Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Fatir 35:13–36
35:13Page 436
يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ ١٣
He causes the night to enter the day, and He causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon - each running [its course] for a specified term. That is Allāh, your Lord; to Him belongs sovereignty. And those whom you invoke other than Him do not possess [as much as] the membrane of a date seed.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ بِزِيادَةِ أحَدِهِما ونَقْصِ الآخَرِ، بِإضافَةِ بَعْضِ أجْزاءِ كُلٍّ مِنهُما إلى الآخَرِ ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ عَطْفٌ عَلى (يُولِجُ) واخْتِلافُهُما صِيغَةً لِما أنَّ إيلاجَ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ مُتَجَدِّدٌ حِينًا فَحِينًا، وأمّا تَسْخِيرُ النَّيِّرَيْنِ فَأمْرٌ لا تَعَدُّدَ فِيهِ، وإنَّما المُتَعَدِّدُ والمُتَجَدِّدُ آثارُهُ.
وَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ أيْ: بِحَسَبِ حَرَكَتِهِ الخاصَّةِ، وحَرَكَتِهِ القَسْرِيَّةِ عَلى المَداراتِ اليَوْمِيَّةِ المُتَعَدِّدَةِ حَسَبَ تَعَدُّدِ أيّامِ السَّنَةِ جَرَيانًا مُسْتَمِرًّا ﴿لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ (p-148)قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرَيانِهِما، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقِيلَ: جَرَيانُهُما عِبارَةٌ عَنْ حَرَكَتَيْهِما الخاصَّتَيْنِ بِهِما في فَلَكَيْهِما، والأجَلُ المُسَمّى هو مُنْتَهى دَوْرَتَيْهِما، ومُدَّةُ الجَرَيانِ لِلشَّمْسِ سَنَةٌ والقَمَرِ شَهْرٌ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ لُقْمانَ ﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى فاعِلِ الأفاعِيلِ المَذْكُورَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ العَظَمَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ، أيْ: ذَلِكُمُ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي أبْدَعَ هَذِهِ الصَّنائِعَ البَدِيعَةَ ﴿اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ﴾ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْداعَهُ تَعالى لِتِلْكَ البَدائِعِ مِمّا يُوجِبُ ثُبُوتَ تِلْكَ الأخْبارِ لَهُ ما لا يَخْفى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأخِيرُ كَلامًا مُبْتَدَأً في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ والربوبية، وقُرِئَ: (يَدْعُونَ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ، و"القِطْمِيرُ" لِفافَةُ النَّواةِ، وهو مَثَلٌ في القِلَّةِ والحَقارَةِ.
35:14Page 436
إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ ١٤
If you invoke them, they do not hear your supplication; and if they heard, they would not respond to you. And on the Day of Resurrection they will deny your association.1 And none can inform you like [one] Aware [of all matters].
﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ كاشِفٌ عَنْ جَلِيَّةِ حالِ ما يَدْعُونَهُ بِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ السَّماعُ ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ ﴿ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الأفْعالِ بِالمَرَّةِ، لا لِما قِيلَ مِن أنَّهم مُتَبَرِّئُونَ مِنكُمْ، ومِمّا تَدْعُونَ لَهم فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ مِنهم في الدُّنْيا ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أيْ: يَجْحَدُونَ بِإشَراكِكم لَهُمْ، وعِبادَتِكم إيّاهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾، ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أيْ: لا يُخْبِرُكَ بِالأمْرِ مُخْبِرٌ مِثْلُ خَبِيرٍ أخْبَرَكَ بِهِ، وهو الحَقُّ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ الخَبِيرُ بِكُنْهِ الأُمُورِ دُونَ سائِرِ المُخْبِرِينَ، والمُرادُ تَحْقِيقُ ما أخْبَرَ بِهِ مِن حالِ آلِهَتِهِمْ، ونَفْيُ ما يَدَّعُونَ لَهم مِنَ الإلَهِيَّةِ.
35:15Page 436
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ١٥
O mankind, you are those in need of Allāh, while Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ﴾ في أنْفُسِكُمْ، وفِيما يَعِنُّ لَكم مِن أمْرٍ مُهِمٍّ أوْ خَطْبٍ مُلِمٍّ، وتَعْرِيفُ الفُقَراءِ لِلْمُبالَغَةِ في فَقْرِهِمْ كَأنَّهم لِكَثْرَةِ افْتِقارِهِمْ وشِدَّةِ احْتِياجِهِمْ هُمُ الفُقَراءُ فَحَسْبُ، وأنَّ افْتِقارَ سائِرِ الخَلائِقِ بِالنِّسْبَةِ إلى فَقْرِهِمْ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾، ﴿واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ أيِ: المُسْتَغْنِي عَلى الإطْلاقِ، المُنْعِمُ عَلى سائِرِ المَوْجُوداتِ، المُسْتَوْجِبُ لِلْحَمْدِ.
35:16Page 436
إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٦
If He wills, He can do away with you and bring forth a new creation.
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لَيْسُوا عَلى صِفَتِكُمْ، بَلْ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الطّاعَةِ، أوْ بِعالَمٍ آخَرَ غَيْرِ ما تَعْرِفُونَهُ.
﴿وَما ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الإذْهابِ بِهِمْ، والإتْيانِ بِآخَرِينَ ﴿عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ بِمُتَعَذِّرٍ ولا مُتَعَسِّرٍ.
35:18Page 436
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰٓۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨
And no bearer of burdens will bear the burden of another. And if a heavily laden soul calls [another] to [carry some of] its load, nothing of it will be carried, even if he should be a close relative. You can only warn those who fear their Lord unseen and have established prayer. And whoever purifies himself only purifies himself for [the benefit of] his soul. And to Allāh is the [final] destination.
(p-149)﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَةٌ ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ إثْمَ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ إنَّما تَحْمِلُ كُلٌّ مِنهُما وِزْرَها، وأما ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهُمْ﴾ مِن حَمْلِ المُضِلِّينَ أثْقالًا غَيْرَ أثْقالِهِمْ فَهو حَمْلُ أثْقالِ إضْلالِهِمْ مَعَ أثْقالِ ضَلالِهِمْ، وكِلاهُما أوْزارُهم لَيْسَ فِيها مِن أوْزارِ غَيْرِهِمْ شَيْءٌ ﴿وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ أيْ: نَفْسٌ أثْقَلَها الأوْزارُ ﴿إلى حِمْلِها﴾ لِحَمْلِ بَعْضِ أوْزارِها ﴿لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ﴾ لَمْ تُجَبْ بِحَمْلِ شَيْءٍ مِنهُ ﴿وَلَوْ كانَ﴾ أيِ: المَدْعُوُّ المَفْهُومُ مِنَ الدَّعْوَةِ ﴿ذا قُرْبى﴾ ذا قَرابَةٍ مِنَ الدّاعِي، وقُرِئَ: (ذُو قُرْبى) وهَذا نَفْيٌ لِلْحَمْلِ اخْتِيارًا، والأوَّلُ نَفْيٌ لَهُ إجْبارًا ﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ مَن يَتَّعِظُ بِما ذُكِرَ، أيْ: إنَّما تُنْذِرُ بِهَذِهِ الإنْذاراتِ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ أيْ: يَخْشَوْنَهُ تَعالى غائِبِينَ عَنْ عَذابِهِ، أوْ عَنِ النّاسِ في خَلَواتِهِمْ، أوْ يَخْشَوْنَ عَذابَهُ وهو غائِبٌ عَنْهم ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: راعَوْها كَما يَنْبَغِي، وجَعَلُوها مَنارًا مَنصُوبًا، وعَلَمًا مَرْفُوعًا، أيْ: إنَّما يَنْفَعُ إنْذارُكَ وتَحْذِيرُكَ هَؤُلاءِ مِن قَوْمِكَ دُونَ مَن عَداهم مِن أهْلِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ ﴿وَمَن تَزَكّى﴾ أنْ تَطَهَّرَ مِن أوْضارِ الأوْزارِ والمَعاصِي بِالتَّأثُّرِ مِن هَذِهِ الإنْذاراتِ ﴿فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ لِاقْتِصارِ نَفْعِهِ عَلَيْها، كَما أنَّ مَن تَدَنَّسَ بِها لا يَتَدَنَّسُ إلّا عَلَيْها، وقُرِئَ: (مَنِ ازَّكّى فَإنَّما يَزَّكّى) وهو اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِخَشْيَتِهِمْ وإقامَتِهِمُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّها مِن مُعْظَمِ مَبادِئِ التَّزَكِّي ﴿وَإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ لا إلى أحَدٍ غَيْرِهِ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا، فَيُجازِيهِمْ عَلى تَزَكِّيهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ.
﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ أيِ: الكافِرُ والمُؤْمِنُ.
﴿وَلا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ أيْ: ولا الباطِلُ ولا الحَقُّ، وجَمْعُ الظُّلُماتِ مَعَ أفْرادِ النُّورِ لِتَعَدُّدِ فُنُونِ الباطِلِ، واتِّحادِ الحَقِّ.
﴿وَلا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ أيْ: ولا الثَّوابُ ولا العِقابُ، وإدْخالُ لا عَلى المُتَقابِلَيْنِ لِتَذْكِيرِ نَفْيِ الِاسْتِواءِ، وتَوْسِيطُها بَيْنَهُما لِلتَّأْكِيدِ، و"الحَرُورُ" فَعُولٌ مِنَ الحَرِّ غُلِّبَ عَلى السَّمُومِ، وقِيلَ: السَّمُومُ ما يَهُبُّ نَهارًا، والحَرُورُ ما يَهُبُّ لَيْلًا.
35:22Page 437
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ ٢٢
And not equal are the living and the dead. Indeed, Allāh causes to hear whom He wills, but you cannot make hear those in the graves.1
﴿وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ تَمْثِيلٌ آخَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ (p-150)أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، ولِذَلِكَ كُرِّرَ الفِعْلُ، وأُوثِرَ صِيغَةُ الجَمْعِ في الطَّرَفَيْنِ تَحْقِيقًا لِلتَّبايُنِ بَيْنَ أفْرادِ الفَرِيقَيْنِ، وقِيلَ: تَمْثِيلٌ لِلْعُلَماءِ والجَهَلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُسْمِعَهُ ويُوَفِّقَهُ لِفَهْمِ آياتِهِ، والِاتِّعاظِ بِعِظاتِهِ ﴿وَما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ تَرْشِيحٌ لِتَمْثِيلِ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بِالأمْواتِ، وإشْباعٌ في إقْناطِهِ ﷺ مِن إيمانِهِمْ.
﴿إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾ ما عَلَيْكَ إلّا الإنْذارُ، وأمّا الإسْماعُ البَتَّةَ فَلَيْسَ مِن وظائِفِكَ، ولا حِيلَةَ لَكَ إلَيْهِ في المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
35:24Page 437
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۚ وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ ٢٤
Indeed, We have sent you with the truth as a bringer of good tidings and a warner. And there was no nation but that there had passed within it a warner.
﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُحِقِّينَ، أوْ مُحِقًّا أنْتَ، أوْ إرْسالًا مَصْحُوبًا بِالحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ: بَشِيرًا بِالوَعْدِ الحَقِّ، ونَذِيرًا بِالوَعِيدِ الحَقِّ.
﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ﴾ أيْ: ما مِن أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ الدّارِجَةِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ ﴿إلا خَلا﴾ أيْ: مَضى ﴿فِيها نَذِيرٌ﴾ مِن نَبِيٍّ أوْ عالِمٍ يُنْذِرُهُمْ، والِاكْتِفاءُ بِذِكْرِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ النَّذارَةَ قَرِينَةُ البِشارَةِ لا سِيِّما وقَدِ اقْتَرَنا آنِفًا، ولِأنَّ الإنْذارَ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ.
35:25Page 437
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ٢٥
And if they deny you - then already have those before them denied. Their messengers came to them with clear proofs and written ordinances and with the enlightening Scripture.
﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أيْ: تَمُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ فَلا تُبالِ بِهِمْ وبِتَكْذِيِبِهِمْ ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ العاتِيَةِ ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوُّتِهِمْ ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ كَصُحُفِ إبْراهِيمَ ﴿وَبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ كالتَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، والزَّبُورِ، عَلى إرادَةِ التَّفْصِيلِ دُونَ الجَمْعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِما واحِدٌ، والعَطْفُ لِتَغايُرِ العُنْوانَيْنِ.
35:26Page 437
ثُمَّ أَخَذۡتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٢٦
Then I seized the ones who disbelieved, and how [terrible] was My reproach.
﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الأخْذِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ: إنْكارِي بِالعُقُوبَةِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَشْدِيدٍ وتَهْوِيلٍ لَها.
35:27Page 437
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ ٢٧
Do you not see that Allāh sends down rain from the sky, and We produce thereby fruits of varying colors? And in the mountains are tracts, white and red of varying shades and [some] extremely black.
﴿ألَمْ تَرَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنِ اخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ، بِبَيانِ أنَّ الِاخْتِلافَ والتَّفاوُتَ أمْرٌ مُطَّرِدٌ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مِنَ النَّباتِ والجَمادِ والحَيَوانِ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، أيْ: ألَمْ تَعْلَمَ ﴿أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ بِذَلِكَ الماءِ، والِالتِفاتُ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِالفِعْلِ لِما فِيهِ مِنَ الصُّنْعِ البَدِيعِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ ﴿ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ أيْ: أجْناسُها أوْ أصْنافُها، عَلى أنَّ كُلًّا مِنها ذُو أصْنافٍ مُخْتَلِفَةٍ، أوْ هَيْئاتُها وأشْكالُها، أوْ ألْوانُها مِنَ الصُّفْرَةِ والخُضْرَةِ والحُمْرَةِ وغَيْرِها، وهو الأوْفَقُ لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ الجِبالِ جُدَدٌ﴾ أيْ: ذُو جُدَدٍ، أيْ: خُطَطٍ وطَرائِقَ، ويُقالُ: جُدَّةُ الحِمارِ لِلْخُطَّةِ السَّوْداءِ (p-151)عَلى ظَهْرِهِ.
وَقُرِئَ: (جُدُدٌ) بِالضَّمِّ جَمْعُ جَدِيدَةٍ، بِمَعْنى الجِدَّةِ، و(جَدَدٌ) بِفَتْحَتَيْنِ، وهو الطَّرِيقُ الواضِحُ ﴿بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها﴾ بِالشِّدَّةِ والضَّعْفِ ﴿وَغَرابِيبُ سُودٌ﴾ عَطْفٌ عَلى (بِيضٌ) أوْ عَلى (جُدَدٌ)، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ الجِبالِ مُخَطَّطٌ ذُو جُدَدٍ، ومِنها ما هو عَلى لَوْنٍ واحِدٍ غَرابِيبَ، وهو تَأْكِيدٌ لِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ فَإنَّ الغِرْبِيبَ تَأْكِيدٌ لِلْأسْوَدِ، كالفاقِعِ لِلْأصْفَرِ، والقانِي لِلْأحْمَرِ، ومِن حَقِّ التَّأْكِيدِ أنْ يَتْبَعَ المُؤَكَّدَ، ونَظِيرُهُ في الصِّفَةِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎ والمُؤْمِنِ العائِذاتِ الطَّيْرَ يَمْسَحُها
وَفِي مِثْلِهِ مَزِيدُ تَأْكِيدٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّكْرارِ بِاعْتِبارِ الإضْمارِ والإظْهارِ.
35:28Page 437
وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ٢٨
And among people and moving creatures and grazing livestock are various colors similarly. Only those fear Allāh, from among His servants, who have knowledge. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Forgiving.
﴿وَمِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ أيْ: ومِنهم بَعْضٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ، أوْ وبَعْضُهم مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ عَلى ما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ وإيرادُ الجُمْلَتَيْنِ اسْمِيَّتَيْنِ - مَعَ مُشارَكَتِهِما لِما قَبْلَهُما مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ في الِاسْتِشْهادِ بِمَضْمُونِهِما عَلى تَبايُنِ النّاسِ في الأحْوالِ الباطِنَةِ - لِما أنَّ اخْتِلافَ الجِبالِ والنّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ فِيما ذُكِرَ مِنَ الألْوانِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ، فَعُبِّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ.
وَأمّا إخْراجُ الثَّمَراتِ المُخْتَلِفَةِ فَحَيْثُ كانَ أمْرًا حادِثًا عَبَّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، ثُمَّ لَمّا كانَ فِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ عَلَّقَ بِهِ الرُّؤْيَةَ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُنْبِئِ عَنِ الحَمْلِ عَلَيْها، والتَّرْغِيبِ فِيها بِخِلافِ أحْوالِ الجِبالِ والنّاسِ وغَيْرِهِما، فَإنَّها مُشاهَدَةٌ غَنِيَّةٌ عَنِ التَّأمُّلِ، فَلِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنِ التَّعْلِيقِ بِالرُّؤْيَةِ، فَتَدَبَّرْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ لِقَوْلِهِ تَعالى: "مُخْتَلِفٌ" أيْ: صِفَةٌ لِمَصْدَرِهِ المُؤَكِّدِ، تَقْدِيرُهُ: مُخْتَلِفٌ اخْتِلافًا كائِنًا كَذَلِكَ، أيْ: كاخْتِلافِ الثِّمارِ والجِبالِ، وقُرِئَ: (ألْوانًا) وقُرِئَ: (والدَّوابَ) بِالتَّخْفِيفِ مُبالَغَةً في الهَرَبِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ تَكْمِلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ بِتَعْيِينِ مَن يَخْشاهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ النّاسِ بَعْدَ بَيانِ اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ، وتَبايُنِ مَراتِبِهِمْ. أمّا في الأوْصافِ المَعْنَوِيَّةِ فَبِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وأمّا في الأوْصافِ الصُّورِيَّةِ فَبِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ تَوْفِيَةً لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما حَقَّها اللّائِقَ بِها مِنَ البَيانِ، أيْ: إنَّما يَخْشاهُ تَعالى بِالغَيْبِ العالِمُونَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، وبِما يَلِيقُ بِهِ مِن صِفاتِهِ الجَلِيلَةِ وأفْعالِهِ الجَمِيلَةِ؛ لِما أنَّ مَدارَ الخَشْيَةِ مَعْرِفَةُ المَخْشِيِّ، والعِلْمُ بِشُئُونِهِ، فَمَن كانَ أعْلَمَ بِهِ تَعالى كانَ أخْشى مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، كَما قالَ ﷺ: ﴿أنا أخْشاكم لِلَّهِ وأتْقاكم لَهُ﴾ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِذِكْرِ أفْعالِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قدرته، وحَيْثُ كانَ الكَفَرَةُ بِمَعْزِلٍ مِن هَذِهِ المَعْرِفَةِ امْتَنَعَ إنْذارُهم بِالكُلِّيَّةِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ حَصْرُ الفاعِلِيَّةِ، ولَوْ أُخِّرَ انْعَكَسَ الأمْرُ.
وَقُرِئَ بِرَفْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ ونَصْبِ "العُلَماءُ" عَلى أنَّ الخَشْيَةَ مُسْتَعارَةٌ لِلتَّعْظِيمِ، فَإنَّ المُعَظَّمَ يَكُونُ مَهِيبًا ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الخَشْيَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ مُعاقِبٌ لِلْمُصِرِّ عَلى طُغْيانِهِ، غَفُورٌ لِلتّائِبِ عَنْ عِصْيانِهِ.
35:29Page 437
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ ٢٩
Indeed, those who recite the Book of Allāh and establish prayer and spend [in His cause] out of what We have provided them, secretly and publicly, [can] expect a transaction [i.e., profit] that will never perish -
﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ أيْ: يُداوِمُونَ عَلى قِراءَتِهِ، أوْ مُتابَعَةِ ما فِيهِ حَتّى (p-152)صارَتْ سِمَةً لَهم وعُنْوانًا، والمُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى القرآن، وقِيلَ: جِنْسُ كُتُبِ اللَّهِ، فَيَكُونُ ثَناءً عَلى المُصَدِّقِينَ مِنَ الأُمَمِ بَعْدَ اقْتِصاصِ حالِ المُكَذِّبِينَ مِنهُمْ، ولَيْسَ بِذاكَ؛ فَإنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ مُنادِيَةٌ بِاسْتِمْرارِ مَشْرُوعِيَّةِ تِلاوَتِهِ، والعَمَلِ بِما فِيهِ، واسْتِتْباعِهِما لِما سَيَأْتِي مِن تَوْفِيَةِ الأُجُورِ، وزِيادَةِ الفَضْلِ، وحَمْلُها عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ - مَعَ كَوْنِهِ تَعَسُّفًا ظاهِرًا - مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، كَيْفَ لا! والمَقْصُودُ التَّرْغِيبُ في دِينِ الإسْلامِ، والعَمَلُ بِالقرآن النّاسِخِ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكُتُبِ؟ فالتَّعَرُّضُ لِبَيانِ حَقِيقَتِها قَبْلَ انْتِساخِها، والإشْباعُ في ذِكْرِ اسْتِتْباعِها لِما ذُكِرَ مِنَ الفَوائِدِ العَظِيمَةِ مِمّا يُورِثُ الرَّغْبَةَ في تِلاوَتِها، والإقْبالِ عَلى العَمَلِ بِها، وتَخْصِيصُ التِّلاوَةِ بِما لَمْ يُنْسَخْ مِنها باطِلٌ قَطْعًا لِما أنَّ الباقِيَ مَشْرُوعًا لَيْسَ إلّا حُكْمُها لَكِنْ لا مِن حَيْثُ أنَّهُ حُكْمُها بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ حُكْمُ القرآن، وأمّا تِلاوَتُها فَبِمَعْزِلٍ مِنَ المَشْرُوعِيَّةِ، واسْتِتْباعِ الأجْرِ بِالمَرَّةِ، فَتَدَبَّرْ.
﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ كَيْفَما اتَّفَقَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِما، وقِيلَ السِّرُّ في المَسْنُونَةِ والعَلانِيَةُ في المَفْرُوضَةِ ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً﴾ تَحْصِيلَ ثَوابِ الطّاعَةِ، وهو خَبَرُ "إنَّ".
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ أيْ: لَنْ تَكْسُدَ ولَنْ تَهْلِكَ بِالخُسْرانِ أصْلًا، صِفَةٌ لِـ(تِجارَةً) جِيءَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها لَيْسَتْ كَسائِرِ التِّجاراتِ الدّائِرَةِ بَيْنَ الرِّبْحِ والخُسْرانِ؛ لِأنَّهُ اشْتِراءُ باقٍ بِفانٍ، والإخْبارُ بِرَجائِهِمْ مِن أكْرَمِ الأكْرَمِينَ عِدَةٌ قَطْعِيَّةٌ بِحُصُولِ مَرْجُوِّهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
35:30Page 437
لِيُوَفِّيَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ ٣٠
That He may give them in full their rewards and increase for them of His bounty. Indeed, He is Forgiving and Appreciative.1
﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"لَنْ تَبُورَ" عَلى مَعْنى أنَّهُ يَنْتَفِي عَنْها الكَسادُ، وتَنْفُقُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِيُوَفِّيَهم أُجُورَ أعْمالِهِمْ ﴿وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ عَلى ذَلِكَ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ ما يَشاءُ، وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما عُدَّ مِن أفْعالِهِمُ المَرْضِيَّةِ، أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ "لِيُوَفِّيَهُمْ" ... إلَخْ، وقِيلَ: بِـ"يَرْجُونَ" عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ ﴿إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّوْفِيَةِ والزِّيادَةِ، أيْ: غَفُورٌ لِفُرُطاتِهِمْ شَكُورٌ لِطاعاتِهِمْ، أيْ: مُجازِيهِمْ عَلَيْها، وقِيلَ: هو خَبَرُ "إنَّ الَّذِينَ"، و"يَرْجُونَ" حالٌ مِن واوِ "أنْفَقُوا".
35:31Page 438
وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ هُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٣١
And that which We have revealed to you, [O Muḥammad], of the Book is the truth, confirming what was before it. Indeed Allāh, of His servants, is Aware and Seeing.
﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ وهو القرآن و"مِنَ" لِلتَّبْيِينِ، أوِ الجِنْسُ و"مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: اللَّوْحُ و"مِنَ" لِلِابْتِداءِ ﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: أُحِقُّهُ مُصَدِّقًا لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأنَّ حَقِّيَّتَهُ تَسْتَلْزِمُ مُوافَقَتَهُ إيّاهُ في العَقائِدِ، وأُصُولِ الأحْكامِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ مُحِيطٌ بِبَواطِنِ أُمُورِهِمْ وظَواهِرِها، فَلَوْ كانَ في أحْوالِكَ ما يُنافِي النُّبُوَّةَ لَمْ يُوحِ إلَيْكَ مِثْلَ هَذا الحَقِّ المُعْجِزِ الَّذِي هو عِيارٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ، وتَقْدِيمُ الخَبِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العُمْدَةَ هي الأُمُورُ الرُّوحانِيَّةُ.
35:32Page 438
ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٣٢
Then We caused to inherit the Book those We have chosen of Our servants;1 and among them is he who wrongs himself [i.e., sins], and among them is he who is moderate, and among them is he who is foremost in good deeds by permission of Allāh. That [inheritance] is what is the great bounty.
﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ﴾ أيْ: قَضَيْنا بِتَوْرِيثِهِ مِنكَ، أوْ نُورِثُهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالماضِي لِتَقَرُّرِهِ (p-153)وَتَحَقُّقِهِ، وقِيلَ: أوْرَثْناهُ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، أيْ: أخَّرْناهُ عَنْهم وأعْطَيْناهُ ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ وهم عُلَماءُ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحابَةِ، ومَن بَعْدَهم مِمَّنْ يَسِيرُ سِيرَتَهُمْ، أوِ الأُمَّةُ بِأسْرِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى اصْطَفاهم عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وجَعَلَهم ﴿أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ واخْتَصَّهم بِكَرامَةِ الِانْتِماءِ إلى أفْضَلِ رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ وِراثَةِ الكِتابِ مُراعاتُهُ حَقَّ رِعايَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾ ... الآيَةَ، ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بِالتَّقْصِيرِ في العَمَلِ بِهِ، وهو المُرْجَأُ لِأمْرِ اللَّهِ ﴿وَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ يَعْمَلُ بِهِ في أغْلَبِ الأوْقاتِ، ولا يَخْلُو مِن خَلْطِ السَّيِّئِ ﴿وَمِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: هُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقِيلَ: هُمُ المُداوِمُونَ عَلى إقامَةِ مَواجِبِهِ عِلْمًا وعَمَلًا وتَعْلِيمًا، وفي قَوْلِهِ: "بِإذْنِ اللَّهِ" - أيْ: بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ - تَنْبِيةٌ عَلى عِزَّةِ مَنالِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، وصُعُوبَةِ مَأْخَذِها. وقِيلَ: الظّالِمُ الجاهِلُ، والمُقْتَصِدُ المُتَعَلِّمُ، والسّابِقُ العالِمُ. وقِيلَ: الظّالِمُ المُجْرِمُ، والمُقْتَصِدُ الَّذِي خَلَطَ الصّالِحَ بِالسَّيِّئِ، والسّابِقُ الَّذِي تَرَجَّحَتْ حَسَناتُهُ بِحَيْثُ صارَتْ سَيِّئاتُهُ مُكَفِّرَةً، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: « "وَأمّا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ، وأمّا المُقْتَصِدُ فَأُولَئِكَ يُحاسَبُونَ حِسابًا يَسِيرًا، وأمّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأُولَئِكَ يُحْبَسُونَ في طُولِ المَحْشَرِ، ثُمَّ يَتَلَقّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ".»
وَقَدْ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ - وهو عَلى المِنبَرِ - قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««سابِقُنا سابِقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ».»
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى السَّبْقِ بِالخَيْراتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ - مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ - لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ ﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا يُنالُ إلّا بِتَوْفِيقِهِ تَعالى.
35:33Page 438
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٣٣
[For them are] gardens of perpetual residence which they will enter. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearls, and their garments therein will be silk.
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ إمّا بَدَلٌ مِنَ ﴿ (الفَضْلُ الكَبِيرُ)﴾ بِتَنْزِيلِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يَدْخُلُونَها﴾ وعَلى الأوَّلِ هو مُسْتَأْنَفٌ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالسّابِقِ الجِنْسُ، وتَخْصِيصُ حالِ السّابِقِينَ ومَآلِهِمْ بِالذِّكْرِ، والسُّكُوتُ عَنِ الفَرِيقَيْنِ الآخَرَيْنِ - وإنْ لَمْ يَدُلَّ عَلى حِرْمانِهِما مِن دُخُولِ الجَنَّةِ مُطْلَقًا - لَكِنَّ فِيهِ تَحْذِيرًا لَهُما مِنَ التَّقْصِيرِ، وتَحْرِيضًا عَلى السَّعْيِ في إدْراكِ شَأْنِ السّابِقِينَ.
وَقُرِئَ: (جَنّاتِ عَدْنٍ) و (جَنَّةَ عَدْنٍ) عَلى النَّصْبِ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وقُرِئَ: (يُدْخَلُونَها) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقُرِئَ: (يَحْلُونَ) مِن حَلِيَتِ المَرْأةُ فَهي حالِيَةٌ ﴿مِن أساوِرَ﴾ هي جَمْعُ أسْوِرَةٍ جَمْعِ سِوارٍ ﴿مِن ذَهَبٍ﴾ (مِن) الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ، والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ، أيْ: يُحَلَّوْنَ بَعْضَ أساوِرَ مِن ذَهَبٍ كَأنَّهُ أفْضَلُ مِن سائِرِ أفْرادِها ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ (مِن أساوِرَ) وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى (ذَهَبٍ) أيْ: مِن ذَهَبٍ مُرَصَّعٍ بِاللُّؤْلُؤِ، أوْ مِن ذَهَبٍ في صَفاءِ اللُّؤْلُؤِ ﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ قَدْ مَرَّ في سُورَةِ الحَجِّ.
35:34Page 438
وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٞ شَكُورٌ ٣٤
And they will say, "Praise to Allāh, who has removed from us [all] sorrow. Indeed, our Lord is Forgiving and Appreciative -
﴿وَقالُوا﴾ أيْ: يَقُولُونَ، وصِيغَةَ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ وهو ما أهَمَّهم مِن خَوْفِ سُوءِ العاقِبَةِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: حَزَنَ الأعْراضِ والآفاتِ، وعَنْهُ: حَزَنَ المَوْتِ.
وَعَنِ الضَّحّاكِ: الحَزَنُ وسُوسَةُ إبْلِيسَ.
وَقِيلَ: هَمُّ المَعاشِ.
وَقِيلَ: حَزَنَ (p-154)زَوالِ النِّعَمِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِجَمِيعِ أحْزانِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقُرِئَ: (الحُزْنَ).
وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: « "لَيْسَ عَلى أهْلِ (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) وحْشَةٌ في قُبُورِهِمْ، ولا في مَحْشَرِهِمْ، ولا في مَسِيرِهِمْ، وكَأنِّي بِأهْلِ (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) يُخْرَجُونَ مِن قُبُورِهِمْ يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ وُجُوهِهِمْ، ويَقُولُونَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ".» ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ﴾ أيْ: لِلْمُذْنِبِينَ ﴿شَكُورٌ﴾ لِلْمُطِيعِينَ.
35:35Page 438
ٱلَّذِيٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلۡمُقَامَةِ مِن فَضۡلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٞ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٞ ٣٥
He who has settled us in the home of duration [i.e., Paradise] out of His bounty. There touches us not in it any fatigue, and there touches us not in it weariness [of mind]."
﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ﴾ أيْ: دارَ الإقامَةِ الَّتِي لا انْتِقالَ عَنْها أبَدًا ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ مِن إنْعامِهِ وتَفَضُّلِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُوجِبَهُ شَيْءٌ مِن قِبَلِنا ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ تَعَبٌ ﴿وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ كَلالٌ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ النَّصَبَ نَفْسُ المَشَقَّةِ والكُلْفَةِ، واللُّغُوبَ ما يَحْدُثُ مِنهُ مِنَ الفُتُورِ، والتَّصْرِيحُ بِنَفْيِ الثّانِي - مَعَ اسْتِلْزامِ نَفْيِ الأوَّلِ لَهُ - وتَكْرِيرُ الفِعْلِ المَنفِيِّ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ انْتِفاءِ كُلِّ مِنهُما.
35:36Page 438
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقۡضَىٰ عَلَيۡهِمۡ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ عَذَابِهَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي كُلَّ كَفُورٖ ٣٦
And for those who disbelieve will be the fire of Hell. [Death] is not decreed for them1 so they may die, nor will its torment be lightened for them. Thus do We recompense every ungrateful one.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ﴾ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِمَوْتٍ ثانٍ ﴿فَيَمُوتُوا﴾ ويَسْتَرِيحُوا، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ (أنْ) وقُرِئَ: (فَيَمُوتُونَ) عَطْفًا عَلى (يُقْضى)، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾، ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ بَلْ كُلَّما خَبَتْ زِيدَ إسْعارُها ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ ﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ مُبالِغٍ في الكُفْرِ، أوِ الكُفْرانِ لا جَزاءً أخَفَّ وأدْنى مِنهُ. وقُرِئَ: (يُجْزى) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإسْنادُهُ إلى الكُلِّ، وقُرِئَ: (يُجازى).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences