Abu as-Su'udAl‑A'raf · 7:113–136

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:113–136

7:113Page 164

وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرۡعَوۡنَ قَالُوٓاْ إِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ١١٣

And the magicians came to Pharaoh. They said, "Indeed for us is a reward if we are the predominant."

﴿وَجاءَ السحرةُ فِرْعَوْنَ﴾ بَعْدَ ما أرْسَلَ إلَيْهِمُ الحاشِرِينَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِمْ حَسْبَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾؛ لِلْإيذانِ بِمُسارَعَةِ فِرْعَوْنَ إلى الإرْسالِ، ومُبادَرَةِ الحاشِرِينَ والسحرةِ إلى الِامْتِثالِ.

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَنُوطٌ بِسُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مَجِيءِ السحرةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ إيّاهُ ؟ فَقِيلَ: قالُوا مُدْلِينَ بِما عِنْدَهم واثِقِينَ بِغَلَبَتِهِمْ: ﴿إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِثُبُوتِ الأجْرِ وإيجابِهِ، كَأنَّهم قالُوا: لا بُدَّ لَنا مِن أجْرٍ عَظِيمٍ حِينَئِذٍ، أوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وقُرِئَ بِإثْباتِها.

وَقَوْلُهم: " ﴿إنْ كُنّا﴾ " لِمُجَرَّدِ تَعْيِينِ مَناطِ ثُبُوتِ الأجْرِ، لا لِتَرَدُّدِهِمْ في الغَلَبَةِ، وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ وتَحْلِيَةُ الخَبَرِ بِاللّامِ لِلْقَصْرِ؛ أيْ: إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ لا مُوسى.

7:114Page 164

قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ لَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ١١٤

He said, "Yes, and, [moreover], you will be among those made near [to me]."

﴿قالَ نَعَمْ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ سَدَّ مَسَدَّهُ حَرْفُ الإيجابِ، (p-260)كَأنَّهُ قالَ: إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ ذَلِكَ لَمِنَ المُقَرَّبِينَ؛ لِلْمُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ. رُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهم: تَكُونُونَ أوَّلَ مَن يَدْخُلُ مَجْلِسِي، وآخِرَ مَن يَخْرُجُ مِنهُ.

7:115Page 164

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحۡنُ ٱلۡمُلۡقِينَ ١١٥

They said, "O Moses, either you throw [your staff], or we will be the ones to throw [first]."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: قالُوا مُتَصَدِّينَ لِشَأْنِهِمْ مُخاطِبِينَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ إمّا تُلْقِيَ أوَّلًا.

﴿وَإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾؛ أيْ: لِما نُلْقِي أوَّلًا، أوِ الفاعِلِينَ لِلْإلْقاءِ أوَّلًا، خَيَّرُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَدْءِ بِالإلْقاءِ مُراعاةً لِلْأدَبِ، وإظْهارًا لِلْجَلادَةِ، وأنَّهُ لا يَخْتَلِفُ حالُهم بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، ولَكِنْ كانَتْ رَغْبَتُهم في التَّقْدِيمِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُهم لِلنَّظْمِ بِتَعْرِيفِ الخَبَرِ، وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ وتَأْكِيدِ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ.

7:116Page 164

قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ ١١٦

He said, "Throw," and when they threw, they bewitched the eyes of the people and struck terror into them, and they presented a great [feat of] magic.1

﴿قالَ ألْقُوا﴾ غَيْرَ مُبالٍ بِأمْرِهِمْ؛ أيْ: ألْقُوا ما تُلْقُونَ.

﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْا.

﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ بِأنْ خَيَّلُوا إلَيْهِمْ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ.

﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾؛ أيْ: بالَغُوا في إرْهابِهِمْ.

﴿وَجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في بابِهِ. رُوِيَ أنَّهم ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخُشُبًا طِوالًا كَأنَّها حَيّاتٌ مَلَأتِ الوادِيَ ورَكِبَ بَعْضُها بَعْضًا.

7:117Page 164

۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۖ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ١١٧

And We inspired to Moses, "Throw your staff," and at once it devoured what they were falsifying.

﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ؛ أيْ: فَألْقاها فَصارَتْ حَيَّةً، فَإذا هي الآيَةُ، وإنَّما حُذِفَ لِلْإشْعارِ بِمُسارَعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الإلْقاءِ، وبِغايَةِ سُرْعَةِ الِانْقِلابِ، كَأنَّ لَقْفَها لِما يَأْفِكُونَ قَدْ حَصَلَ مُتَّصِلًا بِالأمْرِ بِالإلْقاءِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ اللَّقْفِ الهائِلَةِ.

والإفْكُ: الصَّرْفُ والقَلْبُ عَنِ الوَجْهِ المُعْتادِ، و" ما " مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ما يَأْفِكُونَهُ ويُزَوِّرُونَهُ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وهي مَعَ الفِعْلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ.

رُوِيَ أنَّها لَمّا تَلَقَّفَتْ مِلْءَ الوادِي مِنَ الخَشَبِ والحِبالِ، ورَفَعَها مُوسى فَرَجَعَتْ عَصًا كَما كانَتْ، وأعْدَمَ اللَّهُ تَعالى بِقدرته الباهِرَةِ تِلْكَ الأجْرامَ العِظامَ، أوْ فَرَّقَها أجْزاءً لَطِيفَةً، قالَتِ السحرةُ: لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا.

7:118Page 164

فَوَقَعَ ٱلۡحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٨

So the truth was established, and abolished was what they were doing.

﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾؛ أيْ: فَثَبَتَ لِظُهُورِ أمْرِهِ.

﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: ظَهَرَ بُطْلانُ ما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى عَمَلِهِ.

7:119Page 164

فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَٰغِرِينَ ١١٩

And they [i.e., Pharaoh and his people] were overcome right there and became debased.

﴿فَغُلِبُوا﴾؛ أيْ: فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.

﴿هُنالِكَ﴾؛ أيْ: في مَجْلِسِهِمْ.

﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾؛ أيْ: صارُوا أذِلّاءَ مَبْهُوتِينَ، أوْ رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.

7:120Page 164

وَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ١٢٠

And the magicians fell down in prostration [to Allāh].

والأوَّلُ هو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السحرةُ ساجِدِينَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَحْضَرٍ مِن فِرْعَوْنٍ قَطْعًا؛ أيْ: خَرُّوا سُجَّدًا، كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ لِشِدَّةِ خَرُورِهِمْ، كَيْفَ لا وقَدْ (p-261)بَهَرَهُمُ الحَقُّ، واضْطَّرَّهم إلى ذَلِكَ.

7:121–122Page 165

قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢١

They said, "We have believed in the Lord of the worlds,

رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٢

The Lord of Moses and Aaron."

﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ أبْدَلُوا الثّانِيَ مِنَ الأوَّلِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّ مُرادَهم فِرْعَوْنُ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا آمَنَتِ السحرةُ اتَّبَعَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ.

7:123Page 165

قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ١٢٣

Said Pharaoh, "You believed in him1 before I gave you permission. Indeed, this is a conspiracy which you conspired in the city to expel therefrom its people. But you are going to know.

﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ مُنْكِرًا عَلى السحرةِ مُوَبِّخًا لَهم عَلى ما فَعَلُوهُ.

﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، إمّا عَلى الإخْبارِ المَحْضِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّوْبِيخِ، أوْ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، كَما مَرَّ في: ﴿إنَّ لَنا لأجْرًا﴾، وقَدْ قُرِئَ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ مَعًا، وبِتَحْقِيقِ الأُولى وتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ؛ أيْ: آمَنتُمْ بِاللَّهِ تَعالى.

﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ أنْ آذَنَ لَكم، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾، لا أنَّ الإذْنَ مِنهُ مُمْكِنٌ في ذَلِكَ.

﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ يَعْنِي: إنَّ ما صَنَعْتُمُوهُ لَيْسَ مِمّا اقْتَضى الحالُ صُدُورَهُ عَنْكم، لِقُوَّةِ الجَلِيلِ وظُهُورِ المُعْجِزَةِ، بَلْ هو حِيلَةٌ احْتَلْتُمُوها مَعَ مُواطَأةِ مُوسى.

﴿فِي المَدِينَةِ﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، قَبْلَ أنْ تَخْرُجُوا إلى المِيعادِ. رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمِيرُ السحرةِ التَقَيا، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ الحَقُّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: واللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ، وفِرْعَوْنُ يَسْمَعُهُما، وهو الَّذِي نَشَأ عَنْهُ هَذا القَوْلُ.

﴿لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها﴾؛ أيِ: القِبْطَ، وتَخْلُصَ هي لَكَ ولِبَنِي إسْرائِيلَ، وهاتانِ شُبْهَتانِ ألْقاهُما إلى أسْماعِ عَوامِّ القِبْطِ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ لِارْتِفاعِ أعْلامِ المُعْجِزَةِ، ومُشاهَدَتِهِمْ لِخُضُوعِ أعْناقِ السحرةِ لَها، وعَدَمِ تَمالُكِهِمْ مِن أنْ يُؤْمِنُوا بِها، لِيَمْنَعَهم بِهِما عَنِ الإيمانِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِإراءَةِ أنَّ إيمانَ السحرةِ مَبْنِيٌّ عَلى المُواضَعَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مُوسى، وأنَّ غَرَضَهم بِذَلِكَ إخْراجُ القَوْمِ مِنَ المَدِينَةِ وإبْطالُ مُلْكِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ مُفارَقَةَ الأوْطانِ المَأْلُوفَةِ والنِّعْمَةِ المَعْرُوفَةِ مِمّا لا يُطاقُ بِهِ، فَجَمَعَ اللَّعِينُ بَيْنَ الشُّبْهَتَيْنِ تَثْبِيتًا لِلْقِبْطِ عَلى ما هم عَلَيْهِ، وتَهْيِيجًا لِعَداوَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ثُمَّ عَقَّبَهُما بِالوَعِيدِ لِيُرِيَهم أنَّ لَهُ قُوَّةً وقُدْرَةً عَلى المُدافَعَةِ، فَقالَ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: عاقِبَةَ ما فَعَلْتُمْ، وهَذا وعِيدٌ ساقَهُ بِطَرِيقِ الإجْمالِ لِلتَّهْوِيلِ.

7:124Page 165

لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٢٤

I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides; then I will surely crucify you all."

ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالتَّفْصِيلِ، فَقالَ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ شِقٍّ طَرَفًا.

﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ تَفْضِيحًا لَكم وتَنْكِيلًا لِأمْثالِكم. قِيلَ: هو أوَّلُ مَن سَنَّ ذَلِكَ، فَشَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِقُطّاعِ الطَّرِيقِ تَعْظِيمًا لِجُرْمِهِمْ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى مُحارَبَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ.

7:125Page 165

قَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ١٢٥

They said, "Indeed, to our Lord we will return.

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْجَوابِ (p-262)عَنْ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ السحرةُ عِنْدَ ما سَمِعُوا وعِيدَ فِرْعَوْنَ، هَلْ تَأثَّرُوا بِهِ أوْ تَصَلَّبُوا فِيما هم فِيهِ مِنَ الدِّينِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا ثابِتِينَ عَلى ما أحْدَثُوا مِنَ الإيمانِ.

﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾؛ أيْ: بِالمَوْتِ لا مَحالَةَ، فَسَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن قِبَلِكَ أوْ لا، فَلا نُبالِي بِوَعِيدِكَ، أوْ إنّا إلى رَحْمَةِ رَبِّنا وثَوابِهِ مُنْقَلِبُونَ إنْ فَعَلْتَ بِنا ذَلِكَ، كَأنَّهُمُ اسْتَطابُوهُ شَغَفًا عَلى لِقاءِ اللَّهِ تَعالى، أوْ إنّا جَمِيعًا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ فَيَحْكُمُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ.

7:126Page 165

وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ ١٢٦

And you do not resent us except because we believed in the signs of our Lord when they came to us. Our Lord, pour upon us patience1 and let us die as Muslims [in submission to You]."

﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا﴾؛ أيْ: وما تُنْكِرُ وتَعِيبُ مِنّا.

﴿إلا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ وهو خَيْرُ الأعْمالِ وأصْلُ المَفاخِرِ، لَيْسَ مِمّا يَتَأتّى لَنا العُدُولُ عَنْهُ طَلَبًا لِمَرْضاتِكَ، ثُمَّ أعْرَضُوا عَنْ مُخاطَبَتِهِ إظْهارًا لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ العَزِيمَةِ عَلى ما قالُوا وتَقْرِيرًا لَهُ.

فَفَزِعُوا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقالُوا: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾؛ أيْ: أفِضْ عَلَيْنا مِنَ الصَّبْرِ ما يَغْمُرُنا كَما يَغْمُرُ الماءُ، أوْ صُبَّ عَلَيْنا ما يُطَهِّرُنا مِن أوَضارِ الأوْزارِ وأدْناسِ الآثامِ، وهو الصَّبْرُ عَلى وعِيدِ فِرْعَوْنَ.

﴿وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ ثابِتِينَ عَلى ما رَزَقْتَنا مِنَ الإسْلامِ غَيْرَ مَفْتُونِينَ مِنَ الوَعِيدِ، قِيلَ: فَعَلَ بِهِمْ ما أوْعَدَهم بِهِ، وقِيلَ: لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ .

7:127Page 165

وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ ١٢٧

And the eminent among the people of Pharaoh said, "Will you leave Moses and his people to cause corruption in the land and abandon you and your gods?" [Pharaoh] said, "We will kill their sons and keep their women alive; and indeed, we are subjugators over them."

﴿وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ مُخاطِبِينَ لَهُ بَعْدَ ما شاهَدُوا مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾؛ أيْ: في أرْضِ مِصْرَ بِتَغَيُّرِ النّاسِ عَلَيْكَ وصَرْفِهِمْ عَنْ مُتابَعَتِكَ.

﴿وَيَذَرَكَ﴾ عَطْفٌ عَلى يُفْسِدُوا، أوْ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ بِالواوِ، كَما في قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:

؎ ألَمْ أكُ جارَكَ ويَكُونَ بَيْنِي ∗∗∗ وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإخاءُ

أيْ: أيَكُونُ مِنكَ تَرْكُ مُوسى ويَكُونَ تَرْكُهُ إيّاكَ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى " أتَذَرُ "، أوِ اسْتِئْنافًا، أوْ حالًا، وقُرِئَ بِالسُّكُونِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُفْسِدُوا ويَذَرَكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ .

﴿وَآلِهَتَكَ﴾ ومَعْبُوداتِكَ، قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَعْبُدُ الكَواكِبَ، وقِيلَ: صَنَعَ لِقَوْمِهِ أصْنامًا وأمَرَهم بِأنْ يَعْبُدُوها تَقَرُّبًا إلَيْهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾، وقُرِئَ: ( وإلَهَتِكَ )؛ أيْ: عِبادَتِكَ.

﴿قالَ﴾ مُجِيبًا لَهم.

﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ كَما كُنّا نَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ مِن قَبْلُ، لِيُعْلَمَ أنّا عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ القَهْرِ والغَلَبَةِ، ولا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ المَوْلُودُ الَّذِي حَكَمَ المُنَجِّمُونَ والكَهَنَةُ بِذَهابِ مُلْكِنا عَلى يَدَيْهِ، وقُرِئَ: ( سَنَقْتُلُ ) بِالتَّخْفِيفِ.

﴿وَإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ كَما كُنّا لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُنا أصْلًا، وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ أيْدِينا كَذَلِكَ.

7:128Page 165

قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ١٢٨

Said Moses to his people, "Seek help through Allāh and be patient. Indeed, the earth belongs to Allāh. He causes to inherit it whom He wills of His servants. And the [best] outcome is for the righteous."

﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ تَسْلِيَةً لَهم وعِدَةً بِحُسْنِ العاقِبَةِ حِينَ سَمِعُوا قَوْلَ فِرْعَوْنَ وتَضَجَّرُوا مِنهُ.

﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا﴾ عَلى ما سَمِعْتُمْ مِن أقاوِيلِهِ الباطِلَةِ.

﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: أرْضَ مِصْرَ، أوْ جِنْسَ (p-263)الأرْضِ، وهي داخِلَةٌ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿يُورِثُها مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الَّذِينَ أنْتُمْ مِنهم، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِاللَّهِ تَعالى والصَّبْرَ مِن بابِ التَّقْوى، وقُرِئَ: ( والعاقِبَةَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ " إنَّ " .

7:129Page 165

قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِيَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ ١٢٩

They said, "We have been harmed before you came to us and after you have come to us." He said, "Perhaps your Lord will destroy your enemy and grant you succession in the land and see how you will do."

﴿قالُوا﴾؛ أيْ: بَنُو إسْرائِيلَ.

﴿أُوذِينا﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ.

﴿مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا﴾؛ أيْ: بِالرِّسالَةِ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ: قَتْلَ أبْنائِهِمْ قَبْلَ مَوْلِدِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَعْدَهُ.

﴿وَمِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾؛ أيْ: رَسُولًا، يَعْنُونَ: ما تَوَعَّدَهم بِهِ مِن إعادَةِ قَتْلِ الأبْناءِ، وسائِرِ ما كانَ يَفْعَلُ بِهِمْ لِعَداوَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن فُنُونِ الجَوْرِ والظُّلْمِ والعَذابِ، وأمّا ما كانُوا يُسْتَعْبَدُونَ بِهِ ويُمْتَهَنُونَ فِيهِ مِن أنْواعِ الخَدَمِ والمِهَنِ كَما قِيلَ، فَلَيْسَ مِمّا يَلْحَقُهم بِواسِطَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَيْسَ لِذِكْرِهِ كَثِيرُ مُلابَسَةٍ بِالمَقامِ.

﴿قالَ﴾؛ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَمّا رَأى شِدَّةَ جَزَعِهِمْ مِمّا شاهَدُوهُ، مُسَلِّيًا لَهم بِالتَّصْرِيحِ بِما لَوَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: " ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ﴾ ... " إلَخْ.

﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ الَّذِي فَعَلَ بِكم ما فَعَلَ وتَوَعَّدَكم بِإعادَتِهِ.

﴿وَيَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾؛ أيْ: يَجْعَلَكم خُلَفاءَ في أرْضِ مِصْرَ.

﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أحَسَنًا أمْ قَبِيحًا، فَيُجازِيَكم حَسْبَما يَظْهَرُ مِنكم مِنَ الأعْمالِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلتَّسْلِيَةِ وتَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ.

قِيلَ: لَعَلَّ الإتْيانَ بِفِعْلِ الطَّمَعِ لِعَدَمِ الجَزْمِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهم هُمُ المُسْتَخْلَفُونَ بِأعْيانِهِمْ، أوْ أوْلادِهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ مِصْرَ إنَّما فُتِحَتْ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾؛ فَإنَّ المُتَبادِرَ اسْتِخْلافُ أنْفُسِ المُسْتَضْعَفِينَ لا اسْتِخْلافُ أوْلادِهِمْ، إنَّما مَجِيءُ فِعْلِ الطَّمَعِ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ.

7:130Page 165

وَلَقَدۡ أَخَذۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ١٣٠

And We certainly seized1 the people of Pharaoh with years of famine and a deficiency in fruits that perhaps they would be reminded.

﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ مَبادِئِ الهَلاكِ المَوْعُودِ، وإيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُمْهِلْهم بَعْدَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُونُوا في خَفْضٍ ودَعَةٍ، بَلْ رُتِّبَتْ أسْبابُ هَلاكِهِمْ، فَتَحَوَّلُوا مِن حالٍ إلى حالٍ، إلى أنْ حَلَّ بِهِمْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ.

وَتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، والسُّنُونَ جَمْعُ سَنَةٍ، والمُرادُ بِها: عامُ القَحْطِ، وفِيها لُغَتانِ، أشْهَرُهُما إجْراؤُها مُجْرى المُذَكَّرِ السّالِمِ، فَيُرْفَعُ بِالواوِ ويُنْصَبُ ويُجَرُّ بِالياءِ، ويُحْذَفُ نُونُهُ بِالإضافَةِ.

واللُّغَةُ الثّانِيَةُ إجْراءُ الإعْرابِ عَلى النُّونِ، ولَكِنْ مَعَ الباءِ خاصَّةً، إمّا بِإثْباتِ تَنْوِينِها، أوْ بِحَذْفِهِ. قالَ الفَرّاءُ: هي في اللُّغَةِ مَصْرُوفَةٌ عِنْدَ بَنِي عامِرٍ، وغَيْرُ مَصْرُوفَةٍ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ، ووَجْهُ حَذْفِ التَّنْوِينِ التَّخْفِيفُ، وحِينَئِذٍ لا يُحْذَفُ النُّونُ لِلْإضافَةِ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ دَعانِيَ مِن نَجْدٍ فَإنَّ سِنِينَهُ ∗∗∗ لَعِبْنَ بِنا شَيْبًا وشَيَّبْنَنا مُرْدًا

وَجاءَ الحَدِيثُ: " «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» "، وسِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ، بِاللُّغَتَيْنِ.

﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بِإصابَةِ العاهاتِ. عَنْ كَعْبٍ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ إلّا تَمْرَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أمّا السُّنُونَ فَكانَتْ لِبادِيَتِهِمْ وأهْلِ ماشِيَتِهِمْ، وأمّا نَقْصُ الثَّمَراتِ فَكانَ في أمْصارِهِمْ.

﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ كَيْ يَتَذَكَّرُوا ويَتَّعِظُوا بِذَلِكَ، ويَقِفُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ مَعاصِيهِمْ، ويَنْزَجِرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والعِنادِ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ أحْوالَ (p-264)الشِّدَّةِ تُرَقِّقُ القُلُوبَ، وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي الرُّجُوعِ إلَيْهِ تَعالى، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ .

وَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ القَوْلِ في " لَعَلَّ " وفي مَحَلِّها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

7:131Page 166

فَإِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَٰذِهِۦۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمۡ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٣١

But when good [i.e., provision] came to them, they said, "This is ours [by right]." And if a bad [condition] struck them, they saw an evil omen in Moses and those with him. Unquestionably, their fortune is with Allāh, but most of them do not know.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ ...﴾ إلَخْ، بَيانٌ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ وتَمادِيهِمْ في الغَيِّ؛ أيْ: فَإذا جاءَتْهُمُ السَّعَةُ والخَصْبُ، وغَيْرُهُما مِنَ الخَيْراتِ.

﴿قالُوا لَنا هَذِهِ﴾؛ أيْ: لِأجْلِنا واسْتِحْقاقِنا لَها.

﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾؛ أيْ: جَدْبٌ وبَلاءٌ.

﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾؛ أيْ: يَتَشاءَمُوا بِهِمْ، ويَقُولُوا: ما أصابَتْنا إلّا بِشُؤْمِهِمْ، وهَذا كَما تَرى شاهِدٌ بِكَمالِ قَساوَةِ قُلُوبِهِمْ، ونِهايَةِ جَهْلِهِمْ وغَباوَتِهِمْ، فَإنَّ الشَّدائِدَ تُرَقِّقُ القُلُوبَ وتُلَيِّنُ العَرائِكَ، لا سِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَةِ الآياتِ، وقَدْ كانُوا بِحَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنها، بَلِ ازْدادُوا عُتُوًّا وعِنادًا.

وَتَعْرِيفُ الحَسَنَةِ وذِكْرُها بِأداةِ التَّحْقِيقِ، لِلْإيذانِ بِكَثْرَةِ وُقُوعِها، وتَعَلُّقِ الإرادَةِ بِها بِالذّاتِ، كَما أنَّ تَنْكِيرَ السَّيِّئَةِ وإيرادَها بِحَرْفِ الشَّكِّ، لِلْإشْعارِ بِنُدْرَةِ وُقُوعِها وعَدَمِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِها إلّا بِالعَرَضِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى لِرَدِّ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ، وتَحْقِيقُ الحَقِّ في ذَلِكَ وتَصْدِيرُهُ بِكَلِمَةِ التَّنْبِيهِ، لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِ؛ أيْ: لَيْسَ سَبَبُ خَيْرِهِمْ إلّا عِنْدَهُ تَعالى، وهو حُكْمُهُ ومَشِيئَتُهُ المُتَضَمِّنَةُ لِلْحِكَمِ والمَصالِحِ، أوْ لَيْسَ سَبَبُ شُؤْمِهِمْ - وهو أعْمالُهُمُ السَّيِّئَةُ - إلّا عِنْدَهُ تَعالى؛ أيْ: مَكْتُوبَةٌ لَدَيْهِ، فَإنَّها الَّتِي ساقَتْ إلَيْهِمْ ما يَسُوؤُهم لا ما عَداها، وقُرِئَ: ( إنَّما طَيْرُهم ) وهو اسْمُ جَمْعِ طائِرٍ، وقِيلَ: جَمْعٌ لَهُ.

﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ كَما يَقُولُونَ مِمّا حُكِيَ عَنْهم، وإسْنادُ عَدَمِ العِلْمِ إلى أكْثَرِهِمْ، لِلْإشْعارِ بِأنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُونَ أنَّ ما أصابَهم مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ يَعْلَمُونَ أنَّ ما أصابَهم مِنَ المَصائِبِ والبَلايا لَيْسَ إلّا بِما كَسَبَتْ أيْدِيهِمْ، ولَكِنْ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ عِنادًا واسْتِكْبارًا.

7:132Page 166

وَقَالُواْ مَهۡمَا تَأۡتِنَا بِهِۦ مِنۡ ءَايَةٖ لِّتَسۡحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ ١٣٢

And they said, "No matter what sign you bring us with which to bewitch us, we will not be believers in you."

﴿وَقالُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِمّا أُخِذَ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ مِن فُنُونِ العَذابِ، الَّتِي هي في أنْفُسِها آياتٌ بَيِّناتٌ، وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ مَعَ ذَلِكَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ؛ أيْ: قالُوا بَعْدَ ما رَأوْا ما رَأوْا مِن شَأْنِ العَصا، والسِّنِينَ، ونَقْصِ الثَّمَراتِ.

﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ﴾ كَلِمَةُ " مَهْما " تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ والجَزاءِ، وأصْلُها: " ما " الجَزائِيَّةُ، ضُمَّتْ إلَيْها " ما " المَزِيدَةُ لِلتَّأْكِيدِ، كَما ضُمَّتْ إلى أيْنَ وإنَّ في أيْنَما تَكُونُوا، وإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ، خَلا أنَّ ألِفَ الأُولى قُلِبَتْ هاءً حَذَرًا مِن تَكْرِيرِ المُتَجانِسَيْنِ، هَذا هو الرَّأْيُ السَّدِيدُ.

وَقِيلَ: " مَهْ " كَلِمَةٌ يُصَوِّتُ بِها النّاهِي، ضُمَّتْ إلَيْها " ما " الشَّرْطِيَّةُ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَها؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُظْهِرُهُ لَدَيْنا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن آيَةٍ﴾ بَيانٌ لِمَهْما وتَسْمِيَتِهِمْ إيّاها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَسْحَرَنا بِها﴾ إظْهارٌ لِكَمالِ الطُّغْيانِ والغُلُوِّ فِيهِ، وتَسْمِيَةِ الإرْشادِ إلى الحَقِّ بِالسحر وتَسْكِيرِ الأبْصارِ، والضَّمِيرانِ المَجْرُورانِ راجِعانِ إلى " مَهْما "، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ لِمُراعاةِ جانِبِ اللَّفْظِ لِإبْهامِهِ، (p-265)وَتَأْنِيثُ الثّانِي لِلْمُحافَظَةِ عَلى جانِبِ المَعْنى لِتَبْيِينِهِ بِآيَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ .

﴿فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بِمُصَدِّقِينَ لَكَ ومُؤْمِنِينَ لِنُبُوَّتِكَ.

7:133Page 166

فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلۡجَرَادَ وَٱلۡقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٖ مُّفَصَّلَٰتٖ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ ١٣٣

So We sent upon them the flood and locusts and lice and frogs and blood as distinct signs, but they were arrogant and were a criminal people.

﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ﴾ عُقُوبَةً لِجَرائِمِهِمْ لا سِيَّما لِقَوْلِهِمْ هَذا.

﴿الطُّوفانَ﴾؛ أيِ: الماءَ الَّذِي طافَ بِهِمْ وغَشِيَ أماكِنَهم وحُرُوثَهم، مِن مَطَرٍ أوْ سَيْلٍ، وقِيلَ: هو الجُدَرِيُّ، وقِيلَ: المَوَتانُ، وقِيلَ: الطّاعُونُ.

﴿والجَرادَ والقُمَّلَ﴾ قِيلَ: هو كِبارُ القِرْدانِ، وقِيلَ: أوْلادُ الجَرادِ قَبْلَ نَباتِ أجْنِحَتِها.

﴿والضَّفادِعَ والدَّمَ﴾ رُوِيَ أنَّهم مُطِرُوا ثَمانِيَةَ أيّامٍ في ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَخْرُجَ أحَدٌ مِن بَيْتِهِ، ودَخَلَ الماءُ بُيُوتَهم حَتّى قامُوا فِيهِ إلى تَراقِيهِمْ، ولَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنهُ قَطْرَةٌ، وهي في خِلالِ بُيُوتِهِمْ، وفاضَ الماءُ عَلى أرْضِهِمْ ورَكَدَ، فَمَنَعَهم مِنَ الحَرْثِ والتَّصَرُّفِ، ودامَ ذَلِكَ سَبْعَةَ أيّامٍ، فَقالُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَكْشِفْ عَنّا ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ؛ فَدَعا فَكُشِفَ عَنْهم، فَنَبَتَ مِنَ العُشْبِ والكَلَأِ ما لَمْ يُعْهَدْ قَبْلَهُ، ولَمْ يُؤْمِنُوا؛ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَرادَ فَأكَلَ زُرُوعَهم، وثِمارَهم، وأبْوابَهم، وسُقُوفَهم، وثِيابَهم؛ فَفَزِعُوا إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما ذُكِرَ، فَخَرَجَ إلى الصَّحْراءِ وأشارَ بِعَصاهُ نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَرَجَعَتْ إلى النَّواحِي الَّتِي جاءَتْ مِنها، فَلَمْ يُؤْمِنُوا؛ فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ القُمَّلَ، فَأكَلَ ما أبْقَتْهُ الجَرادُ، وكانَ يَقَعُ في أطْعِمَتِهِمْ، ويَدْخُلُ بَيْنَ ثِيابِهِمْ وجُلُودِهِمْ فَيَمُصُّها؛ فَفَزِعُوا إلَيْهِ ثالِثًا، فَرُفِعَ عَنْهم، فَقالُوا: قَدْ تَحَقَّقْنا الآنَ أنَّكَ ساحِرٌ، ثُمَّ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفادِعَ، بِحَيْثُ لا يُكْشَفُ ثَوْبٌ ولا طَعامٌ إلّا وُجِدَتْ فِيهِ، وكانَتْ تَمْتَلِئُ مِنها مَضاجِعُهم، وتَثِبُ إلى قُدُورِهِمْ وهي تَغْلِي، وإلى أفْواهِهِمْ عِنْدَ التَّكَلُّمِ؛ فَفَزِعُوا إلَيْهِ رابِعًا وتَضَرَّعُوا، فَأُخِذَ عَلَيْهِمُ العُهُودُ، فَدَعا فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهم، فَنَقَضُوا العَهْدَ؛ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ، فَصارَتْ مِياهُهم دِماءً حَتّى كانَ يَجْتَمِعُ القِبْطِيُّ والإسْرائِيلِيُّ عَلى إناءٍ، فَيَكُونُ ما يَلِيهِ دَمًا، وما يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً عَلى حالِهِ، ويَمُصُّ مِن فَمِ الإسْرائِيلِيِّ فَيَصِيرُ دَمًا في فِيهِ. وقِيلَ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعافَ.

﴿آياتٍ﴾ حالٌ مِنَ المَنصُوباتِ المَذْكُورَةِ.

﴿مُفَصَّلاتٍ﴾ مُبَيَّناتٍ، لا يُشْكِلُ عَلى عاقِلٍ أنَّها آياتُ اللَّهِ تَعالى ونِقْمَتُهُ. وقِيلَ: مُفَرَّقاتٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِامْتِحانِ أحْوالِهِمْ، وكانَ بَيْنَ كُلِّ آيَتَيْنِ مِنها شَهْرٌ، وكانَ امْتِدادُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها أُسْبُوعًا. وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَبِثَ فِيهِمْ بَعْدَ ما غَلَبَ السحرةَ عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمْ هَذِهِ الآياتِ عَلى مَهَلٍ.

﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِها.

﴿وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.

7:134Page 166

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيۡهِمُ ٱلرِّجۡزُ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَۖ لَئِن كَشَفۡتَ عَنَّا ٱلرِّجۡزَ لَنُؤۡمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرۡسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٣٤

And when the punishment descended upon them, they said, "O Moses, invoke for us your Lord by what He has promised you. If you [can] remove the punishment from us, we will surely believe you, and we will send with you the Children of Israel."

﴿وَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾؛ أيِ: العَذابُ المَذْكُورُ عَلى التَّفْصِيلِ؛ فاللّامُ لِلْجِنْسِ المُنْتَظِمِ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الآياتِ المُفَصَّلَةِ؛ أيْ: كُلَّما وقَعَ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ مِن تِلْكَ العُقُوباتِ، قالُوا في كُلِّ مَرَّةٍ: ﴿يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾؛ أيْ: بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ، وهو (p-266)النُّبُوَّةُ، أوْ بِالَّذِي عُهِدَ إلَيْكَ أنْ تَدْعُوَهُ، فَيُجِيبَكَ كَما أجابَكَ في آياتِكَ، وهو صِلَةُ ادْعُ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ بِمَعْنى ادْعُ اللَّهَ، مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ التِماسُهم، مِثْلَ: أسْعِفْنا إلى ما نَطْلُبُ بِحَقِّ ما عِنْدَكَ.

أوْ قَسَمٌ أُجِيبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ﴾ الَّذِي وقَعَ عَلَيْنا.

﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ ... إلَخْ.

7:135Page 166

فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلرِّجۡزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ١٣٥

But when We removed the punishment from them until a term which they were to reach,1 then at once they broke their word.

﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾؛ أيْ: إلى حَدِّ الزَّمانِ هم بالِغُوهُ، فَمُعَذَّبُونَ بَعْدَهُ أوْ مُهْلَكُونَ.

﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ جَوابُ لَمّا؛ أيْ: فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهم فاجَئُوا النَّكْثَ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ وتَوَقُّفٍ.

7:136Page 166

فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٣٦

So We took retribution from them, and We drowned them in the sea because they denied Our signs and were heedless of them.

﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: فَأرَدْنا أنْ نَنْتَقِمَ مِنهم لِما أسْلَفُوا مِنَ المَعاصِي والجَرائِمِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأغْرَقْناهُمْ﴾ عَيْنُ الِانْتِقامِ مِنهم، فَلا يَصِحُّ دُخُولُ الفاءِ بَيْنَهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُطْلَقَ الِانْتِقامِ مِنهم، والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ ...﴾ إلَخْ.

﴿فِي اليَمِّ﴾ في البَحْرِ الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: في لُجَّتِهِ.

﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ؛ أيْ: كانَ إغْراقُهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، وإعْراضِهِمْ عَنْها، وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ فِيها، بِحَيْثُ صارُوا كالغافِلِينَ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ.

والفاءُ وإنْ دَلَّتْ عَلى تَرَتُّبِ الإغْراقِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ النَّكْثِ، لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّعْلِيلِ إيذانًا بِأنَّ مَدارَ جَمِيعِ ذَلِكَ تَكْذِيبُ آياتِ اللَّهِ تَعالى والإعْراضُ عَنْها، لِيَكُونَ ذَلِكَ مَزْجَرَةً لِلسّامِعِينَ عَنْ تَكْذِيبِ الآياتِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والإعْراضِ عَنْها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском