Abu as-Su'udAli 'Imran · 3:179–186

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:179–186

3:179Page 73

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩

Allāh would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allāh reveal to you the unseen. But [instead], Allāh chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allāh and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِوَعْدِهِ المُؤْمِنِينَ ووَعِيدِهِ المُنافِقِينَ بِالعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي هي الفَضِيحَةُ والخِزْيُ إثْرَ بَيانِ عُقُوبَتِهِمُ الأُخْرَوِيَّةِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: المُخْلِصُونَ، وأمّا الخِطابُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لِجُمْهُورِ المُصَدِّقِينَ مِن أهْلِ الإخْلاصِ وأهْلِ النِّفاقِ فَفِيهِ التِفاتٌ في ضِمْنِ التَّلْوِينِ، والمُرادُ بِما هم عَلَيْهِ اخْتِلاطُ بَعْضِهِمْ بَعْضًَا واسْتِواؤُهم في إجْراءِ أحْكامِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ؛ إذْ هو القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ. وقِيلَ: إنَّهُ لِلْكُفّارِ والمُنافِقِينَ - وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ- فَفِيهِ تَلْوِينٌ فَقَطْ. ولَعَلَّ "المُنافِقِينَ" عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ لِلْكُفّارِ وإلّا فَلا شَرِكَةَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، والمُرادُ بِما هم عَلَيْهِ ما مَرَّ مِنَ القَدْرِ المُشْتَرَكِ، فَإنَّهُ كَما يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلى الفَرِيقَيْنِ مَعًَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلى كُلٍّ مِنهُما لا الكُفْرِ والنِّفاقِ كَما قِيلَ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ ما كانُوا مُشارِكِينَ لَهم في ذَلِكَ حَتّى لا يُتْرَكُوا عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً -وَهُوَ قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ المَعانِي- فَفِيهِ تَلْوِينٌ والتِفاتٌ كَما مَرَّ، والتَّعَرُّضُ لِإيمانِهِمْ قَبْلَ الخِطابِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، والمُرادُ بِما هم عَلَيْهِ ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ والأوَّلُ هو الأقْرَبُ، وإلَيْهِ جَنَحَ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ لِكَوْنِهِ صَرِيحًَا في كَوْنِ المُرادِ بِما هم عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِن حَيْثُ هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُما، بِخِلافِ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ فَإنَّهُما بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، كَيْفَ لا؟ والمَفْهُومُ مِمّا عَلَيْهِ المُنافِقُونَ هو الكُفْرُ والنِّفاقُ، ومِمّا عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ هو الإيمانُ والإخْلاصُ لا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَهُما، ولَئِنْ فُهِمَ ذَلِكَ فَإنَّما يُفْهَمُ مِن حَيْثُ الِانْتِسابُ إلى أحَدِهِما لا مِن حَيْثُ الِانْتِسابُ إلَيْهِما مَعًَا وعَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ الِاخْتِلاطِ المُحْوِجِ إلى الإفْرازِ، واللّامُ في "لِيَذَرَ" إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِالخَبَرِ المُقَدَّرِ لِكانَ كَما هو رَأْيُ البَصْرِيَّةِ وانْتِصابُ الفِعْلِ بَعْدَها بِأنِ المُقَدَّرَةِ، أيْ: ما كانَ اللَّهُ مُرِيدًَا أوْ مُتَصَدِّيًَا لِأنْ يَذَرَ المُؤْمِنِينَ إلَخْ فَفي تَوْجِيهِ النَّفْيِ إلى إرادَةِ الفِعْلِ تَأْكِيدٌ ومُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في تَوْجِيهِهِ إلى نَفْسِهِ، (p-119)وَإمّا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ بِنَفْسِها كَما هو رَأْيُ الكُوفِيَّةِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ زِيادَتُها كَما لا يَقْدَحُ زِيادَةُ حُرُوفِ الجَرِّ في عَمَلِها، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ غايَةٌ لِما يُفِيدُهُ النَّفْيُ المَذْكُورُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَتْرُكُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ الِاخْتِلاطِ بَلْ يُقَدِّرُ الأُمُورَ ويُرَتِّبُ الأسْبابَ حَتّى يَعْزِلَ المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُما بِما ورَدَ بِهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ تَسْجِيلٌ عَلى كُلٍّ مِنهُما بِما يَلِيقُ بِهِ وإشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإفْرادُ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ مَعَ تَعَدُّدِ ما أُرِيدَ بِكُلٍّ مِنهُما وتَكَثُّرِهِ، لا سِيَّما بَعْدَ ذِكْرِ ما أُرِيدَ بِأحَدِهِما -أعْنِي المُؤْمِنِينَ- بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ إفْرازِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الآخَرِ هو اتِّصافُهُما بِوَصْفِهِما لا خُصُوصِيَّةُ ذاتِهِما وتَعَدُّدُ آحادِهِما كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ حَيْثُ قَصَدَ الدِّلالَةَ عَلى الِاتِّصافِ بِالوَصْفِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِ المَوْصُوفِ مِنَ العُقَلاءِ أوْ غَيْرِهِمْ، وتَعْلِيقُ المَيْزِ بِالخَبِيثِ المُعَبَّرِ بِهِ عَنِ المُنافِقِ مَعَ أنَّ المُتَبادِرَ مِمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ تَرْكِ المُؤْمِنِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ تَعْلِيقُهُ بِهِمْ وإفْرازُهم عَنِ المُنافِقِينَ لِما أنَّ المَيْزَ الواقِعَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ إنَّما بِالتَّصَرُّفِ في المُنافِقِينَ وتَغْيِيرِهِمْ مِن حالٍ إلى حالٍ مُغايِرَةٍ لِلْأُولى مَعَ بَقاءِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أصْلِ الإيمانِ وإنْ ظَهَرَ مَزِيدُ إخْلاصِهِمْ لا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِمْ وتَغْيِيرِهِمْ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى مَعَ بَقاءِ المُنافِقِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الاسْتِتارِ، ولِأنَّ فِيهِ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ لِلْوَعِيدِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ وإنَّما لَمْ يُنْسَبْ عَدَمُ التَّرْكِ إلَيْهِمْ لِما أنَّهُ مُشْعِرٌ بِالِاعْتِناءِ بِشَأْنِ مَن نُسِبَ إلَيْهِ فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ عَدَمُ التَّرْكِ عَلى حالَةٍ غَيْرِ مُلائِمَةٍ كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ. وقُرِئَ "حَتّى يُمَيِّزَ" مِنَ التَّمْيِيزِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ تَمْهِيدٌ لِبَيانِ المَيْزِ المَوْعُودِ عَلى طَرِيقِ تَجْرِيدِ الخِطابِ لِلْمُخْلِصِينَ تَشْرِيفًَا لَهم. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مِن يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَوْضِعَيْنِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ فالمَعْنى: ما كانَ اللَّهُ لِيَتْرُكَ المُخْلِصِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ بِالمُنافِقِينَ بَلْ يُرَتِّبُ المَبادِئَ حَتّى يُخْرِجَ المُنافِقِينَ مِن بَيْنِهِمْ وما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِاطِّلاعِكم عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ ولَكِنَّهُ تَعالى يُوحِي إلى رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُخْبِرُهُ بِذَلِكَ وبِما ظَهَرَ مِنهم مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ حَسْبَما حُكِيَ عَنْهم بَعْضُهُ فِيما سَلَفَ، فَيَفْضَحُهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ويُخَلِّصُكم مِن خِسَّةِ الشُّرَكاءِ وسُوءِ جِوارِهِمْ، والتَّعَرُّضُ لِلِاجْتِباءِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُقُوفَ عَلى أمْثالِ تِلْكَ الأسْرارِ الغَيْبِيَّةِ لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ رَشَّحَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَنصِبٍ جَلِيلٍ تَقاصَرَتْ عَنْهُ هِمَمُ الأُمَمِ واصْطَفاهُ عَلى الجَماهِيرِ لِإرْشادِهِمْ، وتَعْمِيمُ الِاجْتِباءِ لِسائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا البابِ أمْرٌ مَتِينٌ لَهُ أصْلٌ أصِيلٌ جارٍ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى المَسْلُوكَةِ فِيما بَيْنَ الرُّسُلِ الخالِيَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَعْمِيمُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ مَعَ أنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِإيجابِ الإيمانِ بِهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ والإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ بِالكُلِّ لِأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ، وهم شُهَداءُ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَأْمُورُ بِهِ الإيمانُ بِكُلِّ ما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيَدْخُلُ فِيهِ تَصْدِيقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما أخْبَرَ بِهِ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا هَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَتْرُكُكم مُخْتَلِطِينَ حَتّى يُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ بِأنْ يُكَلِّفَكُمُ التَّكالِيفَ الصَّعْبَةَ الَّتِي لا يَصْبِرُ عَلَيْها إلّا الخُلَّصُ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم كَبَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ وإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، (p-120)فَيَجْعَلَ ذَلِكَ عِيارًَا عَلى عَقائِدِكم وشاهِدًَا بِضَمائِرِكم حَتّى يَعْلَمَ بَعْضُكم بِما في قَلْبِ بَعْضٍ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ لا مِن جِهَةِ الوُقُوفِ عَلى ذاتِ الصُّدُورِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الِاسْتِدْراكَ بِاجْتِباءِ الرُّسُلِ المُنْبِئَ عَنْ مَزِيدِ مَزِيَّتِهِمْ وفَضْلِ مَعْرِفَتِهِمْ عَلى الخَلْقِ إثْرَ بَيانِ قُصُورِ رُتْبَتِهِمْ عَنِ الوُقُوفِ عَلى خَفايا السَّرائِرِ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ إظْهارُ تِلْكَ السَّرائِرِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ لا بِطَرِيقِ التَّكْلِيفِ بِما يُؤَدِّي إلى خُرُوجِ أسْرارِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخَفاءِ، وأقْرَبُ مِن ذَلِكَ حَمْلُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنْ تَكُونَ مَسُوقَةً لِبَيانِ الحِكْمَةِ في إمْلائِهِ تَعالى لِلْكَفَرَةِ إثْرَ بَيانِ شَرِّيَّتِهِ لَهم فالمَعْنى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُخْلِصِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ أبَدًَا كَما تَرَكَهم كَذَلِكَ إلى الآنَ لِسِرٍّ يَقْتَضِيهِ بَلْ يَفْرِزُ عَنْهُمُ المُنافِقِينَ ولِذَلِكَ فَعَلَهُ يَوْمَئِذٍ حَيْثُ خَلّى الكَفَرَةَ وشَأْنَهم فَأبْرَزَ لَهم صُورَةَ الغَلَبَةِ فَأظْهَرَ مَن في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما فِيها مِنَ الخَبائِثِ وافْتُضِحُوا عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ. وقِيلَ: قالَ الكافِرُونَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًَا فَلْيُخْبِرْنا مَن يُؤْمِنُ مِنّا ومَن يَكْفُرُ فَنَزَلَتْ.

﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: بِما ذَكَرَ حَقَّ الإيمانِ.

﴿وَتَتَّقُوا﴾ أيْ: عَدَمَ مُراعاةِ حُقُوقِهِ أوِ النِّفاقَ.

﴿فَلَكُمْ﴾ بِمُقابَلَةِ ذَلِكَ الإيمانِ والتَّقْوى أجْرٌ عَظِيمٌ لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ.

3:180Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠

And let not those who [greedily] withhold what Allāh has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.

﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾ بَيانٌ لِحالِ البُخْلِ ووَخامَةِ عاقِبَتِهِ وتَخْطِئَةٌ لِأهْلِهِ في تَوَهُّمِ خَيْرِيَّتِهِ حَسَبَ بَيانِ حالِ الإمْلاءِ، وإيرادُ ما بَخِلُوا بِهِ بِعُنْوانِ إيتاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن فَضْلِهِ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ بَذْلِهِ في سَبِيلِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى المَوْصُولِ والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ وضَمِيرُ الفَصْلِ راجِعٌ إلَيْهِ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ الباخِلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم مَدْخَلٌ فِيهِ أوِ اسْتِحْقاقٌ لَهُ هو خَيْرًَا لَهم مِن إنْفاقِهِ. وقِيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ ﷺ أوْ إلى ضَمِيرِ مَن يَحْسَبُ والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ والثّانِي ما ذُكِرَ كَما هو كَذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الخِطابِ، أيْ: ولا يُحْسَبَنَّ بُخْلُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًَا لَهم.

﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ التَّنْصِيصُ عَلى شَرِّيَّتِهِ لَهم مَعَ انْفِهامِها مِن نَفْيِ خَيْرِيَّتِهِ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ شَرِّيَّتِهِ، أيْ: سَيُلْزَمُونَ وبالَ ما بَخِلُوا بِهِ إلْزامَ الطَّوْقِ عَلى أنَّهُ حُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ لِلْإيذانِ بِكَمالِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُما. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي زَكاةَ مالِهِ إلّا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ شُجاعًَا في عُنُقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ".» وقِيلَ: « "يُجْعَلُ ما بَخِلَ بِهِ مِنَ الزَّكاةِ حَيَّةً في عُنُقِهِ تَنْهَشُهُ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ وتَنْقُرُ رَأْسَهُ وتَقُولُ أنا مالُكَ".» ﴿وَلِلَّهِ﴾ وحْدَهُ لا لِأحَدٍ غَيْرِهِ اسْتِقْلالًَا أوِ اشْتِراكًَا.

﴿مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما يَتَوارَثُهُ أهْلُهُما مِن مالٍ وغَيْرِهِ مِنَ الرِّسالاتِ الَّتِي يَتَوارَثُها أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ فَما لَهم يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ بِمُلْكِهِ ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِهِ أوْ أنَّهُ يَرِثُ مِنهم ما يُمْسِكُونَهُ ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِهِ تَعالى عِنْدَ هَلاكِهِمْ وتَبْقى عَلَيْهِمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ.

﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ المَنعِ والبُخْلِ.

﴿خَبِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ (p-121)لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والِالتِفاتُ لِلْمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ والإشْعارِ بِاشْتِدادِ غَضَبِ الرَّحْمَنِ النّاشِئِ مِن ذِكْرِ قَبائِحِهِمْ، وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الظّاهِرِ.

3:181Page 74

لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١

Allāh has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allāh is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ قالَتْهُ اليَهُودُ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ . ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَتَبَ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى يَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وأنْ يُقْرِضُوُا اللَّهَ قَرْضًَا حَسَنًَا فَقالَ فِنْحاصُ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ حَتّى سَألَنا القَرْضَ فَلَطَمَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في وجْهِهِ وقالَ: لَوْلا الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكم مِنَ العَهْدِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَحَدَ ما قالَهُ فَنَزَلَتْ.» والجَمْعُ حِينَئِذٍ مَعَ كَوْنِ القائِلِ واحِدًَا لِرِضا الباقِينَ بِذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ تَعالى وأعَدَّ لَهُ مِنَ العَذابِ كُفْأهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالسَّماعِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِنَ الشَّناعَةِ والسَّماجَةِ بِحَيْثُ لا يَرْضى قائِلُهُ بِأنْ يَسْمَعَهُ سامِعٌ، والتَّوْكِيدُ القَسَمِيُّ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ والمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ.

﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ أيْ: سَنَكْتُبُ ما قالُوهُ مِنَ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ في صَحائِفِ الحَفَظَةِ أوْ سَنَحْفَظُهُ ونُثْبِتُهُ في عِلْمِنا لا نَنْساهُ ولا نُهْمِلُهُ كَما يَثْبُتُ المَكْتُوبُ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: لَنْ يَفُوتَنا أبَدًَا تَدْوِينُهُ وإثْباتُهُ لِكَوْنِهِ في غايَةِ العِظَمِ والهَوْلِ، كَيْفَ لا؟ وهو كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى واسْتِهْزاءٌ بِالقرآن العَظِيمِ والرَّسُولِ الكَرِيمِ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ﴾ إيذانًَا بِأنَّهُما في العِظَمِ أخَوانِ وتَنْبِيهًَا عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأوَّلِ جَرِيمَةٍ ارْتَكَبُوها بَلْ لَهم فِيهِ سَوابِقُ وأنَّ مَنِ اجْتَرَأ عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ لَمْ يُسْتَبْعَدْ مِنهُ أمْثالُ هَذِهِ العَظائِمِ، والمُرادُ بِقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ: رِضاهم بِفِعْلِ أسْلافِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "قَتْلَهُمْ"، أيْ: كائِنًَا بِغَيْرِ حَقٍّ في اعْتِقادِهِمْ أيْضًَا كَما هو في نَفْسِ الأمْرِ. وقُرِئَ "سَيَكْتُبُ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و"سَيُكْتَبُ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و"قَتْلُهُمْ" بِالرَّفْعِ.

﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ: ونَنْتَقِمُ مِنهم بَعْدَ الكَتْبَةِ بِأنْ نَقُولَ لَهم ذُوقُوُا العَذابَ المُحْرِقَ كَما أذَقْتُمُ المُسْلِمِينَ الغُصَصَ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغاتِ ما لا يَخْفى. وقُرِئَ "وَيَقُولُ" بِالياءِ، ويُقالُ: عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

3:182Page 74

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢

That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَذابِ المَذْكُورِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدِّلالَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما اقْتَرَفْتُمُوهُ مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ والتَّفَوُّهِ بِمِثْلِ تِلْكَ العَظِيمَةِ وغَيْرِها مِنَ المَعاصِي، والتَّعْبِيرُ عَنِ الأنْفُسِ بِالأيْدِي لِما أنَّ عامَّةَ أفاعِيلِها تُزاوَلُ بِهِنَّ ومَحَلُّ "أنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، أيْ: والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مِن قِبَلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّ تَعْذِيبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ فَضْلًَا عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًَا بالِغًَا لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ مِنَ الظُّلْمِ كَما يُعَبَّرُ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ عَلى الأعْمالِ بِإضاعَتِها مَعَ أنَّ الأعْمالَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَلْزَمَ مِن تَخَلُّفِهِ عَنْها ضَياعُها، وصِيغَةُ (p-122)المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في صُورَةِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ، وقِيلَ: هي لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ مِن قَوْلِهِمْ: "فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ" عَلى أنَّها لِلْمُبالَغَةِ كَمًَّا لا كَيْفًَا، هَذا وقَدْ قِيلَ: مَحَلُّ "أنَّ" الجَرُّ بِالعَطْفِ عَلى ما قَدْ مَرَّ وسَبَبِيَّتُهُ لِلْعَذابِ مِن حَيْثُ أنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعَدْلِ المُقْتَضِي لِإثابَةِ المُحْسِنِ ومُعاقَبَةِ المُسِيءِ، وفَسادُهُ ظاهِرٌ فَإنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحِقِّهِ لَيْسَ بِظُلْمٍ شَرْعًَا ولا عَقْلًَا حَتّى يَنْتَهِضَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًَا لِلتَّعْذِيبِ حَسْبَما ذَكَرَهُ القائِلُ في سُورَةِ الأنْفالِ. وقِيلَ: سَبَبِيَّةُ ذُنُوبِهِمْ لِعَذابِهِمْ مُقَيَّدَةٌ بِانْضِمامِ انْتِفاءِ ظُلْمِهِ تَعالى إلَيْها إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ بَلْ وُقُوعَهُ لا يُنافِي كَوْنَ تَعْذِيبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ حَتّى يُحْتاجَ إلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ مَعَهُ وإنَّما يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ أنْ لَوْ كانَ المُدَّعى أنَّ جَمِيعَ تَعْذِيباتِهِ تَعالى بِسَبَبِ ذُنُوبِ المُعَذَّبِينَ.

3:183Page 74

ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٨٣

[They are] those who said, "Indeed, Allāh has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"

﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ نُصِبَ أوْ رُفِعَ عَلى الذَّمِّ وهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ومالِكُ بْنُ صَيْفِيٍّ وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وفِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ ووَهْبُ بْنُ يَهُوذا.

﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ أيْ: أمَرَنا في التَّوْراةِ وأوْصانا.

﴿ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ كَما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ كانَ يُقَرَّبُ بِالقُرْبانِ فَيَقُومُ النَّبِيُّ فَيَدْعُو فَتَنْزِلُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُهُ، أيْ: تُحِيلُهُ إلى طَبْعِها بِالإحْراقِ، وهَذا مِن مُفْتَرَياتِهِمْ وأباطِيلِهِمْ فَإنَّ أكْلَ النّارِ القُرْبانَ لَمْ يُوجِبِ الإيمانَ إلّا لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً فَهو وسائِرُ المُعْجِزاتِ سَواءٌ، ولَمّا كانَ مُحَصَّلُ كَلامِهِمُ الباطِلِ أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (لِعَدَمِ إتْيانِهِ بِما قالُوا، ولَوْ تَحَقَّقَ الإتْيانُ بِهِ لَتَحَقَّقَ الإيمانُ رُدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ﴾ أيْ: تَبْكِيتًَا لَهم وإظْهارًَا لِكَذِبِهِمْ.

﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ﴾ كَثِيرَةُ العَدَدِ كَبِيرَةُ المِقْدارِ.

﴿مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: المُعْجِزاتِ الواضِحَةِ.

﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ بِعَيْنِهِ مِنَ القُرْبانِ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ.

﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُكم مِن أنَّكم تُؤْمِنُونَ لِرَسُولٍ يَأْتِيكم بِما اقْتَرَحْتُمُوهُ فَإنَّ زَكَرِيّا ويَحْيى وغَيْرَهم مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ جاءُوكم بِما قُلْتُمْ مَعَ مُعْجِزاتٍ أُخَرَ فَما لَكم لَمْ تُؤْمِنُوا لَهم حَتّى اجْتَرَأْتُمْ عَلى قَتْلِهِمْ.

3:184Page 74

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤

Then if they deny you, [O Muḥammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.1

﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ شُرُوعٌ في تَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إثْرَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ ما يُحْزِنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن مَقالاتِ الكَفَرَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ، أيْ: فَتَسَلَّ فَقَدْ كُذِّبَ إلَخْ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِ ﴿كُذِّبَ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٍ لِ ﴿رُسُلٌ﴾، أيْ: كائِنَةٌ مِن قَبْلِكَ.

﴿جاءُوا بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: المُعْجِزاتِ الواضِحاتِ صِفَةً لِ "رُسُلٌ".

﴿والزُّبُرِ﴾ هو جَمْعُ زَبُورٍ، وهو الكِتابُ المَقْصُورُ عَلى الحِكَمِ مِن زَبَرْتَهُ إذا حَسَّنْتَهُ. وقِيلَ: زُبُرُ المَواعِظِ والزَّواجِرِ مِن زَبَرْتَهُ إذا زَجَرْتَهُ.

﴿والكِتابِ المُنِيرِ﴾ قِيلَ: أيِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ، والكِتابُ في عُرْفِ القرآن ما يَتَضَمَّنُ الشَّرائِعَ والأحْكامَ، ولِذَلِكَ جاءَ الكِتابُ والحِكْمَةُ مُتَعاطِفَيْنِ في عامَّةِ المَواقِعِ. وقُرِئَ "وَبِالزُّبُرِ" بِإعادَةِ الجارِّ دِلالَةً عَلى أنَّها مُغايِرَةٌ بِالذّاتِ (p-123)لِلْبَيِّناتِ.

3:185Page 74

كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ١٨٥

Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْمُصَدِّقِ والمُكَذِّبِ، وقُرِئَ ﴿ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ بِالتَّنْوِينِ وعَدَمِهِ كَما في قَوْلِهِ:

وَلا ذاكِرُ اللَّهِ إلّا قَلِيلًَا

﴿وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ أيْ: تُعْطَوْنَ أجْزِيَةَ أعْمالِكم عَلى التَّمامِ والكَمالِ.

﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ قِيامِكم مِنَ القُبُورِ، وفي لَفْظِ التَّوْفِيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ بَعْضَ أُجُورِهِمْ يَصِلُ إلَيْهِمْ قَبْلَهُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، القَبْرُ: «رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النِّيرانِ.» ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ﴾ أيْ: بَعُدَ عَنْها يَوْمَئِذٍ ونُجِّيَ، والزَّحْزَحَةُ في الأصْلِ: تَكْرِيرُ الزَّحِّ وهو الجَذْبُ بِعَجَلَةٍ.

﴿وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ بِالنَّجاةِ ونَيْلِ المُرادِ، والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويُدْخَلَ الجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْتِي إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ".» ﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: لَذّاتُها وزَخارِفُها.

﴿إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ شُبِّهَتْ بِالمَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى المُسْتامِ ويُغَرُّ حَتّى يَشْتَرِيَهُ وهَذا لِمَن آثَرَها عَلى الآخِرَةِ، فَأمّا مَن طَلَبَ بِها الآخِرَةَ فَهي لَهُ مَتاعُ بَلاغٍ، والغُرُورُ: إمّا مَصْدَرٌ أوْ جَمْعُ غارٍ.

3:186Page 74

۞ لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٨٦

You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allāh much abuse. But if you are patient and fear Allāh - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.

﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ شُرُوعٌ في تَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَمّا سَيَلْقَوْنَهُ مِن جِهَةِ الكَفَرَةِ مِنَ المَكارِهِ إثْرَ تَسْلِيَتِهِمْ عَمّا قَدْ وقَعَ مِنهم لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى احْتِمالِهِ عِنْدَ وُقُوعِهِ ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ ويُقابِلُوهُ بِحُسْنِ الصَّبْرِ والثَّباتِ فَإنَّ هُجُومَ الأوْجالِ مِمّا يُزَلْزِلُ أقْدامَ الرِّجالِ والِاسْتِعْدادَ لِلْكُرُوبِ مِمّا يُهَوِّنُ الخُطُوبَ، وأصْلُ الِابْتِلاءِ: الِاخْتِبارُ، أيْ: تَطْلُبُ الخِبْرَةَ بِحالِ المُخْتَبَرِ بِتَعْرِيضِهِ لِأمْرٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ غالِبًَا مُلابَسَتُهُ ومُقارَفَتُهُ وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةً مِمّا لا وُقُوفَ لَهُ عَلى عَواقِبِ الأُمُورِ، وأمّا مِن جِهَةِ العَلِيمِ الخَبِيرِ فَلا يَكُونُ إلّا مَجازًَا مِن تَمْكِينِهِ لِلْعَبْدِ مِنِ اخْتِيارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ أوِ الأُمُورِ قَبْلَ أنْ يُرَتِّبَ عَلَيْهِ شَيْئًَا هو مِن مَبادِيهِ العادِيَّةِ كَما مَرَّ، والجُمْلَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَتُبْلَوُنَّ، أيْ: لَتُعامَلُنَّ مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ لِيَظْهَرَ ما عِنْدَكم مِنَ الثَّباتِ عَلى الحَقِّ والأعْمالِ الحَسَنَةِ وفائِدَةُ التَّوْكِيدِ إمّا تَحْقِيقُ مَعْنى الِابْتِلاءِ تَهْوِينًَا لِلْخَطْبِ، وإمّا تَحْقِيقُ وُقُوعِ المُبْتَلى بِهِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلى ما أُرِيدَ مِنهم مِنَ التَّهَيُّؤِ والِاسْتِعْدادِ.

﴿فِي أمْوالِكُمْ﴾ بِما يَقَعُ فِيها مِن ضُرُوبِ الآفاتِ المُؤَدِّيَةِ إلى هَلاكِها، وأمّا إنْفاقُها في سَبِيلِ الخَيْرِ مُطْلَقًَا فَلا يَلِيقُ نَظْمًَا في سِلْكِ الِابْتِلاءِ لِما أنَّهُ مِن بابِ الإضْعافِ لا مِن قَبِيلِ الإتْلافِ.

﴿وَأنْفُسِكُمْ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والجِراحِ وما يَرِدُ عَلَيْها مِن أصْنافِ المَتاعِبِ والمَخاوِفِ والشَّدائِدِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ الأمْوالِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الهَلَكَةِ فِيها.

﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوُا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ إيتائِكُمُ القرآن، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِمَدارِ الشِّقاقِ والإيذانِ بِأنَّ بَعْضَ ما يَسْمَعُونَهُ مِنهم مُسْتَنِدٌ عَلى زَعْمِهِمْ إلى الكِتابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ (p-124)اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ إلَخْ، والتَّصْرِيحُ بِالقَبْلِيَّةِ لِتَأْكِيدِ الإشْعارِ وتَقْوِيَةِ المَدارِ فَإنَّ قِدَمَ نُزُولِ كِتابِهِمْ مِمّا يُؤَيِّدُ تَمَسُّكَهم بِهِ.

﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ مِنَ الطَّعْنِ في الدِّينِ الحَنِيفِ والقَدْحِ في أحْكامِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وصَدِّ مَن أرادَ أنْ يُؤْمِنَ وتَخْطِئَةِ مَن آمَنَ وما كانَ مِن كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأضْرابِهِ مِن هِجاءِ المُؤْمِنِينَ وتَحْرِيضِ المُشْرِكِينَ عَلى مُضادَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ.

﴿وَإنْ تَصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى تِلْكَ الشَّدائِدِ والبَلْوى عِنْدَ وُرُودِها وتُقابِلُوها بِحُسْنِ التَّجَمُّلِ.

﴿وَتَتَّقُوا﴾ أيْ: تَتَبَتَّلُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ بِالمَرَّةِ بِحَيْثُ يَتَساوى عِنْدَكم وُصُولُ المَحْبُوبِ ولِقاءُ المَكْرُوهِ.

﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الصَّبْرِ والتَّقْوى وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِما وبُعْدِ مَنزِلَتِهِما، وتَوْحِيدُ حَرْفِ الخِطابِ إمّا بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالخِطابِ مُجَرَّدُ التَّنْبِيهِ مِن غَيْرِ مُلاحَظَةِ خُصُوصِيَّةِ أحْوالِ المُخاطَبِينَ.

﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ مِن مَعْزُوماتِها الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ أىْ مِمّا يُحِبُّ أنْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ لِما فِيهِ مِن كَمالِ المَزِيَّةِ والشَّرَفِ أوْ مِمّا عَزَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وأمَرَ بِهِ وبالَغَ فِيهِ، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ عَزْمَةٌ مِن عَزَماتِ اللَّهِ تَعالى لا بُدَّ أنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ واقِعٌ مَوْقِعَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَهو خَيْرٌ لَكم أوْ فافْعَلُوا أوْ فَقَدْ أحْسَنْتُمْ أوْ فَقَدْ أصَبْتُمْ فَإنَّ ذَلِكَ إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى صَبْرِ المُخاطَبِينَ وتَقْواهم فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ جَوابُ الشَّرْطِ، وفي إبْرازِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى في صُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ مِن إظْهارِ كَمالِ اللُّطْفِ بِالعِبادِ ما لا يَخْفى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском