Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:109–115
6:109Page 141
وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٩
And they swear by Allāh their strongest oaths that if a sign came to them, they would surely believe in it. Say, "The signs are only with [i.e., from] Allāh." And what will make you perceive that even if it [i.e., a sign] came, they would not believe.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا اقْتَرَحُوا بَعْضَ آياتٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " فَإنْ فَعَلْتُ بَعْضَ ما تَقُولُونَ أتُصَدِّقُونَنِي " ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، وأقْسَمُوا لَئِنْ فَعَلْتَهُ لَنُؤْمِنَنَّ جَمِيعًا؛ فَسَألَ المُسْلِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنْزِلَها طَمَعًا في إيمانِهِمْ، فَهَمَّ ﷺ بِالدُّعاءِ؛ فَنَزَلَتْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ؛ أيْ: أقْسَمُوا بِهِ تَعالى جاهِدِينَ في أيْمانِهِمْ.
﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ، أوْ مِن جِنْسِ الآياتِ، وهو الأنْسَبُ بِحالِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ، وتَرامِي أمْرِهِمْ في العُتُوِّ والفَسادِ، حَيْثُ كانُوا لا يَعُدُّونَ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ مِن جِنْسِ الآياتِ.
﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ وما كانَ مَرْمى غَرَضِهِمْ في ذَلِكَ إلّا التَّحَكُّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في طَلَبِ المُعْجِزَةِ، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما شاهَدُوا مِنهُ مِنَ البَيِّناتِ، الحَقِيقَةِ بِأنْ تُقْطَعَ بِها الأرْضُ وتُسَيَّرَ بِها الجِبالُ.
﴿قُلْ إنَّما الآياتُ﴾؛ أيْ: كُلُّها، فَيَدْخُلُ فِيها ما اقْتَرَحُوهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: أمْرُها في حُكْمِهِ وقَضائِهِ خاصَّةً، يَتَصَرَّفُ فِيها حَسَبَ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، لا تَتَعَلَّقُ بِها ولا بِشَأْنِ مِن شُئُونِها قُدْرَةُ أحَدٍ ولا مَشِيئَتُهُ، لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، حَتّى يُمْكِنَنِي أنْ أتَصَدّى لِاسْتِنْزالِها بِالِاسْتِدْعاءِ، وهَذا كَما تَرى سَدٌّ لِبابِ الِاقْتِراحِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ، (p-173)بِبَيانِ عُلُوِّ شَأْنِ الآياتِ، وصُعُوبَةِ مَنالِها، وتَعالِيَها مِن أنْ تَكُونَ عُرْضَةً لِلسُّؤالِ والِاقْتِراحِ.
وَأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ المَعْنى: إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا عِنْدِي، فَكَيْفَ أُجِيبُكم إلَيْها أوْ آتِيكم بِها، وهو القادِرُ عَلَيْها لا أنا حَتّى آتِيَكم بِها؛ فَلا مُناسَبَةَ لَهُ بِالمَقامِ، كَيْفَ لا ولَيْسَ مُقْتَرَحُهم مَجِيئَها بِغَيْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ حَتّى يُجابُوا بِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ، مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ما أشْعَرَ بِهِ الجَوابُ السّابِقُ مِن عَدَمِ مَجِيءِ الآياتِ، خُوطِبَ بِهِ المُسْلِمُونَ إمّا خاصَّةً بِطْرِيقِ التَّلْوِينِ لَمّا كانُوا راغِبِينَ في نُزُولِها طَمَعًا في إسْلامِهِمْ، وإمّا مَعَهُ ﷺ بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ لِما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ مِنَ الهَمِّ بِالدُّعاءِ، وقَدْ بُيِّنَ فِيهِ أنَّ أيْمانَهم فاجِرَةٌ، وإيمانُهم مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ، وإنْ أُجِيبَ إلى ما سَألُوهُ.
وَ" ما " اسْتِفْهامِيَّةٌ إنْكارِيَّةٌ، لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَرْجِعَ الإنْكارِ هو وُقُوعُ المُشْعَرِ بِهِ، بَلْ هو نَفْسُ الإشْعارِ مَعَ تَحَقُّقِ المُشْعَرِ بِهِ في نَفْسِهِ؛ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكم أنَّ الآيَةَ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، بَلْ يَبْقُونَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ؛ أيْ: لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَتَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها طَمَعًا في إيمانِهِمْ، فَكَأنَّهُ بَسْطُ عُذْرٍ مِن جِهَةِ المُسْلِمِينَ في تَمَنِّيهِمْ نُزُولَ الآياتِ.
وَقِيلَ: " لا " مَزِيدَةٌ، فَيَتَوَجَّهُ الإنْكارُ إلى الإشْعارِ والمُشْعَرِ بِهِ جَمِيعًا؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكم إيمانَهم عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ، حَتّى تَتَمَنَّوْا مَجِيئَها طَمَعًا في إيمانِهِمْ، فَيَكُونُ تَخْطِئَةً لِرَأْيِ المُسْلِمِينَ.
وَقِيلَ: " أنَّ " بِمَعْنى لَعَلَّ، يُقالُ: ادْخُلِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي اللَّحْمَ. وعَنْكَ، وعَلَّكَ، ولَعَلَّكَ، كُلُّها بِمَعْنى، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: ( لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ قَبْلَهُ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِيُشْعِرُكم مَحْذُوفٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ .
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ الإنْكارِ وتَقْرِيرِهِ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكم حالَهم وما سَيَكُونُ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ، لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، فَما لَكم تَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها، فَإنَّ تَمَنِّيَهُ إنَّما يَلِيقُ بِما إذا كانَ إيمانُهم بِها مُحَقَّقَ الوُجُودِ عِنْدَ مَجِيئِها لا مَرْجُوَّ العَدَمِ.
وَقُرِئَ: ( إنَّها ) بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ حَسْبَما سَبَقَ مَعَ زِيادَةِ تَحْقِيقٍ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ، وقُرِئَ: ( لا تُؤْمِنُونَ ) بِالفَوْقانِيَّةِ، فالخِطابُ في " وما يُشْعِرُكم " لِلْمُشْرِكِينَ، وقُرِئَ: ( وما يُشْعِرُهم أنَّها إذا جاءَتْهم لا يُؤْمِنُونَ ) فَمَرْجِعُ الإنْكارِ إقْدامُ المُشْرِكِينَ عَلى الإقْسامِ المَذْكُورِ، مَعَ جَهْلِهِمْ بِحالِ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ، وبِكَوْنِها حِينَئِذٍ كَما هي الآنَ.
6:110Page 141
وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١٠
And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it [i.e., the revelation] the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.
﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ "، داخِلٌ في حُكْمِ " ما يُشْعِرُكم " مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ؛ أيْ: وما يُشْعِرُكم أنّا نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم عَنْ إدْراكِ الحَقِّ فَلا يَفْقَهُونَهُ، وأبْصارَهم عَنِ اجْتِلائِهِ فَلا يُبْصِرُونَهُ، لَكِنْ لا مَعَ تَوَجُّهِها إلَيْها واسْتِعْدادِها لِقَبُولِهِ، بَلْ لِكَمالِ نُبُوِّها عَنْهُ وإعْراضِها بِالكُلِّيَّةِ، ولِذَلِكَ أُخِّرَ ذِكْرُهُ عَنْ ذِكْرِ عَدَمِ إيمانِهِمْ إشْعارًا بِأصالَتِهِمْ في الكُفْرِ، وحَتْمًا لِتَوَهُّمِ أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ ناشِئٌ مِن تَقْلِيبِهِ تَعالى مَشاعِرَهم بِطَرِيقِ الإجْبارِ.
﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾؛ أيْ: بِما جاءَ مِنَ الآياتِ.
﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أيْ: عِنْدَ وُرُودِ الآياتِ السّابِقَةِ، والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٌ بِلا يُؤْمِنُونَ، وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ، بَلْ يَكْفُرُونَ، كُفْرًا كائِنًا كَكُفْرِهِمْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وتَوْسِيطُ تَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ بَيْنَهُما؛ لِأنَّهُ مِن مُتَمِّماتِ عَدَمِ إيمانِهِمْ.
﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ "، داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ، مُبَيِّنٌ لِما هو المُرادُ بِتَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ (p-174)والأبْصارِ، ومُعْرِبٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ، بِأنْ يُقَلِّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَشاعِرَهم عَنِ الحَقِّ مَعَ تَوَجُّهِهِمْ إلَيْهِ واسْتِعْدادِهِمْ لَهُ بِطَرِيقِ الإجْبارِ، بَلْ بِأنْ يُخَلِّيَهم وشَأْنَهم بَعْدَ ما عُلِمَ فَسادُ اسْتِعْدادِهِمْ، وفَرْطُ نُفُورِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وعَدَمُ تَأْثِيرِ اللُّطْفِ فِيهِمْ أصْلًا، ويَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهم كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَذَرُهم.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في نَذَرُهم؛ أيْ: نَدَعُهم في طُغْيانِهِمْ مُتَحَيِّرِينَ، لا نَهْدِيهِمْ هِدايَةَ المُؤْمِنِينَ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِنَذَرُهم؛ أيْ: نُصَيِّرُهم عامِهِينَ.
وَقُرِئَ: ( يُقَلِّبُ ويَذَرُ ) بِالياءِ عَلى إسْنادِهِما إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، وقُرِئَ: ( تُقَلَّبُ ) بِالتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى إسْنادِهِ إلى أفْئِدَتِهِمْ.
6:111Page 142
۞ وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١
And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allāh should will. But most of them, [of that], are ignorant.
﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: " وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ "، مِنَ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى تَرْكِ الإجابَةِ إلى ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، إثْرَ بَيانِ أنَّها في حُكْمِهِ تَعالى وقَضائِهِ المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، لا مَدْخَلَ لِأحَدٍ في أمْرِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وبَيانٌ لِكَذِبِهِمْ في أيْمانِهِمُ الفاجِرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ؛ أيْ: ولَوْ أنَّنا لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى إيتاءِ ما اقْتَرَحُوهُ هَهُنا مِن آيَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الآياتِ، بَلْ نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ كَما سَألُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ .
﴿وَكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ وشَهِدُوا بِحَقِّيَّةِ الإيمانِ بَعْدَ أنْ أحْيَيْناهم حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: فَأْتُوا بِآبائِنا.
﴿وَحَشَرْنا﴾؛ أيْ: جَمَعْنا.
﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ بِضَمَّتَيْنِ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الباءِ؛ أيْ: كُفَلاءَ بِصِحَّةِ الأمْرِ وصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى: الكَفِيلِ، كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، وقَضِيبٍ وقُضُبٍ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾؛ أيْ: لَوْ لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى ما اقْتَرَحُوهُ، بَلْ زِدْنا عَلى ذَلِكَ بِأنْ أحْضَرْنا لَدَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ يَتَأتّى مِنهُ الكَفالَةُ، والشَّهادَةُ بِما ذُكِرَ لا فُرادى، بَلْ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ، أوْ جَماعاتٍ عَلى أنَّهُ جَمْعُ قَبِيلٍ، وهو الأوْفَقُ لِعُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ، وشُمُولِهِ لِلْأنْواعِ والأصْنافِ؛ أيْ: حَشَرْنا كُلَّ شَيْءٍ نَوْعًا نَوْعًا، وصِنْفًا صِنْفًا، وفَوْجًا فَوْجًا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ، وجَمْعِيَّتُهُ بِاعْتِبارِ الكُلِّ المَجْمُوعِيِّ اللّازِمِ لِلْكُلِّ الإفْرادِيِّ، أوْ مُقابَلَةً وعِيانًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَقِبَلًا، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ.
وانْتِصابُهُ عَلى الوَجْهَيْنِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ، وقَدْ نُقِلَ عَنِ المُبَرِّدِ وجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: أنَّ الأخِيرَ بِمَعْنى: الجِهَةِ، كَما في قَوْلِكَ: لِي قِبَلَ فُلانٍ حَقٌّ، وأنَّ انْتِصابَهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.
﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾؛ أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَهُمُ الإيمانُ، لِتَمادِيهِمْ في العِصْيانِ وغُلُوِّهِمْ في التَّمَرُّدِ والطُّغْيانِ، وأمّا سَبْقُ القَضاءِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، فَمِنَ الأحْكامِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ذَلِكَ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَنَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ؛ أيْ: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ اجْتِماعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ، المُتَمِّمَةِ لِمُوجِباتِهِ المَذْكُورَةِ، إلّا في حالِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِإيمانِهِمْ، أوْ مِن أعَمِّ العِلَلِ؛ أيْ: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ المَعْدُودَةِ وغَيْرِها، إلّا لِمَشِيئَتِهِ تَعالى لَهُ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ بَيانَ أنَّ إيمانَهم عَلى خَطَرِ الوُقُوعِ، بِناءً عَلى كَوْنِ مَشِيئَتِهِ (p-175)تَعالى أيْضًا كَذَلِكَ، بَلْ بَيانَ اسْتِحالَةِ وُقُوعِهِ بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ وُقُوعِها، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، وهَيْهاتَ ذَلِكَ وحالُهم حالُهم، بِدَلِيلِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم ...﴾ الآيَةَ.
كَيْفَ لا وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ اسْتِدْراكٌ مِن مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَ وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ لا قَبْلَهُ، ولا رَيْبَ في أنَّ الَّذِي يَجْهَلُونَهُ سَواءً أُرِيدَ بِهِمُ المُسْلِمُونَ وهو الظّاهِرُ، أوِ المُقْسِمُونَ لَيْسَ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِلا مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما هو اللّازِمُ مِن حَمْلِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَعْتَقِدُهُ الأوَّلُونَ، ولا مِمّا يَدَّعِيهِ الآخِرُونَ، بَلْ إنَّما هو عَدَمُ إيمانِهِمْ لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ إيمانَهم، ومَرْجِعُهُ إلى جَهْلِهِمْ بِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ إيّاهُ؛ فالمَعْنى: أنَّ حالَهم كَما شُرِحَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ المُسْلِمِينَ يَجْهَلُونَ عَدَمَ إيمانِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ لِجَهْلِهِمْ عَدَمَ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِإيمانِهِمْ؛ فَيَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها طَمَعًا فِيما لا يَكُونُ.
فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾ ... " إلَخْ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، أوْ: ولَكِنَّ أكْثَرَ المُشْرِكِينَ يَجْهَلُونَ عَدَمَ إيمانِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ، لِجَهْلِهِمْ عَدَمَ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِإيمانِهِمْ حِينَئِذٍ، فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى ما لا يَكادُ يَكُونُ.
فالجُمْلَةُ عَلى القِراءَةِ السّابِقَةِ بَيانٌ مُبْتَدَأٌ لِمَنشَأِ خَطَأِ المُقْسِمِينَ ومَناطِ إقْسامِهِمْ، وتَقْرِيرٌ لَهُ عَلى قِراءَةِ: ( لا تُؤْمِنُونَ ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ، وكَذا عَلى قِراءَةِ: ( ما يُشْعِرُهم أنَّها إذا جاءَتْهم لا يُؤْمِنُونَ ) .
6:112Page 142
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢
And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا كانَ يُشاهِدُهُ مِن عَداوَةِ قُرَيْشٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما بَنَوْا عَلَيْها مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الأقاوِيلِ والأفاعِيلِ، بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِكَ، بَلْ هو أمْرٌ ابْتُلِيَ بِهِ كُلُّ مَن سَبَقَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وَمَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، مَنصُوبٌ بِفِعْلِهِ المَحْذُوفِ، مُؤَكِّدٌ لِما بَعْدَهُ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلَهُ؛ أيْ: جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا.
والتَّقْدِيمُ عَلى الفِعْلِ المَذْكُورِ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ الَّذِي جَعَلْنا في حَقِّكَ، حَيْثُ جَعَلْنا لَكَ عَدُوًّا يُضادُّونَكَ ويُضارُّونَكَ ولا يُؤْمِنُونَ، ويَبْغُونَكَ الغَوائِلَ ويُدَبِّرُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ مَكايِدَ، جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ تَقَدَّمَكَ عَدُوًّا فَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلَ بِكَ أعْداؤُكَ، لا جَعْلًا أنْقَصَ مِنهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَداوَةَ الكَفَرَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِخَلْقِهِ تَعالى، لِلِابْتِلاءِ.
﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾؛ أيْ: مَرَدَةَ الفَرِيقَيْنِ، عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى " مِنِ " البَيانِيَّةِ.
وَقِيلَ: هي إضافَةُ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، والأصْلُ: الإنْسُ، والجِنُّ: الشَّياطِينُ. وقِيلَ: هي بِمَعْنى اللّامِ؛ أيِ: الشَّياطِينُ الَّتِي لِلْإنْسِ والَّتِي لِلْجِنِّ، وهو بَدَلٌ مِن " ﴿عَدُوًّا﴾ " .
والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، أوْ إلى اثْنَيْنِ، وهو أوَّلُ مَفْعُولَيْهِ، قُدِّمَ عَلَيْهِ الثّانِي مُسارَعَةً إلى بَيانِ العَداوَةِ، واللّامُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالجَعْلِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن " عَدُوًّا " .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أحْكامِ عَداوَتِهِمْ، وتَحْقِيقِ وجْهِ الشَّبَهِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، أوْ حالٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ نَعْتٌ لِعَدُوًّا، وجَمْعُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ المَعْنى، فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الأعْداءِ، كَما في قَوْلِهِ:
إذا أنا لَمْ أنْفَعْ صَدِيقِي بِوُدِّهِ ... فَإنَّ عَدُوِّي لَمْ يَضُرَّهُمُو بُغْضِي
والوَحْيُ: عِبارَةٌ عَنِ الإيماءِ والقَوْلِ السَّرِيعِ؛ أيْ: يُلْقِي (p-176)وَيُوَسْوِسُ شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ، أوْ بَعْضُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى بَعْضٍ آخَرَ.
﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾؛ أيِ: المُمَوَّهَ مِنهُ، المُزَيَّنَ ظاهِرُهُ، الباطِلَ باطِنُهُ، مِن زُخْرُفِهِ: إذْ زَيَّنَهُ.
﴿غُرُورًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، لِيُوحِيَ؛ أيْ: لِيَغُرَّهم، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ؛ أيْ: غارِّينَ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ يُوحِي؛ أيْ: يَغُرُّونَ غُرُورًا.
﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ الشُّؤُونِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَ قَوْمِهِ، المَفْهُومَةِ مِن حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَيْنَ أُمَمِهِمْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِالتِفاتُ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ المُعْرِبَةِ عَنْ كَمالِ اللُّطْفِ في التَّسْلِيَةِ؛ أيْ: ولَوْ شاءَ رَبُّكَ عَدَمَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ لا إيمانَهم، كَما قِيلَ: فَإنَّ القاعِدَةَ المُسْتَمِرَّةَ أنَّ مَفْعُولَ المَشِيئَةِ إنَّما يُحْذَفُ عِنْدَ وُقُوعِها شَرْطًا.
وَكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما فَعَلُوهُ﴾؛ أيْ: ما فَعَلُوا ما ذُكِرَ مِن عَداوَتِكَ، وإيحاءِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ مُزَخْرَفاتِ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ، المُتَعَلِّقَةِ بِأمْرِكَ خاصَّةً، لا بِما يَعُمُّهُ وأُمُورَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْضًا كَما قِيلَ.
فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بِهِمُ: الكَفَرَةُ المُعاصِرُونَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ أيْ: إذا كانَ ما فَعَلُوهُ مِن أحْكامِ عَداوَتِكَ مِن فُنُونِ المَفاسِدِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى فاتْرُكْهم، وافْتِراءَهم أوْ وما يَفْتَرُونَهُ مِن أنْواعِ المَكايِدِ؛ فَإنَّ لَهم في ذَلِكَ عُقُوباتٍ شَدِيدَةً، ولَكَ عَواقِبُ حَمِيدَةٌ، لِابْتِناءِ مَشِيئَتِهِ تَعالى عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ البَتَّةَ.
6:113Page 142
وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ ١١٣
And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it [i.e., deceptive speech] and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.
﴿وَلِتَصْغى إلَيْهِ﴾؛ أيْ: إلى زُخْرُفِ القَوْلِ، وهو عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ عِلَّةٌ أُخْرى لِلْإيحاءِ مَعْطُوفَةٌ عَلى غُرُورًا، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وإنَّما لَمْ يُنْصَبْ لِفَقْدِ شَرْطِهِ؛ إذِ الغُرُورُ فِعْلُ المُوحِي، وصَغْوُ الأفْئِدَةِ فِعْلُ المُوحى إلَيْهِ؛ أيْ: يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ لِيَغُرَّهم بِهِ ولِتَمِيلَ إلَيْهِ.
﴿أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ إنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ عَدَمُ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ دُونَ ما عَداها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الإيمانُ بِها وهم بِها كافِرُونَ؛ إشْعارًا بِما هو المَدارُ في صَغْوِ أفْئِدَتِهِمْ إلى ما يُلْقى إلَيْهِمْ، فَإنَّ لَذّاتِ الآخِرَةِ مَحْفُوفَةٌ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِالمَكارِهِ، وآلامُها مُزَيَّنَةٌ بِالشَّهَواتِ، فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وبِأحْوالِ ما فِيها لا يَدْرُونَ أنَّ وراءَ تِلْكَ المَكارِهِ لَذّاتٍ، ودُونَ هَذِهِ الشَّهَواتِ آلامًا، وإنَّما يَنْظُرُونَ إلى ما بَدا لَهم في الدُّنْيا بادِيَ الرَّأْيِ، فَهم مُضْطَرُّونَ إلى حُبِّ الشَّهَواتِ الَّتِي مِن جُمَلِها مُزَخْرَفاتُ الأقاوِيلِ ومُمَوَّهاتُ الأباطِيلِ.
وَأمّا المُؤْمِنُونَ بِها فَحَيْثُ كانُوا واقِفِينَ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ ناظِرِينَ إلى عَواقِبِ الأُمُورِ، لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُمُ المَيْلُ إلى تِلْكَ المُزَخْرَفاتِ لِعِلْمِهِمْ بِبُطْلانِها ووَخامَةِ عاقِبَتِها.
وَأمّا عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ فَهو عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ؛ أيْ: ولِكَوْنِ ذَلِكَ جَعَلْنا ما جَعَلْنا، والمُعْتَزِلَةُ جَعَلُوا اللّامَ لامَ العاقِبَةِ، أوْ لامَ القَسَمِ، أوْ لامَ الأمْرِ، وضَعْفُهُ في غايَةِ الظُّهُورِ.
﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ ما مالَتْ إلَيْهِ أفْئِدَتُهم.
﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾؛ أيْ: يَكْتَسِبُوا بِمُوجِبِ ارْتِضائِهِمْ لَهُ.
﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ لَهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي لا يَلِيقُ ذِكْرُها.
6:114Page 142
أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١١٤
[Say], "Then is it other than Allāh I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.
﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، والهَمْزَةُ (p-177)لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ الكَلامُ؛ أيْ: قُلْ لَهم: أأمِيلُ إلى زَخارِفِ الشَّياطِينِ فَأبْتَغِي حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَنا، ويَفْصِلُ المُحِقَّ مِنّا مِنَ المُبْطِلِ ؟
وَقِيلَ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، أوْ مِن أساقِفَةِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ؛ فَنَزَلَتْ.
وَإسْنادُ الِابْتِغاءِ المُنْكَرِ إلى نَفْسِهِ ﷺ لا إلى المُشْرِكِينَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، مَعَ أنَّهُمُ الباغُونَ لِإظْهارِ كَمالِ النَّصَفَةِ، أوْ لِمُراعاةِ قَوْلِهِمْ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا.
وَ" غَيْرَ " إمّا مَفْعُولُ أبْتَغِي، وحَكَمًا حالٌ مِنهُ، وإمّا بِالعَكْسِ، وأيًّا ما كانَ فَتَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ الَّذِي هو المَعْطُوفُ بِالفاءِ حَقِيقَةً كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الإنْكارِ هو ابْتِغاءُ غَيْرِهِ تَعالى حَكَمًا لا مُطْلَقُ الِابْتِغاءِ.
وَقِيلَ: " حَكَمًا " تَمْيِيزٌ لِما في " غَيْرَ " مِنَ الإبْهامِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا غَيْرَها إبِلًا، قالُوا: الحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ وأدَلُّ عَلى الرُّسُوخِ، لِما أنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى العادِلِ، وعَلى مَن تَكَرَّرَ مِنهُ الحُكْمُ بِخِلافِ الحاكِمِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِإنْكارِ ابْتِغاءِ غَيْرِهِ تَعالى حَكَمًا، ونِسْبَةُ الإنْزالِ إلَيْهِمْ خاصَّةً، مَعَ أنَّ مُقْتَضى المَقامِ إظْهارُ تَساوِي نِسْبَتِهِ إلى المُتَحاكِمِينَ، لِاسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ المُنْزَلِ، واسْتِنْزالِهِمْ إلى قَبُولِ حُكْمِهِ بِإبْهامِ قُوَّةِ نِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ؛ أيْ: أغَيْرَهُ تَعالى أبْتَغِي حَكَمًا، والحالُ أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكم، وأنْتُمْ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا تَدْرُونَ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، القرآن النّاطِقَ بِالحَقِّ والصَّوابِ الحَقِيقَ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ اسْمُ الكِتابِ.
﴿مُفَصَّلا﴾؛ أيْ: مُبَيَّنًا فِيهِ الحَقُّ والباطِلُ، والحَلالُ والحَرامُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ في أُمُورِ الدِّينِ شَيْءٌ مِنَ التَّخْلِيطِ والإبْهامِ؛ فَأيُّ حاجَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الحَكَمِ، وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ القرآن الكَرِيمَ كافٍ في أمْرِ الدِّينِ، مُغْنٍ عَنْ غَيْرِهِ بِبَيانِهِ وتَفْصِيلِهِ، وأمّا أنْ يَكُونَ لِإعْجازِهِ دَخْلٌ في ذَلِكَ كَما قِيلَ؛ فَلا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ المُقَدَّرِ، مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ لِتَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ الكِتابِ الَّذِي نِيطَ بِهِ أمْرُ الحَكَمِيَّةِ، وتَقْرِيرِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، بِبَيانِ أنَّ الَّذِينَ وثِقُوا بِهِمْ ورَضُوا بِحَكَمِيَّتِهِمْ، حَسْبَما نُقِلَ آنِفًا مِن عُلَماءِ اليَهُودِ والنَّصارى عالِمُونَ بِحَقِّيَّتِهِ ونُزُولِهِ مِن عِنْدِهِ تَعالى.
وَفِي التَّعْبِيرِ عَنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِاسْمِ الكِتابِ إيماءٌ إلى ما بَيْنَهُما وبَيْنَ القرآن مِنَ المُجانَسَةِ، المُقْتَضِيَةِ لِلِاشْتِراكِ في الحَقِّيَّةِ، والنُّزُولِ مِن عِنْدِهِ تَعالى، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيجازِ، وإيرادُ الطّائِفَتَيْنِ بِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عَلِمُوهُ مِن جِهَةِ كِتابِهِمْ، حَيْثُ وجَدُوهُ حَسْبَما نُعِتَ فِيهِ، وعايَنُوهُ مُوافِقًا لَهُ في الأُصُولِ وما لا يَخْتَلِفُ مِنَ الفُرُوعِ، ومُخْبِرًا عَنْ أُمُورٍ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِها سِوى الوَحْيِ.
والمُرادُ بِالمَوْصُولِ: إمّا عُلَماءُ الفَرِيقَيْنِ، وهو الظّاهِرُ، فالإيتاءُ هو التَّفْهِيمُ بِالفِعْلِ، وإمّا الكُلُّ، وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَهو أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ ومِنَ التَّفْهِيمِ بِالقُوَّةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ الكُلَّ مُتَمَكِّنُونَ مِن ذَلِكَ.
وَقِيلَ: المُرادُ: مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقُرِئَ: ( مُنْزَلٌ ) مِنَ الإنْزالِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿بِالحَقِّ﴾ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في مُنَزَّلٌ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ.
﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾؛ أيْ: في أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، لِما لا تُشاهِدُ مِنهم آثارَ العِلْمِ وأحْكامَ المَعْرِفَةِ؛ فالفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى الإخْبارِ بِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ بِشَأْنِ القرآن، أوْ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ، فَيَكُونُ مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . (p-178)
وَقِيلَ: الخِطابُ في الحَقِيقَةِ لِلْأُمَّةِ، وإنْ كانَ لَهُ ﷺ صُورَةً. وقِيلَ: الخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ عَلى مَعْنى أنَّ الأدِلَّةَ قَدْ تَعاضَدَتْ وتَظاهَرَتْ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنَّ يَمْتَرِيَ فِيهِ، والفاءُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى نَفْسِ عِلْمِهِمْ بِحالِ القرآن.
6:115Page 142
وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١١٥
And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كَمالِ الكِتابِ المَذْكُورِ مِن حَيْثُ ذاتُهُ، إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ مِن حَيْثُ إضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِنهُ بِالحَقِّ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ بِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ بِهِ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالكَلِمَةِ؛ لِأنَّها الأصْلُ في الِاتِّصافِ بِالصِّدْقِ والعَدْلِ، وبِها تَظْهَرُ الآثارُ مِنَ الحُكْمِ، وقُرِئَ: ( كَلِماتُ رَبِّكَ ) .
﴿صِدْقًا وعَدْلا﴾ مَصْدَرانِ نُصِبا عَلى الحالِ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى العِلَّةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِفَضْلِها عَلى غَيْرِها إثْرَ بَيانِ فَضْلِها في نَفْسِها، وإمّا حالٌ أُخْرى مِن فاعِلِ " تَمَّتْ "، عَلى أنَّ الظّاهِرَ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، والمَعْنى: أنَّها بَلَغَتِ القاصِيَةَ صِدْقًا في الإخْبارِ والمَواعِيدِ، وعَدْلًا في الأقْضِيَةِ والأحْكامِ، لا أحَدَ يُبَدِّلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ بِما هو أصْدَقُ وأعْدَلُ، ولا بِما هو مِثْلُهُ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ابْتِغاءُ حَكَمٍ غَيْرَهُ تَعالى.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِكُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ السَّمْعُ.
﴿العَلِيمُ﴾ بِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أقْوالُ المُتَحاكِمِينَ وأحْوالُهُمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
هَذا وقَدْ قِيلَ: المَعْنى: لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يُحَرِّفَها كَما فُعِلَ بِالتَّوْراةِ، فَيَكُونُ ضَمانًا لَها مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالحِفْظِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾، أوْ لا نَبِيَّ ولا كِتابَ بَعْدَها يَنْسَخُها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences