴿وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ﴾ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴿خَبِيرًا﴾ أيْ: مُطَّلِعًا عَلَيْها بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها فَيَجْزِيهِمْ جَزاءً وافِيًا.

25:59Page 365

ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا ٥٩

He who created the heavens and the earth and what is between them in six days and then established Himself above the Throne1 - the Most Merciful, so ask about Him one well informed [i.e., the Prophet (ﷺ)].

﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ (p-227)والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ سَلَفَ تَفْسِيرُهُ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْحَيِّ وُصِفَ بِالصِّفَةِ الفِعْلِيَّةِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالأبَدِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ، والإشارَةُ إلى الصِّفَةِ بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِتَقْرِيرِ وُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى وتَأْكِيدُهُ، فَإنَّ مَن أنْشَأ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ عَلى هَذا النَّمَطِ الفائِقِ والنَّسَقِ الرّائِقِ بِتَدْبِيرٍ مَتِينٍ وتَرْتِيبٍ رَصِينٍ في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ مَعَ كَمالِ قدرته عَلى إبْداعِها دَفْعَةً لِحِكَمٍ جَلِيلَةٍ وغاياتٍ جَمِيلَةٍ لا تَقِفُ عَلى تَفاصِيلِها العُقُولُ أحَقُّ مَن يُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وأوْلى مَن يُفَوَّضُ الأمْرُ إلَيْهِ.

﴿الرَّحْمَنُ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ، أيْ: هو الرَّحْمَنُ، وهو في الحَقِيقَةِ وصْفٌ آخَرُ لِلْحَيِّ، كَما قُرِئَ بِالجَرِّ مُفِيدٌ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ ما ذُكِرَ مِن وُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى وإنْ لَمْ يَتْبَعْهُ في الإعْرابِ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ المَنصُوبَ والمَرْفُوعَ مَدْحًا وإنْ خَرَجا عَنِ التَّبَعِيَّةِ لِما قَبْلَهُما صُورَةً حَيْثُ لَمْ يَتْبَعاهُ في الإعْرابِ وبِذَلِكَ سُمِّيا قَطْعًا لَكِنَّهُما تابِعانِ لَهُ حَقِيقَةَ ألّا يَرى كَيْفَ التَـزَمُوا حَذْفَ الفِعْلِ والمُبْتَدَأِ في النَّصْبِ والرَّفْعِ وما لِتَصْوِيرِ كُلٍّ مِنهُما بِصُورَةِ مُتَعَلِّقٍ مِن مُتَعَلَّقاتِ ما قَبْلَهُ وتَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما، وقَدْ مَرَّ تَمامُ التَّحْقِيقِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ...﴾ الآيَةَ. وقِيلَ: المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ و"الرَّحْمَنُ" خَبَرُهُ، وقِيلَ: "الرَّحْمَنُ" بَدَلٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في "اسْتَوى" .

﴿فاسْألْ بِهِ﴾ أيْ: بِتَفاصِيلَ ما ذُكِرَ إجْمالًا مِنَ الخَلْقِ والِاسْتِواءِ لا بِنَفْسِهِما فَقَطْ؛ إذْ بَعْدَ بَيانِهِما لا يَبْقى إلى السُّؤالِ حاجَةٌ، ولا في تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ فائِدَةٌ فَإنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الِاعْتِناءِ المُسْتَدْعِي لِكَوْنِ المَسْؤُلِ أمْرًا خَطِيرًا مُهْتَمًّا بِشَأْنِهِ غَيْرَ حاصِلٍ لِلسّائِلِ وظاهِرٌ أنَّ نَفْسَ الخَلْقِ والِاسْتِواءِ بَعْدَ الذِّكْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ. وما قِيلَ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ شَكَكْتَ فِيهِ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا عَلى أنَّ الخِطابَ لَهُ ﷺ والمُرادَ غَيْرُهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ، بَلِ التَّقْدِيرُ: إنْ شِئْتَ تَحْقِيقَ ما ذُكِرَ أوْ تَفْصِيلَ ما ذُكِرَ فاسْألْ مَعْنِيًّا بِهِ ﴿خَبِيرًا﴾ عَظِيمَ الشَّأْنِ مُحِيطًا بِظَواهِرِ الأُمُورِ وبَواطِنِها - وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ - يُطْلِعُكَ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ، وقِيلَ: فاسْألْ بِهِ مَن وجَدَهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ لَيَصْدُقَكَ فِيهِ فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى ما ذَكَرْنا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلرَّحْمَنِ، والمَعْنى: إنْ أنْكَرُوا إطْلاقَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى فاسْألْ عَنْهُ مَن يُخْبِرُكَ مِن أهْلِ الكِتابِ لَيَعْرِفُوا مَجِيءَ ما يُرَدِفُهُ في كُتُبِهِمْ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "الرَّحْمَنُ" مُبْتَدَأً، وما بَعْدَهُ خَبَرًا. وقُرِئَ: "فَسَلْ" .

25:60Page 365

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ٦٠

And when it is said to them, "Prostrate to the Most Merciful," they say, "And what is the Most Merciful? Should we prostrate to that which you order us?" And it increases them in aversion.

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ قالُوهُ لِما أنَّهم ما كانُوا يُطْلِقُونَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهم ظَنُّوا أنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُهُ تَعالى ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ أيْ: لِلَّذِي تَأْمُرُنا بِسُجُودِهِ، أوْ لِأمْرِكَ إيّانا مِن غَيْرِ أنْ نَعْرِفَ أنَّ المَسْجُودَ لَهُ ماذا، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ مُعَرَّبًا لَمْ يَسْمَعُوهُ. وقُرِئَ: "يَأْمُرُنا" بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنَّهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.

﴿وَزادَهُمْ﴾ أيِ: الأمْرُ بِسُجُودِ الرَّحْمَنِ ﴿نُفُورًا﴾ عَنِ الإيمانِ.

25:61Page 365

تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا ٦١

Blessed is He who has placed in the sky great stars and placed therein a [burning] lamp and luminous moon.

﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ هي البُرُوجُ الِاثْنا عَشَرَ سُمِّيَتْ بِهِ، وهي القُصُورُ العالِيَةُ لِأنَّها لِلْكَواكِبِ السَّيّارَةِ كالمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ لِسُكّانِها، واشْتِقاقُهُ مِنَ البُرْجِ لِظُهُورِهِ.

﴿وَجَعَلَ فِيها سِراجًا﴾ هي الشَّمْسُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ . وقُرِئَ: "سَرْجًا"، وهي (p-228)

الشَّمْسُ والكَواكِبُ الكِبارُ ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ مُضِيئًا بِاللَّيْلِ. وقُرِئَ: "قَمَرًا" أيْ: ذا قَمَرٍ، وهي جَمْعُ قَمْراءَ، ولِما أنَّ اللَّيالِيَ بِالقَمَرِ تَكُونُ قَمْراءَ، أُضِيفَ إلَيْها ثُمَّ حُذِفَ وأُجْرِيَ حُكْمُهُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ القائِمِ مَقامَهُ، كَما في قَوْلِ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

؎ بَرْدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ ∗∗∗

أيْ: ماءُ بَرَدى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى القَمَرِ كالرَّشَدِ والرُّشْدِ والعَرَبِ والعُرْبِ.

25:62Page 365

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ٦٢

And it is He who has made the night and the day in succession for whoever desires to remember or desires gratitude.

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ أيْ: ذَوِي خِلْفَةٍ يَخْلُفُ كُلٌّ مِنهُما الآخَرَ بِأنْ يَقُومَ مَقامَهُ فِيما يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ فِيهِ، أوْ بِأنْ يَعْتَقِبا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ وهي اسْمٌ لِلْحالَةِ مِن خَلَفَ كالرُّكْبَةِ والجِلْسَةِ مِن رَكِبَ وجَلَسَ.

﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ أيْ: يَتَذَكَّرُ آلاءَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ويَتَفَكَّرُ في بَدائِعِ صُنْعِهِ، فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ لَها مِن صانِعٍ حَكِيمٍ واجِبِ الذّاتِ رَحِيمٍ لِلْعِبادِ.

﴿أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ أيْ: أنْ يُشْكَرَ اللَّهَ تَعالى عَلى ما فِيهِما مِنَ النِّعَمِ، أوْ لَيَكُونا وقْتَيْنِ لِلذّاكِرِينَ مَن فاتَهُ وِرْدُهُ في أحَدِهِما تَدارَكَهُ في الآخَرِ. وقُرِئَ: "أنْ يَذْكُرَ" مَن ذُكِرَ بِمَعْنى تَذَكَّرَ.

25:63Page 365

وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا ٦٣

And the servants of the Most Merciful are those who walk upon the earth easily,1 and when the ignorant address them [harshly], they say [words of] peace,2

﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أوْصافِ خُلَّصِ عِبادِ الرَّحْمَنِ وأحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخُرَوِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ حالَ النّافِرِينَ عَنْ عِبادَتِهِ والسُّجُودِ لَهُ، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ مِنَ المَوْصُولِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: هو ما في آخَرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ الإشارَةِ. وقُرِئَ: عِبادُ الرَّحْمَنِ، أيْ: عِبادُهُ المَقْبُولُونَ.

﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ أيْ: بِسَكِينَةٍ وتَواضُعٍ، و"هَوْنًا" مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ونُصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ "يَمْشُونَ"، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرِهِ، أيْ: يَمْشُونَ هَيِّنِينَ لَيِّنِي الجانِبِ مِن غَيْرِ فَظاظَةٍ، أوْ مَشْيًا هَيِّنًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ﴾ أيِ: السُّفَهاءُ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ ألّا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينَ

﴿قالُوا سَلامًا﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ في المُعامَلَةِ مَعَ غَيْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ حالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، أيْ: إذا خاطَبُوهم بِالسُّوءِ قالُوا تَسْلِيمًا مِنكُمُ ومُتارَكَةً لا خَيْرَ بَيْنَنا وبَيْنَكم شَرِّ، وقِيلَ: سَدادًا مِنَ القَوْلِ يُسَلِّمُونَ بِهِ مِنَ الأذِيَّةِ والإثْمِ ولَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِمُعامَلَتِهِمْ مَعَ الكَفَرَةِ حَتّى يُقالَ نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ كَما نُقِلَ عَنْ أبِي العالِيَةِ.

25:64Page 365

وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا ٦٤

And those who spend [part of] the night to their Lord prostrating and standing [in prayer]

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ في مُعامَلَتِهِمْ مَعَ رَبِّهِمْ، أيْ: يَكُونُونَ ساجِدِينَ لِرَبِّهِمْ وقائِمِينَ، أيْ: يُحْيُونَ اللَّيْلَ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِالصَّلاةِ. وقِيلَ: "مَن قَرَأ شَيْئًا مِنَ القرآن في صَلاةٍ وإنْ قَلَّ فَقَدْ باتَ ساجِدًا وقائِمًا"، وقِيلَ: هُما الرَّكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ والرَّكْعَتانِ بَعْدَ العِشاءِ، وتَقْدِيمُ السُّجُودِ عَلى القِيامِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.

25:65Page 365

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥

And those who say, "Our Lord, avert from us the punishment of Hell. Indeed, its punishment is ever adhering;

﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ أيْ: في أعْقابِ صَلَواتِهِمْ، أوْ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ ﴿رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ (p-229)إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ أيْ: شَرًّا دائِمًا وهَلاكًا لازِمًا، وفِيهِ مَزِيدُ مَدْحٍ لَهم بِبَيانِ أنَّهم مَعَ حُسْنِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الخَلْقِ واجْتِهادِهِمْ في عِبادَةِ الحَقِّ يَخافُونَ العَذابَ ويَبْتَهِلُونَ إلى اللَّهِ تَعالى في صَرْفِهِ عَنْهم مُخْتَلِفِينَ بِأعْمالِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ .

25:66Page 365

إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٦٦

Indeed, it is evil as a settlement and residence."

﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعائِهِمُ المَذْكُورِ بِسُوءِ حالِها في نَفْسِها إثْرَ تَعْلِيلِهِ بِسُوءِ حالِ عَذابِها، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْأُولى ولَيْسَ بِذاكَ. و"ساءَتْ" في حُكْمِ "بَئِسْتُ"، وفِيها ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ مُسْتَقَرًّا، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، مَعْناهُ: ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا هي، وهَذا الضَّمِيرُ هو الَّذِي رَبَطَ الجُمْلَةَ بِاسْمِ "إنَّ" وجَعَلَها خَبَرًا لَها، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ساءَتْ" بِمَعْنى "أحْزَنَتْ"، وفِيها ضَمِيرُ اسْمِ "إنَّ"، و"مُسْتَقَرًّا" حالٌ، أوْ تَمْيِيزٌ وهو بَعِيدٌ خالٍ عَمّا في الأوَّلِ مِنَ المُبالَغَةِ في بَيانِ سُوءِ حالِها، وكَذا جَعَلَ التَّعْلِيلَيْنِ مِن جِهَتِهِ تَعالى.

25:67Page 365

وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧

And [they are] those who, when they spend, do so not excessively or sparingly but are ever, between that, [justly] moderate

﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ لَمْ يُجاوِزُوا حَدَّ الكَرَمِ ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ ولَمْ يُضَيِّقُوا تَضْيِيقَ الشَّحِيحِ، وقِيلَ: الإسْرافُ: هو الإنْفاقُ في المَعاصِي، والقُتْرُ: مَنعُ الواجِباتِ والقُرْبِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ التّاءِ مَعَ فَتْحِ الياءِ، وبِكَسْرِها مُخَفَّفَةً ومُشَدَّدَةً مَعَ ضَمِّ الياءِ.

﴿وَكانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَيْنَ ما ذُكِرَ مِنَ الإسْرافِ والقَتْرِ ﴿قَوامًا﴾ وسَطًا وعَدْلًا سُمِّيَ بِهِ لِاسْتِقامَةِ الطَّرَفَيْنِ كَما سُمِّيَ بِهِ سَواءً لِاسْتِوائِهِما. وقُرِئَ بِالكَسْرِ وهو ما يُقامُ بِهِ الحاجَةُ لا يَفْضُلُ عَنْها ولا يَنْقُصُ، وهو خَبَرٌ ثانٍ، أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، أوْ هو الخَبَرُ وبَيْنَ ذَلِكَ لَغْوٌ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ فَإنَّهُ بِمَعْنى القِوامِ فَيَكُونُ كالإخْبارِ بِشَيْءٍ عَنْ نَفْسِهِ.

25:68Page 366

وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨

And those who do not invoke1 with Allāh another deity or kill the soul which Allāh has forbidden [to be killed], except by right, and do not commit unlawful sexual intercourse. And whoever should do that will meet a penalty.

﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ اجْتِنابِهِمْ عَنِ المَعاصِي بَعْدَ بَيانِ إتْيانِهِمْ بِالطّاعاتِ، وذِكْرُ نَفْيِ الإسْرافِ والقَتْرِ لِتَحْقِيقِ مَعْنى الِاقْتِصادِ، والتَّصْرِيحُ بِوَصْفِهِمْ بِنَفْيِ الإشْراكِ مَعَ ظُهُورِ إيمانِهِمْ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ وتَهْوِيلِ أمْرِ القَتْلِ والزِّنا بِنُظُمِهِما في سِلْكِهِ، ولِلتَّعْرِيضِ بِما كانَ عَلَيْهِ الكَفَرَةُ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، أيْ: لا يَعْبُدُونَ مَعَهُ تَعالى إلَهًا آخَرَ.

﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: حَرَّمَها بِمَعْنى: حَرَّمَ قَتْلَها فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ مُبالَغَةً في التَّحْرِيمِ.

﴿إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ: لا يَقْتُلُونَها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ المُزِيلِ لِحُرْمَتِها وعِصْمَتِها، أوْ لا يَقْتُلُونَ قَتْلًا ما إلّا قَتْلًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، أوْ لا يَقْتُلُونَها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ.

﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ لا يَفْعَلُونَ شَيْئًا مِن هَذِهِ العَظائِمِ القَبِيحَةِ الَّتِي جَمَعَهُنَّ الكَفَرَةُ حَيْثُ كانُوا مَعَ إشْراكِهِمْ بِهِ سُبْحانَهُ مُداوِمِينَ عَلى قَتْلِ النُّفُوسِ المُحَرَّمَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المَوْءُودَةُ، مُكِبِّينَ عَلى الزِّنا لا يَرْعَوْنَ عَنْهُ أصْلًا.

﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ كَما هو دَأْبُ الكَفَرَةِ (p-230)المَذْكُورِينَ ﴿يَلْقَ﴾ في الآخِرَةِ، وقُرِئَ: "يَلَقَّ" بِالتَّشْدِيدِ مَجْزُومًا ﴿أثامًا﴾ وهو جَزاءُ الإثْمِ كالوَبالِ والنَّكالِ وزْنًا ومَعْنًى، وقِيلَ: هو الإثْمُ، أيْ: يَلْقَ جَزاءَ الإثْمِ والتَّنْوِينُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِلتَّفْخِيمِ. وقُرِئَ: "أيّامًا" أيْ: شَدائِدَ، يُقالُ: يَوْمٌ ذُو أيّامٍ لِلْيَوْمِ الصَّعْبِ.

25:69Page 366

يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا ٦٩

Multiplied for him is the punishment on the Day of Resurrection, and he will abide therein humiliated -

﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَدَلٌ مَن "يَلْقَ" لِاتِّحادِهِما في المَعْنى كَقَوْلِهِ:

مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا

وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوْ عَلى الحالِيَّةِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: "يُضَعَّفُ" و "نُضَعِّفُ لَهُ العَذابَ" بِالنُّونِ ونَصْبِ العَذابِ.

﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾ أيْ: في ذَلِكَ العَذابِ المُضاعَفِ ﴿مُهانًا﴾ ذَلِيلًا مُسْتَحْقَرًا جامِعًا لِلْعَذابِ الجُسْمانِيِّ والرُّوحانِيِّ، وقُرِئَ: "يُخْلَدُ" و "يُخَلَّدُ" مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإخْلادِ والتَّخْلِيدِ.

25:70Page 366

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠

Except for those who repent, believe and do righteous work. For them Allāh will replace their evil deeds with good. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

وَقُرِئَ: "تَخْلُدُ" بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ المُنْبِئِ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ ومُضاعَفَةِ العَذابِ لِانْضِمامِ المَعاصِي إلى الكُفْرِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وذِكْرُ المَوْصُوفِ مَعَ جَرَيانِ الصّالِحِ والصّالِحاتِ مَجْرى الِاسْمِ لِلِاعْتِناءِ والتَّنْصِيصِ عَلى مُغايَرَتِهِ لِلْأعْمالِ السّابِقَةِ.

﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، كَما أنَّ الإفْرادَ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لِفْظِهِ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ بِأنْ يَمْحُوَ سَوابِقَ مَعاصِيهِمْ بِالتَّوْبَةِ ويُثْبِتُ مَكانَها لَواحِقَ طاعَتِهِمْ، أوْ يُبَدِّلَ بِمَلْكَةِ المَعْصِيَةِ ودَواعِيها في النَّفْسِ مَلَكَةَ الطّاعَةِ بِأنْ يُزِيلَ الأُولى ويَأْتِي بِالثّانِيَةِ. وقِيلَ: بِأنْ يُوَفِّقَهُ لِأضْدادِ ما سَلَفَ مِنهُ، أوْ أنْ يُثْبِتَ لَهُ بَدَلَ كُلِّ عِقابٍ ثَوابًا، وقِيلَ: يُبْدِلُهم بِالشِّرْكِ إيمانًا، وبِقَتْلُ المُسْلِمِينَ قَتْلَ المُشْرِكِينَ، وبِالزِّنا عِفَّةً وإحْصانًا.

﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ المَحْوِ والإثْباتِ.

25:71Page 366

وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١

And he who repents and does righteousness does indeed turn to Allāh with [accepted] repentance.

﴿وَمَن تابَ﴾ أيْ: عَنِ المَعاصِي بِتَرْكِها بِالكُلِّيَّةِ والنَّدَمِ عَلَيْها ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ يَتَلافى بِهِ ما فَرَطَ مِنهُ أوْ خَرَجَ عَنِ المَعاصِي، ودَخَلَ في الطّاعاتِ.

﴿فَإنَّهُ﴾ بِما فَعَلَ ﴿يَتُوبُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى ﴿مَتابًا﴾ أيْ: مَتابًا عَظِيمَ الشَّأْنِ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ تَعالى ماحِيًا لِلْعِقابِ مُحَصِّلًا لِلثَّوابِ، أوْ يَتُوبُ مَتابًا إلى اللَّهِ تَعالى الَّذِي يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحْسِنُ إلَيْهِمْ، أوْ فَإنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى أوْ إلى ثَوابِهِ مَرْجِعًا حَسَنًا. وهَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.

25:72Page 366

وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا ٧٢

And [they are] those who do not testify to falsehood, and when they pass near ill speech, they pass by with dignity.

﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ لا يُقِيمُونَ الشَّهادَةَ الكاذِبَةَ، أوْ لا يَحْضُرُونَ مَحاضِرَ الكَذِبِ فَإنَّ مُشاهَدَةَ الباطِلِ مُشارِكَةٌ فِيهِ.

﴿وَإذا مَرُّوا﴾ عَلى طَرِيقِ الِاتِّفاقِ ﴿بِاللَّغْوِ﴾ أيْ: ما يَجِبُ أنْ يُلْغى ويُطْرَحَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ ﴿مَرُّوا كِرامًا﴾ مُعْرِضِينَ عَنْهُ مُكْرِمِينَ أنْفُسَهم عَنِ الوُقُوفِ عَلَيْهِ والخَوْضِ فِيهِ، ومِن ذَلِكَ الإغْضاءُ عَنِ الفَواحِشِ، والصَّفْحِ عَنِ الذُّنُوبِ، والكِنايَةُ عَمّا يُسْتَهْجَنُ التَّصْرِيحُ بِهِ.

25:73Page 366

وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا ٧٣

And those who, when reminded of the verses of their Lord, do not fall upon them deaf and blind.

(p-231)﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ المُنْطَوِيَةِ عَلى المَواعِظِ والأحْكامِ ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ أيْ: أكَبُّوا عَلَيْها سامِعِينَ بِآذانٍ واعِيَةٍ مُجِلِّينَ لَها بِعُيُونٍ راعِيَةٍ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الضِّدِّ تَعْرِيضًا بِما يَفْعَلُهُ الكَفَرَةُ والمُنافِقُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمَعاصِي المَدْلُولِ عَلَيْها بِاللَّغْوِ.

25:74Page 366

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤

And those who say, "Our Lord, grant us from among our wives and offspring comfort to our eyes1 and make us a leader [i.e., example] for the righteous."

﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ بِتَوْفِيقِهِمْ لِلطّاعَةِ وحِيازَةِ الفَضائِلِ، فَإنَّ المُؤْمِنَ إذا ساعَدَهُ أهْلُهُ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وشارَكُوهُ فِيها يُسَرُّ بِهِمْ قَلْبُهُ وتَقَرُّ بِهِمْ عَيْنُهُ لِما يُشاهِدُهُ مِن مُشايَعَتِهِمْ لَهُ في مَناهِجِ الدِّينِ وتَوَقُّعِ لُحُوقِهِمْ بِهِ في الجَنَّةِ حَسَبَما وعَدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ . و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ، وقُرِئَ: "وَذُرِّيَتا" . وتَنْكِيرُ الأعْيُنِ لِإرادَةِ تَنْكِيرِ القُرَّةِ تَعْظِيمًا، وتَقْلِيلُها لِأنَّ المُرادَ أعْيُنُ المُتَّقِينَ ولا رَيْبَ في قِلَّتِها نَظَرًا إلى غَيْرِها.

﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ أيِ: اجْعَلْنا بِحَيْثُ يَقْتَدُونَ بِنا في إقامَةِ مَواسِمِ الدِّينِ بِإفاضَةِ العِلْمِ والتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ، وتَوْحِيدُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى الجِنْسِ وعَدَمِ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا﴾، أوْ لِأنَّ المُرادَ: واجْعَلْ كُلَّ واحِدٍ مِنّا إمامًا، أوْ لِأنَّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ لِاتِّحادِ طَرِيقَتِهِمْ واتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ كَذا قالُوا، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مَدارَ الكُلِّ صُدُورُ هَذا الدُّعاءِ إمّا عَنِ الكُلِّ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ وأنَّهُ مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ اجْتِماعِهِمْ في عَصْرٍ واحِدٍ فَما ظَنُّكَ بِاجْتِماعِهِمْ في مَجْلِسٍ واحِدٍ واتِّفاقِهِمْ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وإمّا عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِطَرِيقِ تَشْرِيكِ غَيْرِهِ في اسْتِدْعاءِ الإمامَةِ وأنَّهُ لَيْسَ بِثابِتٍ جَزْمًا، بَلِ الظّاهِرُ صَوَّرَهُ عَنْهم بِطَرِيقِ الِانْفِرادِ وأنَّ عِبارَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عِنْدَ الدُّعاءِ: "واجْعَلْنِي لِلْمُتَّقِينَ إمامًا" خَلا أنَّهُ حُكِيَتْ عِباراتُ الكُلِّ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ لِلْقَصْدِ إلى الإيجازِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ وأُبْقِيَ إمامًا عَلى حالِهِ، وقِيلَ: الإمامُ جَمْعُ "آمٍّ" بِمَعْنى: قاصِدٍ كَصِيامٍ جَمْعُ صائِمٍ، ومَعْناهُ: قاصِدِينَ لَهم مُقْتَدِينَ بِهِمْ. وإعادَةُ المَوْصُولِ في المَواقِعِ السَّبْعَةِ مَعَ كِفايَةِ ذِكْرِ الصِّلاتِ بِطَرِيقِ العَطْفِ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ الأوَّلِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ في حَيِّزِ صِلَةِ المَوْصُولاتِ المَذْكُورَةِ وصْفٌ جَلِيلٌ عَلى حِيالِهِ لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ حَقِيقٌ بِأنْ يُفْرَدَ لَهُ مَوْصُوفٌ مُسْتَقِلٌّ ولا يُجْعَلَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ تَتِمَّةً لِغَيْرِهِ. وتَوْسِيطُ العاطِفِ بَيْنَ المَوْصُولاتِ لِتَنْـزِيلِ الِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ كَما في قَوْلِهِ:

؎ إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ

25:75Page 366

أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا ٧٥

Those will be awarded the Chamber1 for what they patiently endured, and they will be received therein with greetings and [words of] peace,

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُتَّصِفِينَ بِما فَصَلَ في حِينِ صِلَةِ المَوْصُولاتِ الثَّمانِيَةِ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِهِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مُتَمَيِّزُونَ بِذَلِكَ أكْمَلَ تَمَيُّزٍ، مُنْتَظِمُونَ بِسَبَبِهِ في سِلْكَ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنـزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُبَيِّنَةٌ لِما لَهم في الآخِرَةِ مِنَ السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ إثْرَ بَيانِ ما لَهم في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ السَّنِيَّةِ. والغُرْفَةُ: الدَّرَجَةُ العالِيَةُ مِنَ المَنازِلِ وكُلُّ بِناءٍ (p-232)

مُرْتَفَعٍ عالٍ، أيْ: يُثابُونَ أعْلى مَنازِلِ الجَنَّةِ، وهي اسْمُ جِنْسٍ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾، وقِيلَ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ الجَنَّةِ.

﴿بِما صَبَرُوا﴾ أيْ: بِصَبْرِهِمْ عَلى المَشاقِّ مِن مَضَضِ الطّاعاتِ ورَفْضِ الشَّهَواتِ وتَحَمُّلِ المُجاهَداتِ ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها﴾ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ ﴿تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ أيْ: يُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ ويَدْعُونَ لَهم بِطُولِ الحَياةِ والسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ، أوْ يُعْطُونَ التَّبْقِيَةَ والتَّخْلِيدَ مَعَ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ، وقِيلَ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا ويُسَلِّمُ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: "يَلْقَوْنَ" مِن لَقِيَ.

25:76Page 366

خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٧٦

Abiding eternally therein. Good is the settlement and residence.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ لا يَمُوتُونَ ولا يُخْرَجُونَ ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في مُقابِلِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском