Abu as-Su'udAli 'Imran · 3:191–196

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:191–196

3:191Page 75

ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١

Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ المَوْصُولُ إمّا مَوْصُولٌ بِـ"أُولِي الألباب" مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ كاشِفٌ لَهُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإمّا مَفْصُولٌ عَنْهُ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ هو القَوْلُ المُقَدَّرُ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا﴾ وفِيهِ مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ الجَلِيلِ ما لا يَخْفى. وأيًَّا ما كانَ فَقَدْ أُشِيرَ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ أنَّ (p-129)المُرادَ بِهِمُ الَّذِينَ لا يَغْفُلُونَ عَنْهُ تَعالى في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ لِاطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِذِكْرِهِ واسْتِغْراقِ سَرائِرِهِمْ في مُراقَبَتِهِ لِما أيْقَنُوا بِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فائِضٌ مِنهُ وعائِدٌ إلَيْهِ فَلا يُشاهِدُونَ حالًَا مِنَ الأحْوالِ في أنْفُسِهِمْ - وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ - ولا في الآفاقِ- وإلَيْهِ أُشِيرَ بِما بَعْدَهُ - إلّا وهم يُعايِنُونَ في ذَلِكَ شَأْنًَا مِن شُئُونِهِ تَعالى، فالمُرادُ بِهِ ذِكْرُهُ تَعالى مُطْلَقًَا سَواءً كانَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ الذّاتُ أوْ مِن حَيْثُ الصِّفاتُ والأفْعالُ وسَواءً قارَنَهُ الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ أوْ لا، وأمّا ما يُحْكى عَنِ ابْنِ عُمَرَ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وجَماعَةٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِن أنَّهم خَرَجُوا يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلّى فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ بَعْضُهُمْ: أما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ فَقامُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلى أقْدامِهِمْ فَلَيْسَ مُرادُهم بِهِ تَفْسِيرَ الآيَةِ وتَحْقِيقَ مِصْداقِها عَلى التَّعْيِينِ وإنَّما أرادُوا بِهِ التَّبَرُّكَ بِنَوْعِ مُوافَقَةٍ لَها في ضِمْنِ الإتْيانِ بِفَرْدٍ مِن أفْرادِ مَدْلُولِها، وأمّا حَمْلُ الذِّكْرِ عَلى الصَّلاةِ في هَذِهِ الأحْوالِ حَسَبَ الِاسْتِطاعَةِ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعِمْرانَ بْنِ الحُصَيْنِ: ﴿صَلِّ قائِمًَا فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ تُومِئُ إيماءً﴾ فَمِمّا لا يُساعِدُهُ سِباقُ النَّظْمِ الجَلِيلِ ولا سِياقُهُ، والقِيامُ والقُعُودُ جَمْعُ قائِمٍ وقاعِدٍ كَنِيامٍ ورُقُودٍ جَمْعِ نائِمٍ وراقِدٍ وانْتِصابُهُما عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ "يَذْكُرُونَ" أيْ: يَذْكُرُونَهُ قائِمِينَ وقاعِدِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الحالَيْنِ، أيْ: وكائِنِينَ عَلى جُنُوبِهِمْ، أيْ: مُضْطَجِعِينَ، والمُرادُ: تَعْمِيمُ الذِّكْرِ لِلْأوْقاتِ كَما مَرَّ، وتَخْصِيصُ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ بِالذِّكْرِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ الذِّكْرِ بِها بَلْ لِأنَّها الأحْوالُ المَعْهُودَةُ الَّتِي لا يَخْلُو عَنْها الإنْسانُ غالِبًَا.

﴿وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى "يَذْكُرُونَ" مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. وقِيلَ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ ولَيْسَ بِظاهِرٍ وهو بَيانٌ لِتَفَكُّرِهِمْ في أفْعالِهِ سُبْحانَهُ إثْرَ بَيانِ تَفَكُّرِهِمْ في ذاتِهِ تَعالى عَلى الإطْلاقِ وإشارَةٌ إلى نَتِيجَتِهِ الَّتِي يُؤَدِّي إلَيْها مِن مَعْرِفَةِ أحْوالِ المَعادِ حَسْبَما نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَةُ الرُّسُلِ وآياتُ الكُتُبِ فَكَما أنَّها آياتٌ تَشْرِيعِيَّةٌ هادِيَةٌ لِلْخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِهِ تَعالى ووُجُوبِ طاعَتِهِ، كَذَلِكَ المَخْلُوقاتُ آياتٌ تَكْوِينِيَّةٌ مُرْشِدَةٌ لَهم إلى ذَلِكَ فالأُولى مُنَبِّهاتٌ لَهم عَلى الثّانِيَةِ ودَواعٍ إلى الِاسْتِشْهادِ بِها كَهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ونَحْوِها مِمّا ورَدَ في مَواضِعَ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ مِنَ التَّنْزِيلِ، والثّانِيَةُ مُؤَيِّداتٌ لِلْأُولى وشَواهِدُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ مَضْمُونِها وحَقِّيَّةِ مَكْنُونِها فَإنَّ مَن تَأمَّلَ في تَضاعِيفِ خَلْقِ العالَمِ عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ قَضى بِاتِّصافِ خالِقِهِ تَعالى بِجَمِيعِ ما نَطَقَتْ بِهِ الرُّسُلُ والكُتُبُ مِنَ الوُجُوبِ الذّاتِيِّ والوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ والمُلْكِ القاهِرِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ الشّامِلِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ وحَكَمَ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشائِهِ بِلا مِثالٍ يَحْتَذِيهِ أوْ قانُونٍ يَنْتَحِيهِ فَهو عَلى إعادَتِهِ بِالبَعْثِ أقْدَرُ وحَكَمَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا لِحِكْمَةٍ باهِرَةٍ هي جَزاءُ المُكَلَّفِينَ بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِهِمِ المَنُوطِ بِأعْمالِهِمْ، أيْ: عُلُومِهِمْ واعْتِقاداتِهِمُ التّابِعَةِ لِأنْظارِهِمْ فِيما نُصِبَ لَهم مِنَ الحُجَجِ والدَّلائِلِ والأماراتِ والمَخايِلِ وسائِرِ أعْمالِهِمِ المُتَفَرِّعَةِ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِعَمَلِ الجَوارِحِ بَلْ مُتَناوِلٌ لِلْعَمَلِ القَلْبِيِّ بَلْ هو أشْرَفُ أفْرادِهِ لِما أنَّ لِكُلٍّ مِنَ القَلْبِ والقالَبِ عَمَلًَا خاصًَّا بِهِ ومِن قَضِيَّةِ كَوْنِ الأوَّلِ أشْرَفَ مِنَ الثّانِي كَوْنُ عَمَلِهِ أيْضًَا أشْرَفَ مِن عَمَلِهِ، كَيْفَ لا؟ ولا عَمَلَ بِدُونِ مَعْرِفَتِهِ تَعالى الَّتِي هي أوَّلُ الواجِباتِ عَلى العِبادِ والغايَةُ (p-130)القُصْوى مِنَ الخَلْقِ عَلى ما نَطَقَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أيْ: لِيَعْرِفُونِ، كَما أعْرَبَ عَنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿يَقُولُ اللَّهُ تَعالى كُنْتُ كَنْزًَا مَخْفِيًَّا فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِأُعْرَفَ﴾ وإنَّما طَرِيقُها النَّظَرُ والتَّفَكُّرُ فِيما ذَكَرَ مِن شُئُونِهِ تَعالى. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿لا تُفَضِّلُونِي عَلى يُونُسَ بْنِ مَتّى فَإنَّهُ كانَ يُرْفَعُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ عَمَلِ أهْلِ الأرْضِ﴾ قالُوا: وإنَّما كانَ ذَلِكَ التَّفَكُّرَ في أمْرِ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا عِبادَةَ مِثْلُ التَّفَكُّرِ﴾ وقَدْ عَرَفْتَ أنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لِتَحْقِيقِ ما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الحَقَّةُ وإلّا لَما فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًَا وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى» فَإنَّ التَّوَرُّعَ عَنْ مَحارِمِهِ سُبْحانَهُ مَوْقُوفٌ عَلى مَعْرِفَةِ الحَلالِ والحَرامِ المَنُوطَةِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ فَحِينَئِذٍ تَتَصادَقُ الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ وتَتَوافَقُ الأدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ والعَقْلِيَّةُ وهو السِّرُّ في نَظْمِ ما حُكِيَ عَنِ المُتَفَكِّرِينَ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَدْعِيَةِ لِلْإيمانِ بِالشَّرِيعَةِ في سِلْكِ نَتِيجَةِ تَفَكُّرِهِمْ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ، وإظْهارُ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ مَعَ كِفايَةِ الإضْمارِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِبَيانِ حالِهِمْ والإيذانِ بِكَوْنِ تَفَكُّرِهِمْ عَلى وجْهِ التَّحْقِيقِ والتَّفْصِيلِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِإدْراجِ اخْتِلافِ المَلَوَيْنِ في سِلْكِ التَّفَكُّرِ مَعَ ذِكْرِهِ فِيما سَلَفَ إمّا لِلْإيذانِ بِظُهُورِ انْدِراجِهِ فِيهِ لِما أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ التّابِعَةِ لِأحْوالِ السَّمَواتِ والأرْضِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وإمّا لِلْإشْعارِ بِمُسارَعَتِهِمْ إلى الحُكْمِ بِالنَّتِيجَةِ بِمُجَرَّدِ تَفَكُّرِهِمْ في بَعْضِ الآياتِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها في إثْباتِ المَطْلُوبِ، والخَلْقُ مَصْدَرٌ عَلى حالِهِ، أيْ: يَتَفَكَّرُونَ في إنْشائِهِما وإبْداعِهِما بِما فِيهِما مِن عَجائِبَ المَصْنُوعاتِ. وقِيلَ: بِمَعْنى المَخْلُوقِ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى "فِي" أيْ: يَتَفَكَّرُونَ فِيما خُلِقَ فِيهِما أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما أوْ بِطَرِيقِ الحُلُولِ فِيهِما أوْ عَلى أنَّها بَيانِيَّةٌ.

﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ كَلِمَةُ "هَذا" إشارَةٌ إلى السَّمَواتِ والأرْضِ مُتَضَمِّنَةٌ لِضَرْبٍ مِنَ التَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ والتَّذْكِيرُ لِما أنَّهُما بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ الخَلْقِ بِهِما في مَعْنى المَخْلُوقِ، و ﴿باطِلا﴾ إمّا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكَّدٍ مَحْذُوفٍ أوْ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: ما خَلَقْتَ هَذا المَخْلُوقَ البَدِيعَ العَظِيمَ الشَّأْنِ عَبَثًَا عارِيًَا عَنِ الحِكْمَةِ خالِيًَا عَنِ المَصْلَحَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ أوْضاعُ الغافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ المُعْرِضِينَ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيهِ بَلْ مُنْتَظِمًَا لِحِكَمٍ جَلِيلَةٍ ومَصالِحَ عَظِيمَةٍ مِن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ مَدارًَا لِمَعايِشِ العِبادِ ومَنارًَا يُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَةِ أحْوالِ المَبْدَإ والمَعادِ حَسْبَما أفْصَحَتْ عَنْهُ الرُّسُلُ والكُتُبُ الإلَهِيَّةُ كَما تَحَقَّقَتْهُ مُفَصَّلًَا والجُمْلَةُ بِتَمامِها في حَيِّزِ النَّصْبِ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولِ نَعْتًَا لِـ"أُولِي الألباب" اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِنَتِيجَةِ التَّفَكُّرِ ومَدْلُولِ الآياتِ ناشِئٌ مِمّا سَبَقَ فَإنَّ النَّفْسَ عِنْدَ سَماعِ تَخْصِيصِ الآياتِ المَنصُوبَةِ في خَلْقِ العالَمِ بِأُولِي الألباب ثُمَّ وصْفِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والتَّفَكُّرِ في مَحالِّ تِلْكَ الآياتِ تَبْقى مُتَرَقِّبَةً لِما يَظْهَرُ مِنهم مِن آثارِها وأحْكامِها كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ عِنْدَ تَفَكُّرِهِمْ في ذَلِكَ؟ وماذا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّتِيجَةِ؟ فَقِيلَ: يَقُولُونَ كَيْتَ وكَيْتَ مِمّا يُنْبِئُ عَنْ وُقُوفِهِمْ عَلى سِرِّ الخَلْقِ المُؤَدِّي إلى مَعْرِفَةِ صِدْقِ الرُّسُلِ وحَقِّيَّةِ الكُتُبِ النّاطِقَةِ بِتَفاصِيلِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي وقَفَتْ عَلَيْهِ هَذا، وأمّا جَعْلُهُ حالًَا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ فَمِمّا لا يُساعِدُهُ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِما أنَّ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما هو قَيْدٌ لَهُ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مِن مَبادِي (p-131)الحُكْمِ الَّذِي أُجْرِيَ عَلى المَوْصُولِ ودَواعِي ثُبُوتِهِ لَهُ، كَذِكْرِهِمُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ في خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ فَإنَّهُما مِمّا يُؤَدِّي إلى اجْتِلاءِ تِلْكَ الآياتِ والِاسْتِدْلالِ بِها عَلى المَطْلُوبِ، ولا رَيْبَ في أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ لَيْسَ مِن مَبادِي الِاسْتِدْلالِ المَذْكُورِ بَلْ مِن نَتائِجِهِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ فاعْتِبارُهُ قَيْدًَا لِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ نَعَمْ؛ هو حالٌ مِن ذَلِكَ، عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولِ مَرْفُوعًَا أوْ مَنصُوبًَا عَلى المَدْحِ أوْ مَرْفُوعًَا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ إذْ لا اشْتِباهَ في أنَّ قَوْلَهُمْ: ذَلِكَ مِن مَبادِي مَدْحِهِمْ ومَحاسِنِ مَناقِبِهِمْ، وفي إبْرازِ هَذا القَوْلِ في مَعْرِضِ الحالِ دُونَ الخَبَرِ إشْعارٌ بِمُقارَنَتِهِ لِتَفَكُّرِهِمْ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَرَدُّدٍ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ﴾ أيْ: تَنْزِيهًَا لَكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها خَلْقُ ما لا حِكْمَةَ فِيهِ، اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ومُمَهِّدٌ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ فَإنَّ مَعْرِفَةَ سِرِّ خَلْقِ العالَمِ وما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ والغايَةِ الحَمِيدَةِ والقِيامَ بِما تَقْتَضِيهِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ وتَنْزِيهَ الصّانِعِ تَعالى عَنِ العَبَثِ مِن دَواعِي الِاسْتِعاذَةِ مِمّا يَحِيقُ بِالمُخِلِّينَ بِذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: الوُقُوفُ عَلى تَحَقُّقِ العَذابِ فالفاءُ لِتَرْتِيبِ الدُّعاءِ عَلى ما ذُكِرَ، والثّانِي: الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ الدُّعاءِ فالفاءُ لِتَرْتِيبِ المَدْعُوِّ أعْنِي الوِقايَةَ عَلى ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ قَدْ عَرَفْنا سِرَّكَ وأطَعْنا أمْرَكَ ونَزَّهْناكَ عَمّا لا يَنْبَغِي فَقِنا عَذابَ النّارِ الَّذِي هو جَزاءُ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ.

3:192Page 75

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢

Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.

﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ مُبالَغَةٌ في اسْتِدْعاءِ الوِقايَةِ وبَيانٌ لِسَبَبِهِ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالنِّداءِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ والجُؤارِ وتَأْكِيدُها لِإظْهارِ كَمالِ اليَقِينِ بِمَضْمُونِها والإيذانِ بِشِدَّةِ الخَوْفِ، وإظْهارُ النّارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ أمْرِها وذِكْرُ الإدْخالِ في مَوْرِدِ العَذابِ لِتَعْيِينِ كَيْفِيَّتِهِ وتَبْيِينِ غايَةِ فَظاعَتِهِ. قالَ الواحِدِيُّ: لِلْإخْزاءِ مَعانٍ مُتَقارِبَةٌ يُقالُ أخْزاهُ اللَّهُ أيْ: أبْعَدَهُ. وقِيلَ: أهانَهُ. وقِيلَ: أهْلَكَهُ. وقِيلَ: فَضَحَهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخِزْيُ لُغَةً الهَلاكُ بِتَلَفٍ أوْ بِانْقِطاعِ حُجَّةٍ أوْ بِوُقُوعٍ في بَلاءٍ، والمَعْنى: فَقَدْ أخْزَيْتَهُ خِزْيًَا لا غايَةَ وراءَهُ كَقَوْلِهِمْ: مَن أدْرَكَ مَرْعى الصِّمانِ فَقَدْ أدْرَكَ أيِّ المَرْعى الَّذِي لا مَرْعى بَعْدَهُ، وفِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِفَظاعَةِ العَذابِ الرُّوحانِيِّ ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِإظْهارِ نِهايَةِ فَظاعَةِ حالِهِمْ بِبَيانِ خُلُودِ عَذابِهِمْ بِفُقْدانِ مَن يَنْصُرُهم ويَقُومُ بِتَخْلِيصِهِمْ، وغَرَضُهم تَأْكِيدُ الِاسْتِدْعاءِ ووَضْعُ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُدْخَلِينَ لِذَمِّهِمْ والإشْعارِ بِتَعْلِيلِ دُخُولِهِمُ النّارَ بِظُلْمِهِمْ ووَضْعِهِمُ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها، وجَمْعُ الأنْصارِ بِالنَّظَرِ إلى جَمْعِ الظّالِمِينَ، أيْ: ما لِظالِمٍ مِنَ الظّالِمِينَ نَصِيرٌ مِنَ الأنْصارِ، والمُرادُ بِهِ: مَن يَنْصُرُ بِالمُدافَعَةِ والقَهْرِ فَلَيْسَ في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالظّالِمِينَ هُمُ الكُفّارُ.

3:193Page 75

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣

Our Lord, indeed we have heard a caller [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die among the righteous.

﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ حِكايَةٌ لِدُعاءٍ آخَرَ لَهم مَبْنِيٍّ عَلى تَأمُّلِهِمْ في الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ بَعْدَ حِكايَةِ دُعائِهِمُ السّابِقِ المَبْنِيِّ عَلى التَّفَكُّرِ في الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ وتَصْدِيرُ مُقَدَّمَةِ الدُّعاءِ بِالنِّداءِ لِإظْهارِ كَمالِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ (p-132)والتَّأْكِيدُ لِلْإيذانِ بِصُدُورِ المَقالِ عَنْهم بِوُفُورِ الرَّغْبَةِ وكَمالِ النَّشاطِ، والمُرادُ بِالنِّداءِ الدُّعاءُ وتَعْدِيَتُهُما بِإلى لِتَضَمُّنِهِما مَعْنى الإنْهاءِ وبِاللّامِ لِاشْتِمالِهِما عَلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ، والمُرادُ بِالمُنادِي: الرَّسُولُ ﷺ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ وإيثارُهُ عَلى الدّاعِي لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ اعْتِنائِهِ بِشَأْنِ الدَّعْوَةِ وتَبْلِيغِها إلى الدّانِي والقاصِي لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، و"يُنادِي" صِفَةٌ لِ "مُنادِيًَا" عِنْدَ الجُمْهُورِ كَما في قَوْلِكَ: "سَمِعْتُ رَجُلًَا يَقُولُ كَيْتَ وكَيْتَ" ولَوْ كانَ مَعْرِفَةً لَكانَ حالًَا مِنهُ كَما إذا قُلْتَ: "سَمِعْتُ زَيْدًَا يَقُولُ إلَخْ" ومَفْعُولٌ ثانٍ لِـ"سَمِعْنا" عِنْدَ الفارِسِيِّ وأتْباعِهِ، وهَذا أُسْلُوبٌ بَدِيعٌ يُصارُ إلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ السَّماعِ والإيذانِ بِوُقُوعِهِ بِلا واسِطَةٍ عِنْدَ صُدُورِ المَسْمُوعِ عَنِ المُتَكَلِّمِ ولِلتَّوَسُّلِ إلى تَفْصِيلِهِ واسْتِحْضارِ صُورَتِهِ، وقَدِ اخْتُصَّ النَّظْمُ الكَرِيمُ بِمَزِيَّةٍ زائِدَةٍ عَلى ذَلِكَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ المَسْمُوعِ مِنهُ بِالمُنادِي ثُمَّ وصَفَ بِالنِّداءِ لِلْإيمانِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ: "سَمِعْتُ مُتَكَلِّمًَا يَتَكَلَّمُ بِالحِكْمَةِ" لِما أنَّ التَّفْسِيرَ بَعْدَ الإبْهامِ والتَّقْيِيدَ بَعْدَ الإطْلاقِ أوْقَعُ عِنْدَ النَّفْسِ وأجْدَرُ بِالقَبُولِ، وقِيلَ: المُنادِي: القرآن العَظِيمُ.

﴿أنْ آمِنُوا﴾ أيْ: آمِنُوا عَلى أنَّ "أنْ" تَفْسِيرِيَّةٌ أوْ بِـ"أنْ ﴿آمِنُوا"﴾ عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ.

﴿بِرَبِّكُمْ﴾ بِمالِكِكم ومُتَوَلِّي أُمُورِكم ومُبْلِغِكم إلى الكَمالِ، وفي إطْلاقِ الإيمانِ ثُمَّ تَقْيِيدِهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ.

﴿فَآمَنّا﴾ أيْ: فامْتَثَلْنا بِأمْرِهِ وأجَبْنا نِداءَهُ.

﴿رَبَّنا﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّضَرُّعِ وإظْهارٌ لِكَمالِ الخُضُوعِ وعَرْضٌ لِلِاعْتِرافِ بِرُبُوبِيَّتِهِ مَعَ الإيمانِ بِهِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ لِتَرْتِيبِ المَغْفِرَةِ أوِ الدُّعاءِ بِها عَلى الإيمانِ بِهِ تَعالى والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن دَواعِي المَغْفِرَةِ والدُّعاءِ بِها.

﴿ذُنُوبَنا﴾ أيْ: كَبائِرَها فَإنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ.

﴿وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ أيْ: صَغائِرَنا، فَإنَّها مُكَفَّرَةٌ عَنْ مُجْتَنِبِ الكَبائِرِ.

﴿وَتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ أيْ: مَخْصُوصِينَ بِصُحْبَتِهِمْ مُغْتَنِمِينَ لِجِوارِهِمْ مَعْدُودِينَ مِن زُمْرَتِهِمْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا يُحِبُّونَ لِقاءَ اللَّهِ ومَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، و"الأبْرارُ" جَمْعُ بارٍّ أوْ بَرٍّ كَأصْحابٍ وأرْبابٍ.

3:194Page 75

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤

Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."

﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ حِكايَةٌ لِدُعاءٍ آخَرَ لَهم مَسْبُوقٍ بِما قَبْلَهُ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ لِتَأخُّرِ التَّحْلِيَةِ عَنِ التَّخْلِيَةِ وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِما مَرَّ مِرارًَا، والمُرادُ بِالمَوْعُودِ: الثَّوابُ، و"عَلى" إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِالوَعْدِ كَما في قَوْلِكَ: "وَعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلى الطّاعَةِ" أيْ: وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُؤَكَّدٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وعَدْتَنا وعْدًَا كائِنًَا عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ مُنَزَّلًَا عَلى رُسُلِكَ أوْ مَحْمُولًَا عَلى رُسُلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ تَقْدِيرَ الأفْعالِ الخاصَّةِ في مِثْلِ هَذِهِ المَواقِعِ تَعَسُّفٌ، وجَمْعُ الرُّسُلِ مَعَ أنَّ المُنادِيَ هو الرَّسُولُ ﷺ وحْدَهُ لِما أنَّ دَعْوَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لاسِيَّما في بابِ التَّوْحِيدِ وما أجْمَعَ عَلَيْهِ الكُلُّ مِنَ الشَّرائِعِ مُنْطَوِيَةٌ عَلى دَعْوَةِ الكُلِّ، فَتَصْدِيقُهُ تَصْدِيقٌ لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَيْفَ لا؟ وقَدْ أُخِذَ مِنهُمُ المِيثاقُ بِالإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ﴾ الآيَةِ وكَذا المَوْعُودُ عَلى لِسانِهِ مِنَ الثَّوابِ مَوْعُودٌ عَلى ألْسِنَةِ الكُلِّ، وإيثارُ الجَمْعِ لِإظْهارِ كَمالِ الثِّقَةِ بِإنْجازِ المَوْعُودِ بِناءً عَلى كَثْرَةِ الشُّهُودِ.

﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قَصَدُوا بِذَلِكَ تَذْكِيرَ وعْدِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مُظْهِرِينَ أنَّهم مِمَّنْ آمَنَ مَعَهُ رَجاءً لِلِانْتِظامِ في سِلْكِهِمْ يَوْمَئِذٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَحْقِيقِ ما نَظَمُوا في سِلْكِ الدُّعاءِ، وهَذِهِ الدَّعَواتُ وما في تَضاعِيفِها مِن كَمالِ الضَّراعَةِ (p-133)والِابْتِهالِ لَيْسَتْ لِخَوْفِهِمْ مِن إخْلافِ المِيعادِ بَلْ لِخَوْفِهِمْ مِن أنْ لا يَكُونُوا مِن جُمْلَةِ المَوْعُودِينَ بِتَغَيُّرِ الحالِ وسُوءِ الخاتِمَةِ والمَآلِ فَمَرْجِعُها إلى الدُّعاءِ بِالتَّثْبِيتِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعَبُّدِ والخُشُوعِ، والمِيعادُ: الوَعْدُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ. وفي الآثارِ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: مَن حَزَبَهُ أمْرٌ فَقالَ: "رَبَّنا" خَمْسَ مَرّاتٍ أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ وأعْطاهُ ما أرادَ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

3:195Page 76

فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥

And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allāh, and Allāh has with Him the best reward."

﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ الِاسْتِجابَةُ بِمَعْنى الإجابَةِ، وقالَ تاجُ القُرّاءِ: الإجابَةُ عامَّةٌ والِاسْتِجابَةُ خاصَّةٌ بِإعْطاءِ المَسْؤُولِ، وتَتَعَدّى بِاللّامِ وبِنَفْسِها كَما في قَوْلِهِ:

فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

وَهُوَ عَطْفٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ المُقَدَّرِ فِيما سَلَفَ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما في حَيِّزِهِ مِنَ الأدْعِيَةِ كَما أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إلَخْ عَطْفٌ عَلى قِيلَ* المُقَدَّرِ قَبْلَ الآنَ، أيْ: قِيلَ: لَهم آلآنَ آمَنتُمْ بِهِ، ثُمَّ قِيلَ الآيَةُ، وكَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ قِيلَ: يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ونَطْبَعُ إلَخْ ولا ضَيْرَ في اخْتِلافِهِما صِيغَةً لِما أنَّ صِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ هُناكَ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ المُناسِبِ لِمَقامِ الدُّعاءِ، وصِيغَةُ الماضِي هَهُنا لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِ الِاسْتِجابَةِ وتَقَرُّرِها كَما لا ضَيْرَ في الِاخْتِلافِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ كَما سَيَأْتِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًَا عَلى مُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، أيْ: دَعَوْا بِهَذِهِ الأدْعِيَةِ فاسْتَجابَ إلَخْ وأمّا عَلى تَقْرِيرِ كَوْنِ المُقَدَّرِ حالًَا فَهو عَطْفٌ عَلى ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ بِاعْتِبارِ مُقارَنَتِهِ لِما وقَعَ حالًَا مِن فاعِلِهِ -أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: رَبَّنا رَبَّنا إلَخْ - فَإنَّ الِاسْتِجابَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى دَعَواتِهِمْ لا عَلى مُجَرَّدِ تَفَكُّرِهِمْ وحَيْثُ كانَتْ هي مِن أوْصافِهِمُ الجَمِيلَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أعْمالِهِمْ بِالآخِرَةِ اسْتَحَقَّتِ الانْتِظامَ في سِلْكِ مَحاسِنِهِمُ المَعْدُودَةِ في أثْناءِ مَدْحِهِمْ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولِ نَعْتًَا لِـ"أُولِي الألباب" فَلا مَساغَ لِهَذا العَطْفِ أصْلًَا لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ حَقَّ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ أنْ يَكُونَ مِن مَبادِي جَرَيانِ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ دَعَواتِهِمُ السّابِقَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَأيْنَ الِاسْتِجابَةُ المُتَأخِّرَةُ عَنْها؟، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ مِن تَشْرِيفِهِمْ وإظْهارِ اللُّطْفِ بِهِمْ ما لا يَخْفى.

﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ: بِأنِّي، وهَكَذا قَرَأ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم بِسَبَبٍ لِأنَّهُ لا يُضَيِّعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنهُمْ، أيْ: سُنَّتُهُ السَّنِيَّةُ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى ذَلِكَ، والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ والخِطابِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الِاسْتِجابَةِ وتَشْرِيفِ الدّاعِينَ بِشَرَفِ الخِطابِ، والمُرادُ تَأْكِيدُها بِبَيانِ سَبَبِها والإشْعارُ بِأنَّ مَدارَها أعْمالُهُمُ الَّتِي قَدَّمُوها عَلى الدُّعاءِ لا مُجَرَّدُ الدُّعاءِ، وتَعْمِيمُ الوَعْدِ لِسائِرِ العامِلِينَ وإنْ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَةَ أُولِي الألباب لِتَأْكِيدِ اسْتِجابَةِ الدَّعَواتِ المَذْكُورَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ بِالإضاعَةِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِإضاعَةٍ حَقِيقِيَّةٍ إذِ الأعْمالُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَلْزَمَ مِن تَخَلُّفِهِ (p-134)عَنْها ضَياعُها لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ وإبْرازِ الإثابَةِ في مَعْرِضِ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: قائِلًَا إنِّي إلَخْ فَلا التِفاتَ حِينَئِذٍ. وقُرِئَ "لا أُضَيِّعُ" بِالتَّشْدِيدِ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ "عامِلٍ"، أيْ: عامِلٍ كائِنٍ مِنكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيانٌ لِعامِلٍ وتَأْكِيدٌ لِعُمُومِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِسَبَبِ انْتِظامِ النِّساءِ في سِلْكِ الرِّجالِ في الوَعْدِ، فَإنَّ كَوْنَ كُلٍّ مِنهُما مِنَ الآخَرِ لِتَشَعُّبِهِما مِن أصْلٍ واحِدٍ أوْ لِفَرْطِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما أوْ لِاتِّفاقِهِما في الدِّينِ والعَمَلِ مِمّا يَسْتَدْعِي الشَّرِكَةَ والِاتِّحادَ في ذَلِكَ.

رُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنِّي أسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَذْكُرُ الرِّجالَ في الهِجْرَةِ ولا يَذْكُرُ النِّساءَ فَنَزَلَتْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ ضَرْبُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في العَمَلِ وتَعْدادٌ لِبَعْضِ أحاسِنِ أفْرادِهِ عَلى وجْهِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ، أيْ: فالَّذِينَ هاجَرُوُا الشِّرْكَ أوِ الأوْطانَ والعَشائِرَ لِلدِّينِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ عَلى الأوَّلِ عِبارَةٌ عَنْ نَفْسِ الهِجْرَةِ وعَلى الثّانِي عَنْ كَيْفِيَّتِها وكَوْنِها بِالقَسْرِ والِاضْطِرارِ.

﴿وَأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ أيْ: بِسَبَبِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ ومِن أجْلِهِ، وهو مُتَناوِلٌ لِكُلِّ أذِيَّةٍ نالَتْهم مِن قِبَلِ المُشْرِكِينَ.

﴿وَقاتَلُوا﴾ أيِ: الكُفّارَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

﴿وَقُتِلُوا﴾ اسْتُشْهِدُوا في القِتالِ. وقُرِئَ بِالعَكْسِ لِما أنَّ الواوَ لا تَسْتَدْعِي التَّرْتِيبَ أوْ لِأنَّ المُرادَ: قَتْلُ بَعْضِهِمْ وقِتالُ آخَرِينَ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى اتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَوْصُولِ المَذْكُورِ بِكُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ بَلْ عَلى اتِّصافِ الكُلِّ بِالكُلِّ في الجُمْلَةِ سَواءً كانَ ذَلِكَ بِاتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ المَوْصُولِ بِواحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ أوْ بِاثْنَيْنِ مِنها أوْ بِأكْثَرَ إمّا بِطَرِيقِ التَّوْزِيعِ أوْ بِطَرِيقِ حَذْفِ بَعْضِ المَوْصُولاتِ مِنَ البَيْنِ كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، كَيْفَ لا؟ ولَوْ أُدِيرَ الحُكْمُ عَلى اتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ بِالكُلِّ لَكانَ قَدْ أُضِيعَ عَمَلُ مَنِ اتَّصَفَ بِالبَعْضِ. وقُرِئَ "وَقُتِّلُوا" بِالتَّشْدِيدِ.

﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَأُكَفِّرَنَّ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الَّذِي هو المَوْصُولُ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِوَعْدِ ما سَألَهُ الدّاعُونَ بِخُصُوصِهِ بَعْدَ ما وعَدَ ذَلِكَ عُمُومًَا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَبَّرَ عَنْهُ الدّاعُونَ فِيما قَبْلُ بِقَوْلِهِمْ: "وَآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ" وتَفْسِيرٌ لَهُ.

﴿ثَوابًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ وإدْخالَ الجَنَّةِ في مَعْنى الإثابَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ مُبَيِّنَةٌ لِشَرَفِهِ، أيْ: لَأُثِيبَنَّهم إثابَةً كائِنَةً أوْ تَثْوِيبًَا كائِنًَا مِن عِنْدِهِ تَعالى بالِغًَا إلى المَرْتَبَةِ القاصِيَةِ مِنَ الشَّرَفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ عِنْدَهُ و"حُسْنُ الثَّوابِ" مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ أوْ هو مُبْتَدَأٌ ثانٍ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الأوَّلِ والعِنْدِيَّةُ عِبارَةٌ عَنِ الاخْتِصاصِ بِهِ تَعالى مِثْلِ كَوْنِهِ بِقدرته تعالى وفَضْلِهِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِحالِ شَيْءٍ يَكُونُ بِحَضْرَةِ أحَدٍ لا يَدَ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، فالِاخْتِصاصُ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّمْثِيلِ سَواءً جُعِلَ "عِنْدَهُ" خَبَرًَا مُقَدَّمًَا لِـ"حُسْنُ الثَّوابِ" أوْ لا، وفي تَصْدِيرِ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِعَدَمِ إضاعَةِ العَمَلِ ثُمَّ تَعْقِيبِهِ بِمِثْلِ هَذا الإحْسانِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُهُ مِن لُطْفِ المَسْلَكِ المُنْبِئِ عَنْ عِظَمِ شَأْنِ المُحْسِنِ ما لا يَخْفى.

3:196Page 76

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١٩٦

Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.

(p-135)﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ بَيانٌ لِقُبْحِ ما أُوتِيَ الكَفَرَةُ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا وكَشْفٌ عَنْ حَقارَةِ شَأْنِها وسُوءِ مَغَبَّتِها إثْرَ بَيانِ حُسْنِ ما أُوتِيَ المُؤْمِنُونَ مِنَ الثَّوابِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّ المُرادَ تَثْبِيتُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ أوْ عَلى أنَّ المُرادَ نَهْيُ المُؤْمِنِينَ، كَما يُوَجَّهُ الخِطابُ إلى مَدارِهِ القَوْمِ ورُؤَسائِهِمْ والمُرادُ: أفْناؤُهم أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والنَّهْيُ لِلْمُخاطَبِ وإنَّما جُعِلَ لِلتَّقَلُّبِ مُبالَغَةً، أيْ: لا تَنْظُرْ إلى ما عَلَيْهِ الكَفَرَةُ مِنَ السَّعَةِ ووُفُورِ الحَظِّ ولا تَغْتَرَّ بِظاهِرِ ما تَرى مِنهم مِنَ التَّبَسُّطِ في المَكاسِبِ والمَتاجِرِ والمَزارِعِ.

رُوِيَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَرَوْنَ المُشْرِكِينَ في رَخاءٍ ولِينِ عَيْشٍ فَيَقُولُونَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجَهْدِ فَنَزَلَتْ. وقُرِئَ "وَلا يَغُرَّنْكَ" بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском