Abu as-Su'udAn‑Nisa · 4:23–24

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:23–24

4:23Page 81

حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمۡ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُواْ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ وَحَلَٰٓئِلُ أَبۡنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ وَأَن تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٣

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred.1 Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ لَيْسَ المُرادُ تَحْرِيمَ ذَواتِهِنَّ بَلْ تَحْرِيمَ نِكاحِهِنَّ، وما يُقْصَدُ بِهِ مِنَ التَّمَتُّعِ بِهِنَّ وبَيانَ امْتِناعِ وُرُودِ مِلْكِ النِّكاحِ عَلَيْهِنَّ وانْتِفاءَ مَحَلِّيَّتِهِنَّ لَهُ رَأْسًَا، وأمّا حُرْمَةُ التَّمَتُّعِ بِهِنَّ بِمِلْكِ اليَمِينِ في المَوادِّ الَّتِي يُتَصَوَّرُ فِيها قَرارُ المِلْكِ كَما في بَعْضِ المَعْطُوفاتِ عَلى تَقْدِيرِ رِقِّهِنَّ فَثابِتَةٌ بِدِلالَةِ النَّصِّ لِاتِّحادِ المَدارِ الَّذِي هو عَدَمُ مَحَلِّيَّةِ أبْضاعِهِنَّ لِلْمِلْكِ لا بِعِبارَتِهِ بِشَهادَةِ سِباقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ وإنَّما لَمْ يُوجِبِ المَدارُ المَذْكُورُ امْتِناعَ وُرُودِ مِلْكِ اليَمِينِ رَأْسًَا ولا حُرْمَةَ سَبَبِهِ الَّذِي هو العَقْدُ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ كَما أوْجَبَ حُرْمَةَ عَقْدِ النِّكاحِ وامْتِناعَ وُرُودِ حُكْمِهِ عَلَيْهِنَّ لِأنَّ مَوْرِدَ مِلْكِ اليَمِينِ لَيْسَ هو البُضْعَ الَّذِي هو مَوْرِدُ مِلْكِ النِّكاحِ حَتّى يَفُوتَ بِفَواتِ مَحَلِّيَّتِهِ لَهُ كَمِلْكِ النِّكاحِ، فَإنَّهُ حَيْثُ كانَ مَوْرِدُهُ ذَلِكَ فاتَ بِفَواتِ مَحَلِّيَّتِهِ لَهُ قَطْعًَا وإنَّما مَوْرِدُهُ الرَّقَبَةُ المَوْجُودَةُ في كُلِّ رَقِيقٍ فَيَتَحَقَّقُ بِتَحَقُّقِ مَحَلِّهِ حَتْمًَا ثُمَّ يَزُولُ بِوُقُوعِ العِتْقِ في المَوادِّ الَّتِي سَبَبُ حُرْمَتِها مَحْضُ القَرابَةِ النَّسَبِيَّةِ كالمَذْكُوراتِ ويَبْقى في البَواقِي عَلى حالِهِ مُسْتَتْبِعًَا لِجَمِيعِ (p-161)أحْكامِهِ المَقْصُودَةِ مِنهُ شَرْعًَا، وأمّا حَلُّ الوَطْءِ فَلَيْسَ مِن تِلْكَ الأحْكامِ فَلا ضَيْرَ في تَخَلُّفِهِ عَنْهُ كَما في المَجُوسِيَّةِ، والأُمَّهاتُ تَعُمُّ الجَدّاتِ وإنْ عَلَوْنَ، والبَناتُ تَتَناوَلُ بَناتِهِنَّ وإنْ سَفَلْنَ، والأخَواتُ يَنْتَظِمْنَ الأخَواتِ مِنَ الجِهاتِ الثَّلاثِ وكَذا الباقِياتُ والعَمَّةُ كُلُّ أُنْثى ولَدَها مَن ولَدَ والِدَكَ، والخالَةُ كُلُّ أُنْثى ولَدَها مَن ولَدَ والِدَتَكَ قَرِيبًَا أوْ بَعِيدًَا، وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ تَتَناوَلُ.القُرْبى والبُعْدى.

﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ نَزَّلَ اللَّهُ تَعالى الرَّضاعَةَ مَنزِلَةَ النَّسَبِ حَتّى سَمّى المُرْضِعَةَ أُمًَّا لِلرَّضِيعِ والمُراضَعَةَ أُخْتًَا، وكَذَلِكَ زَوْجُ المُرْضِعَةِ أبُوهُ وأبَواهُ جَدّاهُ وأُخْتُهُ عَمَّتُهُ وكُلُّ ولَدٍ وُلِدَ لَهُ مِن غَيْرِ المُرْضِعَةِ قَبْلَ الرَّضاعِ وبَعْدَهُ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأبِيهِ وأُمُّ المُرْضِعَةِ جَدَّتُهُ وأُخْتُها خالَتُهُ وكُلُّ مَن وُلِدَ لَها مِن هَذا الزَّوْجِ فَهم إخْوانُهُ وأخَواتُهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ ومَن ولَدُها مِن غَيْرِهِ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأُمِّهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ﴾ وهو حُكْمٌ كُلِّيٌّ جارٍ عَلى عُمُومِهِ، وأمّا أُمُّ أخِيهِ لِأبٍ وأُخْتُ ابْنِهِ لِأُمٍّ وأُمُّ أُمِّ ابْنِهِ وأُمُّ عَمِّهِ وأُمُّ خالِهِ لِأبٍ فَلَيْسَتْ حُرْمَتُهُنَّ مِن جِهَةِ النَّسَبِ حَتّى يَحِلَّ بِعُمُومِهِ ضَرُورَةَ حِلِّهِنَّ في صُوَرِ الرَّضاعِ بَلْ مِن جِهَةِ المُصاهَرَةِ، ألا يُرى أنَّ الأُولى مَوْطُوءَةُ أبِيهِ والثّانِيَةَ بِنْتُ مَوْطُوءَتِهِ والثّالِثَةَ أُمُّ مَوْطُوءَتِهِ والرّابِعَةَ مَوْطُوءَةُ جَدِّهِ الصَّحِيحِ والخامِسَةَ مَوْطُوءَةُ جَدِّهِ الفاسِدِ.

﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ المُحَرَّماتِ مِن جِهَةِ المُصاهَرَةِ إثْرَ بَيانِ المُحَرَّماتِ مِن جِهَةِ الرَّضاعَةِ الَّتِي لَها لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، والمُرادُ بِالنِّساءِ المَنكُوحاتُ عَلى الإطْلاقِ سَواءً كُنَّ مَدْخُولًَا بِهِنَّ أوْ لا وعَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها: "إنَّهُ لا بَأْسَ بِأنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَها ولا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها"، وعَنْ عُمَرَ وعِمْرانَ بْنِ الحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الأُمَّ تَحْرُمُ بِنَفْسِ العَقْدِ، وعَنْ مَسْرُوقٍ هي مُرْسَلَةٌ فَأرْسِلُوا ما أرْسَلَ اللَّهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أبْهِمُوا ما أبْهَمَ اللَّهُ خَلا أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ وعَنْ عَلِيٍّ وزَيْدٍ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قَرَءُوا وأُمَّهاتُ نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وعَنْ جابِرٍ رِوايَتانِ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ زَيْدٍ أنَّهُ إذا ماتَتْ عِنْدَهُ فَأخَذَ مِيراثَها كُرِهَ أنْ يَخْلُفَ عَلى أُمِّها وإذا طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها فَإنْ شاءَ فَعَلَ، أقامَ المَوْتَ في ذَلِكَ مَقامَ الدُّخُولِ كَما قامَ مَقامَهُ في بابِ المَهْرِ والعِدَّةِ ويُلْحَقُ بِهِنَّ المَوْطُوءاتُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المَعْدُودَةِ فِيما سَبَقَ والمَمْسُوساتُ ونَظائِرُهُنَّ والأُمَّهاتُ تَعُمُّ المُرْضِعاتِ كَما تَعُمُّ الجَدّاتِ حَسْبَما ذَكَرَ.

﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ "الرَّبائِبُ": جَمْعُ رَبِيبَةٍ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ والتّاءُ لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ والرَّبِيبُ ولَدُ المَرْأةِ مِن آخَرَ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يَرُبُّهُ غالِبًَا كَما يَرُبُّ ولَدَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أمْرًَا مُطَّرِدًَا وهو المَعْنِيُّ بِكَوْنِهِنَّ في الحُجُورِ فَإنَّ شَأْنَهُنَّ الغالِبَ المُعْتادَ أنْ يَكُنَّ في حَضانَةِ أُمَّهاتِهِنَّ تَحْتَ حِمايَةِ أزْواجِهِنَّ كَوْنُهُنَّ كَذَلِكَ بِالفِعْلِ، وفائِدَةُ وصْفِهِنَّ بِذَلِكَ تَقْوِيَةُ عِلَّةِ الحُرْمَةِ وتَكْمِيلُها كَما أنَّها النُّكْتَةُ في إيرادِهِنَّ بِاسْمِ الرَّبائِبِ دُونَ بَناتِ النِّساءِ فَإنَّ كَوْنَهُنَّ بِصَدَدِ احْتِضانِهِمْ لَهُنَّ وفي شَرَفِ التَّقَلُّبِ في حُجُورِهِمْ وتَحْتَ حِمايَتِهِمْ وتَرْبِيَتِهِمْ مِمّا يُقَوِّي المُلابَسَةَ والشَّبَهَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أوْلادِهِمْ ويَسْتَدْعِي إجْراءَهُنَّ مَجْرى بَناتِهِمْ لا تَقْيِيدَ الحُرْمَةِ بِكَوْنِهِنَّ في حُجُورِهِمْ بِالفِعْلِ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِهِ أخَذَ داوُدُ ومَذْهَبُ جُمْهُورِ العُلَماءِ- ما ذُكِرَ أوَّلًَا بِخِلافِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ فَإنَّهُ لِتَقْيِيدِها بِهِ قَطْعًَا فَإنَّ (p-162)كَلِمَةَ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "رَبائِبُكُمْ" "أوْ مِن ضَمِيرِها المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ لِأنَّهُ لَمّا وقَعَ صِلَةً تَحَمَّلَ ضَمِيرًَا، أيْ: ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي اسْتَقْرَرْنَ في حُجُورِكم كائِناتٍ مِن نِسائِكُمُ إلَخْ، ولا مَساغَ لِجَعْلِهِ حالًَا مِن "أُمَّهاتُ" أوْ مِمّا أُضِيفَتْ هي إلَيْهِ خاصَّةً وهو بَيِّنٌ لا سُتْرَةَ بِهِ، ولا مَعَ ما ذُكِرَ أوَّلًَا ضَرُورَةَ أنَّ حالِيَّتَهُ مِن "رَبائِبِكُمْ" أوْ مِن ضَمِيرٍ ما تَقْتَضِي كَوْنَ كَلِمَةِ "مِن" ابْتِدائِيَّةً وحالِيَّتَهُ مِن "أُمَّهاتُ" أوْ مِن "نِسائِكُمْ" تَسْتَدْعِي كَوْنَها بَيانِيَّةً وادِّعاءُ كَوْنِها اتِّصالِيَّةً مُنْتَظِمَةً لِمَعْنى الِابْتِداءِ والبَيانِ أوْ جَعْلُ المَوْصُولِ صِفَةً لِلنِّساءِ مَعَ اخْتِلافِ عامِلَيْهِما مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ مَعَ أنَّهُ سَعْيٌ في إسْكاتِ ما نَطَقَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ واتَّفَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ حَسْبَما ذُكِرَ فِيما قَبْلُ، وأمّا ما نُقِلَ مِنَ القِراءَةِ فَضَعِيفَةُ الرِّوايَةِ وعَلى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّسْخِ، ومَعْنى الدُّخُولِ بِهِنَّ إدْخالُهُنَّ السِّتْرَ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ وهي كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ كَقَوْلِهِمْ: بَنى عَلَيْها وضَرَبَ عَلَيْها الحِجابَ وفي حُكْمِهِ اللَّمْسُ ونَظائِرُهُ كَما مَرَّ ﴿فَإنْ لَمْ تَكُونُوا﴾ أيْ: فِيما قَبْلُ.

﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أصْلًَا.

﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: في نِكاحِ الرَّبائِبِ، وهو تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ ما قَبْلَهُ، والفاءُ الأُولى لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ بَيانَ حُكْمِ الدُّخُولِ مُسْتَتْبِعٌ لِبَيانِ حُكْمِ عَدَمِهِ.

﴿وَحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ أيْ: زَوْجاتُهُمْ، سُمِّيَتِ الزَّوْجَةُ حَلِيلَةً لِحِلِّها لِلزَّوْجِ أوْ لِحُلُولِها في مَحَلِّهِ. وقِيلَ: لِحَلِّ كُلٍّ مِنهُما إزارَ صاحِبِهِ وفي حُكْمِهِنَّ مَزْنِيّاتُهم ومَن يَجْرِينَ مَجْراهُنَّ مِنَ المَمْسُوساتِ ونَظائِرِهِنَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ لِإخْراجِ الأدْعِياءِ دُونَ أبْناءِ الأوْلادِ والأبْناءِ مِنَ الرَّضاعِ فَإنَّهم وإنْ سَفُلُوا في حُكْمِ الأبْناءِ الصُّلْبِيَّةِ.

﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَطْفًَا عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، والمُرادُ بِهِ: جَمْعُهُما في النِّكاحِ لا في مِلْكِ اليَمِينِ، وأمّا جَمْعُهُما في الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِينِ فَمُلْحَقٌ بِهِ بِطَرِيقِ الدِّلالَةِ لِاتِّحادِهِما في المَدارِ، ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:﴿مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَجْمَعَنَّ ماءَهُ في رَحِمِ أُخْتَيْنِ﴾ بِخِلافِ نَفْسِ مِلْكِ اليَمِينِ فَإنَّهُ لَيْسَ في مَعْنى النِّكاحِ في الإفْضاءِ إلى الوَطْءِ ولا مُسْتَلْزِمًَا لَهُ، ولِذَلِكَ يَصِحُّ شِراءُ المَجُوسِيَّةِ دُونَ نِكاحِها حَتّى لَوْ وطِئَهُما يَحِلُّ لَهُ وطْءُ إحْداهُما حَتّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ وطْءُ الأُخْرى بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ وكَذا لَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَ أمَتِهِ المَوْطُوءَةِ لا يَحِلُّ لَهُ وطْءُ إحْداهُما حَتّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ الأُخْرى، لِأنَّ المَنكُوحَةَ مَوْطُوءَةٌ حُكْمًَا فَكَأنَّهُ جَمَعَهُما وطْأً وإسْنادُ الحُرْمَةِ إلى جَمْعِهِما لا إلى الثّانِيَةِ مِنهُما بِأنْ يُقالَ وأخَواتُ نِسائِكم لِلِاحْتِرازِ عَنْ إفادَةِ الحُرْمَةِ المُؤَبَّدَةِ كَما في المُحَرَّماتِ السّابِقَةِ ولِكَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى حُرْمَةِ الجَمْعِ بَيْنَهُما عَلى سَبِيلِ المَعِيَّةِ ويَشْتَرِكُ في هَذا الحُكْمِ الجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها ونَظائِرِها، فَإنَّ مَدارَ حُرْمَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إفْضاؤُهُ إلى قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِهِ وذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ في الجَمْعِ بَيْنَ هَؤُلاءِ بَلْ أوْلى فَإنَّ العَمَّةَ والخالَةَ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ، فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها ولا عَلى ابْنَةِ أخِيها ولا عَلى ابْنَةِ أُخْتِها﴾ مِن قَبِيلِ بَيانِ التَّفْسِيرِ لا بَيانِ التَّغْيِيرِ، وقِيلَ: هو مَشْهُورٌ يَجُوزُ بِهِ الزِّيادَةُ عَلى الكِتابِ.

﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ ما قَدْ مَضى لا تُؤاخَذُونَ بِهِ ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِهِ مُتَّصِلًَا بِقَصْدِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ كَما مَرَّ فِيما سَلَفَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما أفادَهُ الِاسْتِثْناءُ، فَيَتَحَتَّمُ الِانْقِطاعُ. وقالَ عَطاءُ والسُّدِّيُّ مَعْناهُ، إلّا ما كانَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ لِيا أُمِّ يَهُوذا وبَيْنَ راحِيلَ أُمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يُساعِدُهُ التَّعْلِيلُ لِأنَّ ما فَعَلَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حَلالًَا في شَرِيعَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ (p-163)تَعالى إلّا امْرَأةَ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ. ورَوى هِشامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعْرِفُونَ هَذِهِ المُحَرَّماتِ إلّا اثْنَتَيْنِ نِكاحَ امْرَأةِ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ. ألا يُرى أنَّهُ قَدْ عُقِّبَ النَّهْيُ عَنْ كُلٍّ مِنهُما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ وهَذا يُشِيرُ إلى كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ فِيهِما عَلى سَنَنٍ واحِدٍ، ويَأْباهُ اخْتِلافُ التَّعْلِيلَيْنِ.

4:24Page 82

۞ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٢٤

And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess.1 [This is] the decree of Allāh upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation2 as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

﴿والمُحْصَناتُ﴾ بِفَتْحِ الصّادِ، وهُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ أحْصَنَهُنَّ التَّزَوُّجُ أوِ الأزْواجُ أوِ الأوْلِياءُ أيْ: أعَفَّهُنَّ عَنِ الوُقُوعِ في الحَرامِ، وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ فَإنَّهُنَّ أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ عَنْ غَيْرِ أزْواجِهِنَّ أوْ أحْصَنَّ أزْواجَهُنَّ. وقِيلَ: الصِّيغَةُ لِلْفاعِلِ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْضًَا وفَتْحُ الصّادِ مَحْمُولٌ عَلى الشُّذُوذِ كَما في نَظِيرَيْهِ مُلْقَحٍ ومُسْهَبٍ مِن ألْقَحَ وأسْهَبَ. قِيلَ: ورَدَ الإحْصانُ في القرآن بِإزاءِ أرْبَعَةِ مَعانٍ، الأوَّلُ: التَّزَوُّجُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، الثّانِي: العِفَّةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾، الثّالِثُ: الحُرِّيَّةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾، والرّابِعُ: الإسْلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ . قِيلَ في تَفْسِيرِهِ، أيْ: أسْلَمْنَ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى المُحَرَّماتِ السّابِقَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنها، أيْ: كائِناتٍ مِنَ النِّساءِ، وفائِدَتُهُ تَأْكِيدُ عُمُومِها لا دَفْعُ تَوَهُّمِ شُمُولِها لِلرِّجالِ بِناءً عَلى كَوْنِها صِفَةً لِلْأنْفُسِ كَما تُوُهِّمَ.

﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المُحْصَناتِ اسْتِثْناءَ النَّوْعِ مِنَ الجِنْسِ أيْ: مَلَكْتُمُوهُ، وإسْنادُ المِلْكِ إلى الأيْمانِ لِما أنَّ سَبَبَهُ الغالِبَ هو الصِّفَةُ الواقِعَةُ بِها، وقَدِ اشْتُهِرَ ذَلِكَ في الأرِقّاءِ لاسِيَّما في إناثِهِمْ وهُنَّ المُراداتُ هَهُنا رِعايَةً لِلْمُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مِلْكِ النِّكاحِ الوارِدِ عَلى الحَرائِرِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُنَّ بِـ"ما" لِإسْقاطِهِنَّ بِما فِيهِنَّ مِن قُصُورِ الرِّقِّ عَنْ رُتْبَةِ العُقَلاءِ، وهي إمّا عامَّةٌ حَسَبَ عُمُومِ صِلَتِها فالِاسْتِثْناءُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِإخْراجِ جَمِيعِ أفْرادِها مِن حُكْمِ التَّحْرِيمِ بِطَرِيقِ شُمُولِ النَّفْيِ بَلْ بِطَرِيقِ نَفْيِ الشُّمُولِ المُسْتَلْزِمِ لِإخْراجِ بَعْضِها، أيْ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ عَلى الإطْلاقِ إلّا المُحْصَناتُ اللّاتِي مَلَكْتُمُوهُنَّ فَإنَّهُنَّ لَسْنَ مِنَ المُحَرَّماتِ عَلى الإطْلاقِ بَلْ فِيهِنَّ مَن لا يَحْرُمُ نِكاحُهُنَّ في الجُمْلَةِ وهُنَّ المَسْبِيّاتُ بِغَيْرِ أزْواجِهِنَّ أوْ مُطْلَقًَا حَسَبَ اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ، وإمّا خاصَّةٌ بِالمَذْكُوراتِ فالمَعْنى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ إلّا اللّاتِي سُبِينَ فَإنَّ نِكاحَهُنَّ مَشْرُوعٌ في الجُمْلَةِ أيْ: لِغَيْرِ مُلّاكِهِنَّ، وأمّا حِلُّهُنَّ لَهم بِحُكْمِ مِلْكِ اليَمِينِ فَمَفْهُومٌ بِدِلالَةِ النَّصِّ لِاتِّحادِ المَناطِ لا بِعِبارَتِهِ لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالمُحَرَّماتِ المَعْدُودَةِ بِحُكْمِ مِلْكِ النِّكاحِ وإنَّما ثُبُوتُ حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِهِنَّ بِحُكْمِ مِلْكِ اليَمِينِ بِطَرِيقِ دِلالَةِ النَّصِّ وذَلِكَ مِمّا لا يَجْرِي فِيهِ الِاسْتِثْناءُ قَطْعًَا، وأمّا عَدُّهُنَّ مِن ذَواتِ الأزْواجِ مَعَ تَحَقُّقِ الفُرْقَةِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ قَطْعًَا بِالتَّبايُنِ أوْ بِالسَّبْيِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ فَمَبْنِيٌّ عَلى اعْتِقادِ النّاسِ حَيْثُ كانُوا حِينَئِذٍ غافِلِينَ عَنِ الفُرْقَةِ، ألا يُرى إلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن أنَّهُ قالَ: أصَبْنا يَوْمَ أوْطاسٍ سَبايا لَهُنَّ أزْواجٌ فَكَرِهْنا أنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ، فَسَألْنا النَّبِيَّ ﷺ - وفي رِوايَةٍ عَنْهُ قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ - كَيْفَ نَقَعُ عَلى (p-164)نِساءٍ عَرَفْنا أنْسابَهُنَّ وأزْواجَهُنَّ فَنَزَلَتْ* والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم فاسْتَحْلَلْناهُنَّ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ ونادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ألّا تُوطَأ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ ولا حائِلٌ حَتّى تَحِيضَ فَأباحَ وطْأهُنَّ بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ، ولَيْسَ في تَرْتِيبِ هَذا الحُكْمِ عَلى نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مَسُوقَةً لَهُ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتَوَقَّفُ عَلى إفادَتِها لَهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الدِّلالَةِ عَلى إفادَتِها بِطَرِيقِ العِبارَةِ أوْ نَحْوِها.

هَذا وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّها نَزَلَتْ في نِساءٍ كُنَّ يُهاجِرْنَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَهُنَّ أزْواجٌ فَيَتَزَوَّجُهُنَّ بَعْضُ المُسْلِمِينَ ثُمَّ يَقْدُمُ أزْواجُهُنَّ مُهاجِرِينَ فَنَهى عَنْ نِكاحِهِنَّ، فالمُحْصَناتُ حِينَئِذٍ عِبارَةٌ عَنْ مُهاجِراتٍ يَتَحَقَّقُ أوْ يُتَوَقَّعُ مِن أزْواجِهِنَّ الإسْلامُ والمُهاجَرَةُ ولِذَلِكَ لَمْ يَزُلْ عَنْهُنَّ اسْمُ الإحْصانِ، والنَّهْىُ لِتَحْرِيمِ المُحَقَّقِ وتَعَرُّفِ حالِ المُتَوَقَّعِ وإلّا فَما عَداهُنَّ بِمَعْزِلٍ مِنَ الحُرْمَةِ واسْتِحْقاقِ إطْلاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِنَّ، كَيْفَ لا؟ وحِينَ انْقَطَعَتِ العَلاقَةُ بَيْنَ المَسْبِيَّةِ وزَوْجِها مَعَ اتِّحادِهِما في الدِّينِ فَلَأنْ تَنْقَطِعَ ما بَيْنَ المُهاجِرَةِ وزَوْجِها أحَقُّ وأوْلى كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ الآيَةُ.

﴿كِتابَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: كَتَبَ اللَّهُ.

﴿عَلَيْكُمْ﴾ تَحْرِيمَ هَؤُلاءِ كِتابًَا وفَرَضَهُ فَرْضًَا. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أىِ: الزَمُوا كِتابَ اللَّهِ و"عَلَيْكُمْ" مُتَعَلِّقٌ إمّا بِالمَصْدَرِ وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنهُ. وقِيلَ: هو إغْراءٌ آخَرُ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ قَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِدِلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ أوْ بِنَفْسِ "عَلَيْكُمْ" عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ تَقْدِيمَ المَنصُوبِ في بابِ الإغْراءِ كَما في قَوْلِهِ:

؎ يَأيُّها المائِحُ دَلْوِي دُونَكا ∗∗∗ إنِّي رَأيْتُ النّاسَ يَحْمَدُونَكا

وَقُرِئَ "كُتُبُ اللَّهِ" بِالجَمْعِ والرَّفْعِ أيْ: هَذِهِ فَرائِضُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وقُرِئَ "كَتَبَ اللَّهُ" بِلَفْظِ الفِعْلِ.

﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ إلَخْ وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بَيْنَهُما لِلْمُبالَغَةِ في الحَمْلِ عَلى المُحافَظَةِ عَلى المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةِ، وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ فَيَكُونُ مَعْطُوفًَا عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ: بَلْ عَلى ﴿حُرِّمَتْ﴾ *إلَخْ فَإنَّهُما جُمْلَتانِ مُتَقابِلَتانِ مُؤَسِّسَتانِ لِلتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ المَنُوطَيْنِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، ولا ضَيْرَ في اخْتِلافِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لاسِيَّما بَعْدَ ما أُكِّدَتِ الأُولى بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُحَرِّمَ هو اللَّهُ تَعالى.

﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِنَ المُحَرَّماتِ المَعْدُودَةِ، أيْ: أُحِلَّ لَكم نِكاحُ ما سِواهُنَّ انْفِرادًَا وجَمْعًَا، ولَعَلَّ إيثارَ اسْمِ الإشارَةِ المُتَعَرِّضِ لِوَصْفِ المُشارِ إلَيْهِ وعُنْوانِهِ عَلى الضَّمِيرِ المُتَعَرِّضِ لِلذّاتِ فَقَطْ لِتَذْكِيرِ ما في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ مِنَ العُنْوانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ حُكْمُ الحُرْمَةِ فَيُفْهَمُ مُشارَكَةُ مَن في مَعْناهُنَّ لَهُنَّ فِيها بِطَرِيقِ الدِّلالَةِ، فَإنَّ حُرْمَةَ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها وبَيْنَها وبَيْنَ خالَتِها لَيْسَتْ بِطَرِيقِ العِبارَةِ بَلْ بِطَرِيقِ الدِّلالَةِ كَما سَلَفَ. وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ بِالإحْلالِ الإحْلالُ مُطْلَقًَا أيْ: عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ حَتّى يَرِدَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ حِلُّ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها وبَيْنَها وبَيْنَ خالَتِها بَلْ إنَّما هو إحْلالُهُنَّ في الجُمْلَةِ، أيْ: عَلى بَعْضِ الأحْوالِ، ولا رَيْبَ في حِلِّ نِكاحِهِنَّ بِطَرِيقِ الِانْفِرادِ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ حُرْمَتُهُ بِطَرِيقِ الجَمْعِ، ألا يُرى أنَّ حُرْمَةَ نِكاحِ المُعْتَدَّةِ والمُطَلَّقَةِ ثَلاثًَا والخامِسَةِ ونِكاحِ الأمَةِ عَلى الحُرَّةِ ونِكاحِ المُلاعَنَةِ تَقْدَحُ في حِلِّ نِكاحِهِنَّ بَعْدَ العِدَّةِ وبَعْدَ التَّحْلِيلِ وبَعْدَ تَطْلِيقِ الرّابِعَةِ وانْقِضاءِ العِدَّةِ وبَعْدَ تَطْلِيقِ الحُرَّةِ وبَعْدَ إكْذابِ المُلاعِنِ نَفْسَهُ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الحِلَّ يَجِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ هَهُنا بِما تَعَلَّقَ بِهِ الحُرْمَةُ فِيما سَلَفَ وقَدْ تَعَلَّقَ هَهُنا بِالجَمْعِ فَلا بُدَّ أنْ يَتَعَلَّقَ الحِلُّ بِهِ أيْضًَا.

﴿أنْ تَبْتَغُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى أنَّهُ (p-165)مَفْعُولٌ لَهُ لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ ذاتِهِما بَلْ بِاعْتِبارِ بَيانِهِما وإظْهارِهِما أيْ: بَيَّنَ لَكم تَحْرِيمَ المُحَرَّماتِ المَعْدُودَةِ وإحْلالَ ما سِواهُنَّ إرادَةَ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَبْتَغُوُا النِّساءَ أوْ مَتْرُوكٌ، أيْ: تَفْعَلُوُا الِابْتِغاءَ.

﴿بِأمْوالِكُمْ﴾ بِصَرْفِها إلى مُهُورِهِنَّ أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِمّا وراءَ ذَلِكم بِتَقْدِيرِ ضَمِيرِ المَفْعُولِ.

﴿مُحْصِنِينَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "تَبْتَغُوا" والإحْصانُ: العِفَّةُ وتَحْصِينُ النَّفْسِ عَنِ الوُقُوعِ فِيما يُوجِبُ اللَّوْمَ والعِقابَ.

﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ مِنهُ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "مُحْصِنِينَ" والسِّفاحُ: الزِّنا والفُجُورُ مِنَ السَّفْحِ الَّذِي هو صَبُّ المَنِيِّ، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ الغَرَضُ مِنهُ ومَفْعُولُ الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفٌ، أيْ: مُحْصِنِينَ فُرُوجَكم غَيْرَ مُسافِحِينَ الزَّوانِي وهي في الحَقِيقَةِ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ المُحْصِنَ غَيْرُ مُسافِحٍ البَتَّةَ وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ إمّا عِبارَةٌ عَنِ النِّساءِ أوْ عَمّا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ مِنَ الأفْعالِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهي إمّا شَرْطِيَّةٌ ما بَعْدَها شَرْطُها وإمّا مَوْصُولَةٌ ما بَعْدَها صِلَتُها وأيًَّا ما كانَ؛ فَهي مُبْتَدَأٌ خَبَرُها عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها شَرْطِيَّةً إمّا فِعْلُ الشَّرْطِ أوْ جَوابُهُ أوْ كِلاهُما عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، والفاءُ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها عِبارَةً عَنِ النِّساءِ، فالعائِدُ إلى المُبْتَدَإ هو الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في "فَآتُوهُنَّ" سَواءً كانَتْ شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً و"مِن" بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في "بِهِ" والمَعْنى: فَأيُّ فَرْدٍ اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ أوْ فالفَرْدُ الَّذِي اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ حالَ كَوْنِهِ مِن جِنْسِ النِّساءِ أوْ بَعْضَهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وقَدْ رُوعِيَ تارَةً جانِبُ اللَّفْظِ فَأُفْرِدَ الضَّمِيرُ أوَّلًَا وأُخْرى جانِبُ المَعْنى فَجُمِعَ ثانِيًَا وثالِثًَا، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها عِبارَةً عَمّا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ فَـ"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِمْتاعِ والعائِدُ إلى المُبْتَدَإ مَحْذُوفٌ والمَعْنى: أيُّ فِعْلٍ اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِن جِهَتِهِنَّ مِن نِكاحٍ أوْ خَلْوَةٍ أوْ نَحْوِهِما أوْ فالفِعْلُ الَّذِي اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِن قِبَلِهِنَّ مِنَ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ لِأجْلِهِ أوْ بِمُقابَلَتِهِ، والمُرادُ بِالأُجُورِ: المُهُورُ فَإنَّها أُجُورُ أبْضاعِهِنَّ.

﴿فَرِيضَةً﴾ حالٌ مِنَ الأُجُورِ بِمَعْنى مَفْرُوضَةٍ أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إيتاءً مَفْرُوضًَا أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: فُرِضَ ذَلِكَ فَرِيضَةً أيْ: لَهُنَّ عَلَيْكم.

﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنَ الحَطِّ عَنِ المَهْرِ أوِ الإبْراءِ مِنهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتُوُا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾ وتَعْمِيمُهُ لِلزِّيادَةِ عَلى المُسَمّى يُساعِدُهُ رَفْعُ الجُناحِ عَنِ الرِّجالِ لِأنَّها لَيْسَتْ مَظِنَّةَ الجُناحِ إلّا أنْ يُجْعَلَ الخِطابُ لِلْأزْواجِ تَغْلِيبًَا فَإنَّ أخْذَ الزِّيادَةِ عَلى المُسَمّى مَظِنَّةُ الجُناحِ عَلى الزَّوْجَةِ، وقِيلَ: فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن نَفَقَةٍ ونَحْوِها. وقِيلَ: مِن مَقامٍ أوْ فِراقٍ ولا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ إذْ لا تَعَلُّقَ لَهُما بِالفَرِيضَةِ إلّا أنْ يَكُونَ الفِراقُ بِطَرِيقِ المُخالَعَةِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُتْعَةِ الَّتِي هي النِّكاحُ إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ مِن يَوْمٍ أوْ أكْثَرَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الغَرَضَ مِنها مُجَرَّدُ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ واسْتِمْتاعِها بِما يُعْطى وقَدْ أُبِيحَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ حِينَ فُتِحَتْ مَكَّةُ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى ثُمَّ نُسِخَتْ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أباحَها ثُمَّ أصْبَحَ يَقُولُ: « "يا أيُّها النّاسُ إنِّي كُنْتُ أمَرْتُكم بِالِاسْتِمْتاعِ مِن هَذِهِ النِّساءِ ألا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ".» وقِيلَ: أُبِيحَ مَرَّتَيْنِ وحُرِّمَ مَرَّتَيْنِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ رَجَعَ عَنِ القَوْلِ بِجَوازِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وقالَ اللَّهُمَّ إنِّي أتُوبُ إلَيْكَ مِن قَوْلِي بِالمُتْعَةِ وقَوْلِي في الصَّرْفِ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بِمَصالِحِ العِبادِ.

﴿حَكِيمًا﴾ فِيما شَرَعَ لَهم مِنَ الأحْكامِ، ولِذَلِكَ شَرَعَ لَكم هَذِهِ الأحْكامَ اللّائِقَةَ بِحالِكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском