Abu as-Su'udAl‑Mujadila · 58:1–17

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

المجادلة

Al-Mujadila

The Pleading Woman · Medinan · 22 ayahs

58:1Page 542

قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ١

Certainly has Allāh heard the speech of the one who argues [i.e., pleads] with you, [O Muḥammad], concerning her husband and directs her complaint to Allāh. And Allāh hears your dialogue; indeed, Allāh is Hearing and Seeing.

سُورَةُ المُجادَلَةِ

مَدَنِيَّةٌ وهي اثْنَتانِ وعِشْرُونَ آيَةً

﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ بِإظْهارِ الدّالِ وقُرِئَ بِإدْغامِها في السِّينِ.

﴿قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ أيْ: تُراجِعُكَ الكَلامَ في شَأْنِهِ وفِيما صَدَرَ عَنْهُ في حَقِّها مِنَ الظِّهارِ، وقُرِئَ "تُحاوِرُكَ" و" تُحاوِلُكَ" أيْ: تُسائِلُكَ.

﴿وَتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى "تَجادِلُكَ" أيْ: تَتَضَرَّعُ إلَيْهِ تَعالى، وقِيلَ: حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ: تُجادِلُكَ وهي مُتَضَرِّعَةٌ إلَيْهِ تَعالى وهي «خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ خُزامَةَ الخَزْرَجِيَّةُ ظاهَرَ عَنْها زَوْجُها أوْسُ بْنُ الصّامِتِ أخُو عُبادَةَ ثُمَّ نَدِمَ عَلى ما قالَ فَقالَ لَها: ما أظُنُّكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيَّ فَشَقَّ عَلَيْها ذَلِكَ فاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: حَرُمْتِ عَلَيْهِ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما ذَكَرَ طَلاقًا فَقالَ: حَرُمْتِ عَلَيْهِ - وفي رِوايَةٍ ما أُراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ في المِرارِ كُلِّها فَقالَتْ: أشَكُو إلى اللَّهِ فاقَتِي ووَجْدِي وجَعَلَتْ تُراجِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وكُلَّما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: حَرُمْتِ عَلَيْهِ هَتَفَتْ وشَكَتْ إلى اللَّهِ تَعالى فَنَزَلَتْ،» وفي كَلِمَةِ "قَدْ" إشْعارٌ بِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُجادِلَةَ كانا يَتَوَقَّعانِ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ الحادِثَةِ ويُفَرِّجَ عَنْها كَرْبَها كَما يُلَوِّحُ بِهِ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَها عِنْدَ اسْتِفْتائِها: «ما عِنْدِي في أمْرِكِ شَيْءٌ» وأنَّها كانَتْ تَرْفَعُ رَأْسَها إلى السَّماءِ وتَقُولُ: أشْكُو إلَيْكَ فَأنْزِلْ عَلى لِسانِ نَبِيِّكَ ومَعْنى سَمْعِهِ تَعالى لِقَوْلِها إجابَةُ دُعائِها لا مُجَرَّدَ علمه تعالى بِذَلِكَ كَما هو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ أيْ: يَعْلُمُ تَراجُعَكُما الكَلامَ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ السَّمْعِ حَسَبُ اسْتِمْرارِ التَّحاوُرِ وتَجَدُّدِهِ وفي نَظْمِها في سِلْكِ الخِطابِ تَغْلِيبًا تَشْرِيفٌ لَها مِن جِهَتَيْنِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ فَإنَّ إلْحافَها في المَسْألَةِ ومُبالَغَتَها في التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى ومُدافَعَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاها بِجَوابٍ مُنْبِئٍ عَنِ التَّوَقُّفِ وتَرَقُّبِ الوَحْيِ وعلمه تعالى بِحالِها مِن دَواعِي الإجابَةِ، وقِيلَ: (p-216)

هِيَ حالٌ -وَهُوَ بَعِيدٌ - وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ أيْ: مُبالِغٌ في العِلْمِ بِالمَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ ومِن قَضِيَّتِهِ أنْ يَسْمَعَ تَحاوُرَهُما ويَرى ما يُقارِنُهُ مِنَ الهَيْئاتِ الَّتِي مَن جُمْلَتِها رَفْعُ رَأْسِها إلى السَّماءِ وسائِرُ آثارِ التَّضَرُّعِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَوْقِعَيْنِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِوَصْفِ الأُلُوهِيَّةِ وتَأكُّدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَتَيْنِ.

58:2Page 542

ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ٢

Those who pronounce ẓihār1 among you [to separate] from their wives - they are not [consequently] their mothers. Their mothers are none but those who gave birth to them. And indeed, they are saying an objectionable statement and a falsehood. But indeed, Allāh is Pardoning and Forgiving.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ شَأْنِ الظِّهارِ في نَفْسِهِ وحُكْمِهِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ شَرْعًا بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ والظِّهارُ: أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرٍ أُمِّي، مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في الأحْزابِ وألْحَقَ بِهِ الفُقَهاءُ تَشْبِيهَها بِجُزْءٍ مُحَرَّمٍ وفي "مِنكُمْ" مَزِيدُ تَوْبِيخٍ لِلْعَرَبِ وتَهْجِينٌ لِعادَتِهِمْ فِيهِ فَإنَّهُ كانَ مِن أيْمانِ أهْلِ جاهِلِيَّتِهِمْ خاصَّةً دُونَ سائِرِ الأُمَمِ، وقُرِئَ "يَظّاهَرُونَ" و"يَظْهَرُونَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ أيْ: ما نِساؤُهم أُمَّهاتِهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ فَهو كَذِبٌ بَحْتٌ، وقُرِئَ "أُمَّهاتُهُمْ" بِالرَّفْعِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ و"بِأُمَّهاتِهِمْ".

﴿إنْ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: ما هُنَّ.

﴿إلا اللائِي ولَدْنَهُمْ﴾ فَلا تُشَبَّهُ بِهِنَّ في الحُرْمَةِ إلّا مَن ألْحَقَها الشَّرْعُ بِهِنَّ مِنَ المُرْضِعاتِ وأزْواجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ فَدَخَلْنَ بِذَلِكَ في حُكْمِ الأُمَّهاتِ، وأمّا الزَّوْجاتُ فَأبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الأُمُومَةِ.

﴿وَإنَّهم لَيَقُولُونَ﴾ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ.

﴿مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ﴾ عَلى أنَّ مَناطَ التَّأْكِيدِ لَيْسَ صُدُورَ القَوْلِ عَنْهم فَإنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ بَلْ كَوْنَهُ مُنْكَرًا أيْ: عِنْدَ الشَّرْعِ وعِنْدَ العَقْلِ والطَّبْعِ أيْضًا كَما يُشْعِرُ بِهِ تَنْكِيرُهُ ونَظِيرُهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ .

﴿وَزُورًا﴾ أيْ: مُحَرَّفًا عَنِ الحَقِّ.

﴿وَإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فَيَغْفِرُ لِما سَلَفَ مِنهُ عَلى الإطْلاقِ أوْ بِالمَتابِ عَنْهُ.

58:3Page 542

وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٣

And those who pronounce ẓihār from their wives and then [wish to] go back on what they said - then [there must be] the freeing of a slave before they touch one another. That is what you are admonished thereby; and Allāh is Aware of what you do.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾: تَفْصِيلٌ لِحُكْمِ الظِّهارِ بَعْدَ بَيانِ كَوْنِهِ أمْرًا مُنْكَرًا بِطَرِيقِ التَّشْرِيعِ الكُلِّيِّ المُنْتَظِمِ لِحُكْمِ الحادِثَةِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا أيْ: والَّذِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ القَوْلَ المُنْكَرَ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا، أيْ: إلى ما قالُوا بِالتَّدارُكِ والتَّلافِي لا بِالتَّقْرِيرِ والتَّكْرِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ فَإنَّ اللّامَ و"إلى" تَتَعاقَبانِ كَثِيرًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَدانا لِهَذا﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ﴾ .

﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أيْ: فَتَدارُكُهُ أوْ فَعَلَيْهِ أوْ فالواجِبُ إعْتاقُ رَقَبَةٍ أيَّ رَقَبَةٍ كانَتْ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يُشْتَرَطُ الإيمانُ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ومِن فَوائِدِها الدَّلالَةُ عَلى تَكَرُّرِ وُجُوبِ التَّحْرِيرِ بِتَكَرُّرِ الظِّهارِ، وقِيلَ ما قالُوا عِبارَةٌ عَمّا حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِلَفْظِ الظِّهارِ تَنْزِيلًا لِلْقَوْلِ مَنزِلَةَ المَقُولِ فِيهِ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ أيِ: المَقُولَ فِيهِ مِنَ المالِ والوَلَدِ، فالمَعْنى: ثُمَّ يُرِيدُونَ العَوْدَ لِلِاسْتِمْتاعِ فَتَحْرِيرُ (p-217)رَقَبَةٍ.

﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَسْتَمْتِعَ كُلٌّ مِنَ المُظاهِرِ والمُظاهَرِ مِنها بِالآخَرِ جِماعًا ولَمْسًا ونَظَرًا إلى الفَرَجِ شَهْوَةً وإنْ وقَعَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَ ولا يَعُودَ حَتّى يُكَفِّرَ وإنْ أعْتَقَ بَعْضَ الرَّقَبَةِ ثُمَّ مَسَّ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَأْنِفَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الحُكْمِ المَذْكُورِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أيْ: تُزْجَرُونَ بِهِ عَنِ ارْتِكابِ المُنْكَرِ المَذْكُورِ فَإنَّ الغَراماتِ مَزاجِرُ عَنْ تَعاطِي الجِناياتِ، والمُرادُ بِذِكْرِهِ: بَيانُ أنَّ المَقْصُودَ مِن شَرْعِ هَذا الحُكْمِ لَيْسَ تَعْوِيضَكم لِلثَّوابِ بِمُباشَرَتِكم لِتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ الَّذِي هو عِلْمٌ في اسْتِتْباعِ الثَّوابِ العَظِيمِ بَلْ هو رَدْعُكم وزَجْرُكم عَنْ مُباشَرَةِ ما يُوجِبُهُ.

﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّكْفِيرُ وما يُوجِبُهُ مِن جِنايَةِ الظِّهارِ.

﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِظَواهِرِها وبَواطِنَها ومُجازِيكم بِها فَحافِظُوا عَلى حُدُودِ ما شَرَعَ لَكم ولا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِنها.

58:4Page 542

فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤

And he who does not find [a slave] - then a fast for two months consecutively1 before they touch one another; and he who is unable - then the feeding of sixty poor persons. That is for you to believe [completely] in Allāh and His Messenger; and those are the limits [set by] Allāh. And for the disbelievers is a painful punishment.

﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيِ: الرَّقَبَةَ.

﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ.

﴿مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ لَيْلًا أوْ نَهارًا عَمْدًا أوْ خَطَأً.

﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ أيِ: الصِّيامَ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ.

﴿فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعٌ مِن غَيْرِهِ ويَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلى المَسِيسِ لَكِنْ لا يَسْتَأْنِفُ إنْ مَسَّ في خِلالِ الإطْعامِ.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ البَيانِ والتَّعْلِيمِ لِلْأحْكامِ والتَّنْبِيهِ عَلَيْها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ قَدْ مَرَّ سَرْدُهُ مِرارًا ومَحَلُّهُ إمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ النَّصْبُ بِمُضْمَرٍ مُعَلَّلٍ بِما بَعْدَهُ أيْ: ذَلِكَ واقِعٌ أوْ فَعَلْنا ذَلِكَ.

﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وتَعْمَلُوا بِشَرائِعِهِ الَّتِي شَرَعَها لَكم وتَرْفُضُوا ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في جاهِلِيَّتِكم.

﴿وَتِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَعْظِيمِها كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ الَّتِي لا يَجُوزُ تَعَدِّيها.

﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِها.

﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلتَّغْلِيظِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ .

58:5Page 542

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥

Indeed, those who oppose Allāh and His Messenger are abased as those before them were abased. And We have certainly sent down verses of clear evidence. And for the disbelievers is a humiliating punishment

﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: يُعادُونَهُما ويُشاقُّونَهُما فَإنَّ كُلّا مِنَ المُتَعادِيَيْنِ كَما أنَّهُ يَكُونُ في عُدْوَةٍ وشِقٍّ غَيْرِ عُدْوَةِ الآخَرِ وشِقِّهِ كَذَلِكَ يَكُونُ في حَدٍّ غَيْرِ حَدِّ الآخَرِ غَيْرَ أنَّهُ لِوُرُودِ المُحادَّةِ في أثْناءِ ذِكْرِ حُدُودِ اللَّهِ دُونَ المُعاداةِ والمُشاقَّةِ مِن حُسْنِ المَوْقِعِ ما لا غايَةَ وراءَهُ.

﴿كُبِتُوا﴾ أيْ: أُخْزُوا، وقِيلَ: خُذِلُوا، وقِيلَ: أُذِلُّوا، وقِيلَ: أُهْلِكُوا، وقِيلَ: لُعِنُوا، وقِيلَ: غِيظُوا، وهو ما وقَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، قالُوا: مَعْنى كُبِتُوا: سَيُكْبَتُونَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: أصْلُ الكَبْتِ: الكَبُّ.

﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن كُفّارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ المُعادِينَ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ (p-218)الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿وَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ حالٌ مِن واوِ "كُبِتُوا" أيْ: كُبِتُوا لِمُحادَّتِهِمْ والحالُ أنْ قَدْ أنْزَلْنا آياتٍ واضِحاتٍ فِيمَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِمَّنْ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ وفِيما فَعَلْنا بِهِمْ، وقِيلَ: آياتٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ وصِحَّةِ ما جاءَ بِهِ.

﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: بِتِلْكَ الآياتِ أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ تِلْكَ الآياتُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ يَذْهَبُ بِعِزِّهِمْ وكِبْرِهِمْ.

58:6Page 542

يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٦

On the Day when Allāh will resurrect them all and inform them of what they did. Allāh had enumerated it, while they forgot it; and Allāh is, over all things, Witness.1

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ مَنصُوبٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ اللّامُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ أوْ بِـ"مُهِينٍ" أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ تَعْظِيمًا لِلْيَوْمِ وتَهْوِيلًا لَهُ.

﴿جَمِيعًا﴾ أيْ: كُلُّهم بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ غَيْرَ مَبْعُوثٍ أوْ مُجْتَمِعِينَ في حالَةٍ واحِدَةٍ.

﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ مِنَ القَبائِحِ بِبَيانِ صُدُورِها عَنْهم أوْ بِتَصْوِيرِها في تِلْكَ النَّشْأةِ بِما يَلِيقُ بِها مِنَ الصُّوَرِ الهائِلَةِ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ تَخْجِيلًا لَهم وتَشْهِيرًا بِحالِهِمْ وتَشْدِيدًا لِعَذابِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ السُّؤالِ إمّا عَنْ كَيْفِيَّةِ التَّنْبِئَةِ أوْ عَنْ سَبَبِها كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يُنَبِّئُهم بِأعْمالِهِمْ وهي أعْراضٌ مُتَقَضِّيَةٌ مُتَلاشِيَةٌ؟ فَقِيلَ: أحْصاهُ اللَّهُ عَدَدًا لَمْ يَفُتْهُ مِنهُ شَيْءٌ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَسُوهُ﴾ حِينَئِذٍ حالٌ مِن مَفْعُولِ "أحْصى" بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ أوْ قِيلَ: لَمْ يُنْبِئْهم بِذَلِكَ فَقِيلَ: أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ فَيُنَبِّئُهم بِهِ لِيَعْرِفُوا أنَّ ما عايَنُوهُ مِنَ العَذابِ إنَّما حاقَ بِهِمْ لِأجْلِهِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَوْبِيخٍ وتَنْدِيمٍ لَهم غَيْرَ التَّخْجِيلِ والتَّشْهِيرِ.

﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ لا يَغِيبُ عَنْهُ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ قَطُّ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيُّ مُقَرِّرٌ لِإحْصائِهِ تَعالى.

58:7Page 543

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٧

Have you not considered that Allāh knows what is in the heavens and what is on the earth? There are not three in a private conversation but that He is the fourth of them,1 nor are there five but that He is the sixth of them - and no less than that and no more except that He is with them [in knowledge] wherever they are. Then He will inform them of what they did on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى شُمُولِ شَهادَتِهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ عِلْمًا يَقِينِيًّا مُتاخِمًا لِلْمُشاهَدَةِ بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرارِ فِيهِما أوْ بِالجُزْئِيَّةِ مِنهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ ...إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن سَعَةِ علمه تعالى ومُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّتِهِ ويَكُونُ مِن كانَ التّامَّةِ، وقُرِئَ "تَكُونُ" بِالتّاءِ اعْتِبارًا لِتَأْنِيثِ النَّجْوى وإنْ كانَ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ أيْ: ما يَقَعُ مِن تَناجِي ثَلاثَةِ نَفَرٍ أيْ: مِن مُسارَّتِهِمْ عَلى أنَّ نَجْوى مُضافَةٌ إلى ثَلاثَةٍ أوْ عَلى أنَّها مَوْصُوفَةٌ بِها إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: مِن أهْلِ نَجْوى ثَلاثَةٍ أوْ بِجَعْلِهِمْ نَجْوى في أنْفُسِهِمْ.

﴿إلا هُوَ﴾ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

﴿رابِعُهُمْ﴾ أيْ: جاعِلُهم أرْبَعَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى يُشارِكُهم في الإطْلاعِ عَلَيْها وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.

﴿وَلا خَمْسَةٍ﴾ ولا نَجْوى خَمْسَةٍ.

﴿إلا هو سادِسُهُمْ﴾ وتَخْصِيصُ العَدَدَيْنِ بِالذِّكْرِ إمّا لِخُصُوصِ الواقِعَةِ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في تَناجِي المُنافِقِينَ وإمّا لِبِناءِ الكَلامِ عَلى أغْلَبِ عاداتِ المُتَناجِينَ وقَدْ عُمِّمَ الحُكْمُ بَعْدَ (p-219)ذَلِكَ فَقِيلَ: ﴿وَلا أدْنى مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: مِمّا ذُكِرَ كالواحِدِ والاثْنَيْنِ.

﴿وَلا أكْثَرَ﴾ كالسِّتَّةِ وما فَوْقَها.

﴿إلا هو مَعَهُمْ﴾ يَعْلَمُ ما يَجْرِي بَيْنَهُمْ، وقُرِئَ "وَلا أكْثَرُ" بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ " مِن نَجْوى" أوْ مَحَلِّ "وَلا أدْنى" بِأنْ جُعِلَ "لا" لِنَفْيِ الجِنْسِ.

﴿أيْنَ ما كانُوا﴾ مِنَ الأماكِنِ ولَوْ كانُوا تَحْتَ الأرْضِ فَإنَّ علمه تعالى بِالأشْياءِ لَيْسَ لِقُرْبٍ مَكانِيٍّ حَتّى يَتَفاوَتَ بِاخْتِلافِ الأمْكِنَةِ قُرْبًا وبُعْدًا.

﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾ وقُرِئَ "يُنْبِئَهُمْ" بِالتَّخْفِيفِ.

﴿بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَفْضِيحًا لَهم وإظْهارًا لِما يُوجِبُ عَذابَهم.

﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لِأنَّ نِسْبَةَ ذاتِهِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعِلْمِ إلى الكُلِّ سَواءٌ.

58:8Page 543

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٨

Have you not considered those who were forbidden from private conversation [i.e., ridicule and conspiracy] and then return to that which they were forbidden and converse among themselves about sin and aggression and disobedience to the Messenger? And when they come to you, they greet you with that [word] by which Allāh does not greet you1 and say among themselves, "Why does Allāh not punish us for what we say?" Sufficient for them is Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the destination.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيما بَيْنَهم ويَتَغامَزُونَ بِأعْيانِهِمْ إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ فَنَهاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ عادُوا لِمِثْلِ فِعْلِهِمْ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والهَمْزَةُ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ عَوْدِهِمْ وتَجَدُّدِهِ واسْتِحْضارِ صُورَتِهِ العَجِيبَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: بِما هو إثْمٌ في نَفْسِهِ وعُدْوانٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَواصٍ بِمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ المُتَوَجِّهَيْنِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِزِيادَةِ تَشْنِيعِهِمْ واسْتِعْظامِ مَعْصِيَتِهِمْ، وقُرِئَ "وَيَنْتَجُونَ بِالإثْمِ والعِدْوانِ" بِكَسْرِ العَيْنِ و"مَعْصِياتِ الرَّسُولِ".

﴿وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ فَيَقُولُونَ السّامُ عَلَيْكَ أوْ أنْعِمْ صَباحًا واللَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ .

﴿وَيَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: فِيما بَيْنَهم.

﴿لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ أيْ: هَلّا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِذَلِكَ لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا.

﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ﴾ عَذابًا.

﴿يَصْلَوْنَها﴾ يَدْخُلُونَها.

﴿فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ: جَهَنَّمُ.

58:9Page 543

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩

O you who have believed, when you converse privately, do not converse about sin and aggression and disobedience to the Messenger but converse about righteousness and piety. And fear Allāh, to whom you will be gathered.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ﴾ في أنْدِيَتِكم وفي خَلَواتِكم.

﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ كَما يَفْعَلُهُ المُنافِقُونَ، وقُرِئَ "فَلا تَنْتَجُوا" و" فَلا تَناجَوْا" بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ.

﴿وَتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ أيْ: بِما يَتَضَمَّنُ خَيْرَ المُؤْمِنِينَ والِاتِّقاءَ عَنْ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وحْدَهُ لا إلى غَيْرِهِ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا فَيُجازِيكم بِكُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ.

58:10Page 543

إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٠

Private conversation is only from Satan that he may grieve those who have believed,1 but he will not harm them at all except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.

﴿إنَّما النَّجْوى﴾ (p-220)المَعْهُودَةُ الَّتِي هي التَّناجِي بِالإثْمِ والعُدْوانِ.

﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾ لا مِن غَيْرِهِ فَإنَّهُ المُزَيَّنُ لَها والحامِلُ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خَبَرٌ آخَرُ أيْ: إنَّما هي لِيَحْزُنَ المُؤْمِنِينَ بِتَوَهُّمِهِمْ أنَّها في نَكْبَةٍ أصابَتْهم.

﴿وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ أوِ التَّناجِي بِضارِّ المُؤْمِنِينَ.

﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ.

﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِمَشِيئَتِهِ.

﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ولا يُبالُوا بِنَجْواهم فَإنَّهُ تَعالى يَعْصِمُهم مِن شَرِّهِ.

58:11Page 543

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ يَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١

O you who have believed, when you are told, "Space yourselves" in assemblies, then make space; Allāh will make space for you.1 And when you are told, "Arise,"2 then arise; Allāh will raise those who have believed among you and those who were given knowledge, by degrees. And Allāh is Aware of what you do.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا﴾ أيْ: تَوَسَّعُوا ولِيُفْسِحْ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ ولا تَتَضامُّوا مِن قَوْلِهِمْ: أفْسِحْ عَنِّي أيْ: تَنَحَّ، وقُرِئَ "تَفاسَحُوا"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي المَجالِسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"قِيلَ" وقُرِئَ "فِي المَجْلِسِ" عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، وقِيلَ: مَجْلِسُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانُوا يَتَضامُّونَ تَنافُسًا في القُرْبِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحِرْصًا عَلى اسْتِماعِ كَلامِهِ، وقِيلَ: هو المَجْلِسُ مِن مَجالِسِ القِتالِ وهي مَراكِزُ الغُزاةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ قِيلَ: كانَ الرَّجُلُ يَأْتِي الصَّفَّ ويَقُولُ تَفَسَّحُوا فَيَأْبَوْنَ لِحِرْصِهِمْ عَلى الشَّهادَةِ، وقُرِئَ "فِي المَجْلَسِ" بِفَتْحِ اللّامِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ"تَفَسَّحُوا" قَطْعًا أيْ: تَوَسَّعُوا في جُلُوسِكم ولا تَتَضايَقُوا فِيهِ.

﴿فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ: في كُلِّ ما تُرِيدُونَ التَّفَسُّحَ فِيهِ مِنَ المَكانِ والرِّزْقِ والصَّدْرِ والقَبْرِ وغَيْرِها.

﴿وَإذا قِيلَ انْشُزُوا﴾ أيِ: انْهَضُوا لِلتَّوْسِعَةِ عَلى المُقْبِلِينَ أوْ لِما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن صَلاةٍ أوْ جِهادٍ أوْ غَيْرِهِما مِن أعْمالِ الخَيْرِ.

﴿فانْشُزُوا﴾ فانْهَضُوا ولا تَتَثَبَّطُوا ولا تُفَرِّطُوا، وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ.

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ الذِّكْرِ في الدُّنْيا والإيواءِ إلى غُرَفِ الجِنانِ في الآخِرَةِ.

﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِنهم خُصُوصًا.

﴿دَرَجاتٍ﴾ عالِيَةً بِما جَمَعُوا مِن أثَرَتِي العِلْمِ والعَمَلِ فَإنَّ العِلْمَ مَعَ عُلُوِّ رُتْبَتِهِ يَقْتَضِي العَمَلَ المَقْرُونَ بِهِ مَزِيدُ رِفْعَةٍ لا يُدْرِكُ شَأْوَهُ العَمَلُ العارِي عَنْهُ وإنْ كانَ في غايَةِ الصَّلاحِ ولِذَلِكَ يُقْتَدى بِالعالِمِ في أفْعالِهِ ولا يُقْتَدى بِغَيْرِهِ، وفي الحَدِيثِ « "فَضْلُ العالَمِ عَلى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ".» ﴿واللَّه بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَهْدِيدٌ لِمَن لَمْ يَتَمَثَّلْ بِالأمْرِ، وقُرِئَ "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.

58:12Page 544

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٢

O you who have believed, when you [wish to] privately consult the Messenger, present before your consultation a charity. That is better for you and purer. But if you find not [the means] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ في بَعْضِ شُؤُونِكُمُ المُهِمَّةِ الدّاعِيَةِ إلى مُناجاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ أيْ: فَتَصَدَّقُوا قَبْلَها مُسْتَعارٌ مِمَّنْ لَهُ يَدانِ وفي هَذا الأمْرِ تَعْظِيمُ الرَّسُولِ ﷺ وإنْفاعُ الفُقَراءِ والزَّجْرُ عَنِ الإفْراطِ في السُّؤالِ والتَّمْيِيزُ بَيْنَ المُخْلِصِ والمُنافِقِ (p-221)وَمُحِبِّ الآخِرَةِ ومُحِبِّ الدُّنْيا، واخْتُلِفَ في أنَّهُ لِلنَّدْبِ أوْ لِلْوُجُوبِ لَكِنَّهُ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ وهو وإنْ كانَ مُتَصِّلًا بِهِ تِلاوَةً لَكِنَّهُ مُتَراخٍ عَنْهُ نُزُولًا، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ في كِتابِ اللَّهِ آيَةً ما عَمِلَ بِها أحَدٌ غَيْرِي كانَ لِي دِينارٌ فَصَرَفْتُهُ فَكُنْتُ إذا ناجَيْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَصَدَّقْتُ بِدِرْهَمٍ وهو عَلى القَوْلِ بِالوُجُوبِ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لِلْأغْنِياءِ مُناجاةٌ في مُدَّةِ بَقائِهِ؛ إذْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلّا عَشْرًا وقِيلَ: إلّا ساعَةً.

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: التَّصَدُّقُ.

﴿خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ﴾ أيْ: لِأنْفُسِكم مِنَ الرِّيبَةِ وحُبِّ المالِ وهَذا يُشْعِرُ بِالنَّدْبِ لَكِنْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنْ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مُنْبِئٌ عَنِ الوُجُوبِ لِأنَّهُ تَرْخِيصٌ إنْ لَمْ يَجِدْ في المُناجاةِ بِلا تَصَدُّقٍ.

58:13Page 544

ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٣

Have you feared to present before your consultation charities? Then when you do not and Allāh has forgiven you, then [at least] establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. And Allāh is Aware of what you do.

﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ أيْ: أخِفْتُمُ الفَقْرَ مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقاتِ أوْ أخِفْتُمُ التَّقْدِيمَ لِما يَعِدُكُمُ الشَّيْطانُ عَلَيْهِ مِنَ الفَقْرِ وجَمْعِ الصَّدَقاتِ لِجَمْعِ المُخاطَبِينَ.

﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما أُمِرْتُمْ بِهِ وشَقَّ عَلَيْكم ذَلِكَ.

﴿وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِأنْ رَخَّصَ لَكم أنْ لا تَفْعَلُوهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ إشْفاقَهم ذَنْبٌ تَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ لِما رَأى مِنهم مِنَ الِانْفِعالِ ما قامَ مَقامَ تَوْبَتِهِمْ وإذْ عَلى بابِها مِنَ المُضِيِّ، وقِيلَ: بِمَعْنى إذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾، وقِيلَ: بِمَعْنى إنْ.

﴿فَأقِيمُواْ الصَّلاة وآتَوْا الزَّكاةَ﴾ أيْ: فَإذْ فَرَّطْتُمْ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقاتِ فَتَدارَكُوهُ بِالمُثابَرَةِ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ.

﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في سائِرِ الأوامِرِ فَإنَّ القِيامَ بِها كالجابِرِ لِما وقَعَ في ذَلِكَ مِنَ التَّفْرِيطِ.

﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرًا وباطِنًا.

58:14Page 544

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤

Have you not considered those who make allies of a people with whom Allāh has become angry? They are neither of you nor of them, and they swear to untruth while they know [they are lying].

﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَّخِذُونَ اليَهُودَ أوْلِياءَ ويُناصِحُونَهم ويَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ.

﴿إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: والَوْا.

﴿قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وهُمُ اليَهُودُ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ .

﴿ما هم مِنكم ولا مِنهُمْ﴾ لِأنَّهم مُنافِقُونَ مُذَبْذَبُونَ بَيْنَ ذَلِكَ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ "تَوَلَّوْا".

﴿وَيَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ أيْ: يَقُولُونَ واللَّهِ إنّا لَمُسْلِمُونَ وهو عَطْفٌ عَلى "تَوَلَّوْا" داخِلٌ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الحَلِفِ وتَجَدُّدِهِ حَسَبَ تَكَرُّرِ ما يَقْتَضِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يَحْلِفُونَ" مُفِيدَةٌ لِكَمالِ شَناعَةِ ما فَعَلُوا، فَإنَّ الحَلِفَ عَلى ما لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ كَذِبٌ في غايَةِ القُبْحِ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ يَعُمُّ ما يَعْلَمُ المُخْبِرُ عَدَمَ مُطابَقَتِهِ لِلْواقِعِ وما لا يَعْلَمُهُ، رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في حُجْرَةٍ مِن حُجُراتِهِ فَقالَ: يَدْخُلُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ قَلْبُهُ قَلْبُ جَبّارٍ ويَنْظُرُ بِعَيْنِ شَيْطانٍ فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلَ المُنافِقُ وكانَ أزْرَقَ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ؟ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما فَعَلَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَعَلْتَ (p-222)فانْطَلَقَ فَجاءَ بِأصْحابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما سَبُّوهُ» فَنَزَلَتْ.

58:15Page 544

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدًاۖ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٥

Allāh has prepared for them a severe punishment. Indeed, it was evil that they were doing.

﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ نَوْعًا مِنَ العَذابِ مُتَفاقِمًا.

﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ المُتَطاوِلِ فَتَمَرَّنُوا عَلى سُوءِ العَمَلِ وضَرُّوا بِهِ وأصَرُّوا عَلَيْهِ.

58:16Page 544

ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٦

They took their [false] oaths as a cover, so they averted [people] from the way of Allāh, and for them is a humiliating punishment.

﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهُمْ﴾ الفاجِرَةَ الَّتِي يَحْلِفُونَ بِها عِنْدَ الحاجَةِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ أيْ: إيمانَهُمُ الَّذِي أظْهَرُوهُ لِأهْلِ الإسْلامِ.

﴿جُنَّةً﴾ وِقايَةً وسُتْرَةً دُونَ دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ فالِاتِّخاذُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عِبارَةٌ عَنِ التَّسَتُّرِ بِما أظْهَرُوهُ بِالفِعْلِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَهو عِبارَةٌ عَنْ إعْدادِهِمْ لِأيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ وتَهْيِئَتِهِمْ لَها إلى وقْتِ الحاجَةِ لِيَحْلِفُوا بِها ويَتَخَلَّصُوا مِنَ المُؤاخَذَةِ لا عَنِ اسْتِعْمالِها بِالفِعْلِ فَإنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُؤاخَذَةِ المَسْبُوقَةِ بِوُقُوعِ الجِنايَةِ والخِيانَةِ واتِّخاذِ الجُنَّةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَبْلَ المُؤاخَذَةِ وعَنْ سَبَبِها أيْضًا كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَدُّوا﴾ أيِ: النّاسُ.

﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في خِلالِ أمْنِهِمْ بِتَثْبِيطِ مَن لَقُوا عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ وتَضْعِيفِ أمْرِ المُسْلِمِينَ عِنْدَهم.

﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وعِيدٌ ثانٍ بِوَصْفٍ آخَرَ لِعَذابِهِمْ، وقِيلَ: الأوَّلُ عَذابُ القَبْرِ أوْ عَذابُ الآخِرَةِ.

58:17Page 544

لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٧

Never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally

﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ تَعالى.

﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ، رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنهم قالَ: لَنُنْصَرَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنْفُسِنا وأمْوالِنا وأوْلادِنا.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ القَبِيحَةِ.

﴿أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ: مُلازِمُوها ومُقارِنُوها.

﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ لا يَخْرُجُونَ مِنها أبَدًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском