Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
فاطر
Fatir
Originator · Meccan · 45 ayahs
35:1Page 434
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١
[All] praise is [due] to Allāh, Creator of the heavens and the earth, [who] made the angels messengers having wings, two or three or four. He increases in creation what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.
(p-141)(سُورَةُ فاطِرٍ مَكِّيَّةٌ، وهى خَمْسٌ وأرْبَعُونَ آيَةً)
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُبْدِعِهُما مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ، ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ مِنَ الفَطْرِ، وهو الشَّقُّ، وقِيلَ: الشَّقُّ طُولًا، كَأنَّهُ شَقَّ العَدَمَ بِإخْراجِهِما مِنهُ، وإضافَتُهُ مَحْضَةٌ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الماضِي، فَهو نَعْتٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ، ومَن جَعَلَها غَيْرَ مَحْضَةٍ جَعَلَهُ بَدَلًا مِنهُ، وهو قَلِيلٌ في المُشْتَقِّ ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ﴾ الكَلامُ في إضافَتِهِ وكَوْنِهِ نَعْتًا أوْ بَدَلًا كَما قَبْلَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلا﴾ مَنصُوبٌ بِهِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ الإضافَةِ بِالِاتِّفاقِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الكِسائِيِّ، وأمّا عِنْدُ البَصْرِيِّينَ فَبِمُضْمَرٍ يَدُلُّ هو عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الماضِي لا يَعْمَلُ عِنْدَهم إلّا مُعَرَّفًا بِاللّامِ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ السِّيرافِيُّ: اسْمُ الفاعِلِ المُتَعَدِّي إلى اثْنَيْنِ يَعْمَلُ في الثّانِي؛ لِأنَّ بِإضافَتِهِ إلى الأوَّلِ تَعَذَّرَتْ إضافَتُهُ إلى الثّانِي، فَتَعَيَّنَ نَصْبُهُ لَهُ، وعَلَّلَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِأنَّهُ بِالإضافَةِ أشْبَهَ المُعَرَّفَ بِاللّامِ فَعَمِلَ عَمَلَهُ.
وَقُرِئَ: (جاعِلٌ) بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ، وقُرِئَ: (الَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ المَلائِكَةَ) أيْ: جاعِلُهم وسائِطَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ أنْبِيائِهِ، والصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ، يُبَلِّغُونَ إلَيْهِمْ رِسالاتِهِ بِالوَحْيِ والإلْهامِ والرُّؤْيا الصّادِقَةِ، أوْ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ خَلْقِهِ أيْضًا حَيْثُ يُوَصِّلُونَ إلَيْهِمْ آثارَ قدرته وصُنْعِهِ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الجَعْلِ تَصْيِيرِيًّا، أمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ إبْداعِيًّا فَـ"رُسُلًا" نُصِبَ عَلى الحالِيَّةِ، وقُرِئَ: (رُسْلًا) بِسُكُونِ السِّينِ.
﴿أُولِي أجْنِحَةٍ﴾ صِفَةٌ لِـ"رُسُلًا"، و"أُولُو" اسْمُ جَمْعٍ لِذُو، كَما أنَّ أُولاءِ اسْمٌ لِذا، ونَظِيرُهُما في الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ المَخاضُ والخِلْفَةُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ صِفاتٌ لِـ"أجْنِحَةٍ" أيْ: ذَوِي أجْنِحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَفاوِتَةٍ في العَدَدِ حَسَبَ تَفاوُتِ ما لَهم مِنَ المُتَراتِبِ يَنْزِلُونَ بِها ويَعْرُجُونَ، أوْ يُسْرِعُونَ بِها، والمَعْنى أنَّ مِنَ المَلائِكَةِ خَلْقًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَناحانِ، وخَلْقًا أجْنِحَةُ كُلٍّ مِنهم ثَلاثَةٌ، وخَلْقًا آخَرَ لِكُلٍّ مِنهم أرْبَعَةُ أجْنِحَةٍ.
وَيُرْوى أنَّ صِنْفًا مِنَ المَلائِكَةِ لَهم سِتَّةُ أجْنِحَةٍ، بِجَناحَيْنِ مِنها يُلْقُونَ أجْسادَهُمْ، وبِآخَرَيْنِ مِنها يَطِيرُونَ فِيما أُمِرُوا بِهِ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وجَناحانِ مِنها مَرْخِيّانِ عَلى وُجُوهِهِمْ حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْلَةَ المِعْراجِ، ولَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ،» ورُوِيَ «أنَّهُ سَألَهُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - أنْ يَتَراءى لَهُ في صُورَتِهِ، فَقالَ: إنَّكَ لَنْ تُطِيقَ ذَلِكَ، قالَ: «إنِّي أُحِبُّ أنْ تَفْعَلَ» فَخَرَجَ ﷺ في لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - في صُورَتِهِ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ ﷺ ثُمَّ أفاقَ، وجِبْرِيلُ مُسْنِدُهُ، وإحْدى يَدْيِهِ عَلى صَدْرِهِ، والأُخْرى بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ما كُنْتُ أرى أنَّ شَيْئًا مِنَ الخَلْقِ هَكَذا، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتَ (p-142)إسْرافِيلَ، لَهُ اثْنا عَشَرَ جَناحًا، جَناحٌ مِنها بِالمَشْرِقِ، وجَناحٌ مِنها بِالمَغْرِبِ، وإنَّ العَرْشَ عَلى كاهِلِهِ، وإنَّهُ لِيَتَضاءَلُ الأحايِينَ لِعَظَمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - حَتّى يَعُودَ مِثْلَ الوَصَعِ،» وهو العُصْفُورُ الصَّغِيرُ.
﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن تَفاوُتِ أحْوالِ المَلائِكَةِ في عَدَدِ الأجْنِحَةِ، ومُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن أحْكامِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لا لِأمْرٍ راجِعٍ إلى ذَواتِهِمْ بِبَيانِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ ناطِقٍ بِأنَّهُ تَعالى يَزِيدُ في أيِ خَلْقٍ كانَ كُلَّ ما يَشاءُ أنْ يَزِيدَهُ بِمُوجِبِ مَشِيئَتِهِ، ومُقْتَضى حِكْمَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يُحِيطُ بَها الوَصْفُ.
وَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن تَخْصِيصِ بَعْضِ المَعانِي بِالذِّكْرِ مِنَ الوَجْهِ الحَسَنِ، والصَّوْتِ الحَسَنِ، والشَّعْرِ الحَسَنِ فَبَيانٌ لِبَعْضِ المَوادِّ المَعْهُودَةِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ لا بِطَرِيقِ الحَصْرِ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ فَإنَّ شُمُولِ قدرته تعالى لِجَمِيعِ الأشْياءِ مِمّا يُوجِبُ قدرته تعالى عَلى أنْ يَزِيدَ كُلَّ ما يَشاؤُهُ إيجابًا بَيِّنًا.
35:2Page 434
مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢
Whatever Allāh grants to people of mercy - none can withhold it; and whatever He withholds - none can release it thereafter. And He is the Exalted in Might, the Wise.
﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ عَبَّرَ عَنْ إرْسالِها بِالفَتْحِ إيذانًا بِأنَّها أنْفَسُ الخَزائِنِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ وأعَزُّها مَنالًا، وتَنْكِيرُها لِلْإشاعَةِ والإبْهامِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَفْتَحُ اللَّهُ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ - أيَّةَ رَحْمَةٍ كانَتْ مِن نِعْمَةٍ وصِحَّةٍ وأمْنٍ وعِلْمٍ وحِكْمَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحاطُ بِهِ - ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ أيْ: لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى إمْساكِها ﴿وَما يُمْسِكْ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُمْسِكْ ﴿فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ أيْ: لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى إرْسالِهِ، واخْتِلافُ الضَّمِيرَيْنِ لِما أنَّ مَرْجِعَ الأوَّلِ مُفَسَّرٌ بِالرَّحْمَةِ، ومَرْجِعَ الثّانِي مُطْلَقٌ يَتَناوَلُها وغَيْرَها كائِنًا ما كانَ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إمْساكِهِ ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الفَتْحُ والإمْساكُ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها، ومُعْرِبٌ عَنْ كَوْنِ كُلٍّ مِنَ الفَتْحِ والإمْساكِ بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ التَّكْوِينِ.
وَبَعْدَما بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ المُوجِدُ لِلْمُلْكِ والمَلَكُوتِ، والمُتَصَرِّفُ فِيهِما بِالقَبْضِ والبَسْطِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ في ذَلِكَ دَخْلٌ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ أمْرَ النّاسِ قاطِبَةً - أوْ أهْلَ مَكَّةَ خاصَّةً بِشُكْرِ نِعَمِهِ، فَقالَ:
35:3Page 434
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣
O mankind, remember the favor of Allāh upon you. Is there any creator other than Allāh who provides for you from the heaven and earth? There is no deity except Him, so how are you deluded?
﴿يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: إنْعامَهُ عَلَيْكم إنْ جُعِلَتِ النِّعْمَةُ مَصْدَرًا، أوْ كائِنَةً عَلَيْكم إنْ جُعِلَتِ اسْمًا، أيْ: راعُوها واحْفَظُوها بِمَعْرِفَةِ حَقِّها، والِاعْتِرافِ بِها، وتَخْصِيصُ العِبادَةِ والطّاعَةِ بِمُوَلِّيها، ولَمّا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى - مَعَ تَشَعُّبِ فُنُونِها - مُنْحَصِرَةً في نِعْمَةِ الإيجادِ، ونِعْمَةِ الإبْقاءِ نَفى أنْ يَكُونَ في الوُجُودِ شَيْءٌ غَيْرُهُ تَعالى يَصْدُرُ عَنْهُ إحْدى النِّعْمَتَيْنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المُنادِي بِاسْتِحالَةِ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِنَعَمْ، فَقالَ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ؟ أيْ: هَلْ خالِقٌ مُغايِرٌ لَهُ تَعالى مَوْجُودٌ، عَلى أنَّ (خالِقٍ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، زِيدَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ "مِن" لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، و"غَيْرِ اللَّهِ" نَعْتٌ لَهُ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ، كَما أنَّهُ نَعْتٌ لَهُ في قِراءَةِ الجَرِّ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وقُرِئَ (p-143)بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ - أيْ: بِالمَطَرِ والنَّباتِ - كَلامٌ مُبْتَدَأٌ عَلى التَّقادِيرِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، داخِلٌ مِن حَيِّزِ النَّفْيِ والإنْكارِ، ولا مَساغَ لِما قِيلَ مِن أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِـ(خالِقٍ) مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ أوْ مَجْرُورَتُهُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ نَفْيُ وُجُودِ خالِقٍ مَوْصُوفٍ بِوَصْفَيِ المُغايَرَةِ والرّازِقِيَّةِ مَعًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ وُجُودِ ما اتَّصَفَ بِالمُغايَرَةِ فَقَطْ، ولا لِما قِيلَ مِن أنَّهُ الخَبَرُ لِلْمُبْتَدَأِ، ولا لِما قِيلَ مِن أنَّهُ مُفَسِّرٌ لِمُضْمَرٍ ارْتَفَعَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: "مِن خالِقٍ" عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيْ: (هَلْ يَرْزُقُكم مِن خالِقٍ ... إلَخْ) لِما أنَّ مَعْناهُما نَفْيُ رازِقِيَّةِ خالِقٍ مُغايِرٍ لَهُ تَعالى مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ وُجُودِهِ رَأْسًا مَعَ أنَّهُ المُرادُ حَتْمًا، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِنهُ قَصْدًا، وجارٍ مَجْرى الجَوابِ عَمّا يُوهِمُهُ الِاسْتِفْهامُ صُورَةً، فَحَيْثُ كانَ هَذا ناطِقًا بِنَفْيِ الوُجُودِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أيْضًا كَذَلِكَ قَطْعًا، و"الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ عُدُولِهِمْ عَنِ التَّوْحِيدِ إلى الإشْراكِ عَلى ما قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا تَبَيَّنَ تَفَرُّدُهُ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ والخالِقِيَّةِ والرّازِقِيَّةِ فَمِن أيِّ وجْهٍ تُصْرَفُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ إلى الشِّرْكِ؟
وَقَوْلُهُ تَعالى:
35:4Page 435
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤
And if they deny you, [O Muḥammad] - already were messengers denied before you. And to Allāh are returned [all] matters.
﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ خِطابَيِ النّاسِ؛ مُسارِعَةً إلى تَسْلِيَتِهِ ﷺ بِعُمُومِ البَلِيَّةِ أوَّلًا، والإشارَةِ إلى الوَعْدِ والوَعِيدِ ثانِيًا، أيْ: وإنِ اسْتَمَرُّوا عَلى أنْ يُكَذِّبُوكَ فِيما بَلَّغْتَ إلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ المُبِينِ بَعْدَما أقَمْتَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ وألْقَمْتَهُمُ الحَجَرَ فَتَأسَّ بِأُولَئِكَ الرُّسُلِ في المُصابَرَةِ عَلى ما أصابَهم مِن قِبَلِ قَوْمِهِمْ، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ ما ذُكِرَ؛ اكْتِفاءً بِذِكْرِ السَّبَبِ عَنْ ذِكْرِ المُسَبَّبِ، وتَنْكِيرُ الرُّسُلِ لِلتَّفْخِيمِ المُوجِبِ لِمَزِيدِ التَّسْلِيَةِ، والتَّوَجُّهِ إلى المُصابَرَةِ، أيْ: رُسُلٌ أُولُو شَأْنٍ خَطِيرٍ، وذَوُو عَدَدٍ كَثِيرٍ.
﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِي كُلًّا مِنكَ ومِنهم بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها صَبْرُكَ وتَكْذِيبُهُمْ، وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ اخْتِصاصِ المَرْجِعِ بِاللَّهِ تَعالى مَعَ إبْهامِ الجَزاءِ ثَوابًا وعِقابًا مِنَ المُبالَغَةِ في الوَعْدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى، وقُرِئَ: (تَرْجِعُ) بِفَتْحِ التّاءِ مِنَ الرُّجُوعِ، والأوَّلُ أدْخَلَ في التَّهْوِيلِ.
35:5Page 435
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٥
O mankind, indeed the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].
﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ رُجُوعٌ إلى خِطابِهِمْ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِتَأْكِيدِ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ المُشارَ إلَيْهِ بِرَجْعِ الأُمُورِ إلَيْهِ تَعالى مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ﴿حَقٌّ﴾ ثابِتٌ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ خُلْفٍ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ بِأنْ يُذْهِلَكُمُ التَّمَتُّعُ بِمَتاعِها، ويُلْهِيَكُمُ التَّلَهِّي بِزَخارِفِها عَنْ تَدارُكِ ما يُهِمُّكم يَوْمَ حُلُولِ المِيعادِ، والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ الِاغْتِرارِ بِها، وإنْ تَوَجَّهَ النَّهْيُ صُورَةً إلَيْها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي﴾، ﴿وَلا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ﴾ وعَفْوِهِ وكَرَمِهِ تَعالى ﴿الغَرُورُ﴾ أيِ: المُبالِغُ في الغُرُورِ، وهو الشَّيْطانُ، بِأنْ يُمَنِّيَكُمُ المَغْفِرَةَ مَعَ الإصْرارِ عَلى المَعاصِي قائِلًا: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَإنَّ ذَلِكَ - وإنْ أمْكَنَ - لَكِنْ تَعاطِي الذُّنُوبِ بِهَذا التَّوَقُّعِ مِن قَبِيلِ تَناوُلِ السُّمِّ تَعْوِيلًا عَلى دَفْعِ الطَّبِيعَةِ، وتَكْرِيرُ فِعْلِ النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ، ولِاخْتِلافِ الغَرُورَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ، وقُرِئَ: (الغُرُورُ) بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ جَمْعُ غارٍ كَقُعُودٍ جَمْعِ قاعِدٍ.
35:6Page 435
إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦
Indeed, Satan is an enemy to you; so take him as an enemy. He only invites his party to be among the companions of the Blaze.
(p-144)﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ عَداوَةً قَدِيمَةً لا تَكادُ تَزُولُ، وتَقْدِيمُ "لَكُمْ" لِلِاهْتِمامِ بِهِ ﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ بِمُخالَفَتِكم لَهُ في عَقائِدِكم وأفْعالِكم وكَوْنِكم عَلى حَذَرٍ مِنهُ في مَجامِعِ أحْوالِكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ تَقْرِيرٌ لِعَداوَتِهِ، وتَحْذِيرٌ مِن طاعَتِهِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ غَرَضَهُ في دَعْوَةِ شِيعَتِهِ إلى اتِّباعِ الهَوى، والرُّكُونِ إلى مَلاذِ الدُّنْيا لَيْسَ تَحْصِيلَ مَطالِبِهِمْ ومَنافِعِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ - كَما هو مَقْصِدُ المُتَحابِّينَ في الدُّنْيا عِنْدَ سَعْيِ بَعْضِهِمْ في حاجَةِ بَعْضٍ - بَلْ هو تَوْرِيطُهم وإلْقاؤُهم في العَذابِ المُخَلَّدِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.
35:7Page 435
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٌ ٧
Those who disbelieve will have a severe punishment, and those who believe and do righteous deeds will have forgiveness and great reward.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وإجابَتِهِمْ لِدَعْوَةِ الشَّيْطانِ، واتِّباعِهِمْ لِخُطُواتِهِ ﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، مَدِيدٌ لا يُبْلَغُ مَداهُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ عَداوَةُ الشَّيْطانِ ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿وَأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ غايَةٌ لَهُما.
35:8Page 435
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٨
Then is one to whom the evil of his deed has been made attractive so he considers it good [like one rightly guided]? For indeed, Allāh sends astray whom He wills and guides whom He wills. So do not let yourself perish over them in regret. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.
﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ إمّا تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ بَيْنَ عاقِبَتَيِ الفَرِيقَيْنِ بِبَيانِ تَبايُنِ حالَيْهِما المُؤَدِّيَيْنِ إلى تَيْنِكَ العاقِبَتَيْنِ، و"الفاءُ" لِإنْكارِ تَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ: أبَعْدَ كَوْنِ حالَيْهِما كَما ذُكِرَ يَكُونُ مَن زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ مِن جِهَةِ الشَّيْطانِ فانْهَمَكَ فِيهِ كَمَنِ اسْتَقْبَحَهُ واجْتَنَبَهُ واخْتارَ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ حَتّى لا تَكُونَ عاقِبَتاهُما كَما ذُكِرَ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ﴾ ... إلَخْ، تَقْرِيرٌ لَهُ، وتَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ بِبَيانِ أنَّ الكُلَّ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، أيْ: فَإنَّهُ تَعالى يُضِلُّ ﴿مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُضِلَّهُ لِاسْتِحْسانِهِ واسْتِحْبابِهِ الضَّلالَ، وصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلَيْهِ فَيَرُدَّهُ أسْفَلَ سافِلِينَ ﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَهْدِيَهُ بِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى الهُدى فَيَرْفَعُهُ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، وإمّا تَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن نَهْيِهِ ﷺ عَنِ التَّحَسُّرِ والتَّحَزُّنِ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ إسْلامِهِمْ، بِبَيانِ أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِذَلِكَ، بَلْ لِأنْ يَضْرِبَ عَنْهم صَفْحًا ولا يُبالِيَ بِهِمْ قَطْعًا، أيْ: أبَعْدَ كَوْنِ حالِهِمْ كَما ذُكِرَ تَتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ، فَحُذِفَ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ دَلالَةً بَيِّنَةً، وإمّا تَمْهِيدٌ لِصَرْفِهِ ﷺ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى إسْلامِهِمْ، والمُبالَغَةِ في دَعْوَتِهِمْ إلَيْهِ بِبَيانِ اسْتِحالَةِ تَحَوُّلِهِمْ عَنِ الكُفْرِ لِكَوْنِهِ في غايَةِ الحُسْنِ عِنْدَهُمْ، أيْ: أبَعْدَ ما ذُكِرَ مَن زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ - مِن قِبَلِ الشَّيْطانِ فَرَآهُ حَسَنًا فانْهَمَكَ فِيهِ - يَقْبَلُ الهِدايَةَ حَتّى تَطْمَعَ في إسْلامِهِ، وتُتْعِبَ نَفْسَكَ في دَعْوَتِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ ما مَرَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ ... إلَخْ، عَلى أنَّهُ مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُضِلَّهُ ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ وما لَهم مَن ناصِرِينَ﴾ وقُرِئَ: (فَلا تُذْهِبْ نَفْسَكُ).
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿حَسَراتٍ﴾ إمّا مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: فَلا (p-145)تَهْلَكْ نَفْسُكَ لِلْحَسَراتِ، والجَمْعُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَضاعُفِ اغْتِمامِهِ ﷺ عَلى أحْوالِهِمْ، أوْ عَلى كَثْرَةِ قَبائِحِ أعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلتَّأسُّفِ والتَّحَسُّرِ، و"عَلَيْهِمْ" صِلَةُ (تَذْهَبْ) كَما يُقالُ: هَلَكَ عَلَيْهِ حُبًّا، وماتَ عَلَيْهِ حُزْنًا، أوْ هو بَيانٌ لِلْمُتَحَسَّرِ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ(حَسَراتٍ) لِأنَّ المَصْدَرَ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ صِلَتُهُ، وإمّا حالٌ كَأنَّ كُلَّها صارَتْ حَسَراتٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ أيْ: مِنَ القَبائِحِ، تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، ومُشْرِكِي مَكَّةَ.
35:9Page 435
وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩
And it is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds, and We drive them to a dead land and give life thereby to the earth after its lifelessness. Thus is the resurrection.
﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقُرِئَ: (الرِّيحَ) وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِتِلْكَ الصُّورَةِ البَدِيعَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، ولِأنَّ المُرادَ بَيانُ إحْداثِها لِتِلْكَ الخاصِيَّةِ، ولِذَلِكَ أُسْنِدَ إلَيْها، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الإثارَةِ ﴿فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ﴾ أيْ: بِالمَطَرِ النّازِلِ مِنهُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالسَّحابِ، فَإنَّ بَيْنَهُما تَلازُمًا في الذِّهْنِ، كَما في الخارِجِ، أوْ بِالسَّحابِ فَإنَّهُ سَبَبُ السَّبَبِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: يُبْسِها، وإيرادُ الفِعْلَيْنِ عَلى صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وإسْنادُهُما إلى نُونِ العَظَمَةِ المُنْبِئِ عَنِ اخْتِصاصِهِما بِهِ تَعالى لِما فِيهِما مِن مَزِيدِ الصُّنْعِ، ولِتَكْمِيلِ المُماثَلَةِ بَيْنَ إحْياءِ الأرْضِ وبَيْنَ البَعْثِ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ في كَمالِ الِاخْتِصاصِ بِالقُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، والكافُ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإحْياءِ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ إحْياءُ الأمْواتِ في صِحَّةِ المَقْدُورِيَّةِ، وسُهُولَةِ التَّأتِّي مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَهُما أصْلًا سِوى الألِفِ في الأوَّلِ دُونَ الثّانِي، وقِيلَ: في كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ يُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى مِن تَحْتِ العَرْشِ ماءً فَيَنْبُتُ مِنهُ أجْسادُ الخَلْقِ.
35:10Page 435
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ وَٱلَّذِينَ يَمۡكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَمَكۡرُ أُوْلَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ١٠
Whoever desires honor [through power] - then to Allāh belongs all honor.1 To Him ascends good speech, and righteous work raises it.2 But they who plot evil deeds will have a severe punishment, and the plotting of those - it will perish.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ﴾ هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ والَّذِينَ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِهِمْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ والجَمْعُ بَيْنَ (كانَ) و(يُرِيدُ) لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ الإرادَةِ واسْتِمْرارِها ﴿فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أيْ: لَهُ تَعالى وحْدَهُ لا لِغَيْرِهِ عِزَّةُ الدُّنْيا وعِزَّةُ الآخِرَةِ، أيْ: فَلْيَطْلُبْها مِنهُ لا مِن غَيْرِهِ، فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ بِذِكْرِ دَلِيلِهِ إيذانًا بِأنَّ اخْتِصاصَ العِزَّةِ بِهِ تَعالى مُوجِبٌ لِتَخْصِيصِ طَلَبِها بِهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ بَيانٌ لِما يُطْلَبُ بِهِ العِزَّةُ، وهو التَّوْحِيدُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وصُعُودُهُما إلَيْهِ مَجازٌ عَنْ قَبُولِهِ تَعالى إيّاهُما، أوْ صُعُودُ الكَتَبَةِ بِصَحِيفَتِهِما، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ الِاعْتِدادِ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: " وهو الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَة عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ" أيْ: إلَيْهِ يَصِلُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ الَّذِي بِهِ يُطْلَبُ العِزَّةُ لا إلى المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِأعْمالِ العِبادِ فَقَطْ، وهو يُعَزُّ صاحَبُهُ، ويُعْطى طِلْبَتُهُ بِالذّاتِ.
(p-146)والمُسْتَكِنُّ في (يَرْفَعُهُ) لِلْكَلِمِ؛ فَإنَّ مَدارَ قَبُولِ العَمَلِ هو التَّوْحِيدُ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِنَصْبِ العَمَلِ، أوِ العَمَلِ فَإنَّهُ يُحَقِّقُ الإيمانَ ويُقَوِّيهِ، ولا يُنالُ الدَّرَجاتُ العالِيَةُ إلّا بِهِ، وقُرِئَ: (يُصَعِّدُ) مِنَ الإصْعادِ عَلى البِناءَيْنِ، والمُصَعِّدُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، أوِ المُتَكَلِّمُ بِهِ، أوِ المَلَكُ، وقِيلَ: الكَلِمُ الطَّيِّبُ يَتَناوَلُ الذِّكْرَ والدُّعاءَ والِاسْتِغْفارَ وقِراءَةَ القرآن.
وَعَنْهُ ﷺ أنَّهُ: ««سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، إذا قالَها العَبْدُ عَرَجَ بِها المَلَكُ إلى السَّماءِ فَحَيّا بِها وجْهَ الرَّحْمَنِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ عَمِلَ صالِحًا لَمْ تُقْبَلْ».»
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -ما مِن عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقُولُ خَمْسَ كَلِماتٍ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، وتَبارَكَ اللَّهُ، إلّا أخَذَهُنَّ مَلَكٌ فَجَعَلَهُنَّ تَحْتَ جَناحِهِ، ثُمَّ صَعِدَ بِهِنَّ، فَما يَمُرُّ بِهِنَّ عَلى جَمْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا اسْتَغْفَرُوا لِقائِلِهِنَّ حَتّى يُحَيِّيَ بِهِنَّ وجْهَ رَبِّ العالَمِينَ، ومِصْداقُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ... إلَخْ.
﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ بَيانٌ لِحالِ الكَلِمِ الخَبِيثِ، والعَمَلِ السَّيِّئِ وأهْلِهِما، بَعْدَ بَيانِ حالِ الكَلِمِ الطَّيِّبِ، والعَمَلِ الصّالِحِ، وانْتِصابُ السَّيِّئاتِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ، أيْ: يَمْكُرُونَ المَكَراتِ السَّيِّئاتِ، وهي مَكَراتُ قُرَيْشٍ بِالنَّبِيِّ ﷺ في دارِ النَّدْوَةِ، وتَداوُرُهُمُ الرَّأْيَ في إحْدى الثَّلاثِ الَّتِي هي الإثْباتُ، والقَتْلُ، والإخْراجُ ﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ مَكَراتِهِمْ ﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ولا يُؤْبَهُ عِنْدَهُ لِما يَمْكُرُونَ ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ﴾ وُضِعَ اسْمُ الإشارَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ عَنْ سائِرِ المُفْسِدِينَ، واشْتِهارِهِمْ بِذَلِكَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَرامِي أمْرِهِمْ في الطُّغْيانِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في العُدْوانِ، أيْ: ومَكْرُ أُولَئِكَ المُفْسِدِينَ الَّذِينَ أرادُوا أنْ يَمْكُرُوا بِهِ ﷺ ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ أيْ: هو يَهْلَكُ ويَفْسَدُ خاصَّةً لا مَن مَكَرُوا بِهِ، ولَقَدْ أبارَهُمُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ إبارَةِ مَكَراتِهِمْ حَيْثُ أخْرَجَهم مِن مَكَّةَ وقَتَلَهم وأثْبَتَهم في قَلِيبِ بَدْرٍ، فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ مَكَراتِهِمُ الثَّلاثَ الَّتِي اكْتَفَوْا في حَقِّهِ ﷺ بِواحِدَةٍ مِنهُنَّ.
35:11Page 435
وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَٰجٗاۚ وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَلَا يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١١
And Allāh created you from dust, then from a sperm-drop; then He made you mates. And no female conceives nor does she give birth except with His knowledge. And no aged person is granted [additional] life nor is his lifespan lessened but that it is in a register. Indeed, that for Allāh is easy.
﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ دَلِيلٌ آخَرُ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والنُّشُورِ، أيْ: خَلَقَكُمُ ابْتِداءً مِنهُ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلْقًا إجْمالِيًّا، كَما مَرَّ في تَحْقِيقِهِ مِرارًا ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ: ثُمَّ خَلَقَكم مِنها خَلْقًا تَفْصِيلِيًّا ﴿ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾ أيْ: أصْنافًا، أوْ ذُكْرانًا وإناثًا، وعَنْ قَتادَةَ: جَعَلَ بَعْضَكم زَوْجًا لِبَعْضٍ ﴿وَما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾ إلّا مُلْتَبِسَةً بِعِلْمِهِ تابِعَةً لِمَشِيئَتِهِ ﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾ أيْ: مِن أحَدٍ، وإنَّما سُمِّيَ مُعَمَّرًا بِاعْتِبارِ مَصِيرِهِ، أيْ: وما يُمَدُّ في عُمُرِ أحَدٍ ﴿وَلا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ أيْ: مِن عُمُرِ أحَدٍ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: لا يُثِيبُ اللَّهُ عَبْدًا، ولا يُعاقِبُهُ إلّا بِحَقٍّ لَكِنْ لا عَلى مَعْنى: لا يُنْقَصُ عُمُرُهُ بَعْدَ كَوْنِهِ زائِدًا، بَلْ عَلى مَعْنى لا يُجْعَلُ مِنَ الِابْتِداءِ ناقِصًا، وقِيلَ: الزِّيادَةُ والنَّقْصُ في عُمُرِ واحِدٍ بِاعْتِبارِ أسْبابٍ مُخْتَلِفَةٍ أُثْبِتَتْ في اللَّوْحِ، مِثْلِ أنْ يُكْتَبَ فِيهِ: إنْ حَجَّ فُلانٌ فَعُمُرُهُ سِتُّونَ وإلّا فَأرْبَعُونَ.
وَإلَيْهِ أشارَ ﷺ بِقَوْلِهِ: « "الصَّدَقَةُ والصِّلَةُ تُعَمِّرانِ الدِّيارَ، وتَزِيدانِ في الأعْمارِ".» وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّقْصِ ما يَمُرُّ مِن عُمُرِهِ ويُنْقَصُ، فَإنَّهُ يُكْتَبُ في الصَّحِيفَةِ: عُمُرُهُ كَذا وكَذا سَنَةً، ثُمَّ يُكْتَبُ تَحْتَ ذَلِكَ: ذَهَبَ يَوْمٌ، ذَهَبَ يَوْمانِ، وهَكَذا حَتّى يَأْتِيَ عَلى آخِرِهِ، وقُرِئَ: (وَلا يَنْقُصُ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، و(مِن عُمْرِهِ) (p-147)بِسُكُونِ المِيمِ
﴿إلا في كِتابٍ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -أنَّهُ اللَّوْحُ، وقِيلَ: عِلْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: صَحِيفَةُ كُلِّ إنْسانٍ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ، وما بَعْدَهُ مَعَ كَوْنِهِ مَحارًا لِلْعُقُولِ والأفْهامِ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ عَنِ الأسْبابِ فَكَذَلِكَ البَعْثُ.
35:12Page 436
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢
And not alike are the two seas [i.e., bodies of water]. One is fresh and sweet, palatable for drinking, and one is salty and bitter. And from each you eat tender meat and extract ornaments which you wear, and you see the ships plowing through [them] that you might seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.
﴿وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، والفُراتُ الَّذِي يَكْسِرُ العَطَشَ، والسّائِغُ الَّذِي يَسْهُلُ انْحِدارُهُ لِعُذُوبَتِهِ، والأُجاجُ الَّذِي يَحْرُقُ بِمُلُوحَتِهِ، وقُرِئَ: (سَيِّغٌ) كَسَيِّدٍ، و(سَيْغٌ) بِالتَّخْفِيفِ و(مَلِحٌ) كَكَتِفٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن كُلٍّ﴾ أيْ: مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ﴾ أيْ: مِنَ المالِحِ خاصَّةً ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ إمّا اسْتِطْرادٌ في صِفَةِ البَحْرَيْنِ وما فِيهِما مِنَ النِّعَمِ والمَنافِعِ، وإمّا تَكْمِلَةٌ لِلتَّمْثِيلِ، والمَعْنى: كَما أنَّهُما - وإنِ اشْتَرَكا في بَعْضِ الفَوائِدِ - لا يَتَساوَيانِ مِن حَيْثُ أنَّهُما مُتَفاوِتانِ فِيما هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِنَ الماءِ لِما خالَطَ أحَدَهُما ما أفْسَدَهُ، وغَيَّرَهُ عَنْ كَمالِ فِطْرَتِهِ، لا يُساوِي الكافِرُ المُؤْمِنَ، وإنْ شارَكَهُ في بَعْضِ الصِّفاتِ كالشَّجاعَةِ والسَّخاوَةِ ونَحْوِهِما؛ لِتَبايُنِهِما فِيما هو الخاصِّيَّةُ العُظْمى لِبَقاءِ أحَدِهِما عَلى فِطْرَتِهِ الأصْلِيَّةِ، وحِيازَتِهِ لِكَمالِهِ اللّائِقِ دُونَ الآخَرِ، أوْ تَفْضِيلٌ لِلْأُجاجِ عَلى الكافِرِ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُشارِكُ العَذْبَ في مَنافِعَ كَثِيرَةٍ، والكافِرُ خِلْوٌ مِنَ المَنافِعِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ والمُرادُ بِالحِلْيَةِ: اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴿وَتَرى الفُلْكَ فِيهِ﴾ أيْ: في كُلِّ مِنهُما، وإفْرادُ ضَمِيرِ الخِطابِ - مَعَ جَمْعِهِ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ - لِأنَّ الخِطابَ لِكُلِّ أحَدٍ تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ دُونَ المُنْتَفِعِينَ بِالبَحْرَيْنِ فَقَطْ ﴿مَواخِرَ﴾ شَواقَّ لِلْماءِ بِجَرْيِها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً بِرِيحٍ واحِدَةٍ ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّقْلَةِ فِيها، و"اللّامُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(مَواخِرَ) وقَدْ جُوِّزَ تَعَلُّقُها بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأفْعالُ المَذْكُورَةُ، أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: ولِتَشْكُرُوا عَلى ذَلِكَ، وحَرْفُ التَّرَجِّي لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences