Abu as-Su'udAn‑Nisa · 4:41–45

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:41–45

4:41Page 85

فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and We bring you, [O Muḥammad], against these [people] as a witness?

﴿فَكَيْفَ﴾ مَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وإمّا النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى التَّشْبِيهِ بِالحالِ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، أوْ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ كَما هو رَأْيُ الأخْفَشِ أىْ: فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ أوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ.

﴿إذا جِئْنا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ.

﴿بِشَهِيدٍ﴾ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِن فَسادِ العَقائِدِ وقَبائِحِ الأعْمالِ وهو نَبِيُّهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَضْمُونُ المُبْتَدَإ والخَبَرِ مِن هَوْلِ الأمْرِ وعِظَمِ الشَّأْنِ أوِ الفِعْلُ المُقَدَّرُ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"جِئْنا".

﴿وَجِئْنا بِكَ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿عَلى هَؤُلاءِ﴾ إشارَةٌ إلى الشُّهَداءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِما ذَكَرَ.

﴿شَهِيدًا﴾ تَشْهَدُ عَلى صِدْقِهِمْ لِعِلْمِكَ بِعَقائِدِهِمْ لِاسْتِجْماعِ شَرْعِكَ لِمَجامِعِ قَواعِدِهِمْ. وقِيلَ: إلى المُكَذِّبِينَ المُسْتَفْهَمِ عَنْ حالِهِمْ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ كَما يَشْهَدُ سائِرُ الأنْبِياءِ عَلى أُمَمِهِمْ. وقِيلَ: إلى المُؤْمِنِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ .

4:42Page 85

يَوۡمَئِذٖ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوۡ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضُ وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا ٤٢

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allāh a [single] statement.

﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمُ الَّتِي أُشِيرَ إلى شِدَّتِها وفَظاعَتِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ﴾ فَإنْ أُرِيدَ بِهِمُ المُكَذِّبُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فالتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لا سِيَّما بَعْدَ الإشارَةِ إلَيْهِمْ بِهَؤُلاءِ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ ما اعْتَراهم مِنَ الحالِ الفَظِيعَةِ والأمْرِ الهائِلِ، وإيرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَشْرِيفِهِ وزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِ مُكَذِّبِيهِ فَإنَّ حَقَّ الرَّسُولِ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُطاعَ لا أنْ يُكْفَرَ بِهِ ويُعْصى، وإنْ أُرِيدَ بِهِمْ جِنْسُ الكَفَرَةِ فَهم داخِلُونَ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا والمُرادُ بِالرَّسُولِ حِينَئِذٍ: الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ انْتِظامًَا أوَّلِيًَّا، وأيًَّا ما كانَ؛ فَفِيهِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ وتَفْظِيعِ الحالِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَصَوُا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كَفَرُوا﴾ داخِلٌ مَعَهُ في الصِّلَةِ والمُرادُ: مَعاصِيهِمُ المُغايِرَةُ لِكُفْرِهِمْ، فَفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ. وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ "كَفَرُوا".﴾ وقِيلَ: صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ آخَرَ، أيْ: يَوَدُّ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ وعِصْيانِ الرَّسُولِ أوِ الَّذِينَ كَفَرُوا وقَدْ عَصَوُا الرَّسُولَ أوِ الَّذِينَ كَفَرُوا والَّذِينَ عَصَوُا الرَّسُولَ. و"لَوْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ إنْ جُعِلَتْ مَصْدَرِيَّةً فالجُمْلَةُ مَفْعُولٌ لِـ"يَوَدُّ" أيْ: يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا فَتُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ كالمَوْتى. وقِيلَ: يَوَدُّونَ أنَّهم لَمْ يُبْعَثُوا أوْ لَمْ يُخْلَقُوا وكَأنَّهم والأرْضَ سَواءٌ. وقِيلَ: تَصِيرُ البَهائِمُ تُرابًَا فَيَوَدُّونَ حالَها. وإنْ جُعِلَتْ جارِيَةً عَلى بابِها فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ الجُمْلَةِ عَلَيْهِ، أيْ: يَوَدُّونَ تَسْوِيَةَ الأرْضِ وجَوابُ "لَوْ" أيْضًَا مَحْذُوفٌ إيذانًَا بِغايَةِ ظُهُورِهِ، أيْ: لَسُرُّوا بِذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عَطْفٌ عَلى "يَوَدُّ" أيْ: ولا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ لِأنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ (p-179)أىْ يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا في الأرْضِ وهم يَكْتُمُونَ مِنهُ تَعالى حَدِيثًَا ولا يَكْذِبُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ؛ إذْ رُوِيَ أنَّهم إذا قالُوا ذَلِكَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم فَيَشْتَدُّ الأمْرُ عَلَيْهِمْ فَيَتَمَنَّوْنَ أنْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ. وقُرِئَ "تَسَّوّى" عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَسَوّى فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ، وقُرِئَ "تَسَوّى" بِحَذْفِ التّاءِ الثّانِيَةِ يُقالُ: سَوَّيْتُهُ فَتَسَوّى.

4:43Page 85

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ٤٣

O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying1 or in a state of janābah,2 except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women [i.e., had sexual intercourse] and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allāh is ever Pardoning3 and Forgiving.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوُا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ لَمّا نُهُوا فِيما سَلَفَ عَنِ الإشْراكِ بِهِ تَعالى نُهُوا هَهُنا عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَنَعَ طَعامًَا وشَرابًَا حِينَ كانَتِ الخَمْرُ مُباحَةً فَدَعا نَفَرًَا مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَأكَلُوا وشَرِبُوا حَتّى ثَمِلُوا وجاءَ وقْتُ صَلاةِ المَغْرِبِ فَتَقَدَّمَ أحَدُهم لِيُصَلِّيَ بِهِمْ فَقَرَأ "أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ" فَنَزَلَتْ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في حَمْلِهِمْ عَلى العَمَلِ بِمُوجِبِ النَّهْيِ إلى قُرْبانِ الصَّلاةِ مَعَ أنَّ المُرادَ هو النَّهْيُ عَنْ إقامَتِها لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ: النَّهْيُ عَنْ قُرْبانِ المَساجِدِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكُمْ﴾ ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ فالمَعْنى: لا تُقِيمُوها في حالَةِ السُّكْرِ حَتّى تَعْلَمُوا قَبْلَ الشُّرُوعِ ما تَقُولُونَهُ إذْ بِتِلْكَ التَّجْرِبَةِ يَظْهَرُ أنَّهم يَعْلَمُونَ ما سَيَقْرَءُونَهُ في الصَّلاةِ، وحَمْلُ "ما تَقُولُونَ" عَلى ما في الصَّلاةِ يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ الشُّرُوعِ فِيها عَلى غايَةِ النَّهْيِ وحَمْلُ العِلْمِ عَلى "ما" بِالقُوَّةِ عَلى مَعْنى: حَتّى تَكُونُوا بِحَيْثُ تَعْلَمُونَ ما سَتَقْرَءُونَ في الصَّلاةِ تَطْوِيلٌ بِلا طائِلٍ، لِأنَّ تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ إنَّما تَظْهَرُ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّجْرِبَةِ، عَلى أنَّ إيثارَ "ما تَقُولُونَ" عَلى ما تَقْرَءُونَ حِينَئِذٍ يَكُونُ عارِيًَا عَنِ الدّاعِي. وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّكْرِ: سُكْرُ النُّعاسِ وغَلَبَةُ النَّوْمِ، وأيًَّا ما كانَ؛ فَلَيْسَ مَرْجِعُ النَّهْيِ هو المُقَيِّدَ مَعَ بَقاءِ القَيْدِ مُرَخِّصًَا بِحالِهِ بَلْ إنَّما هو القَيْدُ مَعَ بَقاءِ المُقَيَّدِ عَلى حالِهِ ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْكَرُوا في أوْقاتِ الصَّلاةِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا بَعْدَ ما نَزَلَتِ الآيَةُ لا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ في أوْقاتِ الصَّلاةِ فَإذا صَلُّوُا العِشاءَ شَرِبُوها فَلا يُصْبِحُونَ إلّا وقَدْ ذَهَبَ عَنْهُمُ السُّكْرُ وعَلِمُوا ما يَقُولُونَ.

﴿وَلا جُنُبًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ سُكارى﴾ فَإنَّهُ في حَيِّزِ النَّصْبِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْرَبُوُا الصَّلاةَ سُكارى ولا جُنُبًَا، والجُنُبُ مَن أصابَهُ الجَنابَةُ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والجَمْعُ لِجَرَيانِهِ مَجْرى المَصْدَرِ.

﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "لا تَقْرَبُوا" بِاعْتِبارِ تَقَيُّدِهِ بِالحالِ الثّانِيَةِ دُونَ الأُولى، والعامِلُ فِيهِ فِعْلُ النَّهْيِ أيْ: لا تَقْرَبُوُا الصَّلاةَ جُنُبًَا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِكم مُسافِرِينَ، عَلى مَعْنى: أنَّ في حالَةِ السَّفَرِ يَنْتَهِي حُكْمُ النَّهْيِ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ شُمُولِ النَّفْيِ لِجَمِيعِ صُوَرِها بَلْ بِطَرِيقِ نَفْيِ الشُّمُولِ في الجُمْلَةِ مِن غَيْرِ دِلالَةٍ عَلى انْتِفاءِ خُصُوصِيَّةِ البَعْضِ المُنْتَفِي ولا عَلى بَقاءِ خُصُوصِيَّةِ (p-180)البَعْضِ الباقِي ولا عَلى ثُبُوتِ نَقِيضِهِ لا كُلِّيًَّا ولا جُزْئِيًَّا، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ عِبارَةً، نَعَمْ يُشِيرُ إلى مُخالَفَةِ حُكْمِ ما بَعْدَهُ لِما قَبْلَهُ إشارَةً إجْمالِيَّةً يُكْتَفى بِها في المَقاماتِ الخِطابِيَّةِ لا في إثْباتِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإنَّ مِلاكَ الأمْرِ في ذَلِكَ إنَّما هو الدَّلِيلُ وقَدْ ورَدَ عَقِيبَهُ عَلى طَرِيقَةِ البَيانِ وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِـ"جُـُنُبًَا" عَلى أنَّ "إلى" بِمَعْنى غَيْرِ أيْ: وإلّا جُنُبًَا غَيْرَ عابِرِي سَبِيلٍ، ومَن حَمَلَ الصَّلاةَ عَلى مَواضِعِها فَسَّرَ العُبُورَ بِالِاجْتِيازِ بِها وجَوَّزَ لِلْجُنُبِ عُبُورَ المَسْجِدِ وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وعِنْدَنا لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ الماءُ أوِ الطَّرِيقُ فِيهِ. وقِيلَ: إنَّ رِجالًَا مِنَ الأنْصارِ كانَتْ أبْوابُهم في المَسْجِدِ وكانَ يُصِيبُهُمُ الجَنابَةُ ولا يَجِدُونَ مَمَرًَّا إلّا في المَسْجِدِ فَرُخِّصَ لَهم ذَلِكَ.

﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ غايَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ حالَةَ الجَنابَةِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ حُكْمَ النَّهْيِ في هَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ عَلى الإطْلاقِ كَما في صُورَةِ السُّكْرِ تَشْوِيقًَا إلى البَيانِ ورَوْمًَا لِزِيادَةِ تَقَرُّرِهِ في الأذْهانِ، وفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُصَلِّيَ حَقُّهُ أنْ يَتَحَرَّزَ عَمّا يُلْهِيهِ ويَشْغَلُ قَلْبَهُ وأنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ عَمّا يُدَنِّسُها ولا يَكْتَفِيَ بِأدْنى مَراتِبِ التَّزْكِيَةِ عِنْدَ إمْكانِ أعالِيها.

﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في الِاسْتِثْناءِ وبَيانِ ما هو في حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنَ الأعْذارِ، والِاقْتِصارُ فِيما قَبْلُ عَلى اسْتِثْناءِ السَّفَرِ مَعَ مُشارَكَةِ الباقِي لَهُ في حُكْمِ التَّرْخِيصِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ العُذْرُ الغالِبُ المُنْبِئُ عَنِ الضَّرُورَةِ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ الرُّخْصَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولا جُنُبًَا إلّا مُضْطَرِّينَ وإلَيْهِ مَرْجِعُ ما قِيلَ مِن أنَّهُ جُعِلَ "عابِرِي سَبِيلٍ" كِنايَةً عَنْ مُطْلَقِ المَعْذُورِينَ والمُرادُ بِالمَرَضِ: ما يَمْنَعُ مِنِ اسْتِعْمالِ الماءِ مُطْلَقًَا سَواءً كانَ ذَلِكَ بِتَعَذُّرِ الوُصُولِ إلَيْهِ أوْ بِتَعَذُّرِ اسْتِعْمالِهِ.

﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ عَطْفٌ عَلى "مَرْضى" أيْ: أوْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ما طالَ أوْ قَصُرَ وإيرادُهُ صَرِيحًَا مَعَ سَبْقِ ذِكْرِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ لِبِناءِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْهِ وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى ثُبُوتِهِ فَضْلًَا عَنِ الدِّلالَةِ عَلى كَيْفِيَّتِهِ، وتَقْدِيمُ المَرَضِ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِ واسْتِقْلالِهِ بِأحْكامٍ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ كالِاشْتِدادِ بِاسْتِعْمالِ الماءِ ونَحْوِهِ.

﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ هو المَكانُ الغائِرُ المُطْمَئِنُّ والمَجِيءُ مِنهُ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ لِأنَّ المُعْتادَ أنَّ مَن يُرِيدُهُ يَذْهَبُ إلَيْهِ لِيُوارِيَ شَخْصَهُ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، وإسْنادُ المَجِيءِ مِنهُ إلى واحِدٍ مِنهم مِنَ المُخاطَبِينَ دُونَهم لِلتَّفادِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَتِهِمْ إلى ما يُسْتَحْيا مِنهُ أوْ يُسْتَهْجَنُ التَّصْرِيحُ بِهِ وكَذَلِكَ إيثارُ الكِنايَةِ فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ عَلى التَّصْرِيحِ بِالجِماعِ، ونَظْمُهُما في سِلْكِ سَبَبَيْ سُقُوطِ الطَّهارَةِ والمَصِيرِ إلى التَّيَمُّمِ مَعَ كَوْنِهِما سَبَبَيْ وُجُوبِها لَيْسَ بِاعْتِبارِ أنْفُسِهِما بَلْ بِاعْتِبارِ قَيْدِهِما المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ بَلْ هو السَّبَبُ في الحَقِيقَةِ وإنَّما ذُكِرا تَمْهِيدًَا لَهُ وتَنْبِيهًَا عَلى أنَّهُ سَبَبٌ لِلرُّخْصَةِ بَعْدَ انْعِقادِ سَبَبِ الطَّهارَةِ الصُّغْرى والكُبْرى كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ لَمْ تَكُونُوا مَرْضى أوْ مُسافِرِينَ بَلْ كُنْتُمْ فاقِدِينَ لِلْماءِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ اسْتِعْمالَهُ، وتَخْصِيصُ ذِكْرِهِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ أنَّهُ مُعْتَبَرٌ في صُورَةِ المَرَضِ والسَّفَرِ أيْضًَا لِنُدْرَةِ وُقُوعِهِ فِيها واسْتِغْنائِهِما عَنْ ذِكْرِهِ إمّا لِأنَّ الجَنابَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيهِما قَطْعًَا فَيُعْلَمُ مِن حُكْمِها حُكْمُ الحَدَثِ الأصْغَرِ بِدِلالَةِ النَّصِّ لِأنَّ تَقْدِيرَ النَّظْمِ: لا تَقْرَبُوُا الصَّلاةَ في حالِ الجَنابَةِ إلّا حالَ كَوْنِكم مُسافِرِينَ فَإنْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى إلَخْ، وإمّا لِما قِيلَ: مِن أنَّ عُمُومَ إعْوازِ الماءِ في حَقِّ المُسافِرِ غالِبٌ، والعَجْزَ عَنِ اسْتِعْمالِ الماءِ القائِمِ مَقامَ عَدَمِهِ في حَقِّ المَرِيضِ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ لَفْظًَا، وما قِيلَ مِن أنَّ هَذا القَيْدَ راجِعٌ إلى الكُلِّ وأنَّ قَيْدَ وُجُوبِ التَّطَهُّرِ المَكْنِيِّ عَنْهُ بِالمَجِيءِ مِنَ الغائِطِ والمُلامَسَةِ (p-181)مُعْتَبَرٌ في الكُلِّ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ.

﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فَتَعَمَّدُوا شَيْئًَا مِن وجْهِ الأرْضِ طاهِرًَا. قالَ الزَّجّاجُ: الصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ تُرابًَا أوْ غَيْرَهُ وإنْ كانَ صَخْرًَا لا تُرابَ عَلَيْهِ لَوْ ضَرَبَ المُتَيَمِّمُ يَدَهُ عَلَيْهِ ومَسَحَ لَكانَ ذَلِكَ طَهُورَهُ وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لا بُدَّ أنْ يَعْلَقَ بِاليَدِ شَيْءٌ مِنَ التُّرابِ.

﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ أيْ: إلى المِرْفَقَيْنِ لِما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ تَيَمَّمَ ومَسَحَ يَدَيْهِ إلى مِرْفَقَيْهِ» ولِأنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الوُضُوءِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ وتَقْرِيرٌ لَهُما فَإنَّ مَن عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الخاطِئِينَ ويَغْفِرَ لِلْمُذْنِبِينَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُيَسِّرًَا لا مُعَسِّرًَا. وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْهُما فَإنَّ التَّرْفِيهَ والمُسامَحَةَ مِن رَوادِفِ العَفْوِ وتَوابِعِ الغُفْرانِ.

4:44Page 85

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ٤٤

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِتَعْجِيبِ المُؤْمِنِينَ مِن سُوءِ حالِهِمْ والتَّحْذِيرِ عَنْ مُوالاتِهِمْ والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وتَوْجِيهُهُ إلَيْهِ هَهُنا مَعَ تَوْجِيهِهِ فِيما بَعْدُ إلى الكُلِّ مَعًَا لِلْإيذانِ بِكَمالِ شُهْرَةِ شَناعَةِ حالِهِمْ وأنَّها بَلَغَتْ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ يَتَعَجَّبُ مِنها كُلُّ مَن يَراها والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ إلَيْهِمْ فَإنَّهم أحَقُّ أنْ تُشاهِدَهم وتَتَعَجَّبَ مِن أحْوالِهِمْ، وتَجْوِيزُ كَوْنِها قَلْبِيَّةً عَلى أنَّ "إلى" لِتَضَمُّنِها مَعْنى الِانْتِهاءِ لِما فَعَلُوهُ يَأْباهُ مَقامُ تَشْهِيرِ شَنائِعِهِمْ ونَظْمُها في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، والمُرادُ بِهِمْ أحْبارُ اليَهُودِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في حَبْرَيْنِ مِن أحْبارِ اليَهُودِ كانا يَأْتِيانِ رَأْسَ المُنافِقِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ورَهْطَهُ يُثَبِّطانِهِمْ عَنِ الإسْلامِ، وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًَا أنَّها نَزَلَتْ في رِفاعَةِ بْنِ زَيْدٍ ومالِكِ بْنِ دُخْشُمٍ كانا إذا تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوَيا لِسانَهُما وعاباهُ، والمُرادُ بِالكِتابِ: هو التَّوْراةُ وحَمْلُهُ عَلى جِنْسِ الكِتابِ المُنْتَظِمِ لَها انْتِظامًَا أوَّلِيًَّا تَطْوِيلٌ لِلْمَسافَةِ وبِالَّذِي أُوتُوهُ ما بُيِّنَ لَهم فِيها مِنَ الأحْكامِ والعُلُومِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عَلِمُوهُ مِن نُعُوتِ النَّبِيِّ ﷺ وحَقِيقَةِ الإسْلامِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالنَّصِيبِ المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِهِ حَقًَّا مِن حُقُوقِهِمُ الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها والمُحافَظَةُ عَلَيْها لِلْإيذانِ بِكَمالِ رَكاكَةِ آرائِهِمْ حَيْثُ ضَيَّعُوهُ تَضْيِيعًَا، وتَنْوِينُهُ تَفْخِيمِيٌّ مُؤَيِّدٌ لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ فالتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى كَمالِ شَناعَتِهِمْ والإشْعارِ بِمَكانِ ما طُوِيَ ذِكْرُهُ في المُعامَلَةِ المَحْكِيَّةِ عَنْهم مِنَ الهُدى الَّذِي هو أحَدُ العِوَضَيْنِ وكَلِمَةُ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِـ"أُوتُوا" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"نَصِيبًَا" مُبَيِّنَةً لِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ إثْرَ بَيانِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ، أيْ: نَصِيبًَا كائِنًَا مِنَ الكِتابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ قِيلَ: هو حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن واوِ "أُوتُوا" ولا رَيْبَ في أنَّ اعْتِبارَ تَقْدِيرِ اشْتِرائِهِمِ المَذْكُورِ في الإيتاءِ مِمّا لا يَلِيقُ بِالمَقامِ، وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أىْ: ألَمْ تَنْظُرْ إلَيْهِمْ حالَ اشْتِرائِهِمْ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ خالٍ عَنْ إفادَةِ أنَّ مادَّةَ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ هو الِاشْتِراءُ المَذْكُورُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ والَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَناطِ التَّشْنِيعِ ومَدارِ التَّعْجِيبِ المَفْهُومَيْنِ مِن صَدْرِ الكَلامِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ والإبْهامِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَصْنَعُونَ حَتّى يَنْظُرَ إلَيْهِمْ؟ فَقِيلَ: يَأْخُذُونَ الضَّلالَةَ ويَتْرُكُونَ ما أُوتُوهُ مِنَ الهِدايَةِ، وإنَّما طُوِيَ المَتْرُوكُ لِغايَةِ ظُهُورِ الأمْرِ لا سِيَّما بَعْدَ الإشْعارِ المَذْكُورِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالِاشْتِراءِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ (p-182)اسْتِبْدالِ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ، أيْ: أخْذِها بَدَلًَا مِنهُ أخْذًَا ناشِئًَا عَنِ الرَّغْبَةِ فِيها والإعْراضِ عَنْهُ لِلْإيذانِ بِكَمالِ رَغْبَتِهِمْ في الضَّلالَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ يُعْرَضَ عَنْها كُلَّ الإعْراضِ وإعْراضِهِمْ عَنِ الهِدايَةِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ، وفِيهِ مِنَ التَّسْجِيلِ عَلى نِهايَةِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ وغايَةِ رَكاكَةِ آرائِهِمْ ما لا يَخْفى حَيْثُ صُوِّرَتْ حالُهم بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَتَعاطاهُ أحَدٌ مِمَّنْ لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِالضَّلالَةِ جِنْسَها الحاصِلَ لَهم مِن قَبْلُ حَتّى يُخِلَّ بِمَعْنى الِاشْتِراءِ المُنْبِئِ عَنْ تَأخُّرِها عَنْهُ بَلْ هو فَرْدَها الكامِلَ وهو عِنادُهم وتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ بَعْدَ ما عَلِمُوا بِشَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ وتَيَقَّنُوا بِحَقِّيَّةِ دِينِهِ وأنَّهُ هو النَّبِيُّ العَرَبِيُّ المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ هَذِهِ الرُّتْبَةَ لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً لَهم قَبْلَ ذَلِكَ وقَدْ مَرَّ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

﴿وَيُرِيدُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى "يَشْتَرُونَ" شَرِيكٌ لَهُ في بَيانِ مَحَلِّ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ فِيهِما لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ فَإنَّ تَجَدُّدَ حُكْمِ اشْتِرائِهِمِ المَذْكُورِ وتَكَرُّرَ العَمَلِ بِمُوجِبِهِ في قُوَّةِ تَجَدُّدِ نَفْسِهِ وتَكَرُّرِهِ أيْ: لا يَكْتَفُونَ بِضَلالِ أنْفُسِهِمْ بَلْ يُرِيدُونَ بِما فَعَلُوا مِن كِتْمانِ نُعُوتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿أنْ تَضِلُّوا﴾ أنْتُمْ أيْضًَا أيُّها المُؤْمِنُونَ.

﴿السَّبِيلَ﴾ المُسْتَقِيمَ المُوصِلَ إلى الحَقِّ.

4:45Page 86

وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّٗا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا ٤٥

And Allāh is most knowing of your enemies; and sufficient is Allāh as an ally, and sufficient is Allāh as a helper.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ﴾ أيْ: مِنكم.

﴿بِأعْدائِكُمْ﴾ جَمِيعًَا ومِن جُمْلَتِهِمْ هَؤُلاءِ وقَدْ أخْبَرَكم بِعَداوَتِهِمْ لَكم وما يُرِيدُونَ بِكم لِتَكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِنهم ومِن مُخالَطَتِهِمْ أوْ هو أعْلَمُ بِحالِهِمْ ومَآلِ أمْرِهِمْ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِتَقْرِيرِ إرادَتِهِمِ المَذْكُورَةِ.

﴿وَكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ في جَمِيعِ أُمُورِكم ومَصالِحِكم.

﴿وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ في كُلِّ المَواطِنِ فَثِقُوا بِهِ واكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ ولا تَتَوَلَّوْا ولا تُبالُوا بِهِمْ وبِما يَسُومُونَكم مِنَ السُّوءِ فَإنَّهُ تَعالى يَكْفِيكم مَكْرَهم وشَرَّهُمْ؛ فَفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، والباءُ مَزِيدَةٌ في فاعِلِ "كَفى" لِتَأْكِيدِ الِاتِّصالِ الإسْنادِيِّ بِالِاتِّصالِ الإضافِيِّ وتَكْرِيرُ الفِعْلِ في الجُمْلَتَيْنِ مَعَ إظْهارِ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ لا سِيَّما في الثّانِي لِتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِها المُناسِبِ لِلِاعْتِراضِ وتَأْكِيدِ كِفايَتِهِ عَزَّ وجَلَّ في كُلٍّ مِنَ الوِلايَةِ والنُّصْرَةِ والإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِما، فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مِن مُوجِباتِهِما لا مَحالَةَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском